ليفيثان والحب: نقد توماس هوبز للأيروس الأفلاطوني – هيغ باتابان، جيفري سيكينغا / ترجمة: فاطمة الزهراء علي

ليفيثان والحب: نقد توماس هوبز للأيروس الأفلاطوني – هيغ باتابان، جيفري سيكينغا / ترجمة: فاطمة الزهراء علي

ليفيثان والحب

لم يحظ مفهوم الحب لدى هوبز ومغزاه في فكره السياسي باهتمام كاف، تجادل هذه الورقة بأنه كان لدى هوبز مذهب ثابت وشامل عن الحب، ينبذ بشكل مباشر ما يعتبره تعاليم أفلاطونية عن الأيروس. يقوِّض هوبز – في خضمِّ مهاجمته للفكرة الأفلاطونية عن الأيروس – أحد أركان الفلسفة السياسية الكلاسيكية، ويُبيِّن جانبا مهما من فهمه الجديد للعواطف فيما يتعلق بالسلطة، والذي يُعدُّ أيضا جزءً إشكاليا من مفهومه الجديد في العلوم السياسية الذي عُرِف من خلال ليفيثان.

 

ركزَّت دراسات الفكر السياسي لدى توماس هوبز على نظرياته المتعلقة بالسلطة والسيادة والعقد الاجتماعي، واكتشف عدد قليل من الباحثين نظريته حول الحب الأيروسي، نقاشهم كان محدودا وكثيرا ما يكون على هامش جدلهم الأساسي. ليس من المستغرب – إذن – أن يتم استبعاد هوبز من قِبل الكثيرين باعتباره – ببساطة – غير مهتم بالحب الأيروسي. تعتبر فيكتوريا كاهن[1] استثناءً بارزا، وتجادل “أن هوبز كان منذ أعماله الأولى في النظرية السياسية المعروضة من خلال ليفيثان مهتما بنقد السياسات المعاصرة للرومانسية”، وتدَّعي أن:

 

هوبز يرى – على النقيض من معاصريه الذين اعتقدوا أن السيادة مطلوبة للاستجابة للشعور الأيروسي للذات؛ ما أطلق عليه إدوارد هايد[2] “ولع” الذات بالسيادة – أن العواطف متذبذبة ومدمِّرة، وبالأخص حين تتخذ صورة محاكاة متجانسة. مثلما هو الحال مع زهو الرومانسية؛ فإن الحب يبعث الرغبة في محاكاة الآخرين وإخضاعهم، وهذه المحاكاة المتجانسة بذاتها هي تهديد مُحتمَل للنظام المدني.

 

بالتالي؛ ووفقا لفيكتوريا كاهن، فهوبز يعتقد أن “الحب العظيم يجب استبداله بالعَقْد أو بالخوف”، وبذلك فإن “هدف هوبز في ليفيثان هو تحرير العَقْد من التطابقات الزائفة وأخطاء الرومانسية”. للقيام بذلك “حاول هوبز إعادة تعريف الرومانسية، وتطهيرها من خيالها المنحرف”. وبدلا من ذلك؛ كان يتطلع إلى ارتباط أكثر اتزان بالسيادة، بالإضافة إلى الخوف باعتباره “أساس الالتزام السياسي”.

 

بالرغم من هذه الأفكار المفيدة، فإن تحليل فيكتوريا كاهن ترك بعض القضايا المهمة دون معالجة. أشارت كاهن في نقاشها لـ “نقد هوبز للرومانسية” إلى وجهة نظره حول الزهو في كتابه (مبادئ القانون)، ولاحظتْ تأكيده على مشكلة دون كيشوت، لكن دراستها اقتصرتْ إلى حد كبير على ليفيثان، ما يعني أنها لم تُفسِّر – على سبيل المثال – معالجة هوبز الصريحة للأيروس في كتابه (مبادئ القانون)، كما أنها لم تكشف عن الرابط بين رفضه للنظرة الأفلاطونية للأيروس ومبدئه القائل بصدارة السلطة من أجل فهم العواطف. الأهم من ذلك أنها لم تربط موضوع الخيال الرومانسي بالأيروس، والذي كان المصدر الطبيعي لمثل هذا الخيال وفقا للتقاليد الكلاسيكية التي نشأت عند أفلاطون.

 

في حين يعتبر الإهمال البحثي لنظرية الحب لدى هوبز أمرا مفهوما – لم ترد كلمة “أيروس” في ليفيثان حيث يبدو الحب وكأنه ليس سوى أحد العواطف الكثيرة وليس مشكلة مركزية خاصة بالسياسة – إلا أنه سهو جدير بالملاحظة من قِبل من يحاولون فهم مفكر يدعي بناء علمه السياسي الجديد على فهم شامل للطبيعة البشرية، وبالأخص العواطف. هذا التجاهل مهم للغاية بسبب إعلان هوبز في كتابه (مبادئ القانون) انفصاله عن التقاليد المتعارف عليها، وأنه أول شخص يُعبِّر عن “الأساس الحقيقي والوحيد لعِلْم العدالة والسياسة”. يقدم هوبز – كما يدعي لاحقا في ليفيثان – عِلما سياسيا “لم يستطع أفلاطون ولا أي فيلسوف آخر حتى اليوم أن يضع له منهجية متكاملة”. تفرض هذه التأملات فحص طبيعة إعادة تفسير هوبز للأيروس الأفلاطوني، وأهميته لعلمه السياسي الجديد.

 

تتعاظم أهمية هذا الفحص حين نأخذ بعين الاعتبار ما قيل عن الخلاف بين الفلسفة السياسية القديمة والفلسفة السياسية الحديثة بشأن طبيعة الإنسان، وكيف أنه يتلخص في فهمها الخاص للمدى والأسلوب الذي تتبدى عبره أيروسية الجنس البشري. بالتأكيد فإن تقاليد الفلسفة السياسية القديمة التي يدعي هوبز انفصاله عنها (سواء في نزعاته السكولائية أو الإنسانية خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر) اعتبرتْ الحب والأيروس من الأمور الحيوية للحياة السياسية.

 

دشَّن سقراط هذا النهج الكلاسيكي من خلال كونه أول من يلجأ لدراسة الأمور السياسية، وعُرف هذا “التحول” السقراطي أو كما يصفه شيشرون[3] “الإبحار الجديد” الذي أنزل الفلسفة من برجها العاجي إلى الأرض من خلال وصف أفلاطون “معرفة الجهل” التي اكتسبها سقراط بمساءلة من ادَّعوا في المدينة معرفة ما هو “خيِّر ونبيل”. بيد أن سقراط الشغوف بالأسئلة المطروحة علنا كان على النقيض من سقراط المنعزل الذي يُسِرُّ لمعارفه المقربين خبرته الأيروسية، وهو فن ادَّعى أنه حصل عليه من النبيِّة ديوتيما[4].

 

تتجلى بالتفصيل أهمية خبرة سقراط الأيروسية لفهم السياسة في عمل أفلاطون السياسي الأكثر شهرة (الجمهورية) حيث يفسِّر سقراط السياسة باعتبارها حُبّاً. بالنسبة لسقراط؛ فإن جميع الأنظمة تتشكل من خلال الحب الذي يهيمن على أرواح قادتها. كما يقوم الحب أيضا في جوهر أي نظام – سواء أكان أرستقراطيا أو تيموقراطيا أو أوليغارشيا أو ديموقراطيا – بتشكيل المواطنين بحيث يمكن تمييز مبدئه المهيمن حتى في أكثر الجوانب ضآلة ودِقَّة. الحب، ولا سيما في صورته الأيروسية، يفسِّر أيضا التحوُّلات من نظام لآخر، ويشرح على وجه الخصوص المرض السياسي المتجسِّد في الاستبداد.

 

يدَّعي هوبز في كتابه (مبادئ القانون) أنه يرفض هذا الفهم لطبيعة الأيروس وأهميته السياسية. نجادل في هذه المقالة أن إنكار هوبز للأيروس الأفلاطوني ذو طابع مُعقَّد. فمن جهة؛ ينكر الفكرة الكلاسيكية المتمثلة في أن الأيروس هو توق للنُبْل أو الجَمال الذي يمكن بل ويجب صقله وتوجيهه صوب الخطابات والأفعال التي تتجاوز الذات، وخاصة تلك المرتبطة بالفلسفة والسياسة. ومن جهة أخرى؛ يعتقد هوبز أنه لا يمكن تجاهل دور الأيروس في تطوير علم سياسي جديد، بحكم أن الأيروس يملك جذورا لا مفر منها ضاربة في الرغبة البشرية في السلطة، وفي الخيال، وفي التطلعات إلى الحصول على قوة غير محدودة ستنبعث لا محالة في الجنس البشري. بالتالي؛ فإن فكر هوبز السياسي لا يتجاهل الأيروس، وليس من الدِّقة وصفه بـ “غير الأيروسي”.

