سبينوزا ونقد مناهج التأويل – محمد الخباز

سبينوزا ونقد مناهج التأويل – محمد الخباز


مدخل:الكتاب بين تيارين (سبينوزا ونقد مناهج التأويل)

يلخص سبينوزا في كتابه رسالة في اللاهوت والسياسة المشكلة التي ستتناولها هذه الورقة بقوله:

“تدور مناقشة بين من يفرقون بين الفلسفة واللاهوت حول مسألة ما إذا كان الكتاب ينبغي أن يكون خادماً للعقل، أم العقل خادماً للكتاب، أي هل يجب إخضاع معنى الكتاب للعقل أم إخضاع العقل للكتاب؟ إن الموقف الأخير هو موقف الشكاك الذين ينكرون يقين العقل، أما الموقف الأول فهو موقف القطعيين”[1].

إن المشكلة التي يطرحها سبينوزا هنا –والتي تدخل الآن ضمن مباحث الهرمنيوطيقيا- ليست مشكلة خاصة بالثقافة اليهودية التي ينتمي لها سبينوزا، بل هي مشكلة عامة في المجتمعات الكتابية التي يكون لديها كتاب مقدس تتخذه مصدراً لمعرفتها. وبيان ذلك أمرٌ لا تتسع له هذه الورقة، لكننا كتمهيد سنمر مروراً خفيفاً على بعض بذور هذه المشكلة في التراث الإسلامي قبل أن نوسِّعَ القول في طرح سبينوزا لهذه المشكلة ومعالجته لها. كما أود أن أشير إلى أن مستوى معالجة الورقة للمشكلة سيكون بالمستوى المعرفي لزمن سبينوزا، أي زمن الفلسفة الكلاسيكية، حيث كانت هذه المشكلةُ تُبحث في حقل الإلهيات، وهو الحقل الذي تم إهماله في الأزمان اللاحقة.

وكون هذا الكتاب ثابتاً ومحتكَّاً بالواقع المتغير وما يفرزه هذا الواقع من مشكلاتٍ ومعارف وتحولات جديدة، فإن ذلك يولد الكثير من الإشكالات في ذهن المؤمنين بهذا الكتاب. وبإمكاننا أن نقول بشكل عام أن هذا الاحتكاك وهذه المواجهة بين الكتاب والواقع في المجتمعات الكتابية أدت إلى ظهور تيارين أساسيين يتناوبان في القوة والضعف حسب ظروف الفترة الزمنية التي يعيشانها. التيار الأول الذين سماهم سبينوزا بالشكاك، وهم الذين يشكون في قدرة العقل على الوصول للمعرفة بشكل مستقل عن الكتاب، فمصدر المعرفة اليقينية هو الكتاب بغض النظر عن ملابسات هذا الكتاب وتعارضه مع الواقع أو مع العقل أو مع القيم. فالعقل عندهم ما هو إلا أداة لاستخراج المعرفة من الكتاب، فلا قيمة له في ذاته بل هو يأخذ قيمته من وظيفته في استخراج المعرفة لا في تأسيسها. أما التيار الثاني فهو الذي يؤمن بالعقل قادراً على تأسيس المعرفة بنفسه وقادراً على معرفة الخير والشر ومعرفة المضرة والمصلحة، وهو يؤمن أن الكتاب لا بد أن يوافق ما وصل إليه العقل فالحكمة صاحبة الشريعة وأختها الرضيعة كما يقول ابن رشد، وفي حال تعارضت المعرفة بين ما وصل إليه العقل وما وصل إليه الكتاب فإننا نقوم برفض هذا الجزء من الكتاب إن كان بالإمكان رفضه، أو تأويله ليتوافق مع ما وصل إليه العقل، وهؤلاء من يسميهم سبينوزا بالقطعيين لأنهم قطعوا بما توصل إليه العقل من معرفة وقالوا بأن الكتاب لا يمكن أن يعارضها بحال من الأحوال.

يقول ابن رشد في كتابه فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال واصفاً منهج القطعيين الذين ينتمي لهم: “فإن أدى النظر البرهاني إلى نحو ما من المعرفة بموجود ما، فلا يخلو ذلك الموجود أن يكون قد سُكِتَ عنه في الشرع، أو عُرِفَ به. فإن كان مما قد سكت عنه فلا تعارض هناك، (…) وإن كانت الشريعة نطقت به فلا يخلو ظاهر النطق أن يكون موافقاً لما أدَّى إليه البرهان فيه أو مخالفاً. فإن كان موافقاً فلا قول هنالك، وإن كان مخالفاً طلِبَ تأويله. (…) وإذا كان الفقيه يفعل هذا في كثير من الأحكام الشرعية فكم بالحري أن يفعل ذلك صاحب علم البرهان، فإن الفقيه إنما عنده قياس ظني، والعارف عنده قياس يقيني”[2].

ويمكننا تلمس بداية هذا التكون لهذين التيارين في التراث الإسلامي في الخلاف الذي حصل بين أهل الرأي في العراق وأهل الحديث في الحجاز. فقد كانت العراق موطناً لاختلاط الأعراق والعقول من شتى الحضارات وموطناً للفتن والصراعات السياسية وبذلك كان الكتاب أكثر احتكاكاً بالواقع هناك، ومستجدات المسائل كانت أكثر من الحجاز التي كانت أبعد عن السياسة وكان العرق العربي غالباً عليها وكان الكتاب فيها أقل احتكاكاً بالواقع. فمال أهل العراق للرأي أي لإعطاء العقل مساحة في التشريع فكانوا يرون أن الشرع قد وُضِعَ لمصلحة العباد وبإمكان العقل أن يجد حلاً للمشاكل المستجدة بالقياس على المسائل القديمة والنظر في المصالح، واشتُهر من بينهم الإمامُ أبو حنيفة. أما أهل الحجاز فكان ما عندهم من حديث يكفي لحاجتهم فكرهوا الالتجاء لعقولهم وذمُّوا أهل الرأي واتهموهم بتقديم ظنونهم على الحديث وقالوا بأن دين الله لا يصاب بالعقول، وكان منهم الإمام مالك والإمام جعفر الصادق والإمام الشافعي.

وكذلك يمكننا تلمس أثر هذه المشكلة خارج دائرة الفقه لاحقاً في الصراع العقائدي الذي دار بين المعتزلة والأشاعرة في مسألة الحسن والقبح بالخصوص. فقد قالت الأشاعرة بأن الحسن والقبح شرعيان أي أن العقل لا يستطيع أن يعرف ما هو الحسن وما هو القبيح بنفسه مستقلاً، فالحَسَنُ ما حسنه الشرع وأمر به، والقبيح ما قبحه الشرع ونهى عنه، وقد يأمر الشرع بقبيحٍ عند الآخرين أو ينهى عن حسنٍ عند الآخرين ويجب علينا اتباعه. أما المعتزلة فقالوا بأن الحسن والقبح عقليان وذاتيان، أي أن العقل بإمكانه أن يعرف الحسن والقبيح بنفسه مستقلاً، وأن الشيء الحسن حسنه ذاتي لا مكتسب. وهذه الفكرة مبنية على استقلالية العقل في المعرفة، والتي سيبني عليها المعتزلة منهجهم في التأويل، إذ أنهم على سبيل المثال أوَّلوا الآيات التي تنسب أن الله له يدين وقبضة وغير ذلك وحملوها على غير ظاهرها لأن ذلك يتنافى مع ما توصلوا له بعقولهم من أن الله ليس بجسم. فكان منهجهم أن يؤولوا كل ما يتنافى مع عقائدهم التي أثبتوها بعقولهم.

  • المحور الثاني: توصيف سبينوزا للتيارين في الثقافة اليهودية وملاحظاته

في كتاب سبينوزا سيمثل يهوذا الفخار الذي لا يُعرف عنه كثيراً تيار الشكاك الذين يلتزمون بظاهر الكتاب أو المعنى الحرفي للكتاب حتى لو عارض العقل. في حين سيمثل ابن ميمون تيار القطعيين الذين يؤولون الكتاب ليتوافق مع ما توصلوا له ببراهينهم وبعقلهم. وابن ميمون كما سيظهر معنا تُطابق آراؤه آراء ابن رشد في هذا الموضوع، فقد وُلِدَ كابن رشد في الأندلس، وانتقل لاحقاً لمصر تحت حكم صلاح الدين الأيوبي وعاش في بيئة إسلامية وكتب كتبه العبرية تحت تأثير الثقافة الإسلامية بشكل عام وتأثير ابن رشد بشكل خاص.

يقول سبينوزا واصفاً تيار الشكاك: “ولقد كان أول من ادعى، من بين الفريسيين، وجوب إخضاع الكتاب للعقل هو ابن ميمون، ومع ما يكن الفريسيون لهذا المؤلف من احترام بالغ، فإن جمهورهم خالفه في هذا الموضوع، واتبع رأي يهوذا الفخار، الذي أراد أن يتجنب خطأ ابن ميمون فوقع في الخطأ المضاد، وهو ضرورة نزول العقل على حكم الكتاب وخضوعه له كلية. فقد رأى أنه لا ينبغي تفسير أي فقرة من الكتاب تفسيراً مجازياً بدعوى أن المعنى الحرفي مناقض للعقل، (…) وهكذا صاغ هذه القاعدة الشاملة: كل ما يدعو له الكتاب بصورة قطعية، وينص عليه بألفاظ صريحة، يجب قبوله على أنه حق مطلق، اعتماداً على سلطة الكتاب وحدها”[3].

لكن سبينوزا لن يعير هذا التيار كثيراً من الاهتمام ولن يتكلم عنه كثيراً، فتركيزه الأكبر سيكون على تيار القطعيين وعلى آراء ابن ميمون، أما آراء الفخار فهي في نظره آراء منافية للحكمة وآراء هادمة للعقل، فإننا يجب أن لا نخضع للمعنى الحرفي خضوعاً أعمى، بل يجب أن نُعمل عقلنا لنقيم هذا المعنى الحرفي ونرى مدى صوابيته. أي أن سبينوزا يرى أنه يجب أن تكون لدينا معرفة وأسس ومعايير من خارج الكتاب لنقيِّم بها المعنى الحرفي الذي نستخرجه من ظاهر الكتاب، أما الاستسلام للمعنى الحرفي مهما كانت العواقب فهو خطأ كبير[4]. وللأسف فرغم أن هذا التيار هو الغالبُ في زمان سبينوزا كما يشير وفي زماننا أيضاً فإن سبينوزا لم يقف على حججهم ولم ينقدها بأكثر من هذا المرور السريع.

وإذا كان تيار الشكاك يرى للكتاب معنىً واحداً حرفياً يجب الخضوع له، فتيار القطعيين يرى أن للكتاب معانٍ متعددة، والشرط في اختيارنا لمعنىً من المعاني أن لا يكون معارضاً للعقل. لذلك يقول سبينوزا “وكان لابن ميمون رأي مخالف كل الاختلاف. كان يعتقد أن لكل نص من الكتاب معاني كثيرة بل ومعاني متعارضة، (…) فإذا فسر النص تفسيراً حرفياً وكان مناقضاً للعقل وجب تفسير النص تفسيرا آخر مهما كان واضحاً”[5]. وهذا الشرط الذي يضعه هذا التيار لاختيار المعنى الصحيح من المعاني المتعددة مفادهُ هو توافق هذا المعنى مع ما توصل إليه البرهان الفلسفي. لذلك يضرب سبينوزا مثلاً في مسألة خلق العالم التي يصرح الكتاب بها، لكن ابن ميمون لا يؤمن بأن العالم مخلوق لأن الكتاب صرح بذلك بل لأن البرهان أوصله لهذا المعنى ووافقه الكتاب. يذكر سبينوزا ناقلاً عن ابن ميمون في كتابه موريح نبوخيم قوله “إعلم أننا لا نرفض التسليم بقدم العالم بسبب النصوص التي نجدها في الكتاب عن خلق العالم، (…) وليس هناك ما يمنعنا من تأويل النصوص التي تفيد الخلق. وما كنا نتورع عن تأويلها كما فعلنا من قبل مع بعض النصوص عندما رفضنا أن يكون لله جسم. (…) ومع ذلك لم أشأ أن أقوم بهذا التفسير ورفضت هذه العقيدة [لأنه] يمكن البرهنة بوضوح على أن الله ليس جسماً، وبالتالي يتحتم تفسير كل النصوص التي يناقض معناها الحرفي هذا البرهان”[6].

وبذلك فإن ابن ميمون يضع النتائج البرهانية العقلية أولاً كأساس في منهجه التأويلي قبل الكتاب. وعلى هذه القاعدة يعلق سبينوزا بقوله: “فلو قام لديه البرهان عقلاً على قدم العالم لما تردد في تأويل الكتاب تعسفاً وتفسيره بحيث تبدو هذه العقيدة وكأنها صادرة منه، إنه ليكون عندئذ على يقين قاطع من أن الكتاب أراد أن يبشر بقدم العالم، مهما عارض الكتاب في ذلك. وإذن فهو لا يمكن أن يستيقن من المعنى الحقيقي للكتاب مهما كان واضحاً، ما دام يشك في حقيقة ما يقوله الكتاب، وما دامت هذه الحقيقة لم تثبت في نظره بالبرهان. وطالما لم يقم البرهان على هذه الحقيقة، فلن نعلم إن كان الكتاب متفقاً مع العقل أم مناقضاً له، وبالتالي لن نعلم إن كان المعنى الحرفي صحيحاً أم باطلاً (…) فالنور الطبيعي عاجز إذاً عن البرهنة على أي شيء يتعلق بحقيقة الجزء الأكبر من هذا المحتوى، وبالتالي يعجز عن البرهنة على المعنى الصحيح للكتاب وعلى ما فيه من أفكار، وسنحتاج عندئذ في ذلك إلى نور آخر. وفضلاً عن ذلك، فلو كانت طريقة ابن ميمون صحيحة، لكان على العامة الذين هم في أغلب الأحيان جاهلون بالبراهين أو عاجزون عن الاضطلاع بها، ألا يسلموا بشيء يتعلق بالكتاب إلا معتمدين على سلطة المتفلسفين أو على شهادتهم، ولكان عليهم بالتالي أن يفترضوا أن الفلاسفة معصومون من الخطأ في تفسيرهم الكتاب”[7].

ويمكننا أن نلخص ملاحظات سبينوزا النقدية على منهج ابن ميمون كالتالي:

  • التعسف في تأويل الكتاب ليتوافق مع منتجات العقل مهما كانت، حتى لو كان نص الكتاب لا يحتمل هذا التأويل. ويضرب لذلك مثالاً حين يشير نص الكتاب لدوران الشمس حول الأرض وثبات الأرض وتوقف الشمس بعض الوقت “ومع ذلك فنظراً إلى أن كثيراً من الناس لا يريدون التسليم بوقوع أي تغير في السموات والأرض، فإنهم يفسرون النص بحيث يبدو وكأنه لم يشر مطلقاً إلى هذا المعنى، وهناك آخرون، وهم الذين تعودوا على التفلسف بطريقة أصح، يعلمون أن الأرض تتحرك وأن الشمس ثابتة، وهؤلاء يبذلون جهوداً يائسة من أجل استخلاص هذه الحقيقة من الكتاب بالرغم من وضوح معانيه”[8].

  • إذا لم يكن هناك برهان عقلي في موضوع معين فإننا لا نستطيع معرفة معنى الكتاب الصحيح في هذا الموضوع. يقول سبينوزا “فنحن لا نستطيع أن نعرف بالعقل ما لا يمكن البرهنة عليه.(…) فمنهج ابن ميمون إذن لا فائدة منه على الإطلاق، فضلاً على أنه يقضي تماما على الثقة في فهم المعنى الحقيقي للكتاب”[9].

  • أن هذا المنهج لا يتناسب مع عامة الناس الذين ليسوا بفلاسفة ولا يعلمون شيئاً عن البرهان وعن أدواته وعن نتائجه. مما يعني أن الكتاب أنزل للفلاسفة فقط، وهذا غير صحيح، فالكتاب منزل لجميع الناس ويجب أن يكون منهج فهمه في متناول جميع الناس. يقول سبينوزا: “على أن الأنبياء والحواريون قد اعتادوا ألا يعظوا المؤمنين وحدهم بل وعظوا الكفار والفاسقين أيضاً، فلا بد إذن أن هؤلاء الأخيرين كانوا أيضاً قادرين على فهم فكر الأنبياء والحواريين، وإلا لظهر الأنبياء والحواريون كما لو كانوا يعظون الصبية والأطفال الصغار، لا الرجال العقلاء، ولكان من العبث وضع قوانين موسى مادام فهمها مستحيلا على المؤمنين وحدهم الذين لا يحتاجون إلى أي قانون”[10].

  • يترتب على رأي ابن ميمون أن نؤمن بعصمة الفلاسفة، فما أدرانا أن نتائج برهانهم هي صحيحة ولن ينقضها أحد، فإذا أوَّلنا الكتاب اليوم ليتوافق معها، فماذا سنفعل حين يثبت خطؤها. وهذا نقد لرأي ابن رشد الذي ذكرناه والذي يقول أن العارف لديه برهان قطعي وليس ظنيا.

  • المحور الثالث: الحل الذي يطرحه سبينوزا (سبينوزا ونقد مناهج التأويل)

إن هذه الفوضى التأويلية التي أدت إليها اختلافات مناهج التفسير والتأويل ليست مشكلة خاصة بالأمة اليهودية كما نعلم، فهي مشكلة عامة في الأمم الكتابية، وقد أدت هذه المشكلة إلى ضعف هذه الأمم بانقسامها إلى طوائف وأحزاب كثيرة، وأدت إلى حروب ومنازعات ومكارهات لا تنتهي بين هذه الطوائف، وقد كانت كل طائفة تُخرج أختها من النعيم وتحكم عليها بالجحيم والضلال وغضب الرب، وفي كل تلك الاختلافات كانت هذه الطوائف تستند على نص يؤيد ما تدعيه، “حتى شاع بين الهولنديين منذ القدم مثل يقول: ما من مجدف إلا ويستند إلى نص”[11]، كما يقول سبينوزا.

ولم تكن الاختلافات هذه كما نعلم تقف عند حدود الاختلاف الفكري، بل كانت الطائفة التي تسمح لها الظروف بالإمساك بالسلطة السياسية تقوم بالتضييق على الطوائف الأخرى. وهذا ما أدى في الأساس إلى نزوح عائلة سبينوزا من البرتغال إلى هولندا بسبب محاكم التفتيش البرتغالية، وما أدى لاحقاً إلى إعلان الحرم على سبينوزا من قبل طائفته اليهودية وعزله عن المجتمع عزلاً تاما. فماذا فعل سبينوزا لحل هذه المشكلة؟

لقد قام سبينوزا بذكائه الباهر بإعادة تعريف الدين للتخلص من هذه المشكلة، فقام بصياغة الدين على شكل دائرتين: دائرة صغيرة مركزية تحتوي على مبادئ قليلة وسهلة يمكن للإنسان العادي الوصول لها، وعلى هذه الدائرة المركزية يعتمد خلاص الإنسان وتتكأ نجاته مهما كانت طائفته، لأنها تحتوي على مبادئ عامة يشترك فيها كل الناس ولا يختلفون حولها. أما الدائرة الثانية فهي دائرة كبيرة قام سبينوزا بوضع كل ما يؤدي إلى الاختلاف بين البشر فيها من عقائد ومن طقوس ومن قضايا تاريخية ومن أفكار فلسفية وغير ذلك، وفي هذه الدائرة بإمكان الإنسان أن يعتقد بما يشاء مما يوصله إليه الكتاب أو البرهان، وبإمكان الناس والطوائف أن تختلف ما شاءت الاختلاف وأن تخطأ وتصيب، فذلك لا يؤثر على خلاصهم ما داموا ملتزمين بمبادئ الدائرة المركزية للدين.

وسمة السهولة هي من السمات المهمة لهذه المبادئ المركزية التي يركز عليها سبينوزا، فهي مبادئ سهلة للغاية بإمكان الإنسان العادي الوصول لها بالنور الفطري، ومصطلح النور الفطري عند سبينوزا يعني مزيجاً من الفطرة السليمة والعقل البسيط، وهذا النور الفطري هو هبةٌ من الله يستطيع الإنسان النجاة به والوصول إلى الخلاص، فالدين في رأي سبينوزا قد بُعثَ إلى عامة الناس لا إلى خاصتهم، وهذه حجة أساسية يرتكز عليها سبينوزا في صياغته الجديدة للدين. يقول سبينوزا: “وإذن فلما كان الكتاب قد أوحي أولاً لكي تفيد منه أمة كاملة، ثم الجنس البشري كله، فقد كان من المحتم أن يتلاءم محتواه مع أفهام العامة، وأن يكون الإثبات فيه بالتجربة وحدها، (…) أي عن طريق القصص التي يرويها”[12]. ويقول أيضاً: “فلا ينبغي أن تكون هناك أي قاعدة أخرى للتفسير سوى النور الطبيعي المشترك بين جميع الناس، (…) فمن الواجب إذاً ألا يكون هذا المنهج من الصعوبة بحيث لا يمكن أن يتبعه إلا الفلاسفة ذوو البصيرة النافذة. بل يجب أن يكون في متناول الذهن العادي المشترك بين جميع الناس”[13]. فالكتابُ “لم يقدم إلا تعاليم يسهل إدراكها لأي فرد، لذلك لم يستعمل المنهج الاستنباطي الذي يبدأ من بديهيات وتعريفات تتسلسل منها القضايا”[14].

وبذلك فإن سبينوزا لا يرى حاجةً للجدال على سبيل المثال حول النصوص التي تجعل لله يدين وقدمين وعينين وأذنين وتنسب له حركة في المكان أو انفعالاً نفسياً، ولا حاجة للحيرة حول ما إذا كان يجب أن نفسر هذه النصوص تفسيراً حرفياً كتيار الشكاكين أو تفسيراً مجازياً كتيار القطعيين، لأن هذه النصوص جاءت لتناسب أفهام العامة. ولو كان من الواجب “تفسير جميع نصوص الكتاب من هذا النوع تفسيراً مجازياً لوجب أن نسلم بأن النص لم يكتب للعامة والجهلة، بل كان موجهاً إلى أكثر الناس خبرة ومعرفة، وإلى الفلاسفة بوجه خاص”[15].

ويمكننا تلخيص الدائرة المركزية للدين والتي يعبر عنها سبينوزا بالشريعة في وصية واحدة ألا وهي: “حب الله فوق كل شيء، وحب المرء لجاره كما يحب لنفسه”[16]. وحب الله يتمثل حسب سبينوزا في الاعتقاد بأنه موجود أسمى وخيِّر ورحيم على نحو مطلق، وهو واحد لا شريك له، وحاضر في كل مكان، وله القدرة المطلقة. أما حب الجار فيتمثل في فعل الخير وفي العدل والإحسان، وعلى هذا يتعلق خلاص الإنسان، حتى لو قام ببعض الأخطاء فإن الله غفور رحيم[17]. ولأن الشق الأول هو أمر مسلم به من قبل المؤمنين فإن تركيز سبينوزا سيكون على الشق الثاني في رسالته ليشرح كيف أن الخلاص يعتمد على عمل الخير ومحبة الناس لا على الأقوال أو المعتقدات أو الطقوس[18].

إذاً سمة أخرى من سمات الشريعة أو الدائرة المركزية للدين هو أن عمل الخير هو الذي يعتمد عليه خلاص الإنسان. يقول سبينوزا “إن المرء لا يعرف إلا من أفعاله. وإذن فمن يحمل بوفرة ثماراً كالإحسان والفرح والسلام وعدالة النفس والطيبة وحسن النية والحلم والبراءة وضبط النفس (…) فسواء تعلم هذه الأمور من العقل وحده أم من الكتاب وحده فإن الله هو الذي علمه إياها بالفعل وهو بذلك يملك السعادة الروحية”[19].

وهذا القول يذكرنا بصراع المعتزلة والأشاعرة حول الحسن والقبح، فسبينوزا يرى أن الإنسان يمكن أن يهتدي لعمل الخير عن طريق عقله أو نوره الفطري وهو حين يفعل ذلك فإنه يصل إلى الخلاص. وسبينوزا هنا يواجه فكرةً شائعة في الثقافة الدينية مفادها أن الإنسان لا يمكن أن ينجو مهما فعل من أفعال الخير إذا لم يكن ينتمي للطائفة الصحيحة وأنه لم يستمد عمل الخير من أوامر الكتاب. يقول سبينوزا: “لا يمكن الحكم على أحد بأنه مؤمن أو غير مؤمن إلا بأعماله، فإذا كانت أعماله حسنة مع اختلافه في عقائده عن بقية المؤمنين، فهو مؤمن، وإذا كانت أفعاله سيئة واتفقت عقائده لفظياً مع الآخرين، فهو غير مؤمن. ذلك لأنه إذا وجدت الطاعة وجد الإيمان بالضرورة. والإيمان دون الأعمال مائت”[20]. لكن هذه الفكرة وإن كان عند سبينوزا ما يؤيدها من الكتاب إلا أن ما غلب لدى الناس هي الفكرة الأخرى والتي أشاعها بولس، “فلكي يثبِّت بولس الناس في الدين ويبين لهم أن الخلاص لا يتم إلا بالفضل الإلهي، علمهم أنه لا يحق لأحد أن يتفاخر بأفعاله بل بإيمانه فقط، وأن الأعمال لا تنقذ أحداً”[21]. وهذا ما أدى إلى انقسام الأمة إلى طوائف وفرق، وكل فرقة تدعي أن الخلاص لا يكون إلا بالإيمان بأقوالها ومعتقداتها، وهذا ما أدى إلى فتن كثيرة، وما جعل من مؤسسي الفرق حسب تعبير سبينوزا “يحتقرون من يخالفونهم في الرأي، فيعدّونهم أعداء الله، حتى لو كانوا يعيشون على أشرف نحو يمكن تصوره، ويمارسون الفضيلة الحقة، كما أنهم على العكس من ذلك، يحبون من ينقادون لهم كالأنعام، وكأنهم أصفياء الله، حتى ولو كانوا بعيدين كل البعد عن الخلق القويم”[22].

إن هذا المعيار هو معيار مهم وأساسي عند سبينوزا، إنه بهذا المعيار يقوم بقلب تصورنا عن الدين ويقوم بتغيير شامل لفهمنا الشائع عن الدين والذي كرسته خطابات الطوائف المتناحرة عبر التاريخ. ولذلك كان نقد سبينوزا حاداً للطوائف اليهودية التي كانت تؤمن بهذه الفكرة، ولعلمائهم أيضاً، ومنهم ابن ميمون الذي كان يؤيد هذه الفكرة، ومنهم موسى بن شيم توب في كتابه كيبود الوهيم أو مجد الله الذي قال فيه: “إن علم أرسطو (…) بكل وصايا الأخلاق الحقة، التي عرضها هو نفسه في كتابه الأخلاق والتي عمل بها بكل جوارحه لم ينفعه في الوصول إلى الخلاص لأنه لم يتلق هذه العقيدة بوصفها وحياً عن طريق النبوة بل تكونت لديه بإملاء العقل”[23].

كذلك فإن هذا التصور الجديد للدين له خطرٌ شديد على مكانة أصحاب الكهنوت لأنه سيجعل من الإنسان العادي قادراً على الوصول للخلاص بنفسه وبكل سهولة ويسر دون الحاجة للخضوع لسلطان الكهنوت، وبالتالي فهو سيغلق دكاكينهم التي فتحت بسبب اعتقاد الناس أنهم  لا يستطيعون فهم الدين إلا بواسطة علماء الدين لأن الدين أمرٌ معقد وصعبٌ مستصعب كما يصورون للناس، وهذا ما أدى كنتيجة طبيعية إلى كره علماء الدين لسبينوزا وطرده وإبعاده وحرمانه.

وكما يُخرج سبينوزا الأقوال والمعتقدات من الدائرة المركزية للدين فإنه يقوم بإخراج الإيمان بالقصص الواردة في الكتاب، فهذه القصص إنما وردت لتقوي من إيمان عامة الناس ولتهديهم إلى طريق الخير بالموعظة الحسنة، لكن الناس اختلفوا اختلافاً شديداً حول هذه القصص وحول تفاصيلها وملازماتها، وحول تطابقها مع الواقع التاريخي، وتطابق ملازماتها مع الحقائق العلمية والفكرية، ولذلك يرى سبينوزا أن الاختلاف حولها لا ضرر فيه ولا علاقة له بخلاص الإنسان. يقول سبينوزا: “أن معرفة هذه القصص والإيمان بحقيقتها ضروري إلى أقصى حد للعامة الذين لا تقوى أذهانهم على إدراك الأشياء بوضوح وتميز. (…) أما من يجهلها ومع ذلك يؤمن عن طريق النور الفطري بوجود إله وبكل ما يترتب عليه ويطبق من جهة أخرى قاعدة السلوك الصحيحة في الحياة فإنه يحصل على السعادة الروحية الكاملة”[24].

كذلك يُخرج سبينوزا الطقوس والاختلاف حولها من الدائرة المركزية للدين، ففي سفر أشعيا “يدعو النبي أمته إلى أن تسمع منه القانون الإلهي (…) ويلخصه في هذه الوصايا القليلة: تطهير النفس، ممارسة الفضائل بصفة مستمرة، أي القيام بالأفعال الحسنة” ويكمل سبينوزا بقوله: “فإن الكتاب ذاته يقرر أن الطقوس لا تؤدي إلى السعادة مطلقاً، بل تتعلق بالمنفعة الدنيوية للدولة؛ إذ لا يبشر الكتاب من يقيم هذه الطقوس إلا بمزايا مادية ولذات حسية، ويقصر السعادة الروحية على من يحافظ على القانون الإلهي الشامل”[25].

وقد ترد عند سبينوزا بعض العبارات الجامحة التي تفيد بأنه يُقصي هذه الأشياء من الدين تماماً، لكن قراءة متفحصة لمجمل رسالته في اللاهوت تفيد أنه فقط يزيحها من الدائرة المركزية للدائرة العامة لأن إيمان عامة الناس لا يقوم إلا بها. وإنما هو يفعل ذلك ليؤسس لنا فكرة أساسية لديه مختلفة عما شاع في الفكر الديني وهي أن الخلاص يعتمد على فعل الخير والأعمال الصالحة وليس على غير ذلك. يقول سبينوزا: “وإذاً فلا ينبغي الاعتقاد بأن الآراء في ذاتها –بغض النظر عن الأعمال- تنطوي على أي قدر من الإيمان أو الكفر. فنحن نقول عن الاعتقاد الإنساني أنه ينطوي على إيمان أو كفر بقدر ما يحث المؤمنين به على الطاعة، أو يبيح لهم الخطيئة والعصيان، وعلى ذلك فإن من يصح اعتقاده ويعصي، يكذب إيمانه، وعلى العكس فإن من يخطئ في اعتقاده ويطيع يصدق إيمانه”[26].

فكرة أساسية وأخيرة يؤسس لها سبينوزا ويبنيها على آراءه السابقة، وهي أن الكتاب إنما هو كتاب هداية وموعظة لعمل الخير وليكون الإنسان كائناً صالحاً يحب الله ويحب الناس وليس هو كتاب علمٍ ومعرفةٍ من أي نوع، لا معرفة فكريةٍ ولا طبيعية ولا فلسفية ولا غير ذلك. وبذلك فهو يخالف ابن رشد الذي كان يرى الكتاب كتاب علمٍ وعمل فقد قال ابن رشد: “وينبغي أن تعلم أن مقصود الشرع إنما هو تعليم العلم الحق والعمل الحق. والعلم الحق هو معرفة الله تبارك وتعالى وسائر الموجودات على ما هي عليه”[27]. في حين أن سبينوزا يرى أن الكتاب كتاب عملٍ فقط، لذلك يقول: “لا يوصي الكتاب بأية معرفة إلا المعرفة اللازمة لجميع الناس حتى يطيعوا الله وفقاً لوصيته (…) أما التأملات النظرية التي لا ترمي مباشرة إلى تحقيق هذا الغرض –سواء أكانت متعلقة بمعرفة الله أم بمعرفة الأشياء الطبيعية – فإنها لا تنتمي إلى صميم الكتاب، ويجب فصلها عن الدين الموحى به”[28]. ومن هنا يظهر لنا لماذا كان ابن رشد محتاجاً للتوفيق بين الكتاب والفلسفة، في حين أن سبينوزا بصياغته الجديدة للدين لا يحتاجُ لذلك. فعلى رأي ابن رشد تكون الحكمة أختاً للشريعة أما على رأي سبينوزا فـ”لا توجد أية صلة أو قرابة بين الإيمان واللاهوت من ناحية وبين الفلسفة من ناحية أخرى. وهذا أمر لا يمكن أن يجهله من يعلم غاية كل من هذين المبحثين وأساسه. إذ أنهما متعارضان أشد التعارض. فغاية الفلسفة هي الحق وحده، وغاية الإيمان كما بينا من قبل، هي الطاعة والتقوى وحدهما”[29].

وبذلك يخلص سبينوزا إلى حل للمشكلة التي طرحناها في بداية الورقة، فيقول: “وبذلك نكون قد أثبتنا أن اللاهوت ليس خادماً للعقل، وأن العقل ليس خادماً للاهوت، بل إن لكل منهما مملكته الخاصة، للعقل مملكة الحقيقة والحكمة، (…) وللاهوت مملكة التقوى والخضوع”[30]. وبذلك يخالف سبينوزا حلَّ ابن رشد وابن ميمون، غير أن تخطئته لهما غير دقيقة، ذلك أنه للوصول إلى هذا الحل تبنى تعريفاً مختلفاً للدين ولو أنه تبنى نفس تعريف ابن رشد وابن ميمون لم يكن ليصل لهذا الحل. فحلهما ليس خطأً وفق تعريفهما للدين. كما أن سبينوزا قد لجأ إلى طريقتهما في كثير من المواضع، ولذلك يُعلن أن هذا الحل الذي توصل إليه بعقله الفلسفي هو ذاته الذي يدل عليه الكتاب، وهو بذلك يقوم بما انتقده من التوفيق بين الحكمة والشريعة فيقول: “ولم أجد فيما يعلنه الكتاب صراحة شيئاً يخالف العقل أو يناقضه، ووجدت أن التعاليم التي أتى بها الأنبياء سهلة للغاية يسهل على الجميع إدراكها، وكل ما في الأمر أن هذه التعاليم قد عُرضت بأسلوب شاعري واستندت إلى أقدر الحجج على حض عامة الناس على طاعة الله. وبناء على ذلك فقد اقتنعت اقتناعاً جازماً بأن الكتاب يترك للعقل حريته الكاملة، وبأنه لا يشترك مع الفلسفة في شيء، بل إن لكل منهما ميدانه الخاص”[31].

وهذا يعني أن ملاحظات سبينوزا على تيار القطعيين تنطبق عليه أيضاً. ففي مسألة السببية كان سبينوزا يؤمن من خلال البرهان الفلسفي لديه بأنه لا يمكن أن يحدث في هذا الكون شيء ينقض قوانين الطبيعة المادية، ولذلك فإن الكتاب حين يشير إلى كسر قوانين الطبيعة أو إلى إعطاء أسباب ما وراء طبيعية لأمور طبيعية فإن سبينوزا يلجأ إلى منهج القطعيين فيؤول الكتاب أو يرفضه لقطعه بما توصل إليه عقله. يقول سبينوزا: “حين يقول الكتاب المقدس بأن الأرض مجدبة بسبب خطايا البشر، أو أن الإيمان يبرئ الأعمى، يجدر بنا ألا نعير هذا التفاتاً أكثر من التفاتنا إلى قوله، أي الكتاب المقدس، بأن الرب غاضب على خطايا البشر، وأنه حزين وأنه نادم (…) فإن هذه التعبيرات وأضرابها إما أنها ألقيت إلقاء شاعرياً، أي من قبيل خيال الشعراء، أو رويت وفقا لآراء الكاتب وأهوائه.  وينبغي أن نكون على يقين كل اليقين من أن كل شيء وصفته الأسفار المقدسة وصفا صادقاً حقيقياً، حدث حتماً مثل سائر الأشياء وفقا للقانون الطبيعي. وأن شيئاً دُوَّنَ فيها مما يمكن إثباته على أسس موضوعة تتنافى مع نظام الطبيعة أو يتعذر استنتاجه منها، فإنه يجدر بنا أن نؤمن بأنه مدسوس على الأسفار المقدسة عن طريق أيدٍ مارقة عن الدين. فإن أي شيء مناقض للطبيعة مناقض للعقل”[32]. وبذلك يكون سبينوزا في بعض المواضع قطعياً كالقطعيين الذين انتقدهم.

إن هذا الخطأ الذي وقع فيه سبينوزا من الوقوع في ما انتقد فيه ابن ميمون ناتج من أن سبينوزا أراد أن يُثبت فكرته الجديدة من الفصل بين مملكة الدين ومملكة العقل –وهي الفكرة التي ستكون أساس العلمانية فيما بعد- من خلال الكتاب نفسه، فمنهجه قائم على قاعدة أشار لها أكثر من مرة “تنص على أن معرفة الكتاب تُستمد من الكتاب نفسه”[33]،  ولذلك فقد قام بإخضاع الكتاب لعقله دونَ أن يُدرك ذلك، ووضعه على سرير بروكرست لإزالة ما يتعارض مع فكرته منه والتعسف في تأويل بعض أعضائه ليتناسب مع فكرته. وكان الأجدى أن يبني فكرته الفلسفية على أساس فلسفي لا على أساس ديني، لأنه الآن واقعٌ في تناقض، فإذا كان ميدان الفلسفة لا يشترك مع ميدان الكتاب، فكيف يريد سبينوزا أن يستخرج فكرةً فلسفية من الكتاب، وهي فكرةُ لا تنطبق عليها شروط الأفكار الدينية المركزية عند سبينوزا من البساطة واستطاعة العامة الوصول إليها بنورهم الفطري، ولو كانت كذلك لما احتاج سبينوزا إلى كتابٍ كامل مليءٍ بالبراهين والشروحات ليقنع الناس المؤمنين بها، مع أن هؤلاء المؤمنين كانوا يقرؤون الكتاب من قرون طويلة ولم يصلوا إلى هذه الفكرة الاسبينوزية. وبما أن هذه الفكرة ليست من الأفكار المركزية للدين فيمكننا أن نؤمن بها كما يرى سبينوزا أو نؤمن بنقيضها، وهو أن مملكة الكتاب تتعارض مع مملكة العقل، وبذلك نعود إلى المربع الأول من المشكلة.

إضافةً إلى أن فكرة الفصلِ هذه لا تمدنا بمنهج جديد في تأويل الكتاب، فسبينوزا قد انتقد منهج الشكاكين ومنهج القطعيين لكنه لم يأتِ بمنهج جديد في التأويل، وكل ما قام به هو أنه قام بتأويل الكتاب بمنهج القطعيين تأويلاً مختلفاً عن تأويلهم بناءً على أفكارٍ عن الدين مختلفة عن أفكارهم، وبهذا فإن سبينوزا قطعيٌّ كابن ميمون وكابن رشد وإن وصل إلى نتائج مختلفة في تأويله.

رُغم هذه الملاحظة، إلا أن هذا العقل الباهر وهذا القلب الواسع والمحب للبشرية جميعها يستحق أن نقف له، فرغم ما جرى لأسرته من معاناة بسبب الطائفية الدينية، ورغم ما عاناه هو أيضاً بسبب الفكر الطائفي الذي أخرجه من الجنة وأخرجه من الحياة الطبيعية ليعيش منفياً لا يُكلمه أحد ولا يتواصل معه أحد حتى أقرب المقربين، إلا أنه بدل أن يخترع طائفةً جديدة تقوم بإخراج غيرها من النعيم كما فعلت به الطوائف، فإنه اخترع مذهباً فكرياً يقوم بإدخال جميع الصالحين من كل المذاهب إلى النعيم، وجعل من الله ذا رحمةٍ ليس لها حد، تسعُ كل المخطئين، ما عدا الأشرار الذين يتعمدون إيذاء الناس وفعل العمل الطالح. وهو بذلك يضرب لنا مثلاً في سمو النفس ورفعة الأخلاق وحب البشر جميعاً، حيث لم يتمنى الخير لنفسه ولطائفته فقط بل لكل الناس من كل الطوائف. وهذا ما يذكرنا بقول ابن عربي:

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي
إذا لم يكن ديني إلى دينه داني
لقد صارَ قلـبي قابلاً كلَ صُـورةٍ
فـمرعىً لغـــــزلانٍ ودَيرٌ لرُهبـَــــانِ
وبيتٌ لأوثــانٍ وكعـــبةُ طـائـــفٍ
وألـواحُ تـوراةٍ ومصـحفُ قــــــرآن
أديـنُ بدينِ الحــــبِ أنّى توجّـهـتْ
ركـائـبهُ ، فالحبُّ ديـني وإيـمَاني

وسبينوزا يسخر من الذين يقصرون نعيم الرب على طائفتهم لأنه لا يرى فيهم سوى أطفالٍ أنانيين يظنون أن نعيم الرب ينقص حين يعطي الآخرين كما يعطيهم، ولذلك فهم يبخلون على الآخرين بذلك النعيم. يقول سبينوزا : “إن سعادة الفرد ونعيمه الحقيقي لا يكونان إلا في تمتعه بالخير، لا في فخره بأنه وحده الذي يتمتع به مع استبعاد الآخرين. ومن يظن أنه حصل على سعادة أكبر لكونه أسعد حظاً من الآخرين مثل هذا الشخص يجهل السعادة والنعيم الحقيقي. فالفرح الذي يشعر به المرء نتيجة لاعتقاده انه أسمى من الآخرين، إن لم يكن شعورأ طفولياً، فإنه لا ينشأ إلا من الحسد أو من القلب الحاقد. (…) وما كانوا [إشارة لليهود وظنهم أنهم شعب الله المختار] ليحصلوا على سعادة أقل لو كان الله دعا الناس جميعاً للخلاص”[34].


المراجع:

  • سبينوزا: رسالة في اللاهوت والسياسة. ترجمة: حسن حنفي. بيروت: دار الفارابي.

[1] -سبينوزا: رسالة في اللاهوت والسياسة. ترجمة: حسن حنفي.ص355. بيروت: دار الفارابي.

[2] – فصل المقال: ابن رشد، ص97. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

[3] – رسالة في اللاهوت ص356.

[4] – انظر رسالة في اللاهوت ص357.

[5] – رسالة في اللاهوت ص251.

[6] – رسالة في اللاهوت ص251.

[7] – رسالة في اللاهوت ص252.

[8] – رسالة في اللاهوت ص152.

[9] – رسالة في اللاهوت ص253.

[10] – رسالة في اللاهوت ص250.

[11] – رسالة في اللاهوت ص345.

[12] – رسالة في اللاهوت ص207.

[13] – رسالة في اللاهوت ص255.

[14] – رسالة في اللاهوت ص338.

[15] – رسالة في اللاهوت ص343.

[16] –  رسالة في اللاهوت ص335.

[17] – انظر رسالة في اللاهوت ص253.

[18] – انظر رسالة في اللاهوت ص189.

[19] – رسالة في اللاهوت ص212.

[20] – رسالة في اللاهوت ص348.

[21] – رسالة في اللاهوت ص325.

[22] – رسالة في اللاهوت ص346.

[23] – رسالة في اللاهوت ص211.

[24] – رسالة في اللاهوت ص208.

[25] – رسالة في اللاهوت ص198.

[26] – رسالة في اللاهوت ص343.

[27] – فصل المقال، ص115.

[28] – رسالة في اللاهوت ص339.

[29] – رسالة في اللاهوت ص353.

[30] – رسالة في اللاهوت ص360.

[31] – رسالة في اللاهوت ص116.

[32] – رسالة في اللاهوت ص225.

[33] – رسالة في اللاهوت ص243.

[34] – رسالة في اللاهوت ص165.