سيكولوجية الانتحار: محاولة في فهم الانتحار – كاي جاميسون / ترجمة: طلال العمري، هدى متبولي

سيكولوجية الانتحار: محاولة في فهم الانتحار – كاي جاميسون / ترجمة: طلال العمري، هدى متبولي

ظلمة تتهاوى الانتحار

غلاف كتاب (ظلمة تتهاوى: محاولة لفهم الانتحار)

يمكنك شراء سخة كندل من الكتاب عبر هذا الرابط


حان وقت إزالة الزينة،

إنه وقت تغيير اللغة،

وقت إطفاء المصباح المعلق فوق الباب..

مارينا تسافيتا(112)

خط الصبي ملحوظة وعلقها على قميصه، مشى بعدها إلى الناحية البعيدة من شجرة عيد الميلاد، وتعلق من السقف شانقًا نفسه. كانت الملحوظة موجزة «عيد ميلاد مجيد»، إلا أن والداه لم ينسياها أبدًا.. أو حتى يفهماها .

كل أسلوب للانتحار هو – وبطريقة خاصة – غارق في خصوصيته، وشنيع، ولا سبيل لمعرفته. لا بد أن الانتحار قد بدا لمرتكبه الخيار الأخير والأفضل من بين خيارات سيئة عدة، وأن أي محاولة من الناجي لرسم خريطة لهذا المرفأ الأخير من الحياة؛ لم تستطع إلا أن تتمخض عن رسم تخطيطي، ناقص بجنون.

نحن كعائلة وأصدقاء، وكأطباء أو علماء لا نجد إلا القليل: بضع كلمات قليلة من المحاورات والأحاديث الأخيرة، ذكريات عن سلوكيات طبيعية جدًا تبدو الآن مشبوهة، ملحوظة صغيرة أحيانًا أو مذكرة مكتوبة، استرجاع لبعض تعاملاتنا الخاصة مع الفقيد، شذرات نشتتها بالشعور بالذنب أو الغضب أو الفقد الصعب.

نبقى لنحاول أن نفهم ملحوظة صبي يافع في عيد الميلاد، وأم لثلاث أبناء تضيء شاشة كمبيوترها بــ «أنا أحبكم. أنا آسفة. ذاكروا بجد»، ورجل أعمال ناجح يقفز أمام قطار مندفع، وطالب دراسات عليا رائع يقتل نفسه بزرنيخ جلبه من معمله، وشاب أسود واعد في الخامسة عشرة يحرض على مقتله الخاص بتوجيه لعبة مسدس إلى ضابط البوليس.

هناك حد واضح لمدى فهمنا: الإشارات والرسائل الأخيرة قد تعني أشياء كثيرة، والحياة ــ متى ما أزهقت ــ لا يمكن لها أن تعود. لا يهم كم نرجو أن نعيد تجميع أجزاء عالم المنتحر النفسي، فأي ضوء نحصل عليه؛ هو غير مباشر وغير كاف، ذلك أن العقل بخصوصيته يشكل حاجزًا غير قابل للنفاذ، وأن كل منتحر لديه سبب جيد للانتحار، أو على الأقل؛ فهذا ما يبدو لمن يسعى له، وإن لمعظمهم أيضًا أسبابًا جيدة للبقاء أحياءً، مما يعقّد كل شيء.

الانتحار ليس ممارسة تتمتع بخصوصية تامة، وهو غير فردي بشكل كامل ولا غير قابل للتنبؤ. لدينا طرق لفهم الجذور السيكولوجية للانتحار، ورغم أنها لا تزودنا بالوضوح الكافي الذي ننشده، إلا أنها تشكل أرضية نستطيع الانطلاق منها.

رسائل الانتحار – التي تشكل نقطة البداية – تَعِد غالبًا بأكثر مما تبلغ. قد يبدو أن لا شيء يقترب من حقيقة الانتحار أكثر من الرسائل التي يتركها هؤلاء الذين يقتلون أنفسهم، لكن الحقيقة غير ذلك، فتوقعاتنا لما نعتقد أنه سيدور في خلد الناس أو يشعرون به وهم يواجهون حتوفهم؛ أعظم من حقيقة ما فعلوه وأسبابه. خبير الانتحار إد شنيدمان Ed Shneidman على سبيل المثال، علق مرة على التفاهة المخيبة للآمال لرسائل الانتحار – ولنمرر أملًا شائعًا له في أن اللحظات الأخيرة المسجلة من الحياة ستقدم نظرة عميقة أو تراجيدية عن الموت – قال: «رسائل الانتحار غالبًا ما تكون أشبه بالمحاكاة الهزلية لبطاقات بريد ترسل للبيت من غراند كانيون أو سراديب الموتى أو الأهرامات ــ لفتة لطيفة في المقام الأول، لا تعكس إطلاقًا عظم المشهد الموصوف أو عمق الانفعالات الإنسانية التي يتوقع المرء أن يبعث عليها الموقف»(113).

لكن بالطبع، يستطيع أحد ما أن يجادل في أن معظم هؤلاء الذين يقررون إزهاق أرواحهم بأيديهم قد فقدوا القدرة على الشعور العميق بالأشياء، وعلى أن يفكروا مليًا بعمق وأصالة، أو على أن يروا الحياة بغير المنظار الرمادي الذي ينظرون به. التعبير عن الأفعال الباطنة المظلمة القصية صعب بما يكفي لهذه الأذهان الحاسمة المتهيئة، لهؤلاء المحبطين، المشوشين، فاقدي الأمل، منحسري التفكير، فنصوصهم تفتقر إلى البيان على الأغلب. حين يجد البيان أو التبصر البليغ طريقهما إلى رسائل الانتحار، فإنه يعاد اقتباسهما بشكل متكرر، بالتحديد لكونهما يقدمان نظرة منفردة للذهن الانتحاري.

هذه الرسائل قد تكون عنيفة، ملحة، أو ذات سخرية لاذعة، لكنها تميل للابتعاد عن التقليدية.

في الحقيقة، القليل فقط هم من يتركون رسائل انتحار(114)، ربما كانوا واحدًا من كل أربعة، ومن غير الواضح إن كانت هذه الرسائل تمثل الحالة الانفعالية، والدوافع، وتجربة هؤلاء الذي لا يتركون وراءهم أثرًا مكتوبًا.

قبل أربع آلاف سنة، صاغ مصري يأسه على ورق البردى نثرًا وفي 4 قصائد ذات أبيات قصيرة. هذه الوثيقة المحفوظة الآن في متحف برلين، عدّها طبيب الأعصاب البريطاني كريس توماس Chris Thomas أول رسالة انتحار باقية، وهو يعتقد أنها تعكس اجتراره لعقل شديد الاكتئاب وذهاني على الأغلب. في القصيدة الثانية من هؤلاء الأربع، نفّس هذا الكاتب العريق عن مأساته في صور مستقاة من زمانه:

أواه! إني لمقيت،

أكثر من رائحة جيفة في يوم صيفي تحت سماء حارة

أواه! إني لمقيت

أكثر من رائحة تمساح.. أكثر من الجلوس على ضفة التماسيح

أواه! إني لمقيت

أكثر من امرأة كذبوا عليها عند زوجها

يتحول لاحقًا من التوجع من حقيقة وجوده، إلى التغني بجاذبية الموت:

الموت عندي اليوم،

كرائحة شجرة مر

كالجلوس تحت الشراع في يوم عاصف..

الموت عندي اليوم،

كرائحة زهرة لوتس

كالجلوس على ضفاف النشوة الثملة

أتوق للموت اليوم،

كما يتوق لبيته،

من قضى سنين طوالًا في الأسر

ومنذ ذلك الحين، ورسائل الانتحار تكتب بالحبر، وبالدهان، وبأقلام الرصاص، وبالألوان الشمعية أو بالدم. الفنان الفرنسي جولز باسكن Jules Pascin على سبيل المثال، قطع وريد رسغه ليكتب بدمه موجزًا «لوسي، سامحيني»، ثم قام بشنق نفسه. الشاعر الروسي سيرجي ايزنين Sergei Esenin، كان في الثلاثين من عمره حين شنق نفسه من أنابيب التدفئة في سقف غرفته ــ الغرفة التي تركت في فوضى عارمة، بأغراض ملقاة هنا وهناك وقصاصات ممزقة من قصائده المكتوبة ــ كتب قصيدة كاملة بدمه في اليوم الذي سبق انتحاره(115).

الوداع يا صديقي، الوداع

أنت يا عزيزي في فؤادي

وكل فراق مقدّر، يعد بلقاء جديد

الوداع يا صديقي، بلا مصافحة ولا كلمات

لا تحزن ولا تقطّب جبينك

ففي هذه الحياة لا جديد في الموت، لكن طبعًا لا جديد أيضًا في أن تعيش.

معظم الرسائل ليست مكتوبة بشكل درامي، فبعض كاتبي الرسائل، وبغض النظر عن كونهم شعراء، يقتبسون من كلام الآخرين. باول تسيلان Paul Celan على سبيل المثال، رسم خطًا تحت جملة من السيرة الذاتية لهولدرلين Hölderlin «أحيانًا تظلم هذه العبقرية وتغوص في مرارة رغبة القلب» ثم أغرق نفسه في نهر السين(116). البعض يترك توثيقًا أوسع لأفكاره، ففي مذكرات سيزار بافيز Cesare Pavese في آخر سنة من حياته الغارقة في ألم لا محدود، ورد: «ها هو إيقاع المعاناة قد بدأ، في كل غسق ينقبض قلبي حتى يحل الليل»(117)، ثم لاحقًا، وليس قبل وقت طويل من قتل نفسه، كتب: «والآن، حتى الصباحات صارت ملأى بالألم».

أطوال رسائل الانتحار متباينة بشكل كبير. أيان أو دونيل Ian O’Donnell وزملاؤه من جامعة أوكسفورد درسوا رسائل الانتحار المكتوبة بواسطة المنتحرين في شبكة أنفاق مترو لندن(118). وجد الباحثون أن أطوال رسائل الانتحار تفاوتت ما بين رسالة ذات 17 كلمة كتبت على ظهر تذكرة المترو، إلى مقال من 800 كلمة – كما لو كان تيارًا من الوعي - مكتوب على مدار ساعة جلوسًا على مقعد في محطة المترو، وينتهي بوصف للخطوات القليلة الأخيرة تجاه السكة الحديدية، والتحضيرات الأخيرة لوصول قطار المترو. متوسط الكلمات في سلسلة رسائل الانتحار هذه كانت تقريبًا بعدد 125 كلمة، أي أكثر قليلًا من عدد كلمات هذا المقطع.

العديد من رسائل الانتحار قصيرة، وقد تعطي تحذيرًا واضحًا لهؤلاء الذين سيجدون الجثة على الأغلب «انتبه، غاز الزرنيخ يملأ هذا الحمام» على سبيل المثال(119)، أو «لا تدخل، اطلب الإسعاف». الإرشادات المحددة أو الطلبات أمر شائع، على الأغلب لتفصيل كيف يجب أن يُتناول الجسد، أو ما الذي عليه أن يقال للأطفال أو الوالدين عن انتحارهم، أو كيف ستوزع المقتنيات، أو ماذا يُفعل بالقطة أو الكلب. الأسباب المقدمة للانتحار غالبًا ما تكون غامضة وتعزى للإنهاك أو الألم المتراكم «لن أستطيع احتمال الأمر أكثر»، «لقد تعبت من الحياة»، «لا فائدة من المضي قدمًا»، من غير الخوض في تفاصيل زائدة. الأطفال أقل تحديدًا ممن يكبرهم من المراهقين أو البالغين بشأن إقدامهم على الانتحار، وبشأن رغباتهم في ما يُفعل بأجسادهم أو ممتلكاتهم(120).

المنتحرون من كلا المجموعتين العمريتين الأصغر في الحقيقة، أقل ميلًا من البالغين لأن يتركوا رسائل انتحار، لكنهم وبشكل متكرر وواضح يحاولون التخفيف عن والديهم وإخوانهم من أن يشعروا بالذنب تجاه انتحارهم. على سبيل المثال، فتاة في العشرين من عمرها قفزت من فوق مبنى للمكاتب، كتبت(121): «لا أحد يقع عليه اللوم لقيامي بهذا. الأمر فقط أني لم أستطع أبدًا التصالح مع الحياة نفسها. ليرحم اﷲ روحي».

معظم رسائل الانتحار تترك تعليقات ودية لهؤلاء الذين يتركهم المنتحرون خلفهم. ولكن على كلٍ، متى ما تضمنت الرسالة العداء، فإنه قد يكون حابسًا للأنفاس. انتحر رجل كان قد وقعت زوجته في حب أخيه، بوضع أنبوبة غاز في فمه، وقبل أن يموت، كتب لزوجته: «كنت أحبك، ولكن ها أنذا أموت وأنا أكرهك أنت وأخي على السواء»، وعلى ظهر صورة لها كتب: «أنا أعرض هذه الصورة لامرأة أخرى، للفتاة التي ظننت أني تزوجتها. عسى أن يؤرق ذاكرتك دائمًا أني أحببتك مرة، ولكني مت وأنا أكرهك». في رسالة انتحار شخص آخر، امتلأ الكلام بعدائية شبيهة «أكرهك وأكره كل عائلتك، أتمنى ألا يبقى من عقلك قطعة ، أتمنى أن يظل يطارد شبحي هذا المنزل طالما أنت تسكن هنا، وأتمنى لك كل النحس في هذا العالم»(122).

رسائل الانتحار في العادة تكون ذات طابع نمطي وجامد(123). في سلسلة من الدراسات، قورنت رسائل انتحار حقيقية برسائل محاكاة. هذه الرسائل المحاكاة مكتوبة بواسطة أشخاص اختيروا ليوافقوا المنتحرين في العمر والجنس والحالة الاقتصادية والاجتماعية، ثم طلب منهم أن يكتبوا رسائل انتحار لانتحار متخيل. الرسائل الحقيقية كانت محددة بشكل أكثر في توجيهاتها بشأن توزيع المقتنيات وسياسات التأمين والضمان، معنية بشكل أكبر بالألم الذي قد يسببه انتحارهم، ذات نبرة محايدة أكثر، وأكثر احتمالًا لأن تعبر عن ألم نفسي، ولأن يرد فيها كلمة «حب». على الصعيد الآخر، حملت الرسائل المحاكاة تفاصيل أكثر حول الظروف والأفكار التي قادت إلى هذا الانتحار المتخيل، ذكرت فعل الانتحار بشكل أكبر، واستخدمت في أكثر الأحيان عبارات وتعبيرات ألطف للموت والانتحار.

حتى في وسط المعاناة الذهنية العظيمة، يجد بعض المنتحرين الوقت قبل أن يقتلوا أنفسهم ليضعوا تعليمات واضحة للناجين خلفهم. فتاة في الرابعة عشرة على سبيل المثال، وقبل أن تقتل نفسها بغاز من فرن مطبخها، كتبت هذه الملحوظة(124):

إلى من يهمه الأمر،

إن كنت سأموت في طفولتي، فهذه هي رغبتي. ليس لدي أي مال، عدا عن دولارين و95 سنتًا في البنك، وقليل آخر على هيئة طوابع دفاع مالية. ليعطى هذا لروبرت ابن أختي. لتعطى ثيابي للجمعيات الخيرية أو لمن يريدها. إن كنت سأوضع في كفن؛ فأريد أن أكون مرتدية ثوبًا أزرق. إن كنت سأحظى بجنازة، فكل الأصدقاء والأقرباء مدعوون للحضور.

أمي لها كل ما عندي وكل ما أملك.

أبي وأختي لهما كل حبي وكل ما أملك.

لم يقتلني أحد. أتمنى أن أموت. أنا أقدمت على الانتحار.

في عام 1931، كان رجل في الخامسة والعشرين من عمره عاطلًا عن العمل، ومغتمًا لأجل زوجته التي دفعها للبغاء طلبًا لقوت يومهم، فابتلع سمًا ومات. جاء في رسالة انتحاره(125):

عزيزتي بيتي

يا لكم أحبك، ولكني لا أستحق أن أكون زوجك، ولا أستحق أن أعيش. حصلت للتو على السم الأكثر فتكًا، وعندما تقرئين هذه الرسالة، سأكون قد رحلت حمدًا لله. سأعطي بيغي (الكلبة) لصاحبة المنزل لتبقيها لك عندها، بالإضافة لدولار واحد لتطعمها حتى يوم الخميس. قمت أيضًا بدفع إيجار الغرفة حتى يوم الخميس. الفاتورة مرفقة.

سأحضر أيضًا لمركز المرهونات 23 دولارًا نقدية، خاتمك، وخاتمي، وساعتي، ليعطوك إياها حين تخرجين. أخبرت صاحبة المنزل أني لن أكون موجودًا طيلة هذا الأسبوع، ولكنك ستكونين هنا على الأرجح يوم الاثنين، وإن لم تكوني هناك، فقد أعطيتها رقم الموكل وأخبرتها أن تطلب منه أن يراك ويعلمها بما تودين فعله بالمتعلقات.

سأكتب له رسالة هو أيضًا لأخبره عن المال والخواتم التي سأحضرها لك وأيضًا سآمره بإرسالك إلى بلدتك أو إلى حيث تسكن أمي، أيًا اخترتِ الذهاب إليه.

تعليمات وتصاريح مختلفة نوعًا تركت في منتصف القرن التاسع عشر بواسطة رجل إنكليزي مرتهن في سجن المقاطعة لمديونيته. كان مقتنعًا أنه شريك في العبادة، وأنه ابن الرب، وأنه إلياس النبي، وعلى الرغم من الأقاويل المنتشرة حول جنونه، كان قد سمح بإدخال سكين وموس الحلاقة له. وجد ميتًا لاحقًا بجروح تسبب فيها بنفسه لحنجرته وبطنه. ترك رسائل لمحافظ السجن، والطبيب الشرعي، ولزوجته. كان اضطرابه العقلي واضحًا، ولكن بالرغم من هذه الأوهام الذهانية، استطاع أن يطلب رعاية خاصة وطريقة منطقية لإيصال خبر انتحاره لزوجته. كتب للمحافظ(126):

أنا معروف للسيد هيرشل القس، وليس لدي شك في أنه سيوصل الرسالة الموجهة لزوجتي إلى بيتها. على كل حال، فإني سأعبر عن رغبتي، وأترك الأمر اختياريًا تمامًا له ليمتثل أو يمتنع كما يريد. أتمنى أن يطلب من د.ويليامز مرافقته، في قطار الحادية عشرة إلى نيوهام، ثم يأخذ عربة نقل ويتصل بالسيدة جولي في ليتل دين، ويطلب منها أن تصحبهما إلى زوجتي في سندرفورد. إذا لم تكن في البيت، فستكون في منزل أختي في درايبروك، حيث يجب أن يتبعوها إلى هناك ويوصلوا إليها الخبر بأرفق ما يستطيعون. أعتقد أن د.هيرشل حين يقرأ التأكيدات عند موتي أنني المسيح المنتظر إلى الناس، سيمتثل لطلبي.

رسالته للمحافظ ذكرت التحقيق المتوقع الذي سيعقب وفاته، وبددت المزيد من الشك حول حالته العقلية(127):

من ناحية، سيتأكد لك بشكل عميق أنني ابن الرب، الحمل المذبوح منذ خلق العالم، وعلى الناحية الأخرى، تلك الحقيقة المتعسفة والمخيفة التي تتمثل بأنني قد قتلت بيدي. أنت لن تجرؤ على أن تحكم بكون هذا جنونًا مؤقتًا، بسبب هذا التأني والتمعن وحسن التقدير في طريقة التي أنجز بها الأمر، ولأن بعثي بعد ثلاثة أيام وثلاث ليال سيظهر أن هذا الحكم محض افتراء وكفران.

القليل من رسائل الانتحار تكون غريبة أو ذهانية بشكل شديد الوضوح، في الحقيقة، فإن أغلب رسائل الانتحار لا يكشف عن تفكير غير متماسك أو ذهاني. ولكن كما سنرى، فإن أغلبية عمليات الانتحار تربط بمرض نفسي، لذا فإنه من غير المفاجئ أن معظم الملحوظات والسجلات التي تترك خلف المنتحر، تعكس المعاناة والقنوط المتراكم وفقدان الأمل لهذه الحالات.

المرض النفسي الحاد يجلب الآلام والمخاطر، وهناك أيضًا الضيق المزمن الذي يخلفه العيش مع المرض والخوف من عودته. الكرب الذي يجلبه الاكتئاب أو الاكتئاب الهوسي أو الفصام أو الأمراض النفسية الرئيسية الأخرى لا يوصف. المعاناة، اليأس، الاهتياج، والعار مختلطة جميعها بألم أن تعي الضرر الذي لا يمكن إصلاحه الذي ألحقه المرض النفسي بالأصدقاء، والعائلة، والمهنة. إنه خليط قاتل. كتبت امرأة مرة في رسالة انتحارة ملحوظة حول صراعها غير الناجح مع مرضها العقلي(128):

أتمنى أن بإمكاني شرح الأمر بحيث يستطيع فهمه شخص ما.

أنا خائفة، وهو الأمر الذي لا أستطيع وصفه بالكلمات.

هناك فقط هذا اليأس الثقيل الغامر، الخوف من كل شيء. الخوف من الحياة. داخلي فارغ إلى درجة الخدر. يبدو الأمر وكما أن شيئًا ما قد مات داخلي. كياني كله بدا كأنه ينسحب إلى ذلك الخواء منذ شهور.

كلهم كانوا طيبين معي ــ حاولت جهدي، تمنيت بجد أن أستطيع أن أكون مختلفة في سبيل عائلتي. إيذاء عائلتي كان أسوأ ما في الأمر إطلاقًا، وهذا الشعور بالذنب ظل يقاوم ذلك الجزء داخلي الذي لم يكن يريد سوى أن يختفي. لكن شرارة الحياة على مستوى الأعماق هناك لم تكن موجودة. بغض النظر عن الأقوال حول كوني أصبحت أفضل مؤخرًا، ذاك الصوت في رأسي الذي يقودني للجنون بات أعلى من أي وقت مضى. يبدو كأن الأمر قد خرج تمامًا عن أيدي أي أحد وعن أي شيء. لا أستطيع التحمل أكثر. أعتقد أن ثمة شيئًا ملتويًا أو مقلوبًا سايكولوجيًا قد تولى الأمر. لا أستطيع أن أقاوم أكثر. أتمنى أن باستطاعتي الاختفاء من غير إيلام أي أحد. أنا آسفة.

أطلقت امرأة في الثانية والأربعين على نفسها النار، وتركت رسالة طويلة تدافع فيها عن نفسها وتستجدي الصحافة بألا تهوّل من قصة وفاتها. كانت كما العديد ممن يعانون من الأمراض النفسية قلقة بشأن الآثار التي يتركها مرضها النفسي على من حولها، وفي حالتها، كانت قلقة بشأن أمها(129): «لن أكون ذات نفع لها بهذه الأعصاب التالفة. ليس لا أحد ممن لم يجرب الإحباط المطلق للانهيار العصبي أن يحاكمني، ولن يستطيع أن يعي أن هذا وحده كافٍ لجعل المرء يتمنى الموت».

تحول الرسام البريطاني بينيامين هايدون Benjamin Haydon من القرن التاسع عشر، إلى شكسبير في بعض كلماته الأخيرة. مهتاجًا ومحرومًا من النوم، مع تاريخ لاكتئاب هوسي عنيف، قام هايدون بشق حنجرته ثم جعل رصاصة تخترق رأسه. كانت مذكرته مفتوحة على آخر ما كتب(130):

الحادي والعشرون: نمت بشكل مريع. صليت في أسى، واستيقظت في اهتياج.

الثاني والعشرون: ليسامحني الرب. آمين

نهاية

ب. ر. هايدون

كفاكم إساءة لي في هذا العالم القاسي

 ــ لير[1]

العصاب، والاهتياج، والإحباط مع فترة طويلة من المعاناة العقلية هي ثيمات شائعة لرسائل الانتحار. معانيًا من البارانويا ومن الضلالات الوهمية (كان يعتقد ــ بالإضافة إلى بعض الأمور الأخرى ــ بأن اليرقات تملأ طعامه)، أخذ الكاتب الياباني رايوانوزوك أكوتاغاوا Ryuunosuke Akutagawa جرعة زائدة من حبوب النوم حين كان في الخامسة والثلاثين.

كتب(131): «العالم الذي أعيش فيه الآن، هو الكون الجليدي الشفاف للأعصاب المريضة… بالطبع، لا أريد أن أموت، لكن البقاء على قيد الحياة موجع».

جيمس ويل James Whale مخرج فيلم «الرجل الخفي» و«نهاية الرحلة» و«فرانكشتاين» الكلاسيكي، تحدث أيضًا عن الأعصاب والمعاناة في رسالة انتحاره. موجهة «لكل من أحبهم». كتب(132):

لا تحزنوا عليّ. أعصابي جميعها تلفت، وفي العام الماضي كله كنت أعيش في كرب في كل ليلي ونهاري ــ عدا عندما أنام بحبوب النوم ــ وأي سكينة كنت أنعم بها خلال اليوم، كنت أحظى بها حين تخدّرني الحبوب.

لقد حظيت بحياة رائعة ولكنها انتهت، وأعصابي غدت أسوأ وأنا أخشى أنها ستأخذني بعيدًا.

{كان قد أدخل إلى المستشفى لانهيار عصبي، وخضع لعلاج بالصدمة}.

لذا رجاء، سامحوني، كل أولئك الذين أحبهم، ولعل الرب يغفر لي أيضًا، ولكنني لا أستطيع تحمل العذاب، والأمر هكذا أفضل للجميع

لا أحد يقع عليه اللوم، لدي أصدقاء رائعون وهم يفعلون أي شيء لأجلي…. لقد حاولت جاهدًا كل ما أعرفه لمدة عام، ولكنه يغدو أسوأ في الأعماق، لذا رجاء، ليريحكم أن تعرفوا أنني لن أعاني بعد الآن».

ورغم خوفه الشديد من الماء، أغرق نفسه بعدها في حوض السباحة خاصته، وتماشيًا مع كوميديته السوداء طيلة حياته، ترك في مكان غير بعيد نسخة من كتاب: لا تقترب من الماء.

الوعي بالضرر الناتج عن المرض النفسي والذي يلحق بالمريض وبالآخرين على حد سواء، والخوف من عودة المرض مرة أخرى، يلعبان دورًا حاسمًا في العديد من حالات الانتحار(133). مرضى الفصام على سبيل المثال، أولئك الأكثر ذكاء منهم والأكثر تعلمًا، الذين يؤدون بشكل أفضل في اختبارات الاستدلال التجريدي، ويبدون تبصرًا أكبرًا لحقيقة مرضهم، هم أكثر قابلية لقتل أنفسهم.

المرضى الناجحون في المجتمع وفي الحياة الأكاديمية بالتحديد، يبدون حين يقرعهم مرض مدمر، مثل الفصام أو الاكتئاب الهوسي، معرضين لهاجس عدم تمتعهم بكامل قواهم العقلية وبالرعب من فكرة أن يصبحوا مرضى مزمنين. بالنسبة لهم وللعديد من حولهم، فهذا يشكل تحطيمًا فظيعًا للأحلام وضررًا حتميًا للأصدقاء، وللعائلة، ولأنفسهم. راندال جاريل في وصفه للآثار التراكمية لاكتئابه الهوسي لزوجته قال(134): «الأمر غريب جدًا… يبدو كما أن الجنيات خطفنني بعيدًا وخلّفن حطبة في مكاني»، إحساس أن يكون الشخص مجرد ظل أو قشرة نفسه السابقة، يأس راسخ، إحساس بالفشل وبالعار، وقلق هائل من عودة المرض. بالنسبة للآخرين، حقيقة أن المرض قد عاد هي بذاتها حقيقة غير محتملة، تكراره لا يطاق، وعودته ستغدو القشة التي تقصم ظهر البعير.

فيرجينيا وولف Virginia Woolf التي عانت من نوبات هوس واكتئاب ذهانية، كتبت في أولى رسالتي انتحارها لزوجها(135): «ينتابني إحساس أكيد أنني أجن مرة أخرى: أشعر بأننا لا نستطيع أن نخوض مرة أخرى من هذه الأوقات الصعبة. لن أتعافى هذه المرة. بدأت بسماع الأصوات، ولا أستطيع التركيز. لذا سأفعل ما يبدو أنه أفضل ما يُفعل» بضعة أيام لاحقًا، كتبت مرة أخرى، ومرة أخرى لامت جنونها على موتها(136):

أيها الأعز،

أود إخبارك أنك منحتني سعادة تامة. لا أحد كان بإمكانه أن يقوم بأكثر مما قمت به.

أرجوك كن واثقًا بذلك.

لكنني أعلم أنني لن أتخطى هذا الأمر أبدًا: إنني أبدد حياتك. إنه هذا الجنون. لا أحد يمكن أن يغريني بأي شيء. تستطيع أن تعمل، وستغدو أفضل بكثير من دوني. هل ترى؟ إنني لا أستطيع كتابة هذا حتى، مما يظهر أني على حق. كل ما أريد قوله إنه قبل أن يجيء هذا المرض كنا سعداء بشكل مثالي، وفضل هذا كله يرجع إليك، لا أحد كان باستطاعته أن يكون طيبًا كما كنت، من اليوم الأول وحتى اليوم. كلهم يعرفون ذلك.

ف.

هلّا تخلصت من كل أوراقي؟

قامت وولف بعدها بتعبئة جيوبها بالحجارة الثقيلة وخاضت في النهر.

إنه لمن المغري عند مطالعة حياة من قضى بالانتحار، أن نطالع في قرار الانتحار شبكة شديدة التعقيد من الأسباب، وبالطبع إنه لمضمون أن تجد تعقيدًا كهذا.

لا يوجد مرض واحد أو حادثة واحدة تؤدي للانتحار، وبالتأكيد لا أحد يعرف كل؛ أو حتى معظم الدوافع خلف قتل المرء نفسه. ولكن الباثولوجيا النفسية تكاد تكون موجودة دائمًا، وهي دموية بشراسة. الحب، والنجاح، والصداقة ليست كافية دائمًا لعكس الألم والدمار الناتج عن المرض النفسي الشديد. الفنان الأميركي رالف بارتون Ralph Barton حاول أن يشرح هذا في رسالة انتحاره(137):

كل من يعرفني وكل من من يسمع بهذا سيتبنى نظرية مختلفة لتفسير ما قمت به. عمليًا، كل تلك النظريات ستكون درامية، وخاطئة تمامًا. أي طبيب عاقل يعرف أن سبب الانتحار الدائم هو الباثولوجيا النفسية. صعوبات الحياة ليس لها إلا أن تعجّل الحدث، ونوع الانتحار الحقيقي يصنّع صعوباته الخاصة. لقد مررت في ما مضى بالقليل فقط من الصعوبات الحقيقية. وعلى العكس، كانت لدي حياة لامعة بشكل استثنائي طيلة حياتي. ولقد حظيت بأكثر مما أستحق من العاطفة والتقدير. لقد أحبني أكثر الأشخاص جاذبية، وذكاء، وأهمية، ولائحة أعدائي تشبع غروري. لقد كنت دائمًا في صحة ممتازة، ولكن منذ طفولتي المبكرة عانيت من الملنخوليا والتي خلال السنوات الخمس الفائتة بدأت تسفر عن أعراض مؤكدة لجنون الاكتئاب الهوسي. لقد منعني ذلك من الحصول على أي شي، بما فيه القيمة الكاملة من موهبتي، وللثلاث سنوات الماضية، أصبح العمل نفسه تعذيبًا. لقد حرمني ذلك من الاستمتاع بمتع الحياة الصغيرة التي يتمتع بها الآخرون. لقد فررت من زوجة لزوجة، ومن بيت لبيت، ومن دولة لأخرى في مجهود سخيف لأن أهرب من نفسي. بفعلي ذلك، أنا خائف جدًا من أن أكون قد نشرت قدرًا كبيرًا من التعاسة بين أولئك الذين أحبوني».

ارتدى بارتون منامته، وروبا حريريًا ثم أوى إلى فراشه وفتح صفحة من كتاب التشريح قريز اناتومي تظهر مخططًا تشريحيًا للقلب، ثم أطلق النار على رأسه.

صعوبات الحياة تعجّل الانتحار فقط، لكنها ليست سببه، كما ورد في رسالة بارتون، وهناك العديد من الأدلة التي تدعم اعتقاده هذا.. لكن أي هذه الصعوبات هي أكثر ما يعجله؟ ولماذا؟ خسارة الثروات وموت الأحبة أو الطلاق التي يمكن إلقاء اللوم عليها في قضية الانتحار، هي ذاتها الصعوبات والكوارث الشخصية التي تنالنا جميعًا؛ لكن القليل فقط منا هم من يقتلون أنفسهم تبعًا لها.

يصف أ. ألفاريز أفضل من أي شخص آخر هذه التفسيرات الشخصية جدًا التي يخرج بها الانتحاريون لبعض الأحداث(138): «أعذار الانتحار غالبًا سببية. في أحسن الاحتمالات، فهي تخفف من إحساس الناجين بالذنب، وتهدّئ الأذهان المنظمة، وتشجع علماء الاجتماع وبحوثهم اللامنتهية في سبيل الوصول إلى تصنيفات ونظريات مقنعة. إنها في الحقيقة مثل حادثة هامشية تافهة تشعل حربًا شعواء. إن الدوافع الحقيقية التي تحمل رجلًا على التخلص من حياته هي في مكان آخر؛ فهي تنتمي إلى العالم الداخلي، جانحة، ومتناقضة، وملتوية ومعقدة كمتاهة، وعلى الأغلب عصية على الإبصار».

كل ثقافة لديها دوافعها الخاصة للانتحار. ففي العصور القديمة، ووفقًا للباحث انتون فان هوف(139)، كانت المسببات الرئيسية التي تحفز على الانتحار بين شباب الرومان هي العار، ولوعة الفقد، واليأس. بحلول القرن التاسع عشر، كان بيير دو بوازمونت قد صنّف الأسباب خلف 5000 انتحار في فرنسا(140)، فخلص إلى أن الجنون وإدمان الكحول، متبوعين بالأمراض غير القابلة للعلاج، والأسى أو خيبة الأمل، وقصص الحب الفاشلة كانت أهم الأسباب التي دعت هؤلاء إلى الانتحار. انريكو مورسيلي وباستقصاء الإحصاءات الأوروبية في القرن الأخير لاحظ أن معظم الانتحارات يُعزى للجنون، ثم بأهمية أقل لمتاعب الحياة والعلاقات العاطفية واقتراف الرذائل، وفي آخر القائمة، ولكن إنساني في لغته بشكل مثير، ورد: «يأس متشعب.. غير معلوم السبب».

أضاف القرن العشرون خصوصية نوعية للجدل الدائر حول قتل الناس أنفسهم؛ وإن لم تكن إضافته بليغة. ففي السنوات الأخيرة، قام علماء النفس والأطباء النفسيون بالنظر إلى العلاقة بين الأحداث الحياتية ــ وهي طريقة لطيفة لوصف النكبات والفواجع ــ وبين بداية الأمراض النفسية مثل الاكتئاب والهوس والفصام. وعلى الرغم من أن الأحداث الحياتية عمومًا قد تكون بالطبع أحداثًا إيجابية، مثل الزواج أو الترقية في العمل، إلا أن معظم الباحثين ركزوا على الأحداث السيئة مثل الإصابة بالمرض، والطلاق أو الانفصال، وموت أحد أفراد العائلة أو مرضه، وتفكك العائلة، والصعوبات المالية وصعوبات العمل.

هناك العديد من الأسباب التي تدعونا لنؤمن بأن الأحداث المتوترة التي تشكل ضغطًا على المرء تولّد المرض النفسي أو تزيده سوءًا، فإن كان المرض النفسي أو القابلية البيولوجية قويين بما يكفي، فإن أحداثًا مماثلة ستلعب دورًا في ارتكاب الانتحار أيضًا. نحن نعلم أن للضغوط تأثيرًا عميقًا ليس على الجهاز المناعي في الجسم وتحفيز هرمونات التوتر الفعالة فقط، بل على دورة النوم/اليقظة أيضًا، والتي تلعب بحد ذاتها دورًا محوريًا في الباثولوجيا النفسية للهوس والاكتئاب. فعلى سبيل المثال، أثبت توم وير وزملاؤه من المعهد الوطني للصحة العقلية(141) أن بإمكان الضغوط النفسية، وبعض العقاقير والأمراض، والتغير الكبير المؤثر في الضوء ودرجة الحرارة، أن تتداخل مع الإيقاعات (التواترات) اليومية للجسم، وهذه الاضطرابات في المقابل تقدح زناد الهوس أو الاكتئاب في الأشخاص ذوي الاستعداد الجيني لهذه الأمراض.

وعلى كل حال، فإن العلاقة بين الأحداث الحياتية والضغوط والأمراض النفسية ليست علاقة مباشرة. وحين يكون الناس مهووسين أو مكتئبين؛ فهم لا يتأثرون فقط بالأحداث الحياتية التي تمر بهم، لكنهم أيضًا يؤثرون بشكل عكسي على العالم والأشخاص من حولهم(142): فهم غالبًا ما ينفرون الناس منهم بغضبهم، وانطوائهم، أو عنفهم، ويتصرفون بطريقة قد تسبب الطلاق أو فصلهم من العمل. وما يبدو وكأنه السبب وراء الانتكاسة؛ قد يكون في الحقيقة ناتجًا عن المرض نفسه (على سبيل المثال، فليس هناك علاقة متينة وقوية بين البطالة والانتحار(143)، ولكنه من الواضح على كل حال أن إدمان الكحول والمرض العقلي واضطرابات الشخصية تساهم في البطالة)، فإن بين السبب والنتيجة سهمًا ذا اتجاهين، وما يزيد الطين بلة أن الأشخاص حينما يكونون مكتئبين أو ذهانيين، فإنهم يتفاعلون مع الضغوط بطرق مختلفة جدًا عما يفعله من لا يعاني من المرض العقلي. وتبعًا لذلك، أخذ الباحثون يقتصرون في دراستهم على الأحداث الحياتية التي يمكن وصفها بــ «أحداث حياتية مستقلة»، مثل الموت أو مرض خطير يلحق بأحد أفراد العائلة، على عكس الأحداث الأخرى مثل الطلاق أو المشاكل المالية، والتي هي أكثر قابلية لأن تكون متأثرة بالمرض العقلي، فهذه الأحداث المستقلة أصدق في عشوائيتها.

وجدت معظم البحوث ارتفاعًا كبيرًا في الأحداث الحياتية التي تسبق بداية كل من نوبات الهوس أو الفصام (السكتزوفرينيا)(144)، على الرغم من أن تأثير الضغوط النفسية الاجتماعية يبدو أقل أهمية في المراحل المتقدمة من مرض الاكتئاب الهوسي(145) (وهو الوقت الذي يكون فيه المرض على الأغلب قد كوّن رتمه الخاص).

في أغلب الوقت، يبدو أن المرضى الذين يعانون من اضطرابات المزاج يتأثرون بضغوط الأحداث الحياتية أكثر من أولئك الذين يعانون من الفصام(146). شيري جونسون وزملاؤها من جامعة براون وجدوا أن الأحداث السلبية لا تزيد فقط معدل الانتكاسات في مرضى الاكتئاب الهوسي، بل تزيد أيضًا من طول فترة تعافي المرضى من نوبات الاكتئاب أو الهوس(147).

من غير أسباب ضاغطة ذات بال، يأخذ المرضى نحو أربعة أشهر ليتعافوا، ولكن على الناحية الأخرى، إذا ما سبق الانتكاسةَ ظرف سلبي بالغٌ، فستطول المدة إلى أحد عشر شهرًا حتى يعود المريض إلى سابق عهده. هذا الوقت الذي يمثل تقريبًا ثلاثة أضعاف الوقت اللازم للتعافي، ليس وقتًا مؤلمًا بشدة للمرضى وأهاليهم فحسب، لكنه أيضًا يمدد تلك الفترة التي يكون فيها المريض معرضًا للانتحار.

ما يعرف عادة عن الكوارث أو الأحزان هو أنها وقعت قبل الانتحار، لكن مدى تأثيرها وطبيعته على المريض هو أمر غير واضح(148). تقريبًا بشكل مؤكد، معظم مخاطر الأحداث يكمن في تأثيرها الحارق على الحالة العقلية الكامنة. لكن الوقع النهائي للضغط النفسي يختلف من شخص إلى آخر، استنادًا إلى خبرته أو خبرتها الحياتية الخاصة، وسهولة الوصول إلى موارد الموت، ودرجة فقدان الأمل، ونوع وشدة المرض العقلي.

تميل الصعوبات والنزاعات في العلاقات الشخصية والتهديدات الوشيكة بالاعتقال أو المحاكمات الجنائية تميل لأن تحدث بشكل متكرر قبل انتحار مدمني الكحول أو المخدرات(149)، على سبيل المثال، أكثر مما تحدث قبل انتحارات المصابين بالاكتئاب. (في بعض الأحيان تكون أسباب اليأس غير قابلة للفهم(150)، حدث ذات مرة أن رمت طفلة صغيرة ذات ست سنوات نفسها من سيارة أثناء سيرها، ولما أحضرت إلى العيادة النفسية قالت بكل بساطة: «أنا جائعة جدًا، أعض الناس وأحاول أن آكلهم، أنا فتاة سيئة ويجب أن أموت»).

نوع الجنس أيضًا يهم. في دراسة فنلدنية كبيرة(151)، سئل شركاء المنتحرين عن الأسباب التي يعتقدون أن شريكهم قتل نفسه لأجلها. المرض العقلي الشديد قُيّم على أنه السبب الأهم للانتحار بين النساء، بينما رؤي المرض الجسدي على أنه أهم سبب للانتحار بين الرجال. ولكل من الرجال والنساء، النزاعات الشخصية الشديدة نُظر إليها أيضًا كعامل مساهم مهم.

الفروق بين الجنسين لا تقتصر على الكبار، ولكنها بالمثل توجد في عمر أصغر، فعلى سبيل المثال، مرور الصبيان أو المراهقين بمحنة في الأربع وعشرين ساعة التي تسبق الانتحار(152)، يفوق مرور الفتيات بذلك، والمحن الشائعة على وجه الخصوص هي الانفصال عن الحبيبة، مشكلة نظامية أو قانونية (مثل الحرمان من المدرسة، أو انتظار المثول أمام محكمة الأحداث)، والمواقف المهينة مثل الفشل أو النبذ العلني. وجد طبيب نفس الأطفال من جامعة كولومبيا في نيويورك ديفيد شافر أن العديد من المراهقين الذكور المنتحرين لم يكونوا محبطين فحسب(153)، بل عنيفين أيضًا، وسريعي الاستثارة، واندفاعيين، ويميلون للإكثار من الشراب واستعمال المخدرات وعندهم صعوبات في علاقاتهم مع الآخرين، ويوافقه في هذا معظم الأطباء والباحثين. ترافق الإدمان مع أمراض الاكتئاب شائع في هؤلاء المراهقين، مما يوفر مزيجًا قابلًا للاشتعال حين يهيّجه حدث عسير أو مؤلم. وحقيقة كون معظم الآباء غير واعين بالاكتئاب والتفكير الانتحاري عند أبنائهم المراهقين لا تفتأ تجعل خطر الكارثة أكبر(154). تظهر الأبحاث المتأخرة أن انتحار المراهقين الذين يعانون من الاكتئاب عندما يصيرون بالغين أرجح بكثير من هؤلاء الذين لا يعانون من مرض نفسي(155).

نموذج مختلف لكنه ليس نادرًا لانتحار المراهقين، هو ناشدوا الكمال والذي قد يكون السبب في رفع احتمالية اصابتهم بالقلق أو الاكتئاب.

النكسات سواء تلك الحقيقية أو المتخيلة باستطاعته حث الانتحار في بعض المرات. ربما يكون من الصعب تحديد الباثولوجيا النفسية أو المعاناة الذهنية لطفل مثل، وذلك راجع لميلهم لمحاولة أن يبدون طبيعيين، لإرضاء الآخرين أو لعدم لفت الانتباه لأنفسهم. والسبب الحقيقي للانتحار يظل شيئًا يصعب الإمساك به.

كتب أحد الصبية في الخامسة عشرة من عمره هذه القصيدة قبل سنتين من قتل نفسه:

كتب قصيدة مرة وأسماها «تشوبس»

لأن ذلك كان اسم كلبه، وكل ما كانت القصيدة عنه..

فأعطته المعلمة تقدير امتياز ونجمة ذهبية..

وعلقتها أمه على باب المطبخ، وقرأتها لكل خالاته..

كتب مرة قصيدة أخرى،

وأسماها «براءة مشكوك فيها»

لأن هذا كان عنوان حزنه، وكل ما كانت القصيدة عنه..

فأعطاه الأستاذ تقدير امتياز.. ونظرة غريبة طويلة..

ولم تعلقها أمه على باب المطبخ.. لأنه لم يدعها تراها قط..

ومرة، في الثالثة فجرًا.. جرب كتابة قصيدة أخرى..

وأسماها «لا شيء على الإطلاق» لأن ذلك هو كل ما كانت عنه..

وأعطى نفسه تقدير امتيازوجرحًا غائرًا في كل معصم ندي..

وعلقها على باب الحماملأنه لم يستطع الوصول إلى المطبخ

الألم النفسي والضغط لوحدهما، وبغض النظر عن عظم الخسارة أو خيبات الأمل، أو عمق الشعور بالخزي أو النبذ، من النادر أن يكونا كافيين ليقودا للانتحار. قرار الانتحار راجع في معظمه إلى كيفية النظر إلى الأحداث، ومعظم الأذهان حين تكون صحيحة لا تنظر إلى أي حدث على أنه مدمر بما يكفي ليسوّغ الانتحار. الضغط والألم نسبيان، وذاتيان جدًا في تجربتهما وتقييمهما. في الحقيقة، فبعض الناس يترعرعون على الضغوط ويتيهون من غيرها، فتجد أن التشوش واضطراب المشاعر جزءان مريحان من حياتهم النفسية.

العديد من الأشخاص المعرضين بشدة لخطر الانتحار، مثل المعانين من الاكتئاب أو الهوس الاكتئابي، يتصرفون بشكل سليم تمامًا بين النوبات في مرضهم، حتى في حالات الضغط الشديد، الحيرة، أو النكسات العاطفية أو المالية المتكررة.

يشتت الاكتئاب هذه القدرة، فعندما تُقوَّض مرونة الذهن وقدرته على التكيف بواسطة المرض العقلي، أو الكحول أو إدمان المخدرات أو الاضطرابات النفسية الأخرى فإن دفاعاته تصبح في خطر. وكما يكون الجهاز المناعي عرضة للعدوى الانتهازية حين يكون مثبطًا، فإن المخ المعتل يكون أشبه بالجمل الذي وقع وكثرت عليه سكاكين الحياة وأحداثها. سرعة ومرونة الذهن السليم، والإيمان أو الأمل في أن الأشياء ستنتهي أخيرًا على خير، هي الموارد المفقودة في الشخص ذي المخ المعتل.

نحن نعرف أن عدم قدرة المخ على التفكير بطلاقة، أو التحليل والربط بوضوح، أو التطلع إلى المستقبل بأمل، تشكّل توليفة مميزة للاكتئاب، ونعرف أيضًا أن الاكتئاب يشكل قلب معظم الانتحارات. وقد وجد علماء النفس العصبي والأطباء الإكلينيكيون أن الأشخاص حين يكونون مكتئبين يفكرون بطريقة أبطأ(157)، ويتشتت انتباههم بسهولة أكبر، ويرهقون من المهام الإدراكية بشكل أسرع، وتضعف قوة ذاكراتهم، كما أن المكتئبين أكثر ميلًا لاستحضار ذكرى تجاربهم السيئة وإخفاقاتهم، ولاستحضار كلمات في سياق سوداوي بدلًا من إيجابي، وهم أكثر ميلًا لأن يقللوا من نجاحاتهم أو أدائهم للمهام.

معظم الأعطال في الوظائف الإدراكية في الاكتئاب واضحة أيضًا في المرضى الانتحاريين بشدة، يدخل فيهم أولئك الذين حاولوا قتل أنفسهم مؤخرًا. المرضى الانتحاريون، على سبيل المثال، أقل قدرة على توليد حلول محتملة حين تحضرهم سلسلة من المشكلات التي تحتاج إلى حل(158)، فتفكيرهم ضيق وجامد(159)، والخيارات التي يتصورونها تضيق على نحو خطر، ويبدو لهم أن الموت هو البديل الوحيد. في بعض الأحيان، لا يرى الموت على أنه البديل الوحيد فقط، ولكنه بديل مغرٍ ورومانسي إلى حد كبير. فتاة في التاسعة عشرة من عمرها وضحت هذا في رسومات أعطتها لمعالجها النفسي، تصور فيها الانتحار على أنه انقطاع هادئ عن الألم، وبديل مهدهد عن مشكلات الحياة.

حين يخضع المرضى الانتحاريون للاختبارات النفسية(160)، فإن التجارب التي يصفونها تميل لأن تكون سلبية، غامضة، وغير متضحة الملامح، وينظرون إلى المستقبل بخيبة ويأس. وحين يُطلب منهم أن يفكروا بأشياء يتطلعون إليها(161)، يذكر المرضى الانتحاريون أشياء أقل بكثير من الأشخاص غير الانتحاريين.

غالبًا، لا يبقي بعضَ الأشخاص الذين تحركهم رغبة قوية للانتحار أحياءً؛ إلا شعور بالمسؤولية تجاه أفراد العائلة(162)، أو قلقهم بشأن آثار انتحارهم على أطفالهم.

بالمختصر، حين يكون الأشخاص انتحاريون، فتفكيرهم يصاب بالشلل، وخياراتهم تبدو مهزولة أو معدومة، مزاجهم محبط، واليأس يتخلل كامل نطاقهم الذهني. لا يمكن للمستقبل أن ينفصل عن الحاضر، والحاضر مؤلم بما لا ينفع معه العزاء. «هذه هي تجربتي الأخيرة» كتب كيميائي شاب في رسالة انتحاره(163) «إن كان هناك أي عذاب أبدي أسوأ من عذابي، فأروني إياه».

Drawings by a nineteen ــ year ــ old college sophomore رسومات طالبة جامعية ذات تسعة عشر ربيعًا(164)

هذا الشعور بفقدان الأمل في المستقبل والشعور بسلبيته المجتاحة وبأنه شديد البأس، هو إحدى أهم علامات الانتحار التحذيرية. بيّن ايرون بيك وزملاؤه من جامعة بينسلفينيا في سلسلة من الدراسات المكثفة(165)، أن فقدان الأمل مرتبط كثيرًا بالانتحار اللاحق في مرضى الاكتئاب، سواءً أولئك المنومون في أجنحة المستشفى أو المراجعون في العيادات الخارجية. وكذلك فعل جان فوكيت من المستشفى المشيخي لجامعة رَش في شيكاغو في دراساته التنبؤية طويلة الأمد عن الانتحار(166)، فيبدو أن الأشخاص يكونون قادرين على تحمّل الاكتئاب طالما كانوا يعتقدون أن الأمور ستتحسن، ولكن إن انشرخ ذلك الاعتقاد أو تلاشى؛ فسيصبح الانتحار هو الخيار.

في 29 تشرين الأول/أكتوبر من عام 1995، قامت داون رينيه بيفانو ذات العشرين عامًا بقتل نفسها، وقد كانت صحافية مستقلة موهوبة من ماريلاند، عانت من الاكتئاب لعدة سنين، وقد تركت وراءها اثنتين وعشرين مذكرة غدت الآن مخطوطًا لكتاب غير منشور. بعض المقتطفات من مذكراتها المدونة في الأسابيع التي سبقت وفاتها تظهر كم أصبح عالمها غير محتمل، وكيف انتابها الشعور بانكماش خياراتها إلى العدم، وكيف اجتاح اليأس المعذب كل مناحي عقلها(167):

التاسع من تشرين الأول/ أكتوبر.

لن أنجو شهرًا آخر وأنا أشعر بمثل ما أشعر به الآن. إني لا أشك في أن عينيّ بنيتان كما لا أشك في نهايتي: سأموت منتحرة خلال الشهر المقبل إن لم يأتِ الفرج بسرعة نسبيًا. أنا أنهك أكثر فأكثر، وأغدو يائسة أكثر فأكثر. سأموت.. أعرف أني سأموت، وأعرف أن ذلك سيكون بيدي أنا نفسي

إنني متعبة حتى النخاع، وكل من حولي أنهكهم مرضي.

العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر.

في الخارج؛ العالم هش وكئيب، جو خريفي منعش.. جو جميل. أشعر وكأني في الجحيم، عالقة في سقوط حر أسود. الفرق بين الاثنين يجعل كلاهما أشد وضوحًا. وبطريقة غريبة على كل حال، فإني أشعر بالسلام، مستسلمة لحتفي. إن لم أشعر بتحسن بنهاية نوفمبر؛ فقد قررت اختيار الموت على الجنون. أعلم أنه بطريقة أو بأخرى سينتهي هذا كله بنهاية الشهر المقبل. سينقضي كل هذا وينتهي..

أنا أشعر بكل شيء وكله مؤلم. أنا لا أريد أن أحيا، ولكن لا بد لي من الصمود حتى موعدي المحدد.

الحادي عشر من تشرين الأول/ أكتوبر.

أنا مرتعبة. ما الذي سيكون، الموت أم الجنون؟ بكل صراحة، العيش هكذا لأسبوعين آخرين صعب التخيل. لقد اكتفيت تمامًا من هذا العقاب. حين أموت، فكل ما سأتركه ورائي هي هذه المذكرات.. لا أظن أني سأترك رسالة انتحار، هذه المذكرات ستكون أكثر من كافية.

السابع عشر من تشرين الأول/ أكتوبر.

لا أستطيع التفكير، كل شيء مشوش. أريد الغوص في النوم. أريد أن أهرب. أنا متعبة جدًا. إنه يستهلك مجهودًا هائلًا أن أهتم لأي شيء. الضباب لا يكف عن لفّي.

أريد ببساطة للعالم أن يتركني وشأني، ولكن العالم يتسرب من الثغور والشقوق، ولا أستطيع عمل شيء حياله.

الضباب اللعين ما زال يلفّني. يا للجنون. هذا الانتظار يختبر صبري فعلًا. لا أستطع تحمل الأمر أكثر. لا أريد أن أتحمله أكثر. لا أحد حولي يرغب في ذلك أيضًا. لا أحد.

العشرون من تشرين الأول/ أكتوبر.

ها أَنا ذا شَجَرَةٌ يابِسَةٌ ــ سفر إشَعْياء 56:3

الثالث والعشرون من تشرين الأول/ أكتوبر.

أريد أن أموت. اليوم أشعر بأنني أكثر هشاشة حتى مما مضى. الألم يغمرني ويستهلك كلي. في الليلة الماضية أردت أن أُغرق نفسي في البحيرة بعدما خلد الجميع إلى النوم، ولكني نجحت في أن أنام رغم ذلك الدفق. حين استيقظت، كانت عجلتي الملحة قد تلاشت. هذا الصباح عادت إلي تلك الرغبة الملحة. أنا أعيش في الجحيم، يومًا فيه ويومًا خارجه. في كل يوم يتفتت جزء صغير آخر مني، أنا أتآكل شيئًا فشيئًا، خلية فخلية، دُرّة فدرّة[2]. أنا لا أتحسن أبدًا. «التحسن» أمر غريب عليّ، لا أستطيع الوصول إليه. ليجربوا الإبر الصينية، ليجربوا التيار الكهربائي، ليجربوا استئصال فص مخي الأمامي، لا شيء من هذا سيفيد. أنا حالة ميؤوس منها. لقد فقدت ملاكي. لقد فقدت عقلي. الأيام طويلة جدًا، ثقيلة جدًا، إن عظامي تتهشم تحت ضغط ثقل هذه الأيام.

الرابع والعشرون من تشرين الأول/ أكتوبر.

أنا مريضة.. مريضة جدًا.. مريضة بشكل مستحيل..

الثامن والعشرون من تشرين الأول/ أكتوبر.

إذن فهذا ما يدعوه كتاب الموتى التبتي: «باردو» (البرزخ) الزمن بين حياتين. لا أستطيع تذوق الحياة لأنني بين حياتين. طريقة متفائلة أكثر لوصف الأمر بدلًا من أن أقول ببساطة: لا أريد أن أعيش

لن أعود إلى المستشفى. سأمشي ببساطة نحو الماء.

لقد غدا الألم ساحقًا، مستمرًا وبلا نهاية.

لقد تجاوز الوقت والحقيقة والتحمل.

اليوم سأتناول جرعة زائدة، لكنني لا أريد أن أصبح مريضة.. أريد أن أصبح ميتة.

في الصباح التالي، استيقظت داون مبكرًا، جلست على طاولة المطبخ، تناولت حبوب إفطار باردة، وانشغلت بحل كلمات متقاطعة في الجريدة. بعد وقت قصير، تركت المطبخ، ولم تُرَ حية بعدها أبدًا.

السرير في غرفة نومها كان مسوىً باهتمام وفقًا لأمها. كانت هناك «كومة من ثلاثة عشر كتابًا على الأرض، ومحتويات حقيبة ظهرها، بما فيها المفاتيح، والنقود، ورخصة القيادة، معبأة في ظرف ضخم. خرزات عقد جدتها الكريستالي كانت منتثرة على السرير» وجدت جثتها بعد أشهر عدة لاحقًا طافية في بحيرة.


[1]      مسرحية الملك لير، هي مسرحية تراجيدية من تأليف شكسبير، كتبت في القرن السابع عشر، وترجمت إلى عدة لغات بما فيها العربية.

[2]      pearl by pearl كما ورد.