“إلى أيّ حدّ يمثّل التساؤل عن النسيان واجبا فلسفيّا، في قرن الذاكرة هذا، المنشغل باستمرار بإحياء الذكرى والمشدود إلى “استهلاكية تذكارية”؟(ج. لومبار)
” الذكريات يصنعها النسيان كما يصنع البحر حافة الشاطئ”، مارك أوغي
” مهما كان غير قابل للتفسير، أنا على يقين بأنّني أتذكر بالذات النسيان، النسيان الذي يدفن ذكرياتنا”( أغسطينوس، اعترافات)
” عمق النسيان هو الأصل الجيولوجي للذاكرة: هو ما يذكّرنا بشكل أفضل بالماضي، هو بالضبط ما نسيناه”. ( بروست)
“يبني النسيان الماضي ويسمح، من وراء الماضي وحده، باحتلال المسافة الزمنية وبالتالي هيكلة كليّة الزمن”. (ج. لومبار).
| الكاتب | جان لومبار |
| ترجمة | عبد الوهاب البراهمي |
“يهدّدنا النسيان، ينقض ما نفعل، ويلاحق ما نكون. وبموجب هذا من دون شكّ، فنحن نفكّر فيه غالبا بصيغة سلبيّة، بوصفه من جهة إلى أخرى، ” فقدانا ونقصانا ومحوا والتباسا ونكرانا وحطّا واضطرابا وإهمالا وافتقارا وهفوة وتقصيرا وتسلية”(2). كثيرا ما نرتمي في ” ليل النسيان البارد”، على حدّ ما يقوله إيف مونتان في غناءه لنص جميل لجاك بريفار ” الأوراق اليابسة”. ولكننا نعرف من جهة أخرى، بانّ النسيان يواسينا، ويهيئنا للمستقبل، ويعيدنا إلى الجديد. هو هدّام، يكرهنا على يقظة مضنية، كما أنّه أيضا حليفنا الأكثر حميميّة من أجل مجابهة ثقل الزمن والعالم. غالبا ما يعقب الليل البارد الصباح المضيء. وإذا كانت الذاكرة تسمح لنا بالتعرّف على العالم، لو استعدنا مفهوم التعرّف الذي يشتغل عليه بول ريكور(3)، فالنسيان يعطينا، من بعيد إلى بعيد، قفزة إلى عالم جديد، وقدرة على الولادة من جديد. واجهت الفلسفة منذ نشأتها، هذه الإشكالية للنسيان. (4) وسنرى أنها أقامت فيها مثلما نقيم في مكان مفضل، وأنها جعلت منها موطنا ميتافيزيقيا جميلا. وهذا يعني إلى أيّ حدّ يمثّل التساؤل عن النسيان، في هذا القرن للذاكرة، المنشغل باستمرار بإحياء الذكرى والمشدود إلى “استهلاكية تذكارية” (5)، واجبا فلسفيّا.
تمثّل الأوديسا بعدُ، في بدايات تاريخ الغرب، ضربا من سرد لا ينسى عن النسيان. نفكّر في إيليس Ulysse في بلاط ملك الفاشيون Phéaciens يحكي عن الزوابع، والمخاطر ومختلف العوائق التي اعترضته أثناء رحلته، منذ أن غادر، مع أسطوله، في نهاية حرب طروادة، بلاد الإغريق وعالم البشر. وفي مقابل آخيل Achille في الإلياذة الذي بلغ قمّة المجد ولمع صيته في الحاضر الأبدي للملحمة، كان إيليس بعدُ في زمن البشر، زمنا يهدّده النسيان. ذلك أنّ النسيان موجود حيثما كانت مغامراته: هو باستمرار أسوء المخاطر بالنسبة إلى هذا البطل الذي تفصح مغامرته بعدة طرق عن صنع التاريخ (6).
خطر حادّ، في لحظات معينة: عرف الرفاق، لدى ” اللوطافيجيين”Lotophages، آكلي اللوتس lotos، ” نشوة النسيان” “ivresse de l’oubli”، التي صرفتهم عن رؤية الهدف من سفرهم وحتى فكرة العودة إلى ديارهم. ولدى الساحرة سيرسي Circé شراب فاتك – مخدّر حقيقيّ للنسيان- حوّلهم إلى خنازير وأفقدهم ” كل ذكرى عن وطنهم” وفي نفس الوقت كل وعي بوجودهم كخنازير. وكان يجب على إيليس وقد صارت لدى الكاليبسو وفي بعض الوقت نسّاءة بفعل جميلا، الخلود الذي اقترحته عليها الحورية بإلحاح، لأنّ الخلود يؤدّي إلى نسيان وضعيتها، وماضيها وزوجها بينيلوبي Pénélope. ومن وراء المخاطر الخاصّة التي تمّ وصفها في هذه الحلقات، فإنّ كل خلفية رجوع إيليس هي التي تمثّل تهديدا بنسيان الذات. لقد كان هوميروس، في الأزمان الأوّلى لبلاد الإغريق، شعار النسيان بامتياز. التحق بفضل هيسيدوس Hésiode، الذي أقام تعارضا ّلأوّل مرّة منيميزون Mnémosyne آلهة الذاكرة والضوء الساطع ( ميموريا Memoria بالنسبة إلى الرومانيين) وليثي Léthè ، الآلهة المظلمة، التي هي جزء معروض في التيوغونيا Théogonie: الليل، ابنة كاوس Chaos الفوضى، والفراغ، أنجبت الموت البغيض، والنعاس والشيخوخة الملعونة وكذلك ” إيريس”، الفتنة التي أنجبت بدورها اليتي Léthè النسيان، وكذا أخوته وأخواته المعاناة والجوع والألم. تشارك الآلهة ليتي اسمها مع “اليتي” Léthè، أحد النهر الخمسة للجحيم، الذي سمّي أيضا نهر النسيان،والذي يجري النسيان بسلام ودون همس، حيث تأتي الأرواح لتشرب حتى تنسى حياتها الماضية. نتبيّن كيف التاريخ الثقافي للنسيان قد تكوّن مع أولى الأعمال الشعرية الكبرى للإغريق القديم. ويبدو أن نصوصه تقدّم تمثّلا آليا قليلا للنسيان: في الأوديسا، يكون مُسبّب النسيان في كل مرّة فارماكون ( شارب صيدلاني) pharmakon ، خمر، ومزيج أساسه عسل أو ثمرة مثل اللوتوس lotos، الخ. لكن لهذا النظام من الأسباب مداه وقيمته الرمزية الأكثر اتساعا، وهو يحيلنا إلى ما هو بحقّ قلب النسيان، أي لغياب يتعذّر إدراكه وغامض، ووضعية مفارقية حيث تثبّت السلبية بوصفها إيجابية. يذكر بلوتارخ Plutarque أنه يوجد في ” الإريكثيون ” l’Érektheion ، هذا المعبد لللاكروبوليس temple de l’Acropole أثينا، شمال بارثينون، مذبح قد أقيم لليثي Léthè ، النسيان. كيف آمكن بناء معبد للنسيان، إذا لم يكن قد اعتبر بمثابة شيء آخر – وكثيرا- أكثر من نقصان، وثغرة أو فقدان؟
نرى منذ البداية، الطريقة المدهشة التي يفصح بها على النسيان. يمكننا أن نترك جانبا تنوّع التعريفات للعبارة، والمجال واسع: نقول بأنّنا نسينا مفاتيحنا، أو نسينا تاريخ حدث ما؛ يمكننا نسيان وعودنا أو محاولة نسيان همومنا بالسفر. إن فعل نسى هو دائما فعل مبني للمعلوم، بينما لا نملك بالمرّة الانطباع بنسياننا أنّنا نفعل ولا ندرك النسيان إلا متى تدخّل، لا حينما يجري. فإذا نسيت ما عرفت أو ما عشت، فإنّه يحدث لي أو على أيّ حال يحصل لي انطباع بأنه قد حدث لي سلبيا شيء ينتج دوني. إنّ الفعل اللاتيني oblivisci، الذي اشتق منه الفعل الفرنسي oublier يؤكّد هذا الأمر: هو ما نسمّيه فعل متعدّي المعنى، صنف نحوي في اللاتينية حيث تجمع الأفعال المبنية للمعلوم والمبنية للمجهول(9). وبالفعل، فليس النسيان، لا فعالية ولا انفعالية: فهو يتجاوز ويطمس هذا التنازع وسنجد صعوبة في القول بدقّة ما يجب فعله حينما نتلقّى أمرا من هذا النوع” لا تنسى أن تفعل هذا أو ذاك” وأن نريد الاستجابة لهذا الأمر. يمكننا على الأكثر أن نقول لشخص آخر “اجعلني اذكر كذا” أو” ذكّرني بـ”، وهو ما يعني تفويض سلطة لسنا على يقين بقدرتنا على ممارستها. هذا اللايقين قائم في صلب النسيان بل هو حتى جوهره: يظهر النسيان منذ البداية مثل شكل فريد من الغياب.فالحديث عن النسيان حديث ضرب من الغياب.
يذكّرنا هذا خاصة بمرحلة متأخرة من حياة كانط. نحن نعرف الاهتمام الشديد الذي أثاره القسم الثاني من حياة الفيلسوف، ربّما لأنّه قدّم لنا مشهدا محيّرا لفوضى تدريجية لفكر كان بشكل مخصوص مبهرا. (10)منذ 1804، سنة موت كانط نشر تلاميذه ثلاث سير ذاتية؛ وخلال القرن 19م، سيروي كتاب وفلاسفة أوروبيون، “الأيام الأخيرة لأمانويل كانط“، أمثال طوماس دي كوينسي , Thomas de Quincey وفيكتور كوزان Victor Cousin. نحن نعرف أنّ كانط، الذي كان جدول أوقاته اليومي مقسما تقسيما صارما بالثانية، وكان له طيلة حياته خادم، يدعى لامب Lampe والذي كان يقوم على تنفيذ برنامجه الثابت والذي، بحسب الوصف الذي قدمته هان Heine، كان يتبعه أثناء جولته اليومية المشهورة ” بصورة متيقظة ومنشغلة، يتأبط مطريّته، في صورة حقيقية عن العناية الشديدة “. ( 11) وفي عام 1802، بينما كان عمره 78 سنة، انفصل كانط، وهو الذي ظهرت عليه معالم شيخوخة، عن خادمه الوفيّ. روى فاسينسكي Wasianski، تلميذ كانط الذي سيصير مؤرخ سيرته الذاتية، بطريقة مفصلة هذه المرحلة من حياة كانط، دون أن يعطي مع ذلك السبب الحقيقيّ لطرد الخادم لامب. نحن نعرف فحسب أن كانط يؤاخذ خادمه القديم على سوء تصرّفه و” أنه يخجل من الحديث عن ذلك”.(12) وليس من اليقينيّ أنّ فاسينسكي قد لعب دورا أساسيا في طرد الخادم- ربما لاعتباره قريبا جدا من المعلّم- ولا في تعويضه بعسكري غليظ الطباع يدعى كوفمان. ولم يتعوّد كانط بالمرّة، مثلما هو متوقع، بهذا التغيير. وكان يجد كثيرا من العناء في الاستغناء عن خدمات لامب فضلا عن إزاحته من ذاكرته. وبما أنّ كانط كان شديد العناية، بحكم وهن ذاكرته، في تسجيل ملاحظات على بطاقات صغيرة الحجم عن كلّ ما لا يريد نسيانه، كان يكتب لنفسه ملاحظة تقول:” يجب على اسم لامب من هنا فصاعدا أن يمحى من ذاكرتي”. وقد وجد فاسينسكي الذي لم يكن ربما محايدا في هذا المسألة، في هذه الملاحظة دليل جديدا على شيخوخة كانط. ومع ذلك، فليس من اليقينيّ أن يكون هذا التأويل سليما، إذ أن التماس الذاكرة للتسبّب في النسيان ليس بالضرورة تمشّ متناقض أو تافه. فلقد علمنا فرويد منذئذ الكثير عن تأويل زلات اللسان و الهفوات في الأفعال وعن نظرية النسيان بوجه عام. لقد زعم كانط على أيّ حال، بهذا الحلّ فعل شيء قد يبدو غير قابل للتصديق: رسم النسيان. (13)
إنّ لهذه الملاحظة التي دونها كانط على الورقة تأويلات عديدة. فقد تحيل إلى فكرة أن كلّ ما كتب يريح الذاكرة:” كلّ ما أكتبه على الورق أرفعه من ذاكرتي وبالتالي أنساه”.(14)، على حدّ قول برناندان دي سان بيار Bernardin de Saint-Pierre. ويمكن أن نضيف: بهذا النسيان المعلن، وعلى نحو ما، أحتفظ به أخيرا، أي بما كتبت، على العكس، إلاّ إذا أضعت الورقة، وهو ما يحدث أيضا. يوجد هنا انزياح إلى خطر الكتابة التي يتهمها بعدُ أفلاطون في الفيدروس Phèdre:” لا نتج الكتابة سوى النسيان بإهمالها الذاكرة.” (15)
إلا أنّه علينا ربّما أن نولي اهتمامنا على المصرّح به ذاته أكثر من اهتمامنا بالبطاقة المدون عليها. كان لـ كانط ثقافة واسعة وذاكرة مدهشة. وهو مقتنع بأنّ الحفظ الجيد ضروري لكلّ تكوين معرفي: نحن لا نعرف إلاّ ما احتفظنا به في الذاكرة”.، مثلما يقول في فصل ” الذاكرة” في كتابه ” الانتروبولوجيا ” وفي ” أقوال في البيداغوجيا” ( 16). يميّز كانط في المقابل، ثلاث أشكال من الذاكرة، آلية وبارعة وحكيمة. لم يكن كانط يهتم كثيرا بالشكل الأول ( الآلية)، والتي يراها جديرة بالببغاء، وكان يفضّل الثالثة ( حكيمة ذات صلة بالحكم)، لأنها تتوافق مع استعمال العقل. ( 17). هل أراد كانط، حتى ننتهي من هذا، أن يعهد لذاكرته الآلية ذكرى سلبية عن لامب، وفي هذه الحالة تكون البطاقة بالمعنى الدقيق للكلمة تذكيرا، أي ملاحظة تذكّر بالمهام التي عليه تأديتها، وهو ما ليس تسرعا في الحكم على نجاح المناورة، أو على العكس، هل يكون، على نحو ما، قد أمّن على انتشار هذه الذكرى السيئة برفعه إلى مستوى الذاكرة الحكيمة لضمان نفيه الذكيّ في نهاية مسار نقدي؟ ومهما يكن، فهذا ضرب من النسيان الإرادي نسب إليه القدرة على تخليصه من هوس بالماضي. وبواسطة هذه الملاحظة التي كتبها لنفسه يقول في الجملة ” علي أن أتذكر النسيان” أو، كما نريد، ” عليّ أن لا أنسي أن لا أذكّر نفسي”،وهو ما سبيّن بانّ النسيان والذاكرة ليسا سوى الوجه الآخر لكل منهما، لكنهما يتداخلان ويأخذان معنى في علاقة متبادلة. أن يكون قد تصرّف تحت تأثير مرض النسيان الكبير ( مثلما نسميه أحيانا الزهايمر )، فقد يكون كانط، في هذه المذكّرة، قد ساهم بشكل مفارقي، في جعل ذكرى لامب غير قابلة للتلف وقد يكون قد أكد ما يعني أن نكون أوفياء. لقد وضع أيضا أو أيقظ بهذه البطاقة عدّة جوانب من التساؤل حول النسيان سنتناولها هذا المساء وفي الترتيب: أولا النسيان بوصفه ضربا من الغياب، أي ديالكتيك ليتيه Léthè وكرونوس Chronos ؛ وأخيرا، في لحظة ثالثة، مسألة حسن الاستخدام، إيتيقا النسيان.
ضرب من الغياب: انطولوجيا موجزة للنسيان
لكن ربّما قد يقال، ألا يجب أولا تحديد ما نعنيه بالنسيان. وبالفعل، فقبل أن نقول شيئا ما عن شيء، كما يلاحظ سقراط، يجب معرفة ما هو هذا الشيء. ومع ذلك، فإذا ما قرأنا محاورات أفلاطون، نرى بانّ البحث عن تعريف ( للشجاعة والفضيلة والعلم الخ…) لا يوافق ببساطة المرحلة الأولى من الحوار، والجملة الأولى التي تجعله مكنا، بل الحوار في كليته. فالحوارات الارتيابية، دون مخرج حرفيا، ليست فحسب في الخاتمة: هي كذلك طوال الحوار، لعدم الاحتفاظ بتعريف مقبول. إنّ الاشتغال على التعريف ليس إذن مجرّد نقطة انطلاق للمسار، بل هو المسار ذاته. كذلك تعريف النسيان، مثلا ذلك التعريف الذي نحتفظ به من ليتري Littré، ” النسيان هو فقدان الذكرى”، يجب أن يقيم النقاش لا أن يغلقه. وبالفعل، فليس ما ننساه بالمرّة موضوعا للعالم، ولا أحداثا ،مثلا. إنّ ما ننساه، هو ذكريات، أي آثارا ولدّتها هذه الأحداث. إنّ الذكرى هي بخِلاف ماض خالص- ولأجل هذا بالمناسبة، لا يوجد ماض خالص. فما ننساه، إنما هو أحداث مُعالجَة، خارجٌ وقع إدماجه في الداخل. كلّ ما أنساه، بطريقة ما هو شيء من ذاتي، هو بعدُ أنا. لا يمكننا الاكتفاء إذن بالقول بأنّ النسيان هو ما ينتج عندما نكون قد أسئنا التسجيل (عدم كفاية التثبيت fixation ) أو حينما لم نحفظ ما سجّلناه (استحالة التذكّر) أو حينما لا نستطيع تعيين ما حفظناه ( غياب التعرّف). ندرك أنه بقدر ما يكون التعريف الذي نقدّمه تامّا، يكون له هدفا تصنيفيّا، بقدر ما يكون عقيما وغير مجدي فلسفيا. إن تعريف كتاب في علم النفس لكلمة مثل ” نسي”، هو فقدان، بطريقة طوعية أو لا، نهائية أو مؤقتّة ،سويّة أو مرضية، ذكرى إنسان أو شيء “تقول كلّ شيء، ومن هنا فهي لا تقول شيئا. إنّ ما ينقص هذا التعريف الشامل جدا، هو الأساسيّ، هو ما به يكون النسيان نسيانا، هو كون النسيان، لا يسبر غوره ومثيرا، هو إذا كان النسيان هو نتاج الذاكرة، فإنّ النسيان ليس نقيضه بل قوّته الحيويّة:” الذكريات يصنعها النسيان كما يصنع البحر حافة الشاطئ”(18)، كما يقول مارك وغي Marc Augé. النسيان هو على نحو مفارقي ما يعطي الذاكرة سلطة: لأجل ذلك لم يكن بالإمكان أبدا “تفسيره في مجموعه” (19)، كما يلاحظ فرويد علم النفس المرضي للحياة اليومية، بالإشارة بدقّة إلى أن النسيان أصبح أكثر إلغازية من الذكرى منذ أن عرفنا ” أنّ الأشياء التي نعتقد أنّنا نسيناها منذ أمد طويل يمكن فجأة أن تظهر من جديد في الوعي”. درس فرويد النسيان من حيث هو عارض له سبب خفيّ وبالتالي بما هو ضرب من الغياب لا يكون دون حضور ما. يبيّن النص الشهير حداد والسوداوية(20)، أنالحداد هو مثال السوداوية. يقيم الحداد ” ذهان الهلوسة للرغبة” الذي يحافظ على نحو ما على المفقود ويمنع عن نسيانه تماما. يكون السوداويّ قد فقد أيضا شيئا لكنّه لا يعرف ما هو: ينسى مسبقا ما نسيه، يتقبّل، كما يقول فرويد، فقدانا مجهولا”. يدمج النسيان دائما لغزا، كما يلاحظ فرويد في تأويل الأحلام في خصوص طفل قال له:” أفهم جيدا بأنّ أبي قد مات ولكن لا استطيع فهم لماذا لا يعود ليلا للعشاء “. (21)ضرب من الغياب وضرب من الحضور في ذات القوت. إذن: نستطيع، ودون الدخول في التفاصيل، ذكر الدرس الأول من “دروس في التحليل النفسي” لفريد حيث يبيّن بأنّ “مرضى الهستيريا يعانون من التذكّر” (22). ومهما يكن، فإنّ كل نسيان له سببه وفي هذا المعنى على الأقلّ له وجوده. هو” منعرج في التاريخ الثقافي للنسيان”، كما يقول هارالد وانرتش Harald Weinrich ملاحظا أن النسيان فقد مع فرويد براءته(23). يقول فرويد:”أن ننسى هو أن لا نريد استعادة ذكرى”.(24) وبالفعل فقد أحدث منعرجا حاسما بفضل العلاج الذي وضع أسسه: قبل المعالجة، يكون النسيان غير هادئ وبعد العلاج يكون قد هدأ. يتحوّل النسيان الحاضر في الكبت في العلاج النفساني إلى نسيان آخر هو نسيان الشفاء: الذاكرة هي هنا إذن، وبشكل غريب، فهي معاون لفنّ النسيان. حدّد لاكان Lacan انطلاقا من وجهة النظر هذه، وبطريقة رائعة، اللاوعي بالنسبة إلى الإنسان بوصفه” ذاكرة ما نسيه”.
إنّ النسيان والتذكّر هما إذن في هذا الصدد بمثابة الفراغ والامتلاء، لفظان تستخدمهما الفلسفة الصينيّة. يستخدم غالبا تشاونغ تسو Tchouang Tseu مثلا فعل نسي(wang) لتحليل المعرفة والكفاءة. ويؤكّد بأنّ التعلّم هو تعلّم النسيان. فالإنسان الحقيقيّ والإنسان التامّ هو ذلك الذي “فكره ينسى “(25). نعرف الإنسان عند الشلال ومبدأ ” السباحة” هو نسيان الماء.(26)”فينتج النسيان ،وفق هذا النموذج، عن التحكّم” وعن التحكّم في النسيان. وتكتسب المهارة ( أو المعرفة) حينما يمكن للوعي أن “ينسى نفسه ” في الفعل. إنّ اكتساب فنّ ما هو القدرة على نسيانه. في نصوص عديدة لتشوانغ تسو، مثل حكاية الطبّاخ تينغ الذي يقطّع لحم البقرة، يكون التحكّم هو نسيان الشيء ونسيان الذات في نفس الوقت، نسيان الذات لذاتها. فأن تعرف السباحة، هو أن تنسى دروس السباحة. وبالمثل، فإنّنا نرى، في الفصل الرابع من ” أسياد وأسلاف”، أنّ كل مرحلة من التدرّج ” تتّسم بقدر من النسيان” وانّ الحكمة هي نسيان تامّ. يقول التلميذ يان هوواي لمعلمه كوفيشيوس:” أنا جالس في النسيان”، ” أنا غير مقيّد”، فيردّ عليه هذا الأخير: ” إذن أنت المعلّم”، ” اسمح لي أن أكون تلميذك”.(27) فإذا لم يكن لا شيء يسمح حتى، في انساق مفاهيمية جد مختلفة، بمقارنة لفظ بلفظ. ( 28)، فإنّ استئناف التفكير في النسيان كان أيضا هدفا بارزا في الفلسفة الغربيّة. فتمشي ديكارت، مثلا، في كتاب ” مقالة في المنهج” تقترح تسليط الضوء على كل ما ” يقترح على العقل من الحواس، والخيال والذاكرة وكذلك كل الأفكار المسبقة”، حتى لا يتبقّى للفكر سوى اليقين الحدْسي بالوجود بما موجود يفكّر( إنه الكوجيتو). إنّ الخطوة الأولى للديكارتية هي في هذا المعنى استراتيجيا للنسيان، نسيان منهجي وإرادي لكلّ ما يتأتى ” من الذاكرة الخدّاعة” (mendax memoria )، في إشارة إلى التأمل الثاني. النسيان يعني إذن الإفراغ.( 29) يجب أن يقارن هذا الفراغ بالطبع، في هذا السياق، بالامتلاء الذي تمثلّه في المقابل، ذكريات ا لإقامة في ألمانيا شتاء 1619-1620، حدثا لا يريد ديكارت أن يلقى في النسيان بل على العكس أن يترك ” أثرا عميقا في الذاكرة حتى لا ينسى أبدا” مثلما يقول في التأمّل الرابع (30). نرى بوضوح، ودون الدخول في التفاصيل، بأنّ ديكارت، وباسم العقل، قد وضع القدرة الكبيرة للذاكرة المنتصرة في القرون الوسطى، موضع شكّ، إلى حدّ ما يسمّى عصر النهضة، لفظ نجده هنا دون استغراب بما أنّ الولادة من جديد تفترض هذا الموت للماضي الذي هو تحديدا النسيان- حتى لو كانت النهضة هي أيضا رجوعا إلى العصر القديم، وبالتالي إلى الذكرى. تبدأ كل فلسفة بوصفها قطيعة، بالنسيان: نسيان النزعة المحافظة للأفكار الجاهزة، والإجماع الكاذب، والتحفّظ، كما يقول ديكارت، من المظاهر الخدّاعة، والموروث المشكوك فيه، والتلفيقات المائعة- وقائمة يجب على الفلسفة نسيانه تطول إلى ما لانهاية. ويوجد في المقابل بالطبع، في فكرة المنهج بالذات، كل ما لا يجب نسيانه.
يعود هذا الصراع للنسيان والذاكرة إلى الإغريق القديم (31) وبداياته كانت معاصرة، للقرن الرابع والخامس قبل الميلاد، للنشأة والفلسفة. هناك حكاية يرويها سيشرون (32) فيما بعد ،تقول بأنّ الشاعر سيمونيد قد زار يوما رجل الدولة والاستراتيجي تيميستوكل، واقترح عليه تعليمه فنّ الذاكرة حتّى يقدر على تذكّر كلّ شيء وقد كان ردّ تيميستوكل أنه يحبذ تعلم فنّ النسيان حتى يقدر على نسيان كلّ شيء وانه يخشى تراكما لانهائيا للذكريات تتعرّض له ذاكرته الاستثنائية. ونحن نعلم أن الحقل اليبيداغوجي كان لاحقا في القرن 15 و16 م حيّزا لنقاش ثريّ حول الوظيفة الخاصّة للذاكرة والنسيان:فجان ل. فيف لا يريد ترك الذاكرة دون عمل و لا يجد عذرا للنسيان، ورابلي يريد تعليم نزعة إنسانية كثيرة المطالبة من وجهة نظر الذاكرة لكنه يعتقد أيضا في إعطاء بونوكراتس دواء مخدّرا مفيدا للنسيان ( الخربقl’ellébore)، المفترض منه تحرير الفكر مما تعلّمه بغباوة. واخيرا يؤسس مونتاني عقلانيا رفض الذاكرة التراكميّة او الاحتفاظ بها بنسب محدّدة. وبالفعل، فإنّ هذه الإشكالية لا تطرح على صعيد تقني، فليس لها منافسا إجرائيا أو استراتيجيا، إنما تتوافق مع طرق مختلفة في تلقّي الوجود والمعرفة. وأولا حياة البشر. فقد كشفت قصّة صندوق باندورا Pandore التي رواها هيسيود Hésiode، عن حدود الوجود البشري وكل ما يفصله عن الوجود الإلهي. يبدو النسيان في هذا الإطار، بمثل علامة عن إكراه الزمن والتهديد بالرجوع إلى العدم الذي يفرض على الفانين البؤساء. وفي الإلياذة، كان “الموت الجميل” (“kalos thanatos)، هو الموت الذي يوهب للبطل، بواسطة طقوس معلومة، وضمان أن مجده سيَعترف به ” البشر القادمون” ( 33). لهذا المجد الذي لا يفنى للبطل، والذي عقب موته المنتصر الذي يتغنى به الجميع، وظيفة تتمثل في كونه يعيق الموت بفضل الذاكرة، ومنح صورة معينة من الخلود لكائن فانٍ، بتفريق لا نهائي تقريبا عن النسيان الأقصى. هذا الاستعراض هو الذي ستسبدله به الفلسفة فكرة جانب خالد للكائن البشري يسمّى النفس.
ومهما يكن، فنحن نرى أن النسيان في الإغريق القديم هو سمة رسم حدود وجودي، وعلامة على التناهي. فهو إنساني بشكل مريع ولابد من الصراع ضدّه حتى نقترب من الألوهي بواسطة تذكّر نشط ولا يقينيّ، بينما تكون الذاكرة إلهية بالطبع وتوهب للآلهة دون عناء. يفرض التوازي نفسه باختلاف أساسي مغاير، بين الحياة الصعبة للبشر، الذين عليهم العمل كي يعيشوا والتداوي حفاظا على سلامتهم، والخلود السعيد و المليء بالهبات الذي هو نصيب الآلهة. يكون النسيان ضمن هذه المنظور تهديدا مستمرّا بالجهل والتبعية، الرموز التامة لهشاشة البشر. إنّ موضع أعظم آلام أوليسيس d’Ulysse هو ” بلد النسيان”. وفي المقابل، فإنّ الوجود حقيقة لدى هوميروس، هو ” أن لا ننسى”، ” أن لا نكون مجهولين، وان ننفلت من النسيان والمحوَ، من الموت” (34): الموت هو النسيان الأسمى الذي نحاول حماية مجده. يعتمد الوجود على الذاكرة. ويطابق النسيان العدم. يوجد وجهان للموت عند الإغريق، مثلما بينه جان بيارفارنان، ونعثر على وحدة هذه الثنائية الملتبسة في كل العصور، بما أن المقابر هي على نفس المستوى ونفس منزلة أماكن الذاكرة وأماكن النسيان. تبرز زيارتها ( المقابر) بوضوح بان النسيان، الذي هو بمثل الموت صورة لللامفرّ منه والذي لا يمكن علاجه، هو سلبي الذاكرة لكنه سلبي هو في نفس الوقت ما يمنحه معناه:” التذكّر هو أن لا ننسى”، كما يقول ريكور. إنّ هذا الميكانيزم النطولوجي هو ميكانيزم الذي نجده في الوعد، إذ بنفس الطريقة، فإنّ ” الوفاء بالوعد هو عدم خيانته”(35). ففي الحالتين، يكون السلبيّ هو الذي يتحكم: التذكّر متعلّق بالنسيان لا العكس، والوعد متعلّق بالخيانة الممكنة ولا العكس. يكون النسيان بالتأكيد ارتجاعي والوعد مأمول أو مستقبلي، لكن هذه الزمانية في كليهما متناظرة أكثر منها متعارضة.
يحيل النسيان، بوصفه مرجعية قصوى للذاكرة، إلى سلبية مطلقة، لكن ما يجعله إلغازيّا، هو أنّ عدمه الخاص ليس قابلا للتعرّف عليه إلاّ بالنسبة إلى إيجابية التذكّر. فلكي يوجد نسيان، يقول القديس أغسطينوس، يجب أن يوجد بطريقة ما أو بأخرى شيء يكون ” ذاكرة النسيان”، وبخلاف ذلك فلن نعرف أننا قد نسينا. يكشف النسيان فعلا بنفس القدر وجود الذاكرة وضعفها. إنه نقطة التأرجح الذي انطلاقا منها توجد الأشياء أو لا توجد، معلومة أو مجهولة، وهذين المظهرين لا ينفصلان. إنّ أليتيا L’alèthéia,الأغريق التي هي حسب هيدجر مقولة نتج عنها كل الفكر الغربي، هي في الآن نفسه الحقيقة والواقع، لكنها منبثقة إحداهما عن الأخرى بانكشاف. هذا الانكشاف هو الصيغة التي بموجبها يوضع حد للنسيان، واللحظة التي يتحوّل فيها النسيان إلى معرفة. في ” الأليتيا” alèthéia نجد بالفعل “الليتيه” léthé، النسيان، معكوس بهذه الخصوصية للغة الإغريقية التي هي الألفا للسلب l’alpha privatif: الحقيقة هي ما لا ننساه، ما لا يجب أن ننساه.إنها انبثاق خارج النسيان. لقد كان لهذه الفكرة عن الحقيقة بوصفها انكشافا للكائن لا بوصفها مجرّد تطابق مع الواقع، أثرها الواسع في الفكر الإغريقيّ ومن وراءه، لكن إذا ما وجب تمثّل حالة خاصّة عن الانبثاق خارج النسيان، فسنفكّر في العبد “مينون” Ménon. نعرف أن أفلاطون يتحدّث عن عبد شاب يكتشف، بأسئلة سقراط الماهرة، القوانين الولية للهندسة، في حين انه لا يملك في هذا الباب أيّ معرفة. (36) فكيف أمكن له، كي يبني مربعا يكون” ضعف مربع ذي أربعة أضلع مرسوم على الأرض”، وان يجد في نفسه منابع ضرورية لبناء التمشي الواجب إتباعه؟ فإذا كان قد تلقى هذه المعرفة، فليس على أيّ حال في هذه الحياة الراهنة. لقد تلقاها إذن في ” زمن لم يكن فيه إنسانا” (37)، قبل أن تلتصق نفسه بجسده، أثناء المراحل السابقة. يتعلق الأمر بإثبات غير مباشر لخلود النفس. يلاحظ سقراط إذن:” يجب أن تكون النفس خالة، على نحو يكون فيه ما تجده غير معروف الآن، أي ما لا تتذكّره، هو ضمان بأنه عليك بذل الجهد في البحث عنه وتذكّره”( 38). نتعرّف هنا عمّا يسمّى نظرية التذكّر réminiscence ( الأنانامناز l’anamnèse في الإغريقية anamnèsis)): تأمل النفس بحرية أفكار ( مثل) الأشياء الحسية والطبيعة الحقيقة للأشكال الهندسية قبل نشأتها ( ولادتها)، بينما كانت متحرّرة من سجن الجسد.التعلّم هو إذن التذكّر ( 39): المعرفة تقاوم النسيان الذي تثيره الولادة، معرفة تنشأ من هذا النسيان، معرفة كامنة في معنى يكون فيه الكمون بمثل النسيان، ضربا من الغياب. لسنا ملزمين بالاتفاق مع أطروحة خلود ومع التناسخ كي ندرك أهمية هذه المقاربة للمعرفة بما هي استعادة لمعرفة ضاعت (40).
إنّ الخروج من النسيان وظيفة هامّة للفكر حدّدها أرسطو فيما بعد في نص قصير عرف خاصة تحت اسم لاتيني De memoria et reminiscentia ” عن الذاكرة والذكرى”، حيث يقيم تمييزا أساسيا بين الذاكرة والذكرى souvenir، بين منيمي mnémè ( ذاكرة memoria )، التذكير، اللحظة الفاعلة للتذكّر التي تصل إلى التفكير في ماضيّة الماضي وهي بهذا لا تخضع له. إنّ الماضي، في الأنامناز ( التذكّر)، استعادة للماضي المنسيّ، الموقظ الحقيقيّ للنسيان، “هو في نفس الوقت ما ليس موجودا وهو ما كان “. يصبح النسيان والجهل المفترض إذن ما تُبنى ضده المعرفة، بنفس الطريقة التي تسمح بها كتلتها للطائرة بالتحليق، وحتى نستشهد بالقول المختصر لسانت اكزوبيري، ” لا يوجد صعود دون جاذبية”. ويمكننا القول بأن، حتى نظلّ في عالم أللإبحار، التذكّر يقوم بعمله ضدّ تيار نهر النسيان fleuve Léthè “(41).
وبالفعل، فإنّ المنزلة الهامّة لما يسمّيه واينريش” النسيان المتعالي والتذكّر الأرضي”، سيذهب لدى أفلاطون إلى ما بعد المجال الإبستيمولوجي وسيخصّ أيضا الحقل الوجودي. فالحبّ مثلا، يتعلّق هو أيضا بالانكشاف dévoilement – وفي هذا المعنى فهو، كما يقول باديو، ” تدبير للحقيقة”(42). يبدأ الحبّ بلقاء، لكن الصدفة التي تثيره تتحوّل إلى ضرورة بإنشاء عالم لأثنين يبدو أنه جاء ليصلح من شأن نسيان. نفكّر هنا في محاورة ” المأدبة” لأفلاطون( 43) وفي كائناته المجزّأة، والتي قسمها زوس Zeus إلى اثنين، هذه الأرواح المتشابهة التي لا تنفكّ عن البحث عن ذاتها، لأنّ فراقها لشطر منها ينتج رغبة لامتناهية في أن تصير من جديد واحدة. أن نحبّ، هو أن نخرج من النسيان الجزء من ذاتنا الذي في الآخر.
الليتي Léthèالنسيان، بيوس bios الحياة وكرونوس chronosالزمن: جدلية الحفظ والتلف.
نحن نعلم أيضا بأنّ الزمن المستعاد le temps retrouvé، حتى نستخدم معجمية بروست، لا يمكن تحديدا أن يُستعاد إلاّ إذا فقدناه. تثبت تجربة الذاكرة اللارادية ( تجربة نكهة المادلين الشهيرة مثلا ) استمرارية الهوية الفردية عبر الزمن، لكنها تثبت أن إيجادها لا قيمة له إلاّ بعد النسيان. إنها تبيّن كيف أن عمق النسيان هو الأصل الجيولوجي للذاكرة: هو ما يذكّرنا بشكل أفضل بالماضي، هو بالضبط ما نسيناه، يقول بروست.
إنّ هذا الشكل من التذكّر موجود في كل موضع من “البحث عن الزمن الضائع” ونحن نفكّر في صوناتا فانتوي sonate de Vinteuil الشهيرة ،هذه الموسيقى التي يبدو انه قد نُسيت دون أن تكون قد استُمع إليها بما أنّ شارل سيوان قد تعرّف عليها لحظة التقى بها: مثال جيد عن الحميميّة العفوية والمُرْبِكة مع شيء من العالم يبدو انه آت من عالم آخر. يمكننا ملاحظة هذه الظاهرة بالقيام بتجربة إعادة قراءة كتاب ما سبق أن قرأناه ثمّ نسيناه. فسنكتشف إذن أن ” إعادة القراءة” هو أن نحيا من جديد دون توقّع، وهي تحصيل الانطباع بما سبقت رؤيته دون التوقّف عن رؤيته قادما”، وانطلاقا من هذه التجربة الخاصّة للغياب، نشعر في الآن نفسه ” بلطف العودة ولذّة الانتظار” ( 44). كان لدى أفلاطون بعدُ تحليلا أوليا للنسيان الأصليّ مع أسطورة ” آير البافيلي التي ينتهي بها الكتاب العاشر للجمهورية. مات آير على ساحة المعركة، وقد وضع على حطبٍ كي يحرق، فيقدر على رؤية ما سيحدث للأرواح بعد الحياة وقبلها. وفي إجراء معقّد يفضي إلى التناسخ، تتوقّع مرحلة تختارها كل نفس بدورها، من بين مصائر مقترحة، حياتها الجديدة. بقدر ما تسلك الطريق نحو سَهْل الليتي Léthè النسيان) للشرب من ماء النهر( 45).ويجعلها هذا الماء تنسى ذكرى الحياة الماضية، قبل أن تُنقل نحو مكان ولادتها الموالية، أي في الأجساد حيث تُنْسَخ. لقد اختارت النفس بحرية مصيرها الجديد قبل نسيان حياتها الماضية، ويقول النص بأنّ نَفْسَâme اوليس (46) قد اختارت اختيار صائبا، مستلهمٍ من التجربة الثرية المكتسبة من مغامرات الأوديسا. غير أن النسيان وحده يسمح بإيجاد مكان للجديد والفعل من جديد، وفي هذا المعنى، فإن شرب ماء نهر أميليس، الليتي Léthè، وبتعبير آخر القدرة على النسيان، هي الشرط الحقيقيّ للحريّة: أن أكون حرّا، هو أن لا نخضع لما سبق. وفي ذات الوقت، تظلّ آثار حياة قديمة ربّما، تظهر من جديد بوصفها علامات إلغازية في الوجود الجديد. وبالفعل فإنّ البدء أو البدء من جديد ” يمثّل تجربة لا تقبل طعن ” كما يقول بول ريكور: فمن دونها لن نفهم ما يعنيه الاستمرار والدوام والبقاء والانتهاء”. (47) كل عود على بدء محكوم بماض منسيّ. كل بداية جديدة مشروطة بماض منسيّ، للماضي الذي، بعبارة سارتر، “ينتظر التصديق”(48)، النسيان بوصفه فعل ماض. وفي هذا المعنى، يبني النسيان الماضي ويسمح، من وراء الماضي وحده، باحتلال المسافة الزمنية وبالتالي هيكلة كليّة الزمن. يعرف المؤرخون بالخصوص، بأنّ الذاكرة، سواء أكانت “جماعية أو فردية هي أيضا نسق تنظيم للنسيان. لكن، كان برجسون في شأن بناء الماضي، أوّل من تساءل في حال تكوّن الذكرى، عن اللحظة التي يختفي فيها الإدراك ويترك المكان للذكرى. لقد طرح هذا السؤال غير المألوفوالجوهري سنة 1908 في تذكر الحاضر والاعتراف الكاذب( 49)، حيث بيّن بأنّ نسيان الإدراك ضروري كي تظهر الذكرى.” إن تشكلّ الذكرى ليس مابعديا بالنسبة إلى ذكرى الإدراك، يقول برجسون، إنه متزامن معها”.( 50)، لكن مع نسيان هذه الذكرى، التي هي بالضرورة بعدية، فإنّ الزمن هو الذي يمرّ”.
وفي هذا المعنى، فإنّ للّليتي Léthè رابط جدّ قوّي مع الكرونوس Chronos والبيوس bios، مثلما يبّن ذلك المشهد ذي المحتوى الميتافيزيقي الرفيع والذي حضره آر البامفيلي Er le Pamphylien، الذي اختاره أفلاطون لملاحظة كيفية اشتغال العالم من خلال الكواليس. يجري هذا المشهد في آخر محاورة الجمهورية أيضا وفق منطق هو منطق النسيان الذي يبني الزمن: هو منطق الانتقال المتبادل على نحو ما بين الحيوات viesالماضية والوجود المستقبلي، التي اختارتها الأنفس التي وقعت محاسبتها والمصنفة، مع تدخّل توسّطي للنسيان في وظيفته التطهيريّة، والإبداعية والتجديدية. وبفضل الليتي( النسيان) يحتل البيوس ( الحياة ) مكانه ضمن الكرونوس ( الزمن). لا يستخدم الإغريق مفردة موحدة للتعبير عن الحياة. لقد انشئوا تمييزا سنجد صعوبة في تجاوزه الآن، بين كلمتين: زو وي zôê ،مجرد أن نحيا وهو المشترك بين جميع الأحياء والحيوانات والبشر بل والآلهة، والكلمة التي نجدها مختصرة ومخصصة في زوولوجيا zoologie وبين كلمة بيوس طريقة الحياة، نجده في البيوغرافيا، السيرة الذاتية biographie (51). لقد ابتكر الإغريق القديم إذن ووضع الوجود من وراء الحياة، هذا الوجود الذي نرويه في السير الذاتية. ليست السيرة الذاتية ممكنة مع ذلك، إلاّ انطلاقا من خط تقاسم بين الذاكرة والنسيان، ونحن نعرف فعلا أنه يجب أن يقرأ ما بَيْنَ السيرة الذاتية بعمق بقدر ما يقرأ سطحيا. بينما الكرونوس ( الزمن) فهو ما يحدث في مقابل اللحظة، kairos ، الحد الذي تعذّر الإمساك به، والأبدية aiôn، الزمن الذي لا يحدث. فليس من الغريب إذن بأن يكون انصراف الاهتمام إلى الذكرى والنسيان في أعلى مستواه لدى فلاسفة الزمن.فقد كتبالقديس أغسطينوس الذي نعرف مقامه الرفيع مفكرّا في الزمنية( 52)، في الكتاب العاشر من ” الاعترافات “ترنيمة نابضة بالحياة للذاكرة، مجاز ” قصر الذاكرة الواسع” مع “كنوزها التي لا تحصى”، مجازا معروفا جدا. وعلينا قراءة الفصول 8 و13 من هذا الكتاب العاشر، عن وطن الذاكرة، ذاكرة العالم واستمرارية الذات وعالم المعارف(53). فنحن نجد فيها ذكر الكنوز العظيمة للذاكرة السعيدة. لكن ها انه منذ الفصل 14، توضع هذه الذاكرة موضع السؤال، ذلك أن اغسطينوس قد قابل النسيان باندهاش ثم بأَسَى:” كيف يكون النسيان حاضرا ،بينما يمنعني حضوره من التذكّر؟”. و بعبارة أخرى، كيف يمكن أن يكون لما هو غياب مثل هذا الحضور ؟ كيف يمكن لسلبية أن تكون ذات ضرر كبير ؟ ” عل أيّ حال، إلهي، أنا أعاني من هذا الموضوع ومن ذاتي ؟” (54)، كما يقول أغسطينوس في نهاية هذا التحليل الدرامي. ويقدّرأغسطينوس أنه من الفضيحة أن يجتاح ذكرياتنا وفي ذات الوقت يساهم في الإيجاد و التقدير، وان يكون أيضا مدمّرا. ويقول بأنّ هذا المفترس، ويقصد النسيان، الذي يعمّق وضعه المأساوي باعتباره يستخدم على نحو ما الذاكرة بما هي شريك بجعلها تشهد بالموضوع المنسيّ وبالتالي بواقعها الخاص. ويعود أغسطينوس إلى ذلك عديد المرّات قائلا:” مهما كان غير قابل للتفسير، فإنّني أتذكر بالذات النسيان، أنا على يقين، النسيان الذي يدفن ذكرياتنا”، وفي موضع آخر يقول:”لا يمكننا البحث عن ذكرى ضائعة إذا كان النسيان مطلقا”( 55). لقد أصبحت هذه الصفحات ذاتها، حيث الإعجاب بالذاكرة ملغوم بالتهديد المخيف للنسيان، خالدة.
إلا أنّ النسيان لا يهدّد الذاكرة فحسب، بل الوجود أيضا. ثمّ إنّ الخشية التي عبّر عنها اغسطينوس هي في قلب كلّ لاهوت الغرب. فالعهد القديم يقدّم علاقة الإله بشعبه المختار بوصفها ميثاقا على عدم النسيان: الله لا ينسى شعب إسرائيل إذا لم تنس إسرائيل الله. لأجل ذلك، تقرّ الكتابة صراعا لا ينتهي مع خطر النسيان (56). وبدورها ستقدّم المسيحية نفسها بعد اليهودية بوصفها دين الذاكرة:” افعل هذا تخليدا لذكراي” هي لعنة للنسيان من حيث هو الوجه المظلم للذاكرة. وقد أقيمت، حفاظا على استمرارية إسهام الإغريق المتعدد الآلهة مع ذلك، محاور كبرى لجدلية الحفظ والتلف.
إنّ الحفظ عبارة قديمة ( المكان الآمن كلمة من القرون الوسطى) لكن لها راهنية ومستقبل في مجال الإعلامية. الحفظ هو تأمين، وبالتالي احتياط جذريّ بالنسبة إلى النسيان. وبالفعل، فإنّ تراكم المعطيات في النظام الحديث المفرط يطرح مشاكل خاصّة مقلوبة تماما لأولئك الذين هم من زمن تحمل فيه الرغبة على شمولية المعرفة، ويكون فيه الهدف هو الجمع وحفظ المعطيات، الزمن المجيد لورق البردي و فيما بعد بالمكتبات. يتعلق الأمر اليوم بالحماية من النموّ غير المعقول للمخزون من كلّ نوع. لقد أبرز هنريش بول مؤلف “صورة لمجموعة مع سيدة”، هذه الظاهرة لتشبّع مجتمعات المعرفة في قصّة تسمّى ” الرامي” (57) حيث يتحدّث عن ولادة مهنة جديدة. رجل متحفّظ، يلبس بلوزة رمادية، ويشتغل يوما بعد يوم على تحطيم بريد غير ضروري لشركة تأمين كبيرة لعطر الكولونيا. فهو يرمز بداهة إلى وظيفة الإتلاف التي تَنْتهي الذاكرة في حالتها قصوى دائما إلى استدعاءها، نقيضا تماما لخطر لانهائي للفقد. نلتقي في هذا المحور بعدد كبير من الأعمال الأدبية المعروفة والشعبية أحيانا، لأن الحفظ والفَقْد يؤطران بالتأكيد أكثر من أيّ وقت مضى وجود الإنسان المعاصر.
تطابق الذاكرة القصوى أوّلا على وجه العموم لهاجس حقيقيّي بالماضي.إنّ إعادة قراءة مثيرة للمؤلف المشهور “حكايات مونت كريستو” للإسكندر ديما، كانت انطلاقا من هذه الفرضية.(58) نعرف أن إيدمون دونتاس، وقد أصبح غنيا وقويّا، بدأ بشكل منهجي، وخلف هوية مونت – كريستو، بالانتقام من أولئك الذي اتهموه ظلما وسجنوه. فهو لم يغفر لأحد، بينما كان بإمكان “حظه الوقح وثروته غير المتوقعه، آن يجعلاه أكثر تسامحا. لكنه كان مهووسا بالماضي “الذي ” بالبحث في الذاكرة لا يجد سوى النسيان”. إذ لا احد سيتعرّف عليه باستثناء مارسيديس. ومن الحقيقيّ بأنه مثل إيليس في عودته إلى إيثاكيا، لم يرد أن يقع التعرف عليه، مفضلا القيام “بقطيعة زمنية” في حياة أولئك الذين يريد الانتقام منهم. نرى جيّدا هنا، بأنّ فكرة الانتقام ترتكز على العجز عن النسيان أكثر من الانشغال بتحقيق العدالة. فدانتيس لا يريد لا إرساء توازن مختلّ ولا العودة إلى الوضع الراهن. لم يتوّصل بكل بساطة إلى تجنّب الإساءة والضرر الذي لحقه- وانّ الخراب قد وقع إصلاحه كفاية بعدُ. إنّ هاجسه هو كشف قناع رفاقه القدامى، وإظهار حقيقتهم بالتأكيد على الفارق بين ما صاروا عليه وما كانوا عليه من قبل. يستخدم في هذه الاستراتيجيا التي يصرّ عليها، عدّة أقنعة ( مونت كريستو، الب بيسوني واللورد ويلمور). وما هو ملفت الانتباه، هو أنّه يذهب إلى لقاء ماضيه لكنه لا يعثر عليه أبدا. فكلّ شيء يمّحي بقدر ما يقترب، أصدقاءه من قبل، ذكرياته وشغفه بمارسيديس وحتى، في النهاية، قوة رغبته في الانتقام. فهذا الماضي الذي لم يستطع نسيانه لم يترك مكانه فحسب لحياة أخرى ممكنة أو شغف جديد، بل يفقد شيئا فشيئا، حتى بالنسبة إلى نفسه، كلّ معنى. كان دانتيس مهووسا بالزمن و ليس لهذا الهوس دون نسيان ممكن، من معنى أكثر من نسيان دون هوس. ” ماتت مارسيديس ولا أعرف إنسانا بهذا الاسم”، يقول مونت دريستو لحبّ شبابه. إنه لا يتخيّل حتى الإيدمون الذي كانه في حياة أخرى. تشعر مارسيديس بأنّ تقبيل يدها الذي كان يقوم به هو بلا لهفة، مثل التي يكون ليد رخامية لتمثال قديسة”، كما ورد في النص. رحل إيدمون ولكن وحيدا، إذ في الواقع لا يستطيع الذهاب إلى أيّ مكان: وفي الجملة انتصر الزمان على المكان. يصبح غياب النسيان في هذا الاحتفاظ المتوتّر والدغمائي بالماضي، حدّا قدَرَيٍا.
نجد في الطرف الآخر حدّا مخالفا، كان موضوع أعمال أدبية كبرى لإعادة بناء الزمن. نذكر بدرجة أولى بروست. وعلى خلاف مونت كريستو، الذي يبحث عن الذاكرة لكنه لا يعثر إلاّ على النسيان، فإنّ الراوي في ” البحث عن الزمن المفقود” يبحث عن النسيان ويعثر على الذاكرة. (59). ” يقول يروست في ” بالقرب من سوان” :” لا يتكوّن الواقع إلاّ في الذاكرة”، مضيفا هذه الصياغة المدهشة: ” إنّ الأزهار التي تقدّم إليّ اليوم لأول مرّة ليست أزهارا حقيقيّة”.(60) يتعلق الأمر هنا بالذاكرة اللاإرادية، الوحيدة التي لها قيمة شعرية حسب بروست، وليست الذاكرة الإرادية، العقلية – الفكرية إن أمكن أن نقول – تلك التي لا تتوصّل رغم جهودنا، إلى ردّ الماضي حقّا. تنمو الإرادة الحقيقيّة، التي هي إرادة الحواسّ، بطريقة تحتية، عبر النسيان. النسيان طويلا وبعمق شديد قدر الإمكان، الوقوع في هاوية النسيان، هو الوسيلة الوحيدة للشفاء من خوف الزمن و قلق الموت- نحن نعرف المكانة التي يحتلها القلق من الشيخوخة ومن الاختفاء في البحث عن الزمن المفقود، العنوان الذي ألفناه كثيرا والذي لا نفكّر حتى في أنه يعالج الفقدان، هو النقيض الأمثل للحفظ.
يمكن للنسيان المنتظم أن يكون بالمناسبة بابا للخروج، ووسيلة مضمونة في أن نكون على نحو ما دون ماض. ففجوة الذاكرة trou de mémoire مثلا، يمكن أن تكون، من وجهة نظر علم النفس التحليلي، حذف سحريّ لكلّ ما سبقها. هذا ما حدث لكازانوفا، المُغوي الشهير، بينما كان في الخامسة عشرة من عمره. يحدث المشهد في 19 مارس 1741. كان على كازانوفا وقد دخل بعدُ في الحياة الدينية، أن يلقي خطبة، أول خطبة دون شكّ عن القديس جوزيف الزوج العفيف للعذراء. لم يكن على ما يرام بعد غداء أفرط فيه قليلا في شرب الخمر، حينما بدأ كازانوفا الشاب في إلقاء الخطبة، التي حفظها عن ظهر قلب، وسرعان ما التبس عليه الأمر ولم يستطع المتابعة. شعر بضيق وسرعان ما وجد نفسه على حافة الإغماء وأحس “بفجوة في ذاكرته” زادت الطين بلّة. (61). وكان لابد من إخراجه. استخلص كازانوفا من هذا الذي حدث العبرة بالتخلّي عن البابوية.إنّ هذا النسيان المطلق الذي قرّره سيترك المكان كلّه، وفق ميكانيزم أثرناه من قبل، لحياة جديدة: الطريق مفتوحة لقدرته على الإغواء. لقد ولد كازانوفا. لا يجب أن نرى هنا حلقة معزولة: كلّ حياة كازانوفا هي التي ستكون استراتيجيا متواصلة من الفقد، وتعاقب لنسيان مقيّد. لقد وقع سريعا في حبّ حفيدة الراهب توسيللو، ذاك الذي جعل كنيسته مكانا لأول خطبة ولفجوة الذاكرة الحاسمة. وَعَدَتْ أنجيلا الشابة بالإخلاص في حبها لكازانوفا لكنها دافعت عن فضيلتها ” مثل تنّين” كما يقول. وسيكون لكازانوفا عديد المغامرات العاطفية غايتها نسيان هذا الحب الأوّل المتوتّر والمحفوف بالمزالق. نسيان أنجيلا، ضمنيا إلى الأبد، سيصبح هاجسا. و ستهتم فتاتان نانات ومارتون بذلك. و قد عنون كازانوفا الفصل 5 من الكتاب الأول للمذكّرات:”أنسى أنجيلا”. والباقي في مجمله سيكون سلسلة متواصلة من النسيان لترك المكان بوضوح لغوايات جديدة، وصولا إلى التي لا تنسى هنريات Henriette.
هكذا كانت حكايات الحب لكازانوفا حكايات نسيان، بخلاف حكايات دون جوان، هاوي جمع المغامرات العاطفية الذي يرتكز إذن على الذاكرة. يتدخّل “نسي” هنا كفعل حدث دون مفعول به، مستعمل إطلاقا، ومعبّرا عن اكتمال الفقد perte.يوجد هذا المعنى أيضا حينما يحمل المفعول اسمه لكن على أصل، مثلما في عنوان كتاب إيدومون دي شارل- رو” نسيان بالارموPalerme، الذي يعبّر طبعا عن إصرار الهويّة. نعثر على هذا المعنى الجذريّ لفعل نسيَ في الفعل verbe الذي يشير إلى الفعل l’action بالضبط نقيضا لشعار كيبيك السامي أتذكّر Je me souviens، حيث يقول غياب المفعول بقدر من القوّة ما لا يقول.”
محاضرة بمؤسسة ” أصدقاء الجامعة” 2014.
اكتشاف المزيد من مجلة حكمة
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