 

ما يريده هوبز هو تقليل قوة ونطاق الأيروس في العالم وإعادته إلى مجاله المحدود الخاص بالجنس واللذة، وربما العائلة. إذن؛ من الأفضل تسمية فهمه للحب بالـ “مضاد للأيروسية”، أو ربما من الدقة تسميته بالـ “مضاد للأفلاطونية”. استعاض هوبز عن قوة الحب بتبنيه لفهم جديد للأيروس وللجَمال فيما يتعلق بالسلطة، ليصبح المُنظِّر السياسي الشهير لمفهوم لا يزال يستمر في تشكيل العلوم السياسية الحديثة والتأثير عليها بصورة جذرية. في حين قد يكون من المبالغة القول أن هوبز أسس علمه السياسي الجديد بناءً على نقده للفهم الأفلاطوني للحب، فمن الإنصاف أن نستنتج أن إعادة تفسيره للأيروس هي جزء مهم (وإن كان مُهْمَلاً في أحيان جمَّة) من رفضه الفلسفي الواضح لعلم سياسي أقدم وراسخ في دراسة الحب.

 

في الجزء الأول من هذه المقالة نستعرض بالتفصيل فهم هوبز للرغبة واللذة، وتأثيرات ذلك الفهم على تصوره للجمال، ثُمَّ سنقوم بفحص شامل لفهم هوبز للحب الأيروسي. قد لا يعلم كثير من طلاب الفلسفة السياسية – بما في ذلك الباحثون في فكر هوبز – أنه قدَّم معالجة ثمينة في نقد غير معروف لحواريَّة الندوة لأفلاطون، والتي ظهرت مرة واحدة في العمل المهم الذي لم يُدرَّس بصورة كافية: (مبادئ القانون) الذي صدر عام 1640، والذي يصفه غاسكين[5] بأنه “البيان الأول الأوضح والأكثر سلاسة وفقا للعديد من النقاد لما سيصبح نظاما فلسفيا جليلا استمر [في الأعمال اللاحقة] لهوبز: في المواطن De Cive (1642)، ليفيثان Leviathan (1651)، في الجسد De Corpore (1655)، في الإنسان De Homine (1657)”. وسنختم بفحص الدلالات التنظيرية والعملية لنظرية هوبز المناهضة لنظرية أفلاطون عن الأيروس على فكره السياسي، وبصورة أعم، على أُسس العلوم السياسية الحديثة.

 

فهم هوبز للحب 

الرغبة، المتعة وتفادي الموت:

يجب أن نبدأ بفهم وجهات نظر هوبز بشأن الرغبة والمتعة كي نفهم رأيه في الحب، لأن – كما يجادل في كتابه (ليفيثان) – “ما يرغب به البشر يُعرَف أيضا بما يحبونه”. الشعور بالمتعة أمر مهم بشكل خاص في فكر هوبز، وغالبا ما يوصف بأنه نوع من مذهب اللذة. بالنسبة لهوبز؛ تكمن الحقيقة في أن البشر يرغبون بشيء ما بسبب المتعة التي يختبرونها جرَّاء ذلك الشيء أو بسبب أنهم “يتخيلون” المتعة التي سيجنونها منه. ومع أن مذهب اللذة لدى هوبز هو من نوع خاص، إلا أنه من أجل فهم آرائه حول الحب؛ فمن المفيد مقارنة مذهبه في اللذة بشكل موجز بمذهب مفكر آخر عُرف بأنه “غير أيروسي”؛ جون لوك.

 

يجادل لوك أن السعادة “في حدودها الكاملة هي أقصى درجات المتعة التي نتمكن من تحقيقها”، ما يعني بشكل عام “سلسلة ثابتة من المُتَع اللطيفة المعتدلة، دون أي امتزاج بالانزعاج”. لكن الألم لا يمكن أبدا أن يغيب طالما وُجِدتْ الرغبة لأن “الرغبة هي إرباك للعقل”. حسب رأي لوك؛ الرغبة هي الألم الذي يدفعنا صوب هدف يعدنا بمتعة جديدة أو على الأقل بمتعة تُحرِّرنا من الألم الراهن.

 

في المقابل؛ يحتجُّ هوبز بأن الرغبة هي متعة تجذب البشر (لا تدفعهم) نحو هدف يُلهيهم. بالنسبة لهوبز؛ فإن الهروب صوب هدف لتفادي الألم ليس رغبة بل إعراض: “سعي للابتعاد عن شيء ما”. الرغبة هي “سعي صوب شيء يُسبِّبُها”، وهي “إلحاح أو إثارة للاقتراب من الشيء الذي يُرضي المرء”. المتعة – في الواقع – هي تَمَظْهُر الرغبة والإحساس بها. لذلك فإن الانخراط في حركة، والانطلاق صوب هدف جذاب هو أمر ممتع: “طالما أن المرء يتقدم نحو الغاية، مُعبِّرا عن الخير، مُتقدِّما باشتهاء؛ إذ أن الاشتهاء أمر مُبهِج”. توجد السعادة – حسب رأي لوك – في “الخمول والاستمتاع” (حالات مجرد من الرغبة)، والتي “تضطرب” بواسطة رغبات جديدة. بالنسبة لهوبز؛ “الحياة ذاتها ليست سوى حركة”، ولا يمكن أبدا أن تصبح دون رغبة، ودون إحساس، لأن الرغبة ليست مؤلمة، والحياة التي تحركها الرغبة (كما يقترح لوك) لا يُمكن اعتبارها محاولة مستمرة لتجنب الألم، باستثناء أن “الخوف” موجود دائما حيث يوجد “الإحساس”.

 

إلا أنه – ووفقا لهوبز – فإن الخوف (تقليص حركتنا) هو الذي يتسبب في الألم، وليس الرغبة (تصاعد حركتنا). بالتالي؛ فإن “الحياة ذاتها” – بالنسبة لهوبز – تتضمن إمكانية التَّلذُّذ بمتعة خالصة. يمكننا تخيل أننا سعداء دون أي وهم مُطلَق، هذه البصيرة تجعل هوبز يدرك أنه إذا اعتقد الناس أن بإمكانهم العثور على هذه السعادة في الجمال والحب فسيُقْبِلون على فتنة الأيروس. على النقيض من لوك؛ فإن مذهب المتعة لدى هوبز يدفعه للاعتقاد أن الأيروس قوي للغاية بحيث لا يمكن تجاهله، ولذا من دون تعزيز جاذبيته القوية فإنه يواجه الأيروس بشكل مباشر وعلني في عمله الرئيس الأول (مبادئ القانون).

 

لا يمكننا أن ننسى – مع ذلك – أن مواجهة هوبز للأيروس في كتابه (مبادئ القانون) حدثت في سياق فكره الذي تطور بالفعل، والذي تمثَّلتْ سمته المميزة في التأكيد على الدافع الإنساني القوي لتفادي الموت. وفقا لهوبز؛ في حين أننا لا نستطيع تحاشي الرغبة في كل ما هو ممتع، فإننا ببساطة لا نرغب في المتعة لذاتها بل لتفادي الشعور بالموت. يمكن إعادة هذا الاستنتاج إلى الأسباب الطبيعية للمتعة. عندما يتلقى الدماغ إحساسا ماديا من الأعضاء الحسية أو يعكس صورة ذهنية مختزنة، فإنه يرسل إشارة عبر الأعصاب إلى القلب، وحسب تعبيره: “التأثير الحقيقي هناك ليس سوى حركة، والتي بالضرورة تساعد أو تعيق الحيوية”. إن كان ثمَّة شعور بالحركة المتزايدة فهي متعة (وإن كان ثمَّة شعور بحركة متقلِّصة فهو ألم). المتعة إذن “ليست سوى حركة حول القلب”؛ أكثر الأعضاء حيوية. تفسِّر هذه الحقيقة رغبة الناس في المتعة: “إذ يبدو أنها مساعدة وتعزيز لحركة حيوية”.

 

بناء على رأي هوبز؛ يرغب البشر بالشعور بحركة حيوية متزايدة لأننا جميعا نشعر “باندفاع طبيعي معين لتجنب الموت”. يقول: “تجعل ضرورة الطبيعة البشر يتجنبون ما هو مؤلم، لكن أهم عدو للطبيعة هو الموت”. لذلك ينجذب الناس بطبيعتهم إلى نقيض الموت، إلى ما يمنحهم الشعور بالحيوية. نهرب من الموت إلى المتعة حتى نشعر بالحيوية وننسى بالتالي رعب الانقراض. هذا يعني أننا نسعى إلى “حياة مطمئنة” نشعر فيها فعليا بالحياة، ولا نسعى إلى “مجرد الحفاظ” على حياة نشعر فيها بـ “الانهاك”. بالنسبة لهوبز؛ فإن “المحافظة” تعني تجنب الموت حرفيا وأيضا الشعور بالحياة.

 

السلطة والجمال

يطرح هوبز سؤال: أين نجد هذا الإحساس بـ “الشعور بالحيوية”؟ ويقترح أن هذا الإحساس موجود بشكل معقول في “الحياة السلعية”؛ وهي حالة من الأمان المادي والطمأنينة التي يمارس فيها الناس حريتهم “في الشراء، والبيع، وصور أخرى من التعاقد البيني، لاختيار محل إقامتهم، ونظامهم الغذائي، وتبادلاتهم التجارية، وتنشئة أطفالهم بالطريقة التي يرغبون بها ويرونها ملائمة”. يكون لدى الناس في هذه الحالة ما يكفي من الأمان ومتعة الشعور بالحيوية دون المجازفة بحياتهم من أجل الحصول على ذلك، لكن هوبز يعلم أنه بسبب “نزعات” الناس المختلفة فثمَّة طُرق أخرى لـ “الحصول على المتعة”، وبالتالي فثمَّة أنواع كثيرة من البشر: يبحث “المترفون” – على سبيل المثال – عن الشعور بالحياة في “المتع الحسية”، والمدمنون على “الربح” يبحثون عنه في الثروة الهائلة، بينما أولئك الذين يتوقون إلى “السُّمْعة” [الحسنة] ينصرفون إلى المجد.

 

يمكن اختزال جميع تلك الأمور – مع ذلك – في صفة مشتركة واحدة: السلطة. إن احتياجنا للسلطة لتجنب الموت أمر واضح: إن كان لدينا سلطة أمنية (خاصة إن كانت من خلال كوننا عناصر صالحة في رابطة مبنية بشكل جيد) فيمكننا أن نتجنب التدمير بواسطة العنف. بيد أن الأمر الذي لم يتم إدراكه على نحو كاف – كما تلاحظ دانييلا كولي[6] – أن “السلطة التي تميزت بالعواطف هي بالنسبة لهوبز العنصر الرئيس في أي سلوك بشري” لأنها تخدم حاجتنا النفسية للشعور بالرضا أو المتعة جرَّاء حركة الحياة اللامحدودة. في الإحساس بالسلطة نشعر بأقصى درجات الحياة، ومن المعتاد ألا يتم العثور على هذا الشعور في أنشطة تعتبر بطبيعتها أعلى أو أفضل لأنه “لا وجود للـ Finis ultimus الغاية القصوى ولا للـ Summum Bonum الخير الأعظم على النحو الذي ورد في كتب فلاسفة الأخلاق القدامى”.

 

يستحيل وجود شيء مثل “الخير الأعظم” لأنه “لا يوجد شيء بهذه البساطة والقطعية، ولا توجد قاعدة مشتركة للخير والشر تؤخذ من طبيعة الأشياء نفسها” لأن “الطبيعة” هي مجرد مسألة حركة، وبالتالي فلا يمكن أن يكون لها صفات “أخلاقية”. مفردة “الخير” إذن ببساطة هي كلمة يربطها البشر بكل ما يرضيهم.

 

قد تبدو للوهلة الأولى رؤية هوبز لـ “الخير” معارضة لأيِّ فكرة تتعلق بالحب الأيروسي بما أن الحب يعتمد على الجمال، وإذا لم يكن هناك أي خير بصورة جوهرية فهل يمكن أن يكون هناك شيء جميل بصورة جوهرية؟ بالنسبة لهوبز؛ فإن الجواب هو: “نعم” إذا استطعنا فهم ماهية الجمال بشكل صحيح وكيف يرتبط برغبتنا في الحصول على السلطة. بسبب عدم وجود “خير أعظم” فإن “البهجة” المألوفة تكمن في “تطور مستمر للرغبة؛ من هدف ما لآخر”. بيد أنه حين يستشعر المرء معنى للسلطة دون أي ألم جسدي أو عقلي مُدمِّر فسيكون “راضيا” عن تلك اللحظة لأنه يشعر بضمان أبدي وعدم وجود حواجز “في طريق رغبته المستقبلية”. إنه يشعر لفترة وجيزة أن باستطاعته فعل ما يريد، وبالتالي يشعر “بالبهجة الأكثر كثافة” مصحوبة بالإحساس بسلطة غير محدودة، والتي تُحرِّره من الألم (وبالتالي مِن ظل للموت) لأطول فترة ممكنة. يمكن إعادة خلق تجربة السلطة هذه من خلال “تخيل الإنسان قدرته وسلطته”، الأمر الذي يؤدي إلى “ابتهاج العقل” الذي يطلق عليه هوبز “فرح المجد”.

 

المشكلة هنا أن الإحساس بسلطة غير محدودة لا يدوم؛ فهناك دائما أشياء جديدة يرغب بها المرء أو ينفر منها يخلقها “الخيال والحواس”. استمرار ظهور هذه العواطف الجديدة يعطِّل “دوام اللذة”، ويخلق الحاجة لسلطة إضافية، ويُظهِر أن الشخص “لا يستطيع ضمان السلطة ووسائل العيش الكريم التي يملكها دون أن يسعى لامتلاك المزيد”. يدرك المرء أنه عوضا عن الإحساس اللحظي بالسلطة غير المحدودة؛ فإنه بحاجة إلى موارد غير محدودة من السلطة التي بإمكانه استدعاؤها من أجل “الحصول على الأشياء التي يرغب بها المرء من حين لآخر”. نتيجة لذلك؛ فإن هوبز يعلن بشكل صريح: “في المقام الأول أفترضُ ميلا عاما للبشرية جمعاء، ورغبة مرتبكة ودائمة في السلطة، والتي لا تتوقف إلا بالموت”.

 

بينما يزعم هوبز أن مثل هذا السعي الدؤوب للسلطة يجعل البشر عُرضة للصراع والعنف؛ فإنه أيضا يعتقد أيضا أنه يفضي بنا إلى الجمال إن استطعنا أن نفهم المصطلح بشكل صحيح. وفقا لهوبز؛ فإن الجمال هو معنى فرعي لكلمة Pulchrum (التي لا نملك كلمات مطابقة لها بشكل دقيق في اللغة الإنجليزية). لا يُعِّرف هوبز كلمة Pulchrum بالكمال الجسدي ولا بالأخلاقي ولا بالفكري؛ إنما بـ “تلك الجودة الموجودة في كائن ما، والتي تجعل الخير أمرا متوقَّعا منه” أو تلك الجودة التي “من خلال بعض العلامات الواضحة تَعِدُ بالخير”. إن الوعد بالخير حين “يستوطن هيئة معينة فهذا ما يُطلَق عليه الجمال” الأمر الذي “يتأنَّقُ بالخيال حتى قَبْل أن يتحقَّق الخير الذي هو علامة عليه”. يرى هوبز أن أحد أمثلة تلك “العلامات” تكمن في أن البشر يمنحون قيمة هائلة لـ “جمال الشخص”، والذي يتألف من “قسمات وملامح متألقة من جهة، ومن علامات على دفء جوهري من جهة أخرى”.

 

نحن نُقَدِّر “الدفء الجوهري”: “إنه مُتوهِّج! “..”إنها مُتوهِّجة!”؛ لأن ذلك أحد العلامات المُمَهِّدة لتوليد السلطة، ولكثير من الأمور الأخرى” التي يمكن أن ترضي لهفة الغريزة الجنسية لدى البشر. كلمة Pulchrum إذن هي وعد شيء ما بالسلطة، ورغبتنا “الدائمة” في السلطة هو ما يجذبنا إلى تمظهر معاني تلك الكلمة في أجساد جميلة. بالنسبة لهوبز؛ فثمة العديد من الطرق الأخرى التي يمكن أن يحتوى بها المرء أو الشيء معنى كلمة Pulchrum؛ وكل منها تعتمد على ما يراه كل امرئ جذابا، وعلى قدرة كل امرئ على رؤية “علامات” سلطة شخص ما، إلا أنه بالنسبة لجميع البشر، فإن رؤية هذه “العلامات” هي تجربة جمالية، والتي دائما ما تكون ممتعة وتجعلنا أكثر إحساسا بالحياة. لذلك يصف هوبز الأمور الجميلة بمصطلح لاتيني Jucunda، والذي يعني المتعة بواسطة “المساعدة في تعزيز حركة الحياة”.

 

“عاطفة الحب”

نظرا لأننا دائما ما نبحث عن البهجة؛ فإن “خيالنا” مستعد دائما للتأثر بالجمال، ولكن هل يجعلنا هذا الانفتاح على الجمال منفتحين على الحب؟ ربما يكون هذا سؤالا مدهشا لمفكر يؤكد على أن البشر لا يستمتعون بالحفاظ على الرفقة (إنما على العكس قد يكون ذلك سببا في قدر كبير من الألم) حيث لا توجد سلطة قادرة على التأثير فيهم جميعا. ومع ذلك؛ يعلم هوبز أن البشر يحبون، وأشار لعاطفة الحب في الفصل السادس من كتابه (الليفيثان) باعتبارها أحد “العواطف البسيطة” التي يدخل في إطارها “الاشتهاء، الرغبة، النفور، الكراهية، الفرح، الحزن”. يُصرِّح هوبز أن ما يرغب به البشر يسمى أيضا حبا، “الحب والرغبة هما الشيء ذاته”؛ ويضيف مُستدرِكا: “باستثناء أن الرغبة لدينا تشير إلى غياب الشيء، بينما يشير الحب إلى حضور الشيء”. وفقا لهوبز؛ فإن الحب إذن ليس بالضبط رغبة في أي خير (“أحب أن أحصل على لوحة جميلة”)؛ إنه “البهجة التي يحصِّلها المرء نتيجة لأي خير حاضر”، (“أحب لوحتي التي رسمها الفنان Rembrandt رامبرانت”)، وبحكم أنه لا يوجد “خير أعظم” يتم توجيه كل الحب صوبه، فإن هوبز يزعم أن “الحب قد ينقسم إلى العديد من العواطف بقدر ما توجد موضوعات عديدة للحب”.

 

على الرغم من أصناف الحب الكثيرة فإن الأيروس هو صنف مميز يطرح إشكالية مميزة في تحليل هوبز، إذ – كما تتصوَّره التقاليد الكلاسيكية والإنسانية – يبدو أنه يعد بإرضاء أعمق توق لأرواحنا؛ الأمر الذي يعتقد هوبز باستحالته. لم يستخدم هوبز في كتابه (الليفيثان)؛ الذي استعرض فيه آراءه الأكثر قسوة بشأن العواطف؛ مفردة “الأيروس” إطلاقا. ومع ذلك؛ فهو يشير إليها في نقاش الفصل السادس بخصوص العاطفة الأكثر تعقيدا: “حب الأشخاص”، والتي يُضمِّنُها أيضا “عاطفة الحب”. يُعرِّف هوبز تلك العاطفة بأنها “حب فرد واحد مع الرغبة بأن يكون المرء محبوبا على نحو فردي”. ما نبحث عنه في هذا النوع من الحب يختلف عن الشهوة (“حب الأشخاص لإرضاء الإحساس فحسب”) لأننا نرغب بحب إنسان، وليس مجرد جسد جميل. نظرا لأن الحب بطبيعة الحال هو عاطفة؛ فإن هوبز يقول حرفيا أن أحد أنواع عاطفة الحب هو “عاطفة الحب”. يحاول هوبز مع هذا التكرار الجليّ إظهار أن ثمة شيء عاطفي على نحو استثنائي بشأن هذا النوع من الحب.

 

يجب أن ننتقل من (الليفيثان) إلى (مبادئ القانون) لفهم الطابع الفريد لهذا الحب حيث لا يُخفي هوبز إشكالية الأيروس بإدراجها بين أنواع أخرى من الحب بل بلفت انتباه القارئ إليها من خلال تخصيص قسمين منفصلين لتحليلها. علينا أن نتذكر حين نفسر (مبادئ القانون) – كما يشير غاسكين – أن هوبز في هذا العمل الصغير الذي ألَّفه في وقت مبكر “نادرا ما استفاض فيما كان يقوله، وغالبا ما يكون جدله كثيفا في بُنْيته. يتوقع هوبز من قرائه أن يتذكروا أو يعودوا إلى حيث قام بصياغة استنتاجات مبادئه أو تعريفاته”. انطلاقا من محاولة استخلاص ما ركز عليه هوبز على نحو كثيف ننتقل إلى القسم السادس عشر من الفصل التاسع (عن عواطف العقل)، حيث يبدأ بالإشارة إلى أمر لم يشر إليه بخصوص الحب بشكل عام “في القسم الأول من الفصل السابع (عن البهجة والألم: الخير والشر) الذي يتمُّ فيه احتواء حب البشر لبعضهم البعض، أو المتعة التي يحصلونها جرَّاء مرافقة بعضهم البعض، الأمر الذي يدفع للقول بأن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه”. يقول غاسكين أن هوبز يصف الحب هناك [في الفصل التاسع] بأنه “الفرح الذي يعتري الإنسان في تحقيق أي خير حاضر”.

 

ويلاحظ – بالرغم من ذلك – أن هذه المعالجة للحب ليست كافية لأن هناك “نوعا آخر من الحب، وهو ما يُطلِق عليه اليونانيون έρoς، الذي يُقصَد به ما نعنيه حين نقول: أن رجلا أو امرأة واقعان في الحب”. هذا الحب يُسوِّغ جدلا خاصا لأنه يجذب “الشعراء” بقوة، والذين يجعلونه “موضوعا عظيما لغرامياتهم” ومِن ثَمَّ يمنحون الأيروس حميمية مميزة وأهمية في التأثير الاجتماعي. يقول هوبز – على سبيل المثال – “لقد خلقوا كثيرا من البسالة الحالية في الحب والمبارزة” في أوروبا القرن السابع عشر، الأمر الذي يعتبره هوبز مثالا دقيقا على النزعة الإنسانية العامة والخطيرة لترك الخيال الرومانسي يوجِّه فهم الناس لعواطفهم والتزاماتهم الأخلاقية والسياسية.

 

فشل الشعراء في تحديد ماهية الحقيقة التي تجعل الأيروس أمرا فريدا، “على الرغم من تمجيدهم له”؛ فبينما تُعتبَر بقية أنواع الحب الأخرى إشباعا لطيفا، فإن الأيروس “يجب أن يُعرَّف بمفردة: الحاجة”. لكن ماذا يحتاج الحبيب في العلاقة الأيروسية؟ يعطي هوبز تلميحا مهما حين يقول أن هذا الحب “لا يمكن أن يكون دون تنوع الجنس”، وبالتالي؛ “لا يمكن إنكار أن ما يشكل هذا الحب اللامحدود هو الشهوة”. على النقيض من الشهوة الجنسية المجردة؛ فإن الأيروس هو “لا محدود” فقط لشخص واحد بعينه. يؤكد هوبز في الواقع أن “الاختلاف الكبير” بين الشهوة والأيروس يكمن في أن الأيروس يحتوي على “الرغبة ذاتها [كما في الشهوة] إلا أنها مقتصرة على شخص واحد مرغوب”. ويخلص هوبز إلى أن الأيروس هو “تصور المرء لحاجته لشخص واحد مرغوب”.

 

الأيروس باعتباره “تصورا” فهو حاجة نفسية ناجمة عن الخيال وليس توقا نفسيا مثل الشهوة الطبيعية. الأيروس؛ بصورة أكثر تحديدا؛ هو فكرة (أي تخيل / تصور) الحاجة إلى شخص واحد فقط، والسعي لفعل كل ما في وسعنا لكسب حب ذلك الشخص. بالنسبة لهوبز؛ فإن هذه الرؤية للأيروس هي التي تشعل خيال الشعراء الذين تشي باستمرار “بلاغتهم، واستعاراتهم وعباراتهم المجازية” أن العشاق لا يستطيعون العيش بدون أحبائهم، وذكر هوبز رواية (دون كيشوت) لميغيل دي سرفانتس كمثال على هذه الشاعرية.

 

بيد أن هذا الفهم يطرح إشكالا: لماذا يكون الحب مخصصا بشدة ومقصورا على الاشتهاء؟ قد يتساءل دارس رصين لهوبز: لِمَ لا نحب الكثير من الناس المختلفين، كل واحد منهم بسبب خصلة جيدة يمتلكها؟ لِمَ لا نشعر بالرأفة إزاء بعض الناس، وبالشهوة إزاء البعض الآخر؟ قد يبدو الأمر وكأنه مقاربة طبيعية لأولئك الذين يبحثون دائما عن مصدر جديد للسلطة. لا يتناول هوبز هذه الأسئلة في (مبادئ القانون)، لكن كتابه (في الإنسان) حافل بجدله هذا حيث يقدم وصفا أكثر اكتمالا لمفردة “Pulchrum”.

 

وفقا لهوبز؛ فإن كل شخص يشكل رأيا حول الخصلة (أو مجموعة الخصال) التي “تعد الأفضل من نوعها”، الأمر الذي يعني ما يسعدنا أو يوفر لنا أكبر قدر من السلطة بالنظر إلى “نَزَعاتنا” الفردية. قد نواجه في بعض الأحيان شخصا يبدو أنه يمتلك هذه الخصال بأقصى درجة يمكن تخيلها؛ أي أن الشخص يمتلك “سلطة غير عادية”. على سبيل المثال؛ ربما يكون الشخص قد قام بفعل نعتبره “صالحا وعسيرا”، وهذا “مؤشر على قوة نادرة”، أو ربما امتلك الشخص “مظهرا استثنائيا”، الأمر الذي يعتبر “علامة على كل الأمور الاستثنائية التي وُلِد المرء للاشتغال بها”.

 

هذه “السلطة الاستثنائية” أو “pulchritude” الكامنة في المحبوب هي التي تمنح الأيروس طابع الحاجة الغريب. نشعر بالسعادة في حضرة المحبوب عندما نكون في حالة حب، ونشعر أننا في حالة سُكْر تقريبا ومغمورون بالبهجة بسبب اختبار شيء “غير مألوف” يبعث في مخيلتنا تجربة السلطة ليس كإمداد لا محدود من “القوة المعتدلة” إنما “كبهجة أكثر كثافة” لقوة غير محدودة، وهذا مختلف عن بقية أنواع الحب. على سبيل المثال؛ حين يطلب شخص جائع كعكة الشوكولاتة، فإنه سيشعر بالسعادة حين يصل الطلب (لأنه “يحب” الكعكة)، ومع ذلك، لن يرغب في كعكعة أخرى بعد أن ينتهي من الأكل فورا، لأنه شبع منها، بل إن فكرة تناول المزيد من الكعك قد تبدو مزعجة وغير جذابة (وتسبب “الحزن” بلغة هوبز)، بحكم أن جوعه تحول لتخمة وتغيرت “بُنْية” جسده بعد تناوله الكعكة ما يجعل الأمر لا يبدو شهيا له الآن.

 

الفرق بين المحبوب وكعكة الشوكولاتة هو أن: رغبتنا بكعكة الشوكولاتة محدودة لأن مقدار القوة والسرور اللذين توفرهما محدود. هناك أطعمة أخرى في أوقات أخرى يمكن أن تلبي حاجتنا إلى الغذاء وتغيير النكهة، إلا أننا نتخيل أنه لا أحد إلى جانب من نحب لديه “السلطة الاستثنائية” التي نُقدِّرها إلى أبعد حد. على النقيض من السلطة التي يوفرها أي أمر آخر؛ يبدو أن سلطة أحبائنا تفي بإشباع رغباتنا أيا كانت، ويبدو أن هذا الوعد بسلطة غير محدودة يُرضي “الرغبة المرتبكة والدائمة في السلطة” على خلاف أي منفعة أخرى.

 

لسنا بحاجة للتفكير في كيفية حصولنا على بهجتنا القادمة لأننا نتصور أن لدينا كل ما سنحتاج إليه. أن نكون في حضرة من نحب (أو أن نتخيل وجودهم معنا) هو بمثابة “لذة” تُنَشِّط نبضنا وتجعل خفقان قلوبنا يتسارع. وربما قد نتهيَّج، ونصبح أكثر وعيا بأن ثمَّة أمرا “معيبا” بداخلنا مع وجود مثل هذه السلطة. نحن أحياء على نحو تام، نشعر بما يشير إليه هوبز في سياق آخر باعتباره “الانتعاش المستمر” المسمى بـ “الهناء”، ويبدو أن من نحب يجعلنا في نهاية المطاف سعداء بصورة تامة.

 

بالرغم من ذلك؛ يذكرنا هوبز أن الأيروس يخضع للحاجة، لأن لحظة المتعة غير المؤلمة لا تستمر أبدا، ليس فقط كما هو الحال مع الحب المألوف لأن رغبات ومخاوف أخرى تعترضه، ولكن أيضا – والأهم مما سبق – بسبب طبيعة الأيروس نفسها. حين نكون في حضرة من نحب فإن رغبتنا تجاههم لا تتحول إلى بهجة لا محدودة إلا إذا كنا متأكدين أنهم يبادلوننا الحب (وسيستمرون في حبنا). بالتالي؛ “ليس الجمال سبب هذا الشغف على الأغلب، ولا أي خصلة أخرى في المحبوب، ما لم يكن هناك أمل لدى الشخص المُحِبّ “أن بإمكانه اكتساب حب الشخص الآخر له في المقابل”. يستلزم الأيروس الأمل، لأنه كي نكون في حالة حب فعلينا ألا نبحث فقط عن حب المحبوب في المقابل بل علينا أن نرغب أيضا أن “نُحَبَّ بفردانية”، يجب أن يُحِبَّنا من نحبُّه لوحدنا فقط.

 

مع ذلك؛ فإن الأمل يجلب الخوف لأن “الأمل بأمر جيد متوقع الحدوث لنا لا نتصوره أبدا باطمئنان، لأننا لو تصورناه بهذه الطريقة فسيكون أمرا مؤكدا، وتوقعاتنا على الأرجح لن تسمى أملا بل ابتهاجا”. تتفاقم هذه المشكلة في الحب، لأن من نحب هو شخص “استثنائي” جدا لدرجة أن أملنا يرتقي لأعلى مستوى ممكن حيث تبدو سعادة لم نحظ بها من قَبْل ممكنة الآن. إلا أنه يكاد يكون من المستحيل التحقق من أن من نحب سيحبنا لوحدنا في المقابل، على النحو الذي يتطلبه الأيروس. لماذا على المحبوب أن يفعل ذلك إن كان “استثنائيا” حقا و”غير مألوف”؟ يمكننا أن نتخيل بسهولة خسارتهم، و”إذا تصورنا وجودا وشيكا لبعض الذرائع التي تنبئ باحتمالية ضياع الحب فإن هذه العاطفة تسمى الخوف”.

 

إن لم يكن ذلك صحيحا فإن العشاق ما كانوا ليشعروا بـ “الغيرة” التي هي “الخوف من ألا يكون الحب متبادلا”. الخوف بطبيعة الحال هو “نفور” وبالتالي هو شعور مؤلم. الخوف من فقدان مثل هذه السلطة “الاستثنائية” هو بالنسبة لهوبز ألم يكاد لا يُطاق، وقد يجعل بعض الناس “يفقدون عقولهم”. نتيجة لذلك؛ فإن الأيروس يحتوي دائما على لحظات من الألم الحاد الذي يتناوب مع البهجة الخالصة. هنا يكمن السبب الذي جعل هوبز يرى أن الأيروس على النقيض من أنواع الحب الأخرى المألوفة يجب أن يوصف بـ “الحاجة” وليس مجرد رغبة. كحاجة نفسية شبيهة بالجوع المادي؛ فالأيروس يمكن أيضا أن يسمى على نحو إضافي بـ “النفور”.

 

هذه الذبذبة المتأصلة بين الرغبة والنفور، والمتعة والألم، هي ما يجعل الأيروس محتاجا وعاطفيا، وبالتالي ينضج في الفن الدرامي للشعراء الذين تتناغم عقولهم بشكل خاص مع هذا النوع من التوتر المتذبذب لأنهم متميزون في “سرعة تخيل الأشياء”.

 

غير أن الأيروس يموت من دون الأمل، وتنتهي بذلك الدراما. إذا ارتأينا في النهاية أننا لن نحصل أبدا على حب من نحب، فإننا نستنتج أن السعي وراءهم لن يفضي إلى مصلحتنا، وبالتالي فالأمر مضيعة لجهودنا، إذ أنهم لم يعودوا ضمن فريقنا الخاص ببساطة، ولا أحد يفعل ما يعتقد أنه يَصُبُّ ضد مصلحته، حتى أولئك الذين يحبون؛ “فالهدف مفيد له نوعا ما”.

 

إذا اعتقدنا حقا أننا لن نحصل على حب من نحب، فقد نحتفظ برأينا بشأن “سلطتهم الاستثنائية”؛ (أي أنهم لا زالوا يتمتعون بالجمال)، إلا أنهم لا يَعِدوننا بتلك السلطة، وبدون ذلك الوعد فإنهم لا يُحرِّكون الأيروس لدينا. في مثل هذه الحالة؛ فإن المشاعر الأيروسية القديمة يمكن أن تتأجَّج استنادا إلى أدنى خيال لأن “أضعف الحُجَج كافية لإحياء الأمل”، ولكن من دون أي أمل فإن مثل هذه التخيلات سوف تذوي حتما ولن يتبقى لدينا سوى الرغبة. هذا موقف “يأس” من “الاشتهاء” دون أمل.

 

هذا يعني أنه بينما يمكن للشخص أن يختبر دوما لحظات ألم الأيروس أو إحساس اليأس الناجم عن الرغبة غير المتبادلة فإنه لا يمكن أن يكون في حالة حب يائس. يحتجُّ هوبز بما يحدث في علاقات الحب بين غير المتكافئين. في حالة “الاختلافات الكبيرة بين الأشخاص؛ الأعلى يقع في حب الأدنى غالبا، ولكن ليس العكس”. بما أن الناس غالبا يستجيبون لسلطة الشخص “الأقوى” بدلا من وعود الشخص الأقل قوة؛ فإنه كثيرا ما يتمتع بحظ أوفر في الحب حيث يبني آماله على شيء متوفر لديه شخصيا، أكثر من أولئك الذين يضعون ثقتهم في تعابيرهم وخدمتهم”.

 

عرض “الخدمة” هو علامة جليَّة على اليأس، (وبالتالي؛ افتقار للسلطة)، على النقيض من ذلك، “الثقة بالنفس” هي “أمر جميل Pulchrum كونها علامة مؤكدة على وعي المرء بفضائله”. ونتيجة لذلك؛ “فمن يهتمون بشكل أقل” بمنح المحبوب كل ما يرغب به يحققون نجاحا أكبر “ممن يهتمون أكثر”، الأمر “الذي لا يدركه الكثيرون ممن يطرحون خدماتهم واحدة تلو الأخرى، ويفقدون في النهاية عقولهم إلى جانب آمالهم”.

 

لذا ففي حين أن الناس لا يمكن أن يكونوا في حب ميؤوس منه، إلا أنه يمكن أن يحبوا بجنون. ليس اليأس من حالهم هو ما جعلهم مجانين، بل تخيلهم باستمرار أن بمقدورهم كسب حب أحبائهم حتى لو أخفقوا مرارا وتكرارا في ذلك. هذا “الخلل” في العقل هو في الواقع تعريف “الجنون الذي يبدو أنه لا شيء سوى تخيلات لمثل هذه الهيمنة على كل ما لا نملك شغفه”. مثلما حدث مع دون كيشوت ودولثينيا حيث كان الخطأ الأساسي الذي ارتكبه هذان العاشقان أنهما سمحا لخيالهما الهيمنة على الواقع، وجعلا “السلطة الاستثنائية” للحبيب هي السلطة الوحيدة في العالم.

 

وفقا لتحليل هوبز؛ ذلك خطأ يتحمل العشاق مسؤوليته دائما، والذين يتخيلون أن المحبوب (حين لا يكونون بحضرته) رائق قدر الإمكان كـ “بهجة”. إذن؛ من السهل المبالغة في التمسك بهذا الحب، بينما من الصعب كبح جماحه.

 

باختصار؛ ينظر هوبز إلى الأيروس أو “عاطفة الحب” كحاجة طاغية لشخص واحد، والتي تنشأ في الرغبة الإنسانية في السلطة وفي الآراء التي يتحتم على الأفراد تشكيلها بخصوص الخصال الجسدية والعقلية التي تُزوِّد بأكبر قدر من السلطة. ينشأ الأيروس عندما يختبر الشخص (خاصة أصحاب الخيال الواسع) نوعا من الـجمال ” pulchritude”؛ أي عندما يتخيل الشخص أنه عثر على شخص واحد لديه خصلة معينة أو مزيجا من الخصال لدرجة “استثنائية”. يفيض الحب الأيروسي عندما يعتقد الشخص أن بمقدوره نيل حب الشخص الآخر من خلال قدراته، بذلك يصبح المرء مُحِبا. ومع ذلك؛ فإن الأمل بمثل هذه السلطة غير المحدودة يجلب في الوقت ذاته خوفه الخاص، مما يتسبب بخلق طابع من الحاجة عند المحبين.

 

بالرغم مما سبق فإن التأويل الكلاسيكي يقف في مواجهة تأويل هوبز، ويدَّعي أن الأيروس لا علاقة له بالـ pulchrum أو الجمال المستوعب في إطار السلطة لكنه يتعلق بخير متجاوز يُحرِّك العشاق ليكونوا خيِّرين ونُبلاء، ويتحدثون أحيانا عن التضحية بكل شيء من أجل إسعاد أحبائهم. كيف أمكن لهوبز أن يتعامل مع فكرة القُدامى المناوئة لفكرته، والتي تُعظِّم من شأن من يرزحون في قبضة الأيروس؟

 

 

“يجعلني مُتشكِّكا”: انتقادات هوبز للأيروس الأفلاطوني

إحسان سقراط إلى الكبياديس[7]:

 

يتناول هوبز هذه المسألة في (مبادئ القانون) من خلال مواجهة مباشرة مع أيروس فيلسوف سياسي قديم متميز: أفلاطون. لا يقدم في الواقع هوبز نقده في قسم الأيروس، بل في القسم التالي من الفصل التاسع (القسم السابع عشر) حيث يبدأ بالتصريح بأنه يرغب في مناقشة “عاطفة أخرى تسمى أحيانا بالحب لكن الأصح تسميتها بالنيَّة الحسنة أو الإحسان”. يشير هوبز بوضوح من خلال وضعه هذين القسمين جنبا إلى جنب إلى أن نقده للفهم الأفلاطوني لمفهوم الإحسان (“الحب الأفلاطوني” أو “الحب العذري”) يجب أن يفهم في ضوء تعامله مع الأيروس.

 

يجادل هوبز في بداية تعريضه بالحب العذري بأن “رأي أفلاطون” حول “الحب العذري” قد تمَّ “نقله – وفقا لعادته – على لسان سقراط” في حوارية Symposium الندوة. حين نستدعي تلك الحوارية فسنجد أن سقراط كان من بين الضيوف المجتمعين في منزل الشاعر أغاثون للاحتفال بفوز شعره التراجيدي في مهرجان مهم بأثينا، واستجاب كل واحد منهم لاقتراح قدمه أحد الضيوف؛ الطبيب Eryximachus أريكسماخوس؛ “لإعداد أفضل خطبة يمكننا إلقاؤها لتمجيد الأيروس”. كانت خطبة سقراط هي الأخيرة، واشتملت على استجواب لأغاثون إلى جانب سرد محادثة زعم أنه أجراها “عندما كنتُ صبيا مع امرأة تُدعى ديوتيما؛ كاهنة من مدينة Mantinea مانتينيا، والتي اشتهرت بخبرتها في جميع جوانب الأيروس”.

 

بما أن الحوار معقد للغاية في شكله ومحتواه؛ فثمَّة العديد من الجوانب الجديرة بالذكر في خطبة سقراط. تُعرِّف ديوتيما الأيروس باعتباره توقا للجمال (إلى الـ kalon[8])؛ مستخدمة صورة سُلَّم الحب الشهيرة؛ ويبدأ ذلك التوق بانجذاب الشخص إلى جسد جميل، وينتقل إلى جميع الأجساد الجميلة، ثُمَّ إلى الأرواح الجميلة، ثُمَّ إلى “جمال العديد من القوانين والعادات المتباينة”. من هناك؛ “ستأخذ المرحلة التالية زمام المبادرة من دراسة القانون والأخلاقيات إلى دراسة مختلف فروع العلم” حيث “سيتعلم المرء جمال المعرفة نفسها، ويولِّد عددا لا يحصى من الأفكار والخطابات الجميلة”.

 

وأخيرا؛ بينما يصل المرء لنهاية رحلته، ويقترب من الهدف الحقيقي للأيروس، سوف يرى الآن مشهدا رائعا بحق: بصيرة لطبيعة وشكل الجمال ذاته”. يَظْهَر التوق للجمال ذاته في شعور “الحَمْل” بحضرة الـ kalon ما يجعلنا “مهتمين بالحمل والولادة في الجمال، أي: إنتاج شيء جميل، سواء أكان ذلك طفلا وسيما، أو خطابا نبيلا، أو مدينة عظيمة تعجُّ بالمواطنين الرائعين، أو فكرة سامية. إن إيجاد أشياء جميلة أو نبيلة هي طريقتنا في المشاركة في “الجمال نفسه” التي تبدو وسيلة للتغلب على الموت والحصول على “الامتلاك الدائم للخير”. تشير ديوتيما إلى أن الأيروس في جوهره هو “توق إلى الاتحاد مع الجمال” الذي يجعلنا نرغب في أن نصبح أكثر جمالا جسديا وأخلاقيا وفكريا، وبالتالي “أكثر استحقاقا” لتحقيق السعادة الدائمة التي تأتي من الخير الأسمى.

 

وفقا لهوبز؛ فإن أفلاطون يُعلِّمُنا أن تأثير هذا الأيروس هو “النيَّة الحسنة والإحسان” أي “الرغبة في مساعدة الآخرين ودفعهم إلى الأمام”. يرغب الرجل المولع بالأيروسية ببساطة – كاستجابة للجمال – برؤية المزيد من الجمال، وبالتالي سيساعد شخصا جميلا بكل ما في مقدوره ولن يدع أي شيء يُلوِّث ذلك الجمال، حتى لو أدَّى ذلك إلى التضحية في سبيل مساعدته أو الدفاع عنه. لذا يرى هوبز أن تعاليم أفلاطون في حوارية الندوة تُعبِّر عن: “رجل ممتلئ وحامل للحكمة، أو لفضيلة أخرى، يبحث بشكل طبيعي عن شخص جميل، ذو مقدرة وفي عُمْر يستوعب الإدراك، والذي قد يُنتِج ويُولِّد فيه – دون اعتبارات حسية – النظير”.

 

بالنسبة لهوبز؛ فإن أفلاطون يحاول إظهار هذا الإحسان المستوحى من الأيروسية في “حب سقراط الملحوظ آنذاك، المُتَّسم بالحكمة والعفة، صوب الشاب الجميل الكبياديس حيث لا يسعى ذلك الحب إلى النُّبْل بل هو موضوع للمعرفة”. من المفترض أن يتجاوز حب أفلاطون “العذري” لـ الكبياديس الحب الجسدي المتعلق بالذات الذي يرغب فقط “بالإمتاع والتمتُّع”. يرتقي حب سقراط “الأفلاطوني” على الحب المألوف ويرغب ببساطة في مساعدة الكبياديس على إنتاج أمور جميلة دون أي اعتبار لمتعته أو ربحه الخاص.

 

مع ذلك؛ لا يعتقد هوبز أن حب سقراط “العفيف” موجود فعليا، على الأقل بالصورة التي قدَّمها أفلاطون. يُقِرُّ هوبز بأن الإحسان موجود في هيئة “مودة طبيعية للآباء والأمهات إزاء أبناءهم، والذي يطلق عليه اليونانيون Storgi[9]“، ولا يمكن اعتبار ذلك إحسانا نبيلا إلا أنه في الحقيقة نوع من أنواع حب الذات “حيث يسعى البشر لمساعدة أولئك الذين يلتحمون بهم”. لكن “المودة التي قد يمنح فيها البشر أحيانا عطاياهم للغرباء لا يتم تسميتها بالإحسان، بل هي إما تعاقد يسعون من خلاله شراء الصداقة، أو خوف يجعلهم يشترون السلام”. لكن ماذا عن سقراط والكبياديس؟ رغم أنهما ليسا من العائلة نفسها إلا أن أفلاطون يزعم أن سقراط أراد مساعدة الكبياديس في توليد الحكمة أو الفضيلة بسبب التوق لإنتاج شيء جميل، والذي أثاره ببساطة الحضور الجميل لـ الكبياديس.

 

أقل ما يمكن أن يقال؛ أن هوبز لم يكن منبهرا. يتساءل في البداية عن السبب الذي يكمن وراء سعي رجل حكيم مثل سقراط خلف شخص “جاهل” مثل الكبياديس عوضا عن السعي خلف رجل حكيم آخر. قد يجيب سقراطُ أفلاطون على هذا التساؤل بالقول أن الحكيم لا يهتم بجميع الذين يفتقرون للحكمة، إنما يهتم فقط بأولئك الذين لديهم “القدرة” على الحكمة وسائر الفضائل الأخرى، وبالتالي يكونون “على استعداد لاستقبال أسرار الإله”.

 

بيد أن هوبز يتساءل بعد ذلك عن السبب الذي يدفع رجلا من المفترض أن يكون عفيفا – مثل سقراط – أن يكون “أكثر إحسانا لشخص جميل دون سواه”. لماذا يسعى سقراط لمجالسة الكبياديس بدلا من شاب أقل جاذبية منه لكن مستقبله قد يبدو مبشرا أكثر؟ لا بُدَّ وأن السبب يعود إلى أن الكبياديس ثري ووسيم للغاية، مما يدل أنه لا يوجد أي أيروس – على النقيض من خطاب ديوتيما – يترك الجسد وراءه ويتجاهل “اعتباراته الحسية”، حتى أكثر أنواع الحب الخيِّر لا يخضع لنسيان الذات، والمحرك الأساسي لـ “الذات” هو دائما متعة الذات الخاصة. يعترف هوبز بالفعل أن سقراط لم يستسلم لمنافع الكبياديس، وأنه كان عفيفا. إلا أن “الرجال المتعففين لديهم ذلك الشغف الذي كبتوه، بالقدر نفسه أو ربما أكثر من تخمتهم بالاشتهاء”.

 

هناك إذن شيء ليس نبيلا تماما في حب سقراط “العفيف” لـ الكبياديس، شيء يشير إليه هوبز بمكر: “مذاق الانتفاع في ذلك الزمن”. اتَّضح أن خيريَّة سقراط المدعومة بأيروس من المفترض أن يَتَرفَّع عن الجسد ويتجه لـ “ذات الجمال” أنها كانت “مجرد ذريعة عفيفة للمُسِنّ الذي يتعلق بمجالسة الشاب الوسيم”.

 

غير أن التعريض هنا ليس تفنيدا، ومن الجدير بالذكر أن هوبز يُنهي نقاشه حول أفلاطون بالقول أن عفة سقراط “تجعلني أشك أن هذا الحب العذري كان شهوانيا صرفا”. يبدو إذن أن هوبز يرفض بناء على مجرد الشك تقديم أفلاطون لسقراط، وأنه يرى ألا أحد – بما في ذلك سقراط – يمكن أن يمتلك الحب النبيل الذي يصفه أفلاطون. مع ذلك؛ يؤكد هوبز أن شكوكه بشأن سقراط (وجميع من يدَّعون مثل تلك الدوافع “الشريفة”) مبنية على أساس جيد من خلال الملاحظة والحُجَّة.

 

يعلم هوبز أنه على الأقل بدءً من أفلاطون فإن التقاليد الفلسفية والشعرية أثَّرتْ في اعتقاد الناس أنه في الحب (وربما في الحب فقط) يمارس الناس العطاء دون توقُّع المكافأة أو التفكير في أنفسهم، كما أنه لا يكتفي بتحديد مشكلة الحب الخيِّر من خلال التأكيد على استحالة استجابة الناس للجمال بالتضحية لأن “هدف أي رجل سيحمل في طياته بعض الخير لنفسه”. عوضا عن ذلك؛ يختبر هوبز ظاهرة الحب الأيروسي ويخلص إلى أن هذا الحب هو بحد ذاته دليل بليغ ضد التفسير الأفلاطوني.

 

حسب رأي هوبز؛ حين نقع في الحب فإن دافعنا الأول ليس الانجذاب لإلقاء نظرة على الذات الجميلة ولكن لامتلاكها. لا يمكننا “التحديق في الجمال” دون أن ننجذب نحوه وأن نرغب أيضا في الوصول إليه (جسديا أو ذهنيا) من أجل “اكتسابه”. يعرض العشاق “خدماتهم” – كما يعتقد هوبز – ليس بدافع عفوي لمنح شيء جميل للمحبوب الجميل ولكن لكسب حب المحبوب. إن لم يكن ذلك صحيحا لما شعر العشاق بـ “الغيرة” أو حتى بـ “جنون الحب”؛ وهو “الحنق” الذي شعر به عاشق عظيم مثل دون كيشوت حين تمَّ إهانة “كبريائه”: إحساسه بامتلاكه لحبيبته.

 

يرغب المُحِبُّ بالفعل في إرضاء من يحب، لكن هذه الرغبة ليست عند هوبز علامة على نكران الذات؛ فالمُحِب يرغب في “تخيل القوة الهائلة التي لديه من أجل الإرضاء” لأنه إذا تخيل أنه يمتلك مثل تلك القوة سيكون من الأسهل بالنسبة له أن يأمل أن يبقى محبوبه معه ويستمر بالاستفادة من سلطة المحبوب “الاستثنائية”. على النقيض تماما من ادِّعاء ديوتيما؛ فالرغبة في امتلاك الجمال ليست متجذرة في “التحديق بالجمال بعين العقل والتواجد معه في ذلك الإطار”، إنما في السيطرة على “سلطة استثنائية” وإبعاد الآخرين عنها. في حالة سقراط؛ فإن إحسانه لـ الكبياديس لم يكن من أجل مساعدة الكبياديس في توليد الحكمة بل لكسبه وامتلاكه. كان الكبياديس وسيما للغاية و”بِعُرْف ذلك الزمان” لم يستطع سقراط تجاهل هذه الحقيقة ولو من مسافة “عفيفة”.

 

بالإضافة إلى ذلك؛ قد يلاحظ هوبز أن مظهر الكبياديس وسحره (وخلفيته العائلية) جعله يتمتع بشعبية، الأمر الذي يعود بنفع كبير على فيلسوف مثل سقراط؛ يبحث عن مُحاورين، وفي بعض الأحيان عن الأمان. الأهم من ذلك أن سقراط يعطي أثناء مساعدته لـ الكبياديس “دليلا على سلطته”، أي أن سقراط يظهر لنفسه وللآخرين أن لديه الكثير من القوة الكامنة في عفته وفكره حتى يتمكن من جذب الكبياديس القوي كتلميذ له وربما يقوم أيضا بتوجيهه. هذا الأمر مهم للمُحِب لأن الأيروس ليس “فحسب” رغبة تسعى للحصول على متعة جسدية:

 

يوجد فيه أيضا متعة للعقل: لأنه يتألف من شهوتين معا؛ الإمتاع والتمتع، والبهجة التي يحصلها البشر من الإبهاج ليست جسدية إنما هي متعة أو بهجة للعقل، تكمن في تصورهم للقوة الهائلة التي يمتلكونها للإمتاع.

 

بالتالي؛ فالرغبة “البتولة” في إمتاع المحبوب هي في الحقيقة علامة على الرغبة في إظهار المرء قوته، وليست علامة على نكران الذات أو التخلي عن القوة مقابل أمر يستحق مثل هذه التضحية. تساعدنا هذه الرؤية على فهم مشكلة محيرة أخرى عند هوبز: إذا كان الأيروس هو الرغبة في “سلطة استثنائية”؛ فلماذا قد يرغب شخص ما بمنح سلطة لمحبوبه؟ ألا يرغب المُحِب بامتلاك قوة المحبوب؟ تصف ديوتيما هذه الظاهرة كإشارة إلى أن المُحِب يستجيب لوجود الـ kalon ويسعى لتجاوز نفسه والوصول إلى جوهر الجمال الذي يكون حيث يكمن الخير الذي يُرضي الروح. يدرك هوبز أن عرض المُحِب لقوته هو الخطوة الأولى نحو عقد أو اتفاقية: حتى المحبوب الذي يملك “سلطة استثنائية” يحتاج إلى بعض القوة لأن كل البشر، حتى الذين يتحلون بالجمال، يسعون بلا هوادة إلى السلطة. السؤال المطروح لدى المُحِب: هل يملك القوة التي يحتاجها المحبوب؟ وهل يمكن دفع المحبوب لرؤية أو لتخيل القوة التي يملكها المُحِب؟ للقيام بذلك؛ يحاول المُحِب أن يظهر نفسه [جميلا] pulchrum، أي؛ أن يعطي محبوبه “علامات تدل على سلطته غير المألوفة”. إن استطاع المحبوب رؤية جمال المُحِب فإن الطريق سالكة بالنسبة لهما “للتوصل إلى اتفاق” وتبادل السلطة، وبعبارات الشعراء غير الهوبزيين: فقد يقعون في الحب.

 

بالرغم من ذلك؛ فإن هوبز يعتقد أن الأيروس الغائب-الحاضر والمفتعل الذي تُهيِّجه “روايات التاريخ وقصص الشخصيات الباسلة” التي يبدعها الشعراء هو أيروس قليل عند البشر ومتباعد. لا ينزعج هوبز من هذا النقص في العشاق لأن الحب الأيروسي في نظره سيء للبشر بشكل عام. الأيروس الذي تحدث عنه القدامى لا وجود له حقا بالطريقة التي زعموها، لذا فإن محاولة العثور على السعادة فيه سوف تؤدي حتما إلى شعور الناس بألم غير ضروري، وتجعلهم يتجاهلون مصادر حقيقية للبهجة خاصة “السلطة المعتدلة” لأمن وراحة البدن. علاوة على ذلك؛ فخيالات العشاق النشطة للغاية تجعلهم مثل دون كيشوت الذي وقع في “جنون بسالة” الحب وقاتل ضد أتفه الأشياء في سبيل شرف حبيبته (بغض النظر عن حماقة ذلك) مُتسبِّبا بضرر لا طائل منه لنفسه وللمجتمع السياسي.

 

إن تذوق العشاق للسلطة غير المحدودة التي بحوزة المحبوب يمكن أن يجعلهم عرضة لسحر المجد وهو مطلب شديد الخطورة على البشر الذين يجب كبت وإعادة توجيه كبريائهم حتى يتمكن الناس من اختبار المتعة الكامنة في النظام، والاستقرار، والحياة. نتيجة لذلك؛ يخلص هوبز إلى أن العالم (تحديدا إنجلترا في القرن السابع عشر) يمكن بل ويجب أن يتحرر من وَهْم “البسالة الموجودة في الحب” التي تسبَّب بها التأثير المستمر للفهم القديم للأيروس.

 

الأيروس والعلوم السياسية الحديثة

ينتج الأيروس عند هوبز – كما رأينا – من الخيال والأمل الذي يظهر عند البشر بصورة حتمية، ولكن هذا ليس لأن الأيروس هو توق للجمال: بأفضل حالاته من خلال عبارات نبيلة وأفعال تتجاوز الذات، وبأسوأ حالاته من خلال الاستبداد. كما أن الأيروس لا يعزز الارتباط بالعدالة التي تحدد الاختلافات الجذرية بين مختلف البشر وكذلك بين مختلف الأنظمة. في حين أن الأيروس سيكون موجودا دائما إلى حد ما ومن المحتمل أن يكون قويا إلا أنه في الواقع هو شكل ذاتي من الرغبة في السلطة عوضا عن أن يكون شكلا سياسيا. من خلال التركيز على رؤية هوبز للسلطة؛ فإن كثيرا من الباحثين لم يروا، أو لم يُقَدِّروا تماما فهمه للحب وخاصة نقده للأيروس الأفلاطوني. ربما يكون سبب ذلك أن النقد في (مبادئ القانون) كان مستترا فحسب في أعماله الأكثر شهرة مثل (الليفيثان). ومع ذلك؛ فإن فهم هوبز للحب منتشر في ثنايا فكره السياسي: فتحوُّله للسلطة لم يكن ليصير ممكنا دون رفض العلوم السياسية “القديمة” القائمة على فهم أصناف البشر وأنواع الأنظمة بناء على ما يحبون.

 

ويبدو أن هذا الرفض كان مقنعا لكثير من علماء السياسة: فبينما لا زال تحليل “الأنظمة” قائما، إلا أن الكثير من أدبياتنا تفكر بلغة ما بعد أفلاطونية (هوبزية في الواقع) فيما يتعلق بالسلطة ومفاهيمها السياسية مثل: الحكم الذاتي، والسيادة، والدولة.

 

يمكن أن تكون – مع ذلك – إعادة تفسير هوبز القوية للأيروس في (مبادئ القانون) على توتر في ناحية مهمة مع العلوم السياسية في (الليفيثان). يبدو أن (الليفيثان) يُظهِر عالِما مستقلا ذو عمق، وما يمكن أن يسميه سقراطُ أفلاطون بالارتباط الأيروسي بالتعليم، وبالإقناع، وحتى بتجنيد الناس لـ “مذهبه” الجديد.

 

يقول هوبز في نهاية (الليفيثان) أنه يريد استئناف دراساته العلمية: “لأعود إلى تأملاتي المتقطعة بشأن الهياكل الطبيعية”. لا يسعنا بالرغم من ذلك إلا الشك في أن جميع مساعيه لتغيير العلوم السياسية ليست مصممة فقط لجعل مثل هذه التأملات العلمية أكثر متانة؛ وأنه أيضا متأثر بعمق برؤية جديدة للجمال: ترقُّب مجتمع يعمُّه سلام دائم حيث لا يتوجَّع فيه البشر جرَّاء الخوف من عنف الموت.

 

بينما زعم هوبز – كما صرَّح شافتسبري[10] ذات مرَّة -: “أنه لا يوجد شيء يدفعنا لحب ما متجاوز أو لا علاقة له بأنفسنا، فإن حب مثل هذه الحقائق العظيمة والمُسلَّمات السيادية كما تخيَّلها هوبز جعله من أكثر الرجال اجتهادا في إنشاء نظام من ذلك النوع لخدمتنا، ودفعه ذلك، على الرغم من خوفه الطبيعي، إلى المواجهة المستمرة لخطر أن يصبح شهيدا في سبيل خلاصنا”. إذا كان شافتسبري مُحِقّاً؛ فإن نشاط هوبز “الاجتماعي” المتمثِّل بالكتابة قد يشير إلى أيروس لا يمكن أن يُبرِّره أو يفسِّره علم هوبز السياسي فحسب، خاصة وإن كُنَّا نقرأ في تأملنا لفكر هوبز “أن الأمر ليس عن هذا الرجل أو ذاك بعينه، إنما عن الجنس البشري”. ربما لا يتخطى هوبز بسهولة إذن العلوم السياسية لسقراطِ أفلاطون. إن كان الأمر كذلك؛ فنحن بحاجة إلى إعادة فتح وإعادة النظر في النقاش الذي حثَّ عليه بقوة هوبز بين الفلسفة السياسية الكلاسيكية المتجذرة في التحقيق في الآراء الإنسانية حول النُّبْل والخير، وإلمامها بمفاهيم الحب (وبالتالي بعلم الأنظمة) من جهة؛ والعلوم السياسية الحديثة المبنية على المبدأ (الهوبزي) ومفاده أن السياسة يمكن فهمها على أساس كميات من السلطة الملحوظة، والقابلة للاختزال، والتي يمكن التلاعب بها حسابيا ممثَّلة في الدول وفي الكيانات السيادية. يجب الترحيب بمثل هذا النقاش، ليس كأمر يحقق البهجة (بعبارات هوبز)، ولكن أيضا كمحاولة للعودة إلى فهم للعلوم السياسية يكون أكثر ثراءً وأكثر نقدا للذات.

 

المصدر

 


[1] Victoria Kahn فيكتوريا كاهن (وُلدت في عام 1952) ؛ أستاذة الأدب الإنجليزي والنظرية الأدبية المعاصرة في جامعة California Berkeley، وباحثة في علاقة التاريخ والنظرية السياسية بالأدب.

[2] Edward Hyde, 1st Earl of Clarendon إدوارد هايد، إرل كلارندون الأول (1609 – 1674) ؛ رجل دولة ومؤرخ إنجليزي.

[3] Marcus Tullius Cicero ماركوس توليوس شيشرون (106 ق.م – 43 ق.م) ؛ رجل دولة وفيلسوف وخطيب روماني.

[4]  Diotima of Mantinea ديوتيما، نبية وفيلسوفة إغريقية ومعلمة سقراط (يُعتقَد أنها عاشت حوالي عام 440 ق.م) ؛ كان لها دور بارز في حوارية Symposium الندوة.

[5]  John Charles Addison Gaskin جون تشارلز أديسون غاسكين (وُلد في عام 1936) ؛ باحث في فلسفة الدين.

[6] دانييلا كولي Daniela Coli أستاذة تاريخ الفلسفة السياسية في جامعة فلورنسا بإيطاليا، وباحثة في فكر هوبز.

[7] Alcibiades الكيباديس (حوالي 450 – 404 ق. م) ؛ خطيب وسياسي وقائد عسكري يوناني من أثينا.

[8] kalon؛ المثل الأعلى للجمال الجسدي والأخلاقي خاصةً كما تصوره فلاسفة اليونان القُدامى.

[9] Storgiيشير هذا المصطلح إلى الحب العائلي أو المودة الغريزية كالتي تجمع الوالدين بأبنائهم.

[10] Anthony Ashley-Cooper, 1st Earl of Shaftesbury أنطوني آشلي كوبر، إرل شافتسبري (1621 – 1683) ؛ تلميذ جون لوك ومفكر وسياسي إنجليزي بارز.

error: