توماس بيكيتي: حذّرنا عالم اللامساواة من أنّ أنظمتنا الاقتصادية لن تصمد أمام كارثة عالمية – أجرى الحوار: ديفد والاس ويلز‎ / ترجمة: ياسر المعادات

توماس بيكيتي: حذّرنا عالم اللامساواة من أنّ أنظمتنا الاقتصادية لن تصمد أمام كارثة عالمية – أجرى الحوار: ديفد والاس ويلز‎ / ترجمة: ياسر المعادات

توماس بيكيتي

توماس بيكيتي ، عالم اقتصاد فرنسي


إذا كان بيرني ساندرز هو السياسي الذي حلمت به “احتلوا وول ستريت”، فإنّ توماس بيكيتي هو أقرب ما يكون للمنظّر العظيم في عصرنا الحافل بعدم المساواة (والشعبوية والخلل السياسي الذي أنتجته). رأس المال في القرن الحادي والعشرين، الذي صدر في فرنسا في عام 2013 وفي الولايات المتحدة بعد ستة أشهر، كان أكبر كتابٍ رائجٍ نشرته مطبعة جامعة هارفارد على الإطلاق (على الرغم من طوله ما يقرب من 700 صفحة كثيفة)؛ تمكّن من تمرير معادلةٍ مجردةٍ إلى خطابٍ يشبه غناء البوب (r>g، اختصار بيكيتي لحقيقة أنّ عوائد رأس المال كانت أكبر من نمو الاقتصاد ككل) وهي الآن موضوع فيلم وثائقيٍ خفيفٍ بشكلِ مدهشِ يحمل نفس الاسم (النجم الأوّل فيه بيكيتي نفسه). ليس كل يومٍ يحصل خبيرٌ اقتصاديٌ أكاديميٌ على مثل هذا. في عام 2014 وصف وزير الخزانة السابق لاري سامرز بيكيتي بأنه “نجم روك”، ثم أمضى معظم بقية العقد في الجدال معه.

إذا كان رأس المال تشخيصيًا فإنّ عمل بيكيتي التالي “رأس المال والايديولوجيا“، يمزج التاريخ والجدل -دراسات حالةٍ من السويد الحديثة وروسيا السوفيتية جنبًا إلى جنبٍ مع برنامجٍ سياسيٍ حقيقيٍ للمساعدة في التخفيف -على الأقل- من الظلم الأكثر قسوةً الذي تم تسليط الضوء عليه في كتابه الأول. تم نشره في 10 آذار تمامًا في الوقت الذي وصلت فيه أزمة الفيروس التاجي (كورونا) إلى الاشتعال، مقدّمةً جميع دروسها الخاصة في جميع أنحاء العالم، في عدم المساواة الوبائية.

والاس: أين أنت؟ هذه الشقة تبدو وكأنّها في باريس.

بيكيتي: نعم، أنا في باريس الآن.

والاس: كيف تبدو الأمور عندك؟

بيكيتي: لقد كنت هنا مع زوجتي جوليا في الأسابيع الستة الماضية. لدينا شقةٌ جميلةٌ لذلك نحن لسنا من يعانون من هذا. الأشخاص الذين يعانون هم أشخاصٌ في شققٍ صغيرةٍ، أناسٌ يضطرون للذهاب والعمل.

والاس: تركّز وسائل الإعلام الأمريكية بشكلٍ كبيرٍ على التجربة الأمريكية، فهي تجعلها تقريبًا تشعر بأن بقية العالم لا يمر بنفس الشيء.

بيكيتي: نبقى في المنزل معظم الوقت لذلك نحن حقًا لا نرى الكثير. عندما نذهب ونتجوّل في المدينة، لا نرى الكثير من الناس، لكنّنا نرى الكثير من المشرّدين الذين ليس لديهم بالطبع مكانٌ للذهاب إليه، ومن الواضح أنّ لديهم عددًا أقل من النّاس لمنحهم المال لذلك إنهم يطلبون الكثير حقًا. هناك بعض الأماكن التي يوجد فيها توزيعٌ للطعام، ولكن بشكلٍ أساسيٍ مثل هذا الفيلم الغبي من نهاية العالم حيث اختفى الناس العاديون وكل ما تبقى لديك هم المشردون.

والاس: إنّه أمرٌ غريبُ هنا أيضًا. نحن في الحجر الصحي الفعّال، نحن نوعًا ما نعيش في واقعين في وقتٍ واحدٍ -تجربةٌ محليةُ مجمدةُ ننفق فيها الكثير من وقتنا لمحاولة اللحاق بواقعٍ متسارعٍ لا يمكننا متابعته إلا على هواتفنا وأجهزة التلفزيون. والعالم الذي أراه على تلك الشاشة مرعب. لكنني أجد نفسي أيضًا أفكّر في التضامن الرائع الذي يظهر في هذا الإغلاق. هل يشجّع هذا الرد أي جزءٍ منك؟

بيكيتي: لست متأكدًا من أنني سأقول ذلك. يهتمّ النّاس ببعضهم البعض ويسعدهم الاحتفال بمقدّمي الرعاية، هذا صحيحٌ. الثامنة مساءًا في باريس، لدينا هذه الطقوس الصغيرة، ولكن في النهاية ما نراه مع هذه الأزمة هو من نواحٍ عديدةٍ عنف عدم المساواة. تمّ تمديد نظام إعانة البطالة في فرنسا، ولكنّ هذا هو في الأساس للأشخاص الذين لديهم عقودٌ دائمةٌ منتظمة. إذا كنت مشتركًا في عقد توصيل من نوع “اوبر” أو تعمل لذاتك، فلديك القليل جدًا من دعم الدخل.

كثيرٌ من هؤلاء الناس يحتاجون للذهاب والعمل. يمكن أن يتعرضوا للمرض. المنطقة الأكثر تضرّرًا من باريس هي سان دوني، التي تقع شمال باريس وهي الضاحية الأكثر فقرًا. عادةً يقطنها الكثير من النّاس الذين يعملون في محلات السوبر ماركت أو في وظائف التسليم أو أيًا كان. أيضًا بطبيعة الحال، فإنّ الحبس في شقةٍ صغيرةٍ للغاية مع خمسة أشخاصٍ أو عشرة أشخاصٍ يختلف تمامًا عن حبسهم في مكانٍ مثل هذا. إضافةً لجزءٍ كبيرٍ من سكان باريس الذين ذهبوا إلى الريف.

في كل مكان تنظر إليه -تجد عدم المساواة.

في بقية العالم، في الهند أو في غرب إفريقيا على سبيل المثال، أنا قلقٌ للغاية. هناك الطريقة التي تمّ بها تصميم الإغلاق هو أنّه عمليًا في الغالب طريقةٌ للتّخلص من المهاجرين وسكان الريف الذين يعملون في المدن، والذين تم طردهم للتو. في بعض الحالات، أدّى ذلك إلى حركةٍ جماهيريةٍ ضخمة لسكانٍ يعودون إلى الريف، والتي لا يبدو أنها أفضل طريقةٍ لتجنّب انتشار الفيروس. عندما لا يكون لديك نظام شبكة أمان مناسبٍ، نظام دخلٍ، يكون عنف عدم المساواة واضحًا جدًا. في نفس الوقت نعم، أنت محقٌ في أنّ النّاس يشعرون أنّ هناك إرادةً سياسيةً جماعيةً للسيطرة على مصيرنا والسيطرة على القوى الاقتصادية والأسواق. إنه خليطٌ معقّد.

والاس: سمعنا أنّ الدنمارك تغطي 75٪ من رواتب العمال العاطلين. عندما تنظر حول طيف الاستجابات، من الرد الأمريكي إلى الرد الفرنسي أو البريطاني أو الدنماركي، من يفعل الأفضل في هذا الصدد؟

بيكيتي: حسنًا، من الصعب القول. ولكنّ من المؤكّد أنّ الولايات المتحدة تفعل الأسوأ.

والاس: يبدو أنّك تقول أنّه في الأساس لم تفعل أي دولةٍ ما تراه مرضيًا حتى الآن.

بيكيتي: في كلّ بلدٍ، هناك ثغراتٌ في الحماية، ثغراتٌ كبيرة. الحالة الأكثر تطرّفًا هي جميع المشردين والمهاجرين غير الشرعيين. حاولت بعض الدول في أوروبا حقًا تصحيح هذه الأخطاء، على الأقل مؤقتًا. مثل البرتغال حيث أدخلوا تسويةً مؤقتةً لجميع المهاجرين غير الشرعيين حتى فصل الصيف، لذلك على الأقل يمكنهم الحصول على الخدمات الأساسية.

والاس: في الولايات المتحدة ركّزت الكثير وسائل الإعلام اهتمامها على ما أعتقد أنّه احتجاجاتٌ صغيرةٌ جدًا،ضدّ الإغلاق. بالنّظر إلى قصة الستر الصفراء، هل تخشى أن يحدث ذلك في فرنسا؟

بيكيتي: حتى الآن، لا نرى هذا النوع من الاحتجاجات، ولكن بالطبع أعتقد أنّ الحكومة ستكون حريصة جدًا على عدم المبالغة في المدة التي يستمر فيها الإغلاق. مرةً أخرى، الأشخاص الأكثر احتياجًا، لا يمكنهم تحمل الاحتجاج حقًا. إنهم بحاجة فقط للعمل والحصول على المال والحصول على الطعام.

والاس: هذه هي القضايا التي أثرتها منذ فترةٍ -استمرار إفقار الفقراء وإثراء الأغنياء، مع اتساع الهوّة بينهما. كيف ترى أن الوباء يغير تلك المسارات طويلة المدى؟ هل لديه القدرة على تغيير الأشياء بشكل كبير؟

بيكيتي: أستطيع أن أرى العديد من المسارات الأخرى حيث لا يحدث هذا. أعتقد أنّه سيكون هناك تحولٌ نحو المزيد من التحويل الاجتماعي: مدفوعاتٌ حكوميةٌ تُمنح دون التبادل المباشر للسلع أو الخدمات، عادةً في شكل برامج إعادة توزيع الثروة مثل الرفاهية أو الضمان الاجتماعي أو المساعدة المالية أو غيرها من الإعانات. والمزيد من الاستثمار في الرعاية الصحية العامة، وربما شبكة أمانٍ أكثر شمولاً لأنّ المزيد من الناس سوف يدركون مدى فائدة ذلك. ولكن بعد ذلك يمكن أن يكون هناك تحولٌ نحو المزيد مما وصفته في كتابي بأنّه القوميّة الاجتماعية -نوعٌ أكثر ثراءً من السياسة الاجتماعية ولكن يقتصر على مجموعةٍ معينةٍ من الناس تشعر أنهم مثلك أو يريد بعض السياسيين وصفهم بأنهم مثلك أنت.

من غير الواضح في هذه المرحلة ما إذا كان هذا يمكن أن يعزّز الاشتراكيّة أو القوميّة، لمجرد الحصول على نتيجتين محتملتين واسعتين. هناك احتمالٌ في الواقع بعد الأزمة، أن نعود إلى العمل كالمعتاد من حيث كيفية تنظيم الاقتصاد، جنبًا إلى جنبٍ مع تعزيز الإيديولوجية القومية، ونتّجه إلى تعزيز الحدود وتعزيز صراع الهوية. أعتقد أنه خطرٌ جديٌ.

والاس: بشكلٍ عام، “القوميّة الاجتماعيّة” هي مقاربة بوريس جونسون، وعلى الأقل خلال حملته الأولى، دونالد ترامب هنا. عندما أنظر إلى المملكة المتحدة، يبدو لي أنّ جونسون نجح في تحقيق أداءٍ سياسيٍ جيدٍ من خلال تحريك حزبه إلى حدٍ ما إلى اليسار في الاقتصاد مع تبني القوميّة اليمينية. يشير الاستطلاع إلى أن المزيج كان شعبيًا جدًا. وفي الولايات المتحدة أعتقد أنّك ترى شيئًا مشابهًا في الانتخابات التمهيدية بين بيرني ساندرز وجو بايدن. في كلتا الحالتين، انتصرت شخصيةٌ معتدلةٌ على عرضٍ أوضح لمبادئ اليسار. أتساءل كيف تقيّم هذين السباقين وكيف ترى نتائج أهدافك الخاصة، حيث خسر كل من جيريمي كوربين وساندرز.

بيكيتي: أحاول المساهمة في التفكير في نوع النموذج الاقتصادي والاجتماعي الذي نريده على المدى الطويل. أنا لست مهتمًا جدًا بخصائص كل بلد. كوربين وساندرز، كان هناك الكثير من المشاكل معهم لأسبابٍ مختلفةٍ في كلتا الحالتين.

والاس: إنّهم ليسوا متحدثين مثاليين، تقصد.

بيكيتي: بلى. ليس من المفترض أن يكونوا متحدثين رسميين مثاليين بأي شكلٍ من الأشكال، وعلى وجه الخصوص، من الواضح أن كوربين لم يتمكّن من إرسال رسالة التحوّل في أوروبا. لكن ما تقوله عن جونسون مثيرٌ للاهتمام. بطريقةٍ ما، ما حاول ترامب وضعه في النسخة الجديدة من اتفاقية النافتا، اتفاقية نافتا المحدثة، على الرغم من أنّها في الغالب إيماءات، هناك بعض الإمكانات المثيرة للاهتمام. إنّ فكرة رغبتك في دفع جزءٍ معينٍ من الإنتاج تحت مستوى معينٍ من الحد الأدنى للأجور، بشكلٍ أساسيٍ لوضع بعض النقاش حول الأجور في اتفاقيةٍ تجاريةٍ، ليست بالضرورة غبيةً. أتذكّر التحدّث مع الأصدقاء والاقتصاديين والأكاديميين في الولايات المتحدة. لم يرغبوا حتى في سماع نقاشٍ حول هذا النوع من الأشياء.

في حالة ترامب، بالطريقة التي قام بها، تشعر أنّه أراد فقط توضيح نقطةٍ. في الواقع لم يتم ذلك على الإطلاق. الأهم كما نعلم جميعًا، عندما يتعلّق الأمر بالمال الحقيقي، كان خيار سياسة [ترامب] هو تخفيض الضرائب بشكلٍ كبير. سنرى مع جونسون، ولكن أعتقد أنّه عندما تعود الأمور إلى طبيعتها، سيفعل الشيء نفسه. يمكنك دائمًا محاولة التظاهر، من خلال الذهاب إلى المزيد من الدين العام والمزيد من العجز العام، بأنّه يمكنك القيام بالسياسة الاجتماعية دون فرض ضرائب تصاعدية. في مرحلةٍ ما، عليك أن تدفع مقابل ما تفعله.

والاس: ماذا يحدث إذا أصبح الوباء كبيرًا بما يكفي بحيث لا يمكن الاستجابة دون توليد ديونٍ ضخمةٍ؟

بيكيتي: سوف نرى. استجابة الحكومات في هذه المرحلة غير كافيةٍ حتى في أوروبا، ولكن إذا نظرت إلى ما نعرفه من الإنفلونزا الإسبانية عام 1918، فقد كانت هناك بعض الدراسات التي تبحث في معدل الوفيات حسب البلد، والأرقام لا تصدّق حقًا. كان متوسط معدل الوفيات في الولايات المتحدة أو أوروبا بين 0.5 و1 في المائة من السكان، وهو بالفعل مقدارٌ فظيعٌ، ولكن في الهند كان 5 في المائة، وفي إندونيسيا أو جنوب إفريقيا كان مرتفعًا أيضًا. بالتطبيق على السكّان اليوم، سيكون هناك مئات الملايين من القتلى على المستوى العالمي. لا أحد يعرف ما إذا كنّا سنذهب إلى شيءٍ مشابهٍ حتى الآن، لكني قلق جدًا بشأن سياسات الإغلاق في الهند، في إفريقيا، حيث لا توجد شبكة أمانٍ مناسبة.

والاس: ما الذي يمكن فعله حيال ذلك؟

بيكيتي: ما يمكن أن تفعله الدول الغنيّة هو تأجيل ديون البلدان الفقيرة أولاً. بالتأكيد. أعتقد أيضًا أنه من المهم أن نقول بوضوحٍ شديدٍ أننا بحاجةٍ إلى السير نحو نظام الشفافية المالية الذي سيسمح للدول الفقيرة بتحصيل الضرائب بطريقةٍ عادلةٍ ومقبولة. من الصعب جدًا على حكومات الدول الغنية التعامل مع الغموض المالي، ولكن إدارة الضرائب مستحيلةٌ بالنسبة للدول الفقيرة. كيف يمكنك الدفع لدولة الرفاهية وشبكة الأمان إذا لم تكن قادرًا على تطوير نظامٍ ضريبيٍ عادل؟ أعتقد أنّ هناك مسؤوليةً جماعيةً ضخمةً، وحتى الآنلالا أرى الخطوة السياسية في هذا الاتجاه. حتى الآن نحن نركّز حقًا على الإغلاق.

والاس: إلى الحد الذي نفكّر فيه بشأن سياسةٍ أبعد من ذلك، يبدو لي بشكلٍ حصريٍ تقريبًا على المستوى الوطني. هناك القليل من الحديث عن القضايا الدولية.

بيكيتي: قليلٌ جدًا. كان هناك بعض الحديث عن تخفيف عبء الديون على الدول الفقيرة، اقترح الرئيس الفرنسي بشكلٍ أساسيٍ أن تقوم الصين بتعليق الديون لأفريقيا، لذلك يطلب الجميع من الآخرين تقديم هدايا. لقد نشرنا للتو دراسةً جديدةً في المختبر العالمي لعدم المساواة تقترح أن تتحرك فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبلجيكا في اتجاه طرح سندات كورونا، وتحييد سعر الفائدة للدين العام -من الناحية المثالية بالطبع مع ألمانيا و هولندا. أعتقد أنّه لا يمكنك انتظار الإجماع من أجل التحرك في هذا الاتجاه. حتى تحالف دولتين أو ثلاثٍ أفضل من لا شيء على الإطلاق.

والاس: اقترح الاقتصادي وليام نوردهاوس مؤخرًا نهجًا مشابهًا لمشكلة المناخ -التخلص من الأمم المتحدة والذهاب إلى “نادي المناخ” على غرار منظمة التجارة العالمية.

بيكيتي: أعتقد أنّنا نحتاج حقًا إلى إعادة التفكير بعمقٍ في فكرة الأممية. من الصعب اليوم أن نقول أي شيءٍ إيجابيٍ حول الأممية. بالنسبة لمعظم الناس، أصبح هذا مصطلحًا سيئًا.

والاس: ماذا يعني إعادة التفكير؟

بيكيتي: خلاصة القول هي أنّه لا يمكننا الاستمرار في تداول السلع والخدمات ورأس المال بدون ضرائب مشتركة.

والاس: كيف يعمل ذلك؟

بيكيتي: أعتقد أنّ أيّ دولتين أو أيّ مجموعة دولٍ لديها اليوم اتفاقيةٌ تجاريةٌ أو اتفاقية اقتصاديةٌ مع تدفقٍ حرٍ لرأس المال، في الواقع نتفاوض على أنّنا لن نتّبع هذه المعاهدة ما لم يكن لدينا أهدافٌ يمكن التحقّق منها من حيث انبعاثات الكربون والعدالة الاقتصادية، أو الحد الأدنى من معدلات الضرائب. أعتقد أنّ المعاهدات التجارية البحتة ماتت، في الأساس. على المدى الطويل، لن يرغب أحدٌ في إبرام معاهداتٍ تجاريةٍ بحتةٍ دون أي أهدافٍ مشتركةٍ من حيث التنمية المستدامة والعادلة.

ولكن إلى جانب ذلك، من المرجّح أن تربح الوطنيّة اليوم، لا سيّما بين الطبقة المتوسطة والمجموعات الاجتماعية والاقتصادية الدنيا. بالنسبة لي، فإنّ أكبر خطرٍ في كل هذا النقاش هو أنّ العديد من الأشخاص الذين لديهم نوايا حسنةٌ حول العالم ونوايا جيدةٌ حول البيئة والفقر في العالم لا يستثمرون الوقت الكافي لإعادة طرح القضايا الاقتصادية والمالية المناسبة للمواطنين، وفي النهاية يترك مجموعةٌ صغيرةٌ من الخبراء والبيروقراطيين الحكوميين والاقتصاديين لتصميم حلولٍ محافظةٍ للغاية.

والاس: في كتابك الجديد، تطلق على مقاربتك المفضّلة لهذه القضايا “الاشتراكية التشاركية”. ما هو رد الفعل الاشتراكي التشاركي لهذه الأزمة؟

بيكيتي: أقل عدم مساواةٍ والمزيد من الوصول إلى الفرص الاقتصادية، والمشاركة الاقتصادية، والقوة الاقتصادية، والمشاركة في صنع القرار.

والاس: كيف؟

بيكيتي: يمتلك أقل 50 في المائة من السكان في الولايات المتحدة أقل من 2 في المائة من إجمالي الثروة. اعتادت أن تكون منذ 3 أو 4 في المائة قبل 20 سنة. الآن أقل من 2 بالمائة. كانت دائمًا نسبةً صغيرةً جدًا على أي حالٍ، لكنّها لن تسير في الاتجاه الصحيح. هذا له كل أنواع العواقب السيئة من حيث كيف يمكنك التخطيط لحياتك الخاصة. هذه العواقب واضحةٌ بشكلٍ خاصٍ في وقتٍ ليس لديك عملٌ وأساساً عندما لا يكون لديك ثروة. تحتاج إلى قبول أي وظيفةٍ، أي أجرٍ يأتي، وأي حالة عملٍ، لأنّه عليك أن تأكل، عليك إطعام عائلتك. وهذا يضعك في موقفٍ تفاوضيٍ ضعيفٍ جدًا تجاه المجتمع بشكلٍ عامٍ وفي مقابل حياتك الخاصة. لذا فإن السؤال هو: هل 2 في المائة من إجمالي الثروة لأدنى 50 في المائة أفضل ما يمكننا القيام به؟ أم أنّه من الممكن التفكير في نظامٍ اقتصاديٍ آخر، مع الحفاظ على الجوانب الجيدة للنظام الحالي، ولكن تحاول القيام بعملٍ أفضل؟

الفكرة الأساسية للغاية للاشتراكية التشاركية هي أن تقول، “حسنًا انظر، إذا أردنا تحسين ذلك، فإنّ إحدى الطرق هي أن يكون لدينا نظامٌ ضريبيٌ أكثر تقدميّةً. ضرائب أقلّ على الأشخاص الذين يحاولون الوصول إلى العقارات. يجب على الأشخاص الذين لديهم الