حياة أرسطو ونشأته وحياته الزوجية – كريستوفر شيلدز


حياة أرسطو

  • مقدمة

يُعدّ أرسطوطاليس (384-322 ق.م) من أعظم الفلاسفة على امتداد العصور،. وإذا حكمنا عليه بالاقتصار على تأثيره الفلسفي فلن يناظره في الأهمّية سوى أفلاطون،. إذ طبعت مؤّلفات أرسطو بطابعها قرونًا من الفلسفة بدءًا من نهاية العصور القديمة، مرورًا بعصر النهضة، وصولًا حتّى إلى أيّامنا هذه،. إذ ما تزال مؤّلفاته تُدرَس بحماسة لا تعبأ بالجانب الآثاري لها؛. ولقد ترك لنا هذا الباحث والكاتب المذهل كتلة ضخمة من النصوص قد يبلغ عددها مئتا رسالة تقريبًا، وصلنا حوالي واحدة وثلاثون منها.[i]

 وهنا، يجد القارئ في ما وصلنا من مؤلّفات أرسطو تناولًا لنطاق واسع من المعارف، بدءًا من المنطق والميتافيزيقا وفلسفة الذهن،. مرورًا بالأخلاق والنظرية السياسية والجماليات والبلاغة،. وانتهاء بحقول غير فلسفية في أساسها كالبيولوجيا التجريبية التي امتاز بما قدّمه فيها من معلومات تفصيلية في ملاحظة النباتات. والحيوانات ووصفها؛ وفي كلّ هذه المجالات أنارت نظريات أرسطو للبعض طريقه،. وقابلها البعض بالمعارضة، ومنها ما أطلق شرارة الجدل،. ويمكن القول عمومًا بأنّها حفّزت الاهتمام المتواصل بقراءة نصوصه بين شريحة واسعة من القرّاء.

ولا يمكن الإحاطة بفلسفة أرسطو بسهولة،. وذلك لاتّساع نطاقها وقدم عهدها، فالتاريخ الطويل لشرح نصوصه وأفكاره الرئيسية وتحصيلها،. والتي تمتدّ على ألفين من السنوات وتضمّ فلاسفة من مشارب دينية وعلمانية مختلفة،. قد جعل الخلاف يتسرّب حتّى إلى النقاط الرئيسية في شرح هذه النصوص

  • حياة أرسطو

بادئ ذي بدء، ولد أرسطوطاليس في العام (384 ق.م) في مدينة صغيرة تُعرف بـ(اسطاغيرا) تقع بالمنطقة المقدونية من شمال شرق اليونان (ومن هنا جاء تلقيبه بـ”الاسطاغيري”)،. وقد أُرسِل إلى أثينا عندما كان في حوالي السابعة عشرة من العمر ليدرس في أكاديمية أفلاطون. التي كانت تحتلّ صدارة مواقع التعليم في أنحاء العالم اليوناني. ولم يقطع أرسطو علاقته بهذه الأكاديمية حتّى وفاة أفلاطون في العام (347 ق.م)، وحينها غادر إلى آسوس (في آسيا الصغرى، ساحل شمال غرب تركيا اليوم)،.

وهناك، واصل نشاطه الفلسفي الذي بدأه في أكاديمية أفلاطون، لكنّ من المرجّح جدًّا أنّه بدأ أيضًا بتوسيع أبحاثه لتشمل البيولوجيا البحرية. وبقي أرسطو في آسوس حوالي ثلاث سنوات، ثمّ انتقل إلى جزيرة ليسبوس المجاورة لساحل آسوس،. ويبدو أنّ هذا الانتقال حدث بسبب وفاة مضيفه هرمياس حاكم آسوس، وهو صديقه وزميله في الأكاديمية سابقًا. وواصل أرسطو أبحاثه الفلسفية والتجريبية في ليسبوس لسنتين أخريين، .عمل خلالها مع ثيوفراسطوس الليسبوسي، والذي ورد اسمه في النصوص القديمة ضمن أسماء أكاديمية أفلاطون. وفي هذه المدّة تزوّج أرسطو پوثياس ابنة أخ هرمياس، وأنجبت له ابنة حملت اسم أمّها نفسه.

.

  • أرسطو الإسكندر الكبير

وفي العام (343 ق.م)، غادر أرسطو ليسبوس إلى پيلا، عاصمة مقدونيا، بطلب من ملكها فيليپوس ليكون المعلّم الخاصّ لولده الاسكندر. الذي كان يبلغ من العمر حينها ثلاث عشرة سنة، وهو الذي سيعرف في ما بعد بـ(الإسكندر الكبير). وعلى الرغم من أنّ المؤرّخين لا يقاومون جاذبية التفكير بتأثير. أرسطو في تطوّر شخصية الإسكندر، فإنّ الحقيقة تشير إلى أنّه ليس هنالك سوى القليل من المعلومات الأكيدة حول ما كان يدور بينهما. وبالاعتماد على المعلومات المتوافرة يبدو من المعقول أن نستنتج بأنّ أرسطو علّم تلميذه بعض الدروس، لكنّ مدّة التعليم لم تتجاوز سنتين أو ثلاثًا،. بلغ بعدها الاسكندر الخامسة عشرة من العمر وأصبح جاهزًا، في ما يبدو، لينوب عن والده في قيادة جيشه،. وهو ظرف من شأنه أن يهدم، وإن بشكل غير حاسم، حجج المؤرّخين الذين يخمّنون تجاوز مدّة التعليم لما ذكرناه (منهم من يفترض أنّها دامت ثماني سنوات).

ومن الصعب أن نستبعد هذا الاحتمال بشكل قطعي، وذلك لأنّنا لا نعلم إلّا القليل حول حياة أرسطو في المدّة (341-335 ق.م)، ويبدو أنّه بقي خمس سنوات أخرى في اسطاغيرا أو مقدونيا قبل أن يعود إلى أثينا، للمرة الثانية والأخيرة، في العام (335 ق.م)، ليؤسّس فيها مدرسة خاصّة به في منطقة عمومية للتمارين مكرّسة للرب أپولّو اللوقياني، ومنه جاء الاسم الذي عُرفت به هذه المدرسة (اللوقيون)، أمّا من انخرطوا فيها فأطلِق عليهم لاحقًا (المشّاؤون)، وربّما يعود سبب التسمية إلى وجود ممرّات مسقّفة للمشي في المدرسة بالقرب من ميدان التمارين.

وكان أعضاء اللوقيون يبحثون في طيف واسع من المجالات التي يهتمّ بها أرسطو نفسه، وهي: علم النبات، والبيولوجيا، والمنطق، والموسيقا، والرياضيات، والفلك والطبّ، والكونيات، والفيزياء، وتاريخ الفلسفة، والميتافيزيقا، وعلم النفس، والأخلاق، واللاهوت، والبلاغة، والتاريخ السياسي، ونظرية الحكم والسياسة، والفنون. وكان اللوقيون يضمّ مخطوطات في هذه الحقول، ولذلك يمكن القول، بناءً على بعض الروايات القديمة، بأنّه كان يشكّل أوّل مكتبة عظيمة في العالم القديم.

.

  • وفاة زوجة أرسطو

وفي هذه المرحلة من حياة أرسطو، توفّيت زوجته پيثياس،. فأقام علاقة جديدة مع هيرپيليس، والتي يحتمل أنّ أصلها يعود إلى اسطاغيرا التي ينحدر منها،. لكنّ الشكوك تحوم حول هذا الأصل، كما هو الحال بشأن تحديد طبيعة علاقتها به؛. فهنالك من يفترض أنّها كانت أَمَةً له وحسب، وهنالك من يستنتج من شروط وصيّته أنّها كانت. أمَة محرّرة ويرجّح أنّها كانت زوجته حين وفاته؛ ومهما يكن من أمر، فإنّها أنجبت له أطفالًا من بينهم (نيقوماخوس) الذي أسماه باسم والده، ويفترض أنّ كتابه (الأخلاق النيقوماخية) قد سمّي لهذا السبب أيضًا.

وبعد أن أمضى في أثينا ثلاثة عشر عامًا، عثر على مبرّر ليرحل عنها ثانيةً في العام (323 ق.م)، وربّما كان رحيله بسبب تجدّد المشاعر المعادية للمقدونيين في المدينة،. وهو أمر ما انفكّ عن التنامي منذ وجودهم فيها، ووصل إلى نقطة الغليان بهزيمة الاسكندر أمام المرض في بابل خلال السنة نفسها؛. وبما أنّ لأرسطو صلات بالمقدونيين، فلقد كان محقًّا بأن يشعر بالخوف على أمنه، فغادرها وهو يقول،. وفقًا لرواية قديمة اعتادت الألسنة على تكرارها، بأنّه لم يجد سببًا جديرًا يبرّر له أن يسمح للأثينيين بأن يذنبوا بحقّ الفلسفة مرّتين. وهكذا غادر أثينا مباشرةً إلى خلقيس في أوبويا، وهي جزيرة على الساحل الأتيكي، ليموت ميتة طبيعية في العام التالي (332 ق.م).[ii]


هوامش (حياة أرسطو):

[i]     توجد خلافات بين الخبراء حول عدد مؤلّفات أرسطو،. وكذلك بشأن موثوقية بعض الأعمال التي وصلتنا وهي تحمل اسمه. ويمكن الاطّلاع على عرض مدهش لتاريخ انتقال مؤلّفات أرسطو عبر العصور في (Shute 1888).

[ii]    إنّ الكثير ممّا أوردناه حول حياة أرسطو يستند إلى الاحتمالات،. فممّا يدعو للأسف أنّ كتّاب سيرته اضطرّوا للاعتماد على مصادر مضطربة كُتِب أكثرها في وقت متأخّر عنه،. وكانت النتيجة أنّ الاستنتاجات الضعيفة تكتسب الموثوقية أحيانًا لا لشيء سوى لتأثير التكرار؛. ولمن يرغب بالاطّلاع على موجز لعملية الكتابة التاريخية لسيرة أرسطو نحيله إلى (Grote 1880)،. وهو يقدّم لمحة مهمّة أيضًا عن حياة أرسطو من منظور القرن التاسع عشر؛. ولمن يرغب بلمحة موجزة متينة بمنظور أواخر القرن العشرين فليراجع (Pellegrin 1996).

وفيما يتعلّق بشخصية أرسطو فإنّنا نجد نهجين متعارضين جذريًا يعودان إلى العصور القديمة:. إذ يصوّره النهج الأول كشخص مغرور يزدري الآخرين، وناكر للجميل لم يقدّر قطّ ما منحه أفلاطون من تعليم؛. والثاني يصوّره كباحث مرح متحمّس في إخلاصه لأصدقائه ونظرائه في البحث عن المعرفة،. ولا يهدأ له بال في بذل الجهود لتوسيع آفاق المعرفة البشرية. ومن المرجّح أنّ أيًّا من النهجين لا يقدّم صورة صحيحة خالية من الخطأ،. والواقع يقول بأنّنا لا نمتلك ما يكفي من الأدلّة للحكم بصواب أحدهم دون الآخر؛. لكن تجدر الإشارة بأنّهما يتقاطعان في نقطة واحدة، وهي:. اتّفاقهما على أنّه من العظماء، مع اختلافهما في عرض ذلك؛. ومن كان يرغب بملخّص وجيز لتقييم هذا الوضع يمكنه الاطّلاع على (Shields 2014, 15‐17).

حياة أرسطو