الكاتببيتر بيري
ترجمةمصطفى نصر

مقدمة: لم الوعي محير؟

في محاضرته الشهيرة عام 1872 المعنونة “Uber die Grenzen des Naturerkennens” (في حدود المعرفة بالطبيعة) قال إيميل دي بوا-رايموند (وهو أحد مؤسسي علم التشريح التجريبي):

“خلال مراحل تطور الحياة، وفي مرحلة لا نعلمها وليس لنا أن نحددها، استُجدَّ شيء، شيء مجهول حتى الآن، بل وغير مفهوم. وتبلغ معرفتنا بالطبيعة هوةً لا يقطعها جسر ولا جناح؛ [أي] نبصر حدود معرفتنا. وهذا الشيء المستعصي على الفهم هو الوعي والآن أبيِّن بما لا يدع مجالًا للشك -حسب ما أظن- أن الوعي لا ينشأ نتيجة للظروف المادية وحدها، وذلك ليس تبعًا لما بلغه علمنا حتى الآن، بل أيضًا تبعًا لمجاري الأمور. (دو بوا-ريموند 1974: 65، ترجمتي)

وأنهى محاضرته بقوله (الذي صار فيما بعد مأثورًا) “ignorabimus” [= كلمة لاتينية تعني لن نعلم]. وبعد ما يزيد على المائة وعشرين سنة، هل اقتربنا من حل أحجية الوعي؟ أفلحنا في دحض تشاؤم دو بوا؟

1. أي معاني “الوعي”؟

كلمة “الوعي” Consciousness لا تعرب عن ظاهرة متجانسة، وليس لها مقابل في الكثير من اللغات (Wikes 1988: 16-41). الكلمة مبهمة، واستعمالها مَرِن؛ يلزم لمعرفة معناها فهم السياق[2]. ومن هذه الحيثية، كلمة “الوعي” تتبع نمطًا تشترك فيه معها كلماتٌ أخرى مهمة مثل: الحياة والذكاء والفهم. فإذا كان الأمر كذلك، وجب علينا أولًا أن نحدد عن أي ظاهرة من تلك التي تشير إليها الكلمة ذاتها نتحدث.

1.1 الخصائص السلوكية

إذا أخبرنا عن البعض أنهم واعون أردنا بذلك أنهم مستيقظون. وما نتصوره في هذا المقام هو الخصائص السلوكية؛ أي: تحركهم وفق إرادتهم الباطنة وتحكمهم [في ذواتهم]، وأن لهم رد فعل للمؤثرات الخارجية، فيكون سلوكهم بذلك مميِّزًا. هذا، وأن سلوكهم يشكل نمطًا ما، وأنه ملائم للحال [الذي هم فيه]، وله انتظام مع مرور الزمان. هذا النوع من السلوك أسميه “سلوكًا منظَّمًا.”

فالوعي من حيث هو القدرة على الفعل المنظم ليس معجزًا لقدراتنا التفسيرية بذاته. لكن وجب التنبيه أن البون شاسع بيننا وبين فهمنا الحقيقة كاملةً حيال الأفعال المنظمة للبشر والحيوانات. هذا وإن علمنا أن أمورًا ذات أهمية تحدث في المخ والجهاز العصبي ومع ازدياد معرفتنا بهذه الأجهزة لا يزال الخبراء الواعون [بحدود معرفتنا] يؤكدون أن ليس لدى أحد تصور واضح عن كيفية أداء المخ وظيفته. ولما نفهم الأصول التي بها يعمل سيشكل تعقيد تلك الآليات معجزة أخرى. ومع ذلك، إذ نتوجه لفهم الآلة البيولوجية المؤسِّسة للسلوك المنظم لا نجد -من حيث المبدأ- إعجازًا في فهمها. في تلك الحال، نستطيع تمييز الأسئلة الصائبة من الخاطئة، ونعلم كيف نسعى للإجابة على الأسئلة الصحيحة.

2.1 القوى الإدراكية

قد نريد من[امتلاكنا] الوعي أن لدينا قدرًا من القدرات الإدراكية. فإذا أدرك شخصٌ شيئًا يعني هذا أن لديه علمًا به لامتلاكه تلك القوى. وفي هذا المقام تُستخدَم كلمة “المعرفة.” أولًا: قد نريد بهذا صورًا متعددة من المعرفة بالعالم كما توضحه الأمثلة: المعرفة الجمعية: “ازداد الاهتمام بالبيئة”، المعرفة الفردية: “لم يدرِ العواقب”، الإدراك: “لم أدرك السياج في الظلمة”، التذكر: “أذكر أني قلت هذا”، التركيز: “الآن أدركت الضوضاء؛ لم ألحظها من قبل.”

ثانيًا، قد نريد بها أيضًا المعرفة بأحوال الذات، أي المعرفة الذاتية. فإذا عازنا التمييز بين مختلف الحالات وفقًا لقسمة الوعي واللاوعي أحلنا ذلك إلى مختلف القوى الإدراكية. فنقول: أن حالات الوعي هي تلك التي ندركها مباشرة، وحالات اللاوعي هي التي ندركها بالاستنباط وقد نقسم [الحالات] حسبما إذا كانت مسجلة في الذاكرة أم لا؛ فقد لا تكون مذكورة لأنها -مثلًا- لم تدم طويلًا، أو لأن العقل الباطن يحجبها. وقد نريد بقولنا أيضًا أن بعض الحالات مركَّزٌ عليها، والبعض الآخر لا. وأخيرًا، قد نريد التمييز بين حالات نستطيع الإعراب عنها وأخرى لا نستطيع إبانتها[3].

ولا يعوزنا القول بأن الوعي من هذه الحيثيات الإدراكية لهو أعسر على الفهم من الظواهر البيولوجية المؤسسة للأفعال المنظمة. وانصب أكثر الاهتمام بالقوى المعرفية على الإدراك، وبعض نماذج الإدراك دقيقة. فإن قارنَّا هذا بالذاكرة، وجدنا فهمنا للذاكرة قاصرًا، ووجدنا أيضًا النماذج التفسيرية لمختلف صور المعرفة الذاتية لا تزال ضحلة.

بالإضافة إلى أن الفجوات في فهمنا تحديدَ اللغة للوعي عديدة؛ إذ ليس بيِّنًا كيف قد تُنظَّم المعرفة السياقية المطلوبة لفهم اللغة[4]، وليس من إجماع على ماهية الدلالة ولا كيفية تمثيلها بيولوجيًّا. ومع ذلك لا يبدو الوعي اليومَ -بهذا المعنى الإدراكي-عصيًّا على الفهم. فقد ليَّنت مجموعة من العلوم التجريبية (مثل علم الأعصاب الإدراكي والذكاء الاصطناعي) العديد من الأسئلة، وفلحت الوظيفية في فلسفة العقل في دحض الظن بأن المادة وفحوى الإدراك متباعدان[5].

3.1 الإحساس

ليس في كل من الإدراك والفعل المنظم مشاكل معجزة الحل. لكن اللغز العميق يتجلى لما ننظر إلى معنى آخر من معاني الوعي، أي: الوعي بمعنى الإحساس. والإحساس ينطوي على العديد من المسائل، منها: التجارب الحسية كإبصار الألوان وسماع الأصوات، الأحاسيس الجسدية مثل الشهوة والغضب، المشاعر مثل الخوف والكراهية، الحالات المزاجية مثل الحزن والطمأنينة، وأخيرًا المشاعر والمحفزات والاحتياجات، أي إرادتنا الباطنة. هذه الحالات لا توجد وحسب، بل يتلبس بها المرء[6]، فتحدد ماهية الإنسان. ولها صفات محددة من حيث هي تجارب [معيشة]. أولًا، هي أحوال من أحوال الوعي، من حيث أن لها من يحس بها. فليس من ألم أو خوف لما تنجلي أحاسيس الخوف والألم. ثانيًا، تلك التجارب ليس فيها غير ما يبدو لنا.

فإذا أحس المرء بحالة من الخوف أو الألم، فهو [لا يحس إلا بـ] الخوف أو الألم. وأخيرًا، فرقٌ بين الإحساس بحالة وبين التفكير فيها أو ظنها أو الحكم عليها. فبين أن يحس المرء إحساسًا ما وأن يظنه إحساسًا ما فرقٌ[7].

فالوعي من حيث الإحساس لهو ذو أهمية إذ نحس أنفسنا فاعلين لأفعالنا. هذه التجارب لا يعوزها فقط تحكمنا في حركاتنا، ويعوزها غير السلوك المنظم وحده؛ إذ هذا مما يبديه من يسير في نومه. لكي يتصف سلوك بالفاعلية كاملة غير منقوصة يجب أن يصحبه تجربة بأنني أنا الفاعل.  فكوني أنا -الفاعل- المتحكم في جسدي من باطنه جزء لا يتجزء من ذلك، ويلزم عن هذا أن حركاتي تصدر عن نمط ملائم [للحال] من تجاربي. فمن لم يكن هذا شأنه فلم يملك ذوقًا باطنيًّا لم نتأكد من أن لديه إرادة حقة، ودوافع حقة، وأهدافًا حقة[8]. وعلى كلٍّ فإن ذوقنا الأخلاقي ونسبتنا المسؤولية يستبطنان الوعي من حيث هو التجربة.

2. ما أجزاء هذه الأحجية؟

إن كان من شيء غير مفهوم حيال الوعي، فليس ذلك سوى الحس وتجربة كون المرء ذاتًا. لكن، مما تتألف هذه الأحجية؟ بالتحديد ما المراد بقولنا -كما عبر دو بوا-ريموند- أن [نشوء] الوعي لا يمكن تفسيره من حيث ظروفه المادية؟ وإن سلمنا بهذا، لِمَ قد يكون بوسعنا تفسيره من هذه الحيثية؟

إن كان من فرق بيني وبينك في الإحساس فيلزم أن يكون بيننا فرق جسدي. وإن كان من تغيير في إحساسك، فيلزم أن يكون تغييرٌ جسديٌ فيك[9]. وهذا الأصل نسميه المادية الخفيفة. ويبرهن اعتقادنا بهذا الأصل ما لا يحصى من الأفعال، فنحن ندير رؤوسنا لكي نرى شيئًا، أو للإنصات، ونجتنب الظل عند الإحساس بالبرودة، ونتناول الأسبرين لنعالج الصداع، ونشرب الخمر لنرفع من معنوياتنا، وإذ نغضب نحاول أن نهدئ أنفسنا. الفكرة الرئيسة هنا لها عدة جوانب[10]، أُوْلاها أن الحس والجسد مترابطان تحت أي ظرف؛ فلا يتغير واحد بدون الآخر. ثانيًا، أن بينهما علاقة ذات اتجاه واحد من حيث اعتماد أحدهما على الآخر؛ فالحس يعتمد على الجسد، وليس العكس صحيحًا. وثالثًا، بين الحس والجسد علاقة ذات اتجاه واحدة من حيث التحكم؛ فالجسد يتحكم في الحس، وليس العكس صحيحًا. وبناءً على هذا كله، لنا أن نقيم علاقة تفسيرية [بين الحس والجسد] فنقول أن أي حسٍّ أو تجربة تكون نتيجة لتفاعلات جسدية. ونؤكد أننا لا نعرف -حتى الآن- سوى بضع روابط مادية من بين التي علينا كشفها تفصيلًا. لكن لنفرض أننا نعرفها كلها، ما يمنعنا من القول بأننا “فسرنا الوعي من حيث ظروفه المادية”؟ ما الذي يبقى غير مفهوم؟

عبر دو بوا-ريموند عن الأحجية كالآتي:

ما الرابطة التي قد نتصور وجودها بين حركات ذرات في مخي من جهة، وبين الحقائق البيِّنة الأصلية غير ذات تعريف: أنني أشعر بالألم، وأنني أشتهي [شيئًا]، ةأنني أذوق الحلاوة، وأستنشق رحيق الزهور، وأسمع صوت الأرغن، وأبصر الحُمرة، الخ. لهو غير مفهوم كليًّا وأبدًا لمَ قد يكون ترتيب مجموعة ذرات من الأكسجين والهايدروجين والنايتروجين والكربون الخ. وحركتها ذا بال، ولمَ كان ذلك ذا بال، ولم سيكون ذلك ذا بال. فليس مفهومًا ألبتة كيف للوعي أن ينشأ عن اجتماعها. (دو بوا-ريموند 1974:71، ترجمتي).

3. رحلة في المخ

سهل أن يأسرنا هذا الشعور بالحيرة. لكن الصعب هو أن نضع أيدينا على فحواه بالتحديد. ولنحاول تحديده باتباع قصة خيالية سردها ليبنتز (1714:17). فلنتخيل عقلًا بشريًّا مضخمًا بحيث نستطيع السير فيه كأننا نسير في مصنع ضخم. هذه رحلة يصحبنا فيها مرشد؛ إذ نريد أن نعلم ما الذي يجعل الإنسان (وهو مضخمٌ أيضًا كمُخِّه) ذا تجارب ومنظور أو عالم باطني. ومرشدنا عالم مخ على دراية بأحدث ما بلغته معرفتنا اليوم، وهو متفرغ وشغوف ليرينا كل شيء ويجيبنا عن كل سؤال. بادئ بدءٍ أرانا هذا العالم بنية الخلية العصبية المفردة، ثم انتقل إلى عدد روبطها الهائل، وتعدد المشابك العصبية، ثم اجتذب انتباهنا اختلافُ ترتيب الخلايا وتكتلها في عدة مناطق، وحدثنا المرشد عن الناقلات العصبية العديدة وآثارها عند كل مشبك عصبي، وعلق على نمط الحسكات، وأخيرًا يخبرنا أن بين المجمَّعات العصبية ارتباطًا من حيث أنماط النشاط، وأن أمورًا مثل التزامن [في النشاط] واللاتزامن ذات أثر خطير على النشاط كله.

فنقول له “مبهر جدًا، لكن أين الوعي من كل هذا؟ الفرد المجرب المحس.” فيضحك ويقول “سؤال مضحك. الفرد الواعي -كما تسميه- ليس في أي مكانٍ في المصنع، بل المصنع كله هو علة الوعي”.

إننا على دراية [بمقصوده]. [هذا] خطأ مقولي. لكن لم يكن هذا مبتغانا حقًا. ما يروعنا حقًا هو أننا بمقدورنا أن نتصور -بلا مشقة- كل شيء هنا كما هو بدون الفرد المجرب لأي قدر من الإحساس. فليس بين ما أرانا المرشد ما يلزم عنه وجود فرد مجرب لشيء؛ فلا يلزم هذا عن نوع المواد، ولا بنية المصنع، ولا التفاعلات الكيميائية، ولا الأنماط الكهربية. كأن نشوء الفرد المجرب عارض[11]، أو كذا يبدو الأمر لنا؛ كأنه أُلصق [بالمخ] بأخرة. نحن نعلم أن وهم العرضية هذا ليس سوى عارض لمرض جهلنا بالرابط الباطني[12].

فيخبرنا المرشد بأن “هذا من سنن الكون؛ أنْ إذا تغير شيء هنا ينتج عنه إحساس الإنسان بشيء ما. لا مندوحة عن هذا؛ هذا [أمر] نعلمه كذلك.”

هو لم يفهم استشكالنا. فنحن لسنا نشك في وجود مثل تلك السنن واللوازم. ما لسنا نفهمه هو علة وجودها. لسنا نرى ما يُلزم إحساس الفرد بشيء. بوسعنا فهم لزوم تفاعل كيميائي عن تفاعل آخر، ولزوم الشحنات الكهربية عن التفاعلات الكيميائية التي تحدف عند المشابك العصبية. لكن شأن الإحساس والتجربة مختلف تمامًا؛ لمَ يلزم [الإحساس بـ] الخوف عن مادة [كيميائية] معينة، وأخرى يلزم عنها الألم؟ لم ليس الأمر معكوسًا؟ لم يلزم عن نمط التحفيز هذا للجهاز الإبصار [في المخ] أن أرى اللون الأحمر وليس الأخضر أو الأزرق أو الأصفر؟

فإذا تأملنا وجدنا أن جهلنا بالروابط المباشرة قد يصوِّر لنا الروابط [المعروفة] على أنها عارضة، ومن ثم عصية على الفهم. لكن محالٌ أن يكون الأمر كذا في هذه الحال. حتى إذا حللنا الآلة [الدماغية] بالتفصيل أيما تفصيل، وصولًا إلى الجزيآت والذرات، بل ودون ذلك أيضًا، ستظل كل اكتشافاتنا في نطاق المخ، ولن يعبر بنا أيُّها للإحساس والتجربة. فليست الفكرة المألوفة التي تقول بغياب الأسباب ناجعة. ويسألنا المرشد قائلًا “ماذا تريد أن تعرف بالضبط؟” “[أتريد أن تعرف] لمَ ينتج عن تفاعل هنا إحساس معين، أم علة وجود التجربة ذاتها؟”

فنبين له أن السؤالين يؤولان إلى مشكلة واحدة: إذا علمنا لم يلزم عن حدث عصبي معين إحساسٌ معين بحيث لا تظل العلاقة بينهما عارضةً بل لازمة نكون قد علِمْنا العلة اللازمة كونها تجربة.

وقد نقول لأنفسنا أنه معلومٌ أن النظام كاملًا له خصائص ليست لأجزائه. كما في صلابة الألماس وشفافيته أيكون هذا مكمن الإجابة؟ هل نحن في حيرة بسبب أننا رأينا الأجزاء في زيارتنا للمصنع العصبي ولم نر الكل؟ ألن نستشكل الأمر عينه إن تجولنا في ألماسة؟

“كلا” نقولها لأنفسنا بعزم بعد تأمل. بالتأكيد لا. سنرى شبكة ذرات الكاربون، ونعلم حالات الطاقة الخ. وسنستطيع استنتاج أن النظام كله لا بج أن يسلك نهجًا محددًا تبعًا لظروف معينة للضغط والضوء. وكذا فيما لا يحصى من الأمثلة، مثل توتر سطح سائلٍ أو نقطة تجمده، قدرة مادة على الاشتعال أو امتصاص الضوء، الخ. في هذه الأمثلة تُشْتَق خصائص النظام من أجزائه وخصائصها وترتيبها؛ فهي معقولة لهذا السبب[13]. ومن حيث الأصل ليس ذلك ببعيد عن النظم الحية كالنبات. ولهذا السبب ليس بين أحجية الحياة -سالفة الذكر- وبين أحجية اللوعي أية مقارنة. وهذا ما يجعل الوعي عصيًّا على الحل: إن هذه المقاربة تخفق تمامًا في شأنه. فلو كان لامرئ أن يصنع -للمرة الأولى- ألماسة فلن يتعجب في النهاية من صلابتها وشفافيتها. ولو كان لامرئ أن يصنع نبتة -للمرة الأولى- لعلم مسبقًا أنها ستتنفس وتتجه جهة الضوء. لكن إن كان لامرئ أن يصنع -للمرة الأولى- عقلًا، لاندهش (وهو المصمم) من أنه -بعفله هذا- قد خلق فردًا مجربًا مثله.  فإن أعدنا صياغة المسألة، قلنا: لو علم امرؤ الخصائص المادية للعالم فقط -مهما بلغت من التعقيد- لما ظهر له أن ترتيب تلك الخصائص بطريقٍ ينتج الذوق والإحساس. فقبل أن تظهر هذه النتيجة لم تكن مثل هذه الظاهرة في الحسبان، ومن هذا الوجه هي جديدة تمامًا[14]. أو فلنقل أنها هكذا يجب أن تبدو طالما لم نفهم الرابط الباطني.

ولم يتبين مرشدنا حتى الآن سبب رؤيتنا هنا أحجية بعينها، وبينٌ للناظر أن إصرارنا يربكه. فيقول “لكل تفسير حدوده، وليس بوسعك سوى أن تقر العالم كما هو. لمَ تتجاذب الأجسام بدلًا من أن تتباعد؟”

لا تعجبنا تلميحته تلك، لكنها تقلقنا، ونتوقف برهةً. الوعي خاصية نظامية، أما الجاذبية فهي بسيطة و-غير ذلك- هي خاصية اعتبارية، فالخصائص النظامية يعوزها التفسير أكثر من غيرها، وهو بها أليق من غيرها؛ إذ ليس من حالٍ إلا ونسأل فيه كيف نشأت من خصائص أجزائها. لكن مع ذلك قد يكون للمقابلة أعلاه وجه رجاحة. فحتى السنن الحاكمة للعلاقة بين الظواهر العصبية والحس -مهما كانت صائبة- ليست سوى سنن قد كانت لتكون مختلفة، لكنها -من حيث الواقع- ليست مختلفة. هي حقيقة كالجاذبية. أيكون استشكال هذه الحقيقة مسألة اعتياد وحسب؟[15] أليس من سياقات لا تعد ولا تحصى يكون الرابط [السببي] فيها مألوفًا لنا وليس محيرًا بأي وجه، مثل تناولنا الأسبرين لإذهاب الصداع؟ بعبارة أخرى: أينشأ الشعور بالحيرة من تغريبنا الرابط المألوف لنا؟ أليس هذا متكلفًا وبلا جدوى كتغريب الجاذبية؟

وسنعترض على هذا التشخيص مخافة التكرار. بادئ بدءٍ، ما تحوزه الخصائص النظامية من مظهر اللزوم ليس يتأتى في الخصائص التجريبية، أي أن الحقيقة المحضة [المتعلقة بالخصائص التجريبية] التي قد نسلم بها هي ذات طبيعة مغايرة للتي في الخصائص النظامية. ثانيًا، أن الروابط التي ذكرناها بين الحس والظواهر العصبية من حيث التغير: حتى وإن اعتبرناها سننًا فهي ليست متصلة بسائر السنن؛ بل كل واحدة منها منفردة، وهذا من أعراض قصور الفهم المُنَظَّم لهذا الجانب كله. وثالثًا، السنن التي ألفناها تخبر عن ظواهر خارجية، بينما نحن في هذا المقام مشغولون بنشوء أمر وجداني من عناصر خارجية محضة. ولسنا نستشكل ما ليس بمشكل باستعمالنا كلمتي: “خارجي” و”باطني”، فإن اعترض معترض بهذا حذفنا الكلمات المشكلة. لكن في استعمالنا هذا أمر ذو بال لسنا نرجع عنه: هو أن الحس والتجربة أمران مباينان للخصائص النظامية. ولذلك نريد القول في الاقتراح أعلاه بأننا لسنا نطالب أحدًا بتغريب المألوف، سواء كان [ذلك المألوف] الجاذبية أم الوعي. لكن فيما يخص الوعي: ما إن يحدث ذلك التغريب لن ينفك. بل هو مقيم[16].

أعطانا المرشد الآن مُخَطَّطان ضخمان. أحدهما بالكاد نستطيه أن نحل طلاسمه، فنرى فيه الهيكل المادي للمصنع، وتُرْبِكُنا متاهات دوائره. والمخطط الآخر فهمه أيسر؛ إذ جُمِعتْ دوائره في مجموعات تشكل كل مجموعة منها وحدة، وبعض هذه الوحدات يحمل اسم قوة إدراكية؛ إذ تعرِّف العقل من حيث هو [قدرات] الإدراك. ويخبرنا المرشد بأن: “هذه هي البنية الوظيفية الخالصة للمصنع. وقد تتشكل من مادة مختلفة تمامًا.”

وجملته الأخيرة تلك مريبة؛ إذ أن مصنعًا مكوَّنٌ من مادة مختلفة تمامًا وله خصائص سببية مختلفة تمامًا لهو مصنع مختلف أيما اختلاف[17]. على كلٍّ نشرع في التساؤل عما إن كنا ننظر في الاتجاه الخاطئ. إن كان مدار الوعي الإدراكي على البنية الوظيفية، لم لا يصدق ذلك على الحس؟ هل عسانا نفهم نشوء المنظور الباطني من هذا المصنع إن استطعنا رؤية ما نرى في ضوء المفاهيم الوظيفية الصحيحة، ذلك بأن نرسم مخططًا ثالثًا أكثر تجريدًا من الأول، لكن من جهة هو أكثر لصوقًا بالمادة من المخطط الثاني؟

كلا، بل نرفض هذه الأطروحة أيضًا. إذ سنرى في أي بنية وظيفية قد نتخيلها ما نراه في هذه: ويلزم عن هذا أنه بدلًا من تُوزَّع الخصائص التجريبية بهذا المنهج على الوحدات الوظيفية -قد توزع بصورة مختلفة تمامًا، وإما أن يكون ذلك بنظام أو عشوائيًّا[18]. فليس بين الوظيفة والخصائص التجريبية رابط ضروري هو أولى من الذي بين البنية المادية والإحساس. كذلك تبدو المسألة لنا.

ويحدثنا المرشد قائلًا:

“لا تنظر إلى الأمور هنا مغفلًا سائر الجسد، ولا مغفلًا البيئة المحيطة.”

هذا نعلمه. إن كان سؤالنا -كما كان سؤال ليبنتز- عن كيفية إنتاج مصنع الخلايا العصبية للأفكار (أي: للوعي من حيث هو الإدراك) لكانت كلمته تلك هي الحل. قد يكون جوابنا لليبنتز كالآتي: “بعض الظواهر في المصنع تتلقى  فحوى الإدراك أولًا باتصالها السببي بالحوادث الظاهرة، ومن ثمَّ تُمثَّل [ذهنيًّا]، وثانيًا بتأثيرها في السلوك التلقائي نيابة عن الجسد كله. فانظر هذا الجزء [من المصنع] على سبيل المثال: كلُّ ما يحدث هنا يصدر عن تحفيز العصب البصري، فهي -إذن- تمثُّلات ذات محتوى بصري أو معنى بصري. أو هذا الركن: كل الظواهر هنا تصدر عن التعرف على الوجوه، وما تراه له المحتوى المناسب، [أي] المعنى المناسب. لكن لن تستطيع أبدًا التعرف على هذا المحتوى الإدراكي أو هذا المعنى بمجرد تجولك في المصنع.” (انظر: Dretske 1981;1988 وVan Gulick 1980; 1982).

لكن مع الأسف لسنا نستشكل المحتوى الإدراكي، وإنما نستشكل المحتوى التجريبي، محتوى الإحساس. والسؤال المحوري هنا هو بالتحديد هذا: لِمَ قد لا يكون المصنع مرتبطًا بالجسد والبيئة كما هو الآن بالضبط، فيكون لديه المحتوى الإدراكي والمعاني كما هي الآن، لكن بدون نشوء أي إحساس؟ ولذلك نتجنب الطريق الأطول خلال سائر الجسد؛ إذ نعلم أن الأسئلة عينها ستطرأ هناك.

وإذ نخرج من المصنع يسألنا المرشد “ما عملكم؟” فنجيب عليه: “الفلسفة.” فيرد قائلًا “لهذا” ثم يغلق الباب.

4. أيمكننا ترك هذا السؤال؟

فلنذكر أن الأحاجي ليست تنتظر الناس أن يحلوها؛ فهي ليست جزءًا من العالم. إنما تكون الظواهر والأحوال أحاجي لما نستقبلها مستحضرين أفكارًا خاصة للتفسير والفهم، وهذه الأفكار -كغيرها- إما أن يكون لها ما يعللها أو لا. أنغلو إذ نظن بلا أدنى ريب أن العلة الضرورية لنشأة الحس هي في الخصائص المادية أو الوظيفية للمخ (أو كليهما)؟ هلا تركنا طرح ذاك السؤال الذي [بتكراره] يغدو كالرحى الدائرة؟ أنقنع بما لدينا من تغيير متوازٍ [بين الحس والجسد]، واعتماد [أحدهما على الآخر]، وتحكم [أحدهما في الآخر]؟

والإجابة: لا. وعلة ذلك أننا إن لم يتحقق لدينا الفهم الذي نبتغيه لن نفهم كيف أن للحس والتجربة أثرٌ في سلوكنا، ويلزم من هذا أن في كوننا ذواتًا فاعلة أمرًا لا نفهمه، وهذا الأمر يفوق في أهميته أغلب ما في حياتنا.

ولنا في تفصيل هذا الربط بين المسائل سبيلان. أولهما: أن ليس في سلسلة العلل الجسدية التي تتحكم في فعلنا المنظم فجوات، بل هي كاملة. فليس في أثناء عمل الخلايا العصبية لحظات يعوزها فيها الحس لكي تنتقل إلى المرحلة التالية. فيلزم من هذا -من حيث الأصل- أن لدينا تفسيرًا سببيًّا كاملًا لفعلنا المنظم لا يعوزه ذاتٌ مجربة. فمن حيث تسبيب سلوكنا والتحكم فيه: ليس لنا بالوعي حاجة. فحتى إن كان عدمًا لن تتغير مسيرتنا في الحياة أي تغيير يذكر[19]. فإن كان الأمر كذلك، لأصبح تحكمنا من الباطن في سلوكنا إذ هو فعل (وليس حدثًا وحسب) وهمًا شائعًا. نحن على علم بالكيفية التي يكون فعلنا عليها لما يكون منفصلًا عن الحس، أي: تجربة السلوك الغريب (alienated behaviour). إن كمال الحوادث الجسدية يوحي لنا بأن سلوكنا كله لعله مُغرَّبًا كذلك، ولكان ذلك انسلاخًا لا نلحظه نحن -ضحايا الوهم-، ولكن هذا لن ينقص من حقيقته.

لكننا لنرفض أن نصدق أمرًا كهذا؛ يعز علينا أن نركن إليه؛ إذ أن قسمًا كبيرًا من تصورنا عن أنفسنا سيُزعزع. لكن لا يكفي أن نرفضه؛ علينا بيان أننا أسياد أفعالنا من حيث أنها تصدر عن تجربتنا. ولا يكفي لهذا الغرض أن نشير إلى علاقات التغير المتوازي، والاعتماد، والتحكم بين الحس والظواهر العصبية؛ إذ حتى إن لم يملك الحس قوة سببية لبقيت هذه العلاقات كما هي. وهنا -أخيرًا- نصل إلى أحجية دو بوا-ريموند: فقط لما نبين الصلة اللازمة بين الوعي والجسد نستطيع أن نثبت القوة السببية للوعي؛ فإذا استخلصنا خصائص تجريبية من الخصائص البيولوجية بان لنا القدرة السببية للأول على الثاني. هذا ما نفعله فيما يخص الخصائص النظامية، لكن هذا هو النموذج العاطل.

أما النقطة الثانية فهي: إذا شرعنا في تفسير سببي لسلوك ما بذكرنا الظواهر الجسدية، فإننا -من حيث الأصل- نعلم كيف نستكمل هذا التفسير؛ فنعلم كيف نحدد سلسلة الأسباب وأجزاءها الدقيقة، وبذلك نبيِّن آلية عمل الأسباب. لكن يختلف الحال لما نبدأ تفسيرنا بذكر التجربة؛ إذ كيف لنا أن نحدد آلية عمل حُزْنِكَ وخُوْفِكَ وأَلَمِكَ؟ لا مندوحة من التوجه للجسد. لكنك [بذلك] غيرت الموضوع، ولكان أولى لك أن تبدأ بالجسد [من البداية]. لو استطعنا اشتقاق التجارب والإحساس من الظواهر البيولوجية-الكيميائية بحيث نقول: إننا بحديثنا عن هذه الظواهر -بوجهٍ- لم فتئنا نتحدث عن الإحساس -لو استطعنا ذلك لما كان في ذلك تغيير للموضوع.

إذن، ليس لنا أن نكف عن طرح سؤال دو بوا-ريموند كما نكف عن العادات ذميمة. طالما لم نجد الإجابة يبقى لنا أمر جدُّ أساسي عن كوننا ذواتًا فاعلة لم نفهمه. فإن صغنا هذا الكلام صياغة أخرى، قلنا: هذا السؤال متشابك مع أمور كثيرة هي عندنا ذات بال، فهو ليس سؤالًا ميتافيزيقيًّا فارغًا -كما ظن مرشدنا في المصنع- كقولنا “لم توجد أشياء بدلًا من لا شيء؟”

5. أين الخطأ؟

إن بدا سؤالنا عصيًّا على الإجابة فذلك يثير فينا ريبًا بأننا نقترف خطأً أساسيًّا. فإن لم تكن أفكارنا المعرفية [حول طبيعة التفسير] هي الملومة، فلعل الخطأ في وصفنا الحس والتجربة. الخاصية الجوهرية [للتجربة] إنما كانت أن التجربة لا فرق فيها بين المظهر والحقيقة؛ أي أن التجربة تعرب عن طبيعتها بكونها محسوسةً بوجه من الوجوه. إذن ليس معقولًا أن نفترض أن تكون صفاتٌ للتجربة قد تُكتشف وراء الصفة المحسوسة. لكن أن نعقل التجربة من حيث الظروف المادية مؤداه بالضبط أننا نكتشف عن طبيعته أمورًا لم نكن نعلمها. أفيكون الخطأ في وصفنا الإحساس، أو -بدلًا من ذلك- في تفسيرنا الإحساس، فيفسد لنا [ذلك] -قبْليًّا- محاولة الفهم التي نرومها؟

لكن، انظر: هل ترى إذا غلب على أحدنا الهلع أو تأوه من الألم -هل ترانا نجهل حقيقة تلك الأحاسيس وأننا نلم نكتنهها بعد؟ بل ذلك غريب؛ إذ ليس يراد: التوجه لما ليس إحساسًا. ونحن نألف تدرج معرفتنا بفحوى تجربةٍ كالغيرة أو الخيبة، أو الغضب. لكن لا يكون هذا المراد.

لعلنا أسأنا الفهم، وأن الخطأ في افتراض آخر (وإن كان مرتبطًا)، وهو: أن الخصائص التجريبية بسيطة، ليست تحتوي على بنى داخلية أو ما شابه. فيكون تشخصينا كالتالي: إن أردنا معرفة الرابطة بين X وP يلزم عن ذلك -إذًا- زيادةٌ في المعرفة بالبنية الداخلية لكلٍّ من الظاهرتين، كما في التفاعلات الكيميائية. فإن ظننت أن إحداهما ليس لها بنية داخلية، فلا تعجب إن لم تجد بينهما علاقة تفسيرية!

ويدعم هذا التشخيص بعض الإعاقات النفسية-العصبية Neuropsychological، فيكون فيها تعقيد خفيّ وراء مظهر تجربة بسيطة متناغمة، كما الحال في قصور تصور الجسد[20] أو بعض وجو الفصام في التجارب المؤلمة[21]. وليست بساطة المظهر إلا ما يبدو للفرد الواعي[22]. لكن هنا يتبادر إلى الذهن اعتراضان، أولهما: أن البساطة والتجانس اللذان يبدوان في الأحوال العادية -حتى وإن لن يكونا سوى مظاهر- لهما من الصدق ما لأي شيء آخر يظهر للفرد، وذلك يرجعنا للأسئلة الماضية مرةً أخرى. أما الثاني: أن الأسباب التي تُستكشف في الحالات المَرَضية لها محتوى تجريبي؛ أي أن التعقيد الخفي وراء التجربة [المرضية] لا يمدنا بسبب لتفسير التعقيد الجسدي، ولا العكس.

أفتكون المعتقدات هي العصية على الفهم بدلًا من التجارب؟[23] أتكون التجارب الظاهرة في نهاية المطاف ليست سوى مركبات فكرية؟ قد يقال هذا على مجموعة معقدة من المشاعر تتشابك مع التصور عن الذات، وقد تُقال في مقام الحديث عن وحدة النفس أو الشخص وأغلب ذلك وهم. لكن إن قيل هذا عن التجارب الحسية -كالألم والشهوة والفزع والخيبة- لَبُهِتُّ[24].

ولو حاول أحدهم أن يحل أحجيتنا هذه بأن يجعل من محتوى التجارب محتوىً إدراكيًّا لحسسنا بالنفور منه تلقائيًّا كما نفرنا [من محاولة جعلها معتقدات]؛ فهو بهذا يزيل التفرقة بين الإحساس والوعي الإدراكي. وقد لوحظ أن كثيرًا من خصائص الإحساس والتجربة له رابطة باستخدام النظام تصورًا عن ذاته يتابع به حالته ككل[25]. لست أبت القول في التجارب الحسية، لكن الاقتراح مقنعٌ فيما يخص الأحاسيس الجسدية، والمشاعر، والإرادة؛ فتصورات الذات -كما يبدو- لا تقدم أحجيات عميقة. لكن لن يساعد هذا الأمر [في حل الأحجية] إلا إذا سلمنا بلا شروط بأن الإحساس إنما هو نموذج ذاتي وتمثيل للذات. ولن تتعجب من روايتي القصة نفسها: إن لأي كائن حي عددًا لا يحصى من وسائل المراجعة، فلمَ لا يكون لديه أي نموذج ذاتي (أو أي عدد من هذه النماذج) بدون أدنى أثر للإحساس والتجربة؟

6. أنلوم قصور إدراكنا؟

ظن دو بوا-ريموند أن الوعي سيظل معجزًا لفهمنا أبد الدهر. وبالنسبة للوعي فهذه هي أطروحة أننا -من حيث الأصل- تحت سلطان قيد إدراكي. مما قد يتكون هنا القيد؟ إننا مقيدون من حيث قدرتنا على تمييز المحسوسات. لكن محلٌ أن تكون هذه المشكلةَ؛ ليست المشكلة أننا لا نرى ما في مصنع الخلايا العصبية بوضوح كافٍ. ثانيًا، قد يكون القيد في عجزنا عن ابتكار تصورات مناسبة لموضوعنا. ثالثًا، قد يكون عجزنا بسبب أننا لا نهتدي إلى التصور الصحيح للتفسير والفهم. فإن وجد كائن بدون مثل هذه القيود فقد يمتلك حقًّا حلًّا لأحجيتنا. بل الوصف الأولى لحالنا هذا هو: إن وجد كائن كهذا لما كانت هذه أحجية له أصلًا.

قد تكون فرضيتنا هي أن القيود سالفة الذكر تمنعنا من الوصول إلى الشيء المسؤول في المخ عن الإحساس. لقد نظرنا إلى المادة، والبنية المادية، والبنية الوظيفية بمختلف مستويات التحليل. وجرَّبنا منهجًا جزئيًّا ومنهجًا كليًّا، وأخيرًا لم نغفل السياق السببي المحيط بالمخ. وفرضيتنا هذه قد تقول أن ما يهمنا هو شيء مختلف تمامًا (قارن هذا بـMcGinn 1991). وجوابنا على هذا بأنه ليس من شيء بقي لنتصوره. لكن هذا بالتحديد هي الفرضية: أننا ليس باستطاعتنا تصور أي شيء آخر. لا يمكن دحض هذه الفرضية، هي مبنية بهذه الطريقة. لكن إن كان للفكرة ما يضعفها فهو أنه: إن كان الموضوع غير الإحساس والتجربة فإننا  ننتهج نهجًا ناجعًا -فيما يخص المخ- مع كل الأسئلة التي يبقى علينا إجابتها. باستطاعتنا أن نفكك الآليات، ونتنبأ بالظواهر، وأن نؤثِّر. لكن -بالعكس- لا يعقل أن ننجح في كل هذا إن كان صنفٌ كاملٌ من الحقائق عن المخ محجوبٌ عنا منهجيًّا. نعم، إن ادعى قائل أن ليس من صلةٍ بين المعلومات العصبية الخاصة بالإحساس وبين سائر المعلومات الخاصة ببقية الوظائف العصبية -لبدى ذلك غريبًا جدًّا.

ثانيًا، قد تقول القصور الإدراكي بأن مواطن العجز سالفة الذكر تمنعنا من أن نفهم لِمَ ينشأ الحس والتجربة بالتحديد من الظواهر العصبية المتصلة [الموضوع]. وفي هذه الحالة يكون القصور معنيًّا -بالأساس- بتصوراتنا عن التفسير والفهم. لقد بحثنا الفهم السببي، والفهم البنيوي، والفهم الوظيفي، وفهم الكل من الجزء. وسؤالنا في كل هذا كان واحدًا معنيًّا بالضرورة المتأصلة في [علاقات] التغير المتوازي، والاعتماد، والتحكم التي نراها حسب اعتقادنا في المادية الدنيا Minimal Materialism. فإن كنا محتجزين داخل حيز فهمنا الضيق فذلك يحول دون سؤالنا الأسئلة الصائبة واستدلالنا استدلالًا سليمًا، أو كذا قد تدعي فرضيتنا. أحيانًا أخال أن هذا هو التشخيص الصيح؛ إذ في أحجية الوعي ما ليس في غيرها: أننا لا ندري ما قد يكون حلًّا وتفسيرًا. إن أعجزنا التلفاز أو التوارث [للصفات بيولوجيًّا] أو حتى عمل الخلايا العصبية، فإننا لدينا تصورٌ ما عما قد يكون تفسيرًا مُرضيًا. أما الوعي فلا يبدو الأمر فيه كذلك. لكنني أجد الاعتصام بإلقاء اللوم على القصور الإدراكي صعبًا، وذلك لسببين.

أولهما: إن التفسير [أي] البحث في المسائل وفهمها دائمًا ما تتضمن الكشف عن علاقات ما. فيحصل من فرضيتنا أن في العالم نوعًا من العلاقات محجوبة عنا أبد الدهر. وللتأكيد: إن هذا الادعاء لا يمكن دحضه فعليًّا. لكن من الغريب أن يتضمن موضوعنا صنفًا من العلاقات الخفية تكون غائبًا في كل موضع غير هذا، أو -إن لم يكن هذا- ألا تمنعنا من فهم مسائل أخرى. وإن المرء ليُتسهوى لأن يقول: ليست هذه فكرةً معقولةً؛ أي أنها ليست فكرةً أصلًا. أما السبب الثاني فهو أنه: إن وُجِدَ كائن عنده الجواب الكافي لما استطاع أن يرينا إياه؛ إذ [لو فعل] لما كنا لنعرفه. هذا لا يبطل الفرضية، لكنه يجردها حتى لكأنه يجعلها فارغة تمامًا، فارغة بقدر يجعلك تفكر في غلق الكتاب!

هذه الشبهات الموردة على فكرة لوم [إعجاز] الأحجية على القيود الإدراكية لا تثبت أن دو بوا-ريموند سيُدحض يومًا، لكنها تنصح لصاحب هذا القول ألا يتيقن بأن طرحه طرحٌ ذو بال. وتحفزنا لاستكمال البحث، إذ يجب أن يكون بحثًا عن مفاهيم جديدة، ونماذج وكنايات جديدة، وفوق كل هذا تبصير بمصادر الزلل. إني لم أحل أحجية الوعي، هذا أكيد. لكن عسى أن يكون القارئ الآن ذا معرفة أعمق بأجزاء هذه الأحجية، وبموضعها من فكرنا في العالم وأنفسنا. حسبي هذا؛ إذ لم أزد عليه في العنوان.

الهوامش

[1]     https://books.google.com.eg/books?id=wEjqp9kTXnUC&lpg=PA45&ots=WApiYB89NX&dq=why%20is%20consciousness%20puzzling%20bieri&lr&pg=PA45#v=onepage&q=why%20is%20consciousness%20puzzling%20bieri&f=false

[2]     الفصل التالي بين المفاهيم وبين الظواهر من عندي. وهي ليست الطريقة الوحيدة لتنظيم المسائل، مثل: Wikes 1984 و Natsoulas 1978 وAllport 1988.

[3]     يضم تصور فرويد عن الوعي واللاوعي -كما يبدو لي- هذه الحيثيات الأربع. ولذلك هو [أي تصور فرويد]مبهم.

[4]     أريد بقولي هذا معضلةَ العلائق “frame-problem” [في علم الإدراك].

[5]     يتبادر إلى ذهني أبحاث مثل: Cummins 1983، Fodor 1987، Van Gulick 1980; 1982، Dretske 198، Stampe 1984، 1988Stalnaker 1984.

[6]     لشرح هذه الجملة انظر: Farrell 1950 وNagel 1974.

[7]     ما أقول في هذا المقام عن التجربة ليس يمر بدون جدل. انظر مثلًا: Pitcher 1970a و1970b، وخاصةً Dennett 1991 وإن شئت الاطلاع على احتجاج للخبرات اللاوعية فانظر: Rosenthal 1993.

[8]     إن بدى أني أقول هذا القول على عجالة فذلك لأن المقام يضيق عن أن أطيل الكلام. إنما أردت أن أشير إلى أن الكلام في نظم الإرادة وتفسيرها وحالاتها يبدو لي قاصرًا طالما لا يقرب ما بين الفعل والإرادة الباطنة. ويصف تشارلز تايلور (Charles Taylor 1985: 76-45 وخاصة 59-65) الرابطة بين الإرادة والدوافع من جهة، والحس من جهة أخرى.

[9]     والكلام في العقد الأخير على هذه الفكرة اختُزِلَ في مفهوم التراتبية. وعلى هذا الاصطلاح، إن لم يكن من تغيير حسيٍّ في غياب التغيير الجسدي، قلنا أن الإحساس يترتب على التغيير الحسي. وأول من تكلم عن التراتبية في هذا المقام هو دونالد دايفدسون Donald Davidson 1980 ومن بعده فصل الكلام فيه أكثر من غيره جيه كون كيم Jaegwon Kim 1993.

[10]   جيه كوان كيم كان من أراني أهمية التمييز بين هذه الجوانب في بحثه “Supervenience as a Philosophical Concept” (في Kim 1993).

[11]   هذا الوهم بالعارضية أعرب عنه سول كريبكه (1980)وآخرون، ويستقي كريبكه منها حجةً ضد المادية.

[12]   فصَّل جوزيف ليفين (1983) الكلام في الرابط بين مظهر العارضية والإحساس بالجهل.

[13]   في هذا النوع من التفسير والفهم انظر: Cummins 1983.

[14]   للبيان عن هذا الوجه من المسألة نُعِتت الخصائص التجريبية بالخصائص الطارئة emergent properties. وبذلك يكون لمفهوم الطرء وجه استمدادي يتجاوز الخصائص النظامية. انظر: Beckermann/Flohr/Kim 1992.

[15]   أنا شاكر لماتياس مولار الذي أراني أن هذه المسألة يمكن طرحها بقوة.

[16]   إن هذا القول يصادر على المطلوب. لكن لست أدري كيف لي أن أتجنب هذا.

[17]   الوظيفية Functionalism (وهو المذهب الذي أشير إليه هنا) عادةً ما تستحضر تمييزًا قاطعًا عند تناولها الوظيفة وتعدد صورها. وطالما أذهلني هذا؛ إذ يغلب على الوظيفية أن تصف الوظيفة بالعلة. لكن العلل تصدر عن الخصائص السببية للمادة. لهذا يتبادر إلى ذهني أن تصورَ تغير المادة عشوائيًّا مع ثبات الوظيفة تصورٌ بيِّن الفساد.

[18]   للاستزادة انظر: Shoemaker 1975.

[19]   هذا مذهب الـ Epiphenomenalism، ونافح عنه T. H. Huxley (1904: 199-250). وقارن ذلك بـ: Bieri 1992.

[20]   Body schema deficiency حالة مرضية في علم النفس العصبي Neuropsychology تتصف بجهل المخ مكان أطراف الجسد واتجهها وحركتها زمانًا ومكانًا. انظر: https://link.springer.com/rwe/10.1007/978-0-387-79948-3_713

[21]   certain aspects of pain experience are strangely dissociated.

[22]   يبيّن دينيت Dennett هذه الفكرة بتحليلاته في Dennett 1978: 190-220.

[23]   قارن هذا بـ Dennett 1991 في عدة مواضع. وأيضًا Dennett 1982; 1978: 129-49, 174-89.

[24]   إن لم نفرِّق بين سؤالنا: كيف نعرف تجاربنا وسؤالنا: مما تتكون التجارب، فهذا يؤول بنا إلى قول كقول دينيت في كون التجارب في جوهرها سرديات. [يتصور دانيال دينيت الوعي على أنه آلة لسرد قصص عن الذات من خلال نموذجه الذاتي، فتكون كل تجربة سردية.]

[25]   وضع روبرت فان جولك Robert Van Gulick مسوَّدة هذه الفكرة (1983)، وفصَّلها Metzinger (1993).

النقاط الرئيسية المستخلصة

  • الوعي مفهوم معقد ومتعدد المعاني، يحتاج إلى فهم عميق للسياق.
  • الخصائص السلوكية والتجريبية للوعي تعكس العلاقة بين الحس والجسد.
  • هناك نوع من الصعوبة في فهم كيف يتصل الإحساس بالظواهر العصبية، وهذا يجعل الوعي محيرًا.
  • تتضمن الأحجية محاولة تفسير الضرورة الملزمة بين التجربة الفيزيائية والحس الشخصي.
  • نحتاج إلى إعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين الإحساس والعمليات البيولوجية لفهم ماهية الوعي.

اكتشاف المزيد من مجلة حكمة

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاركنا رأيك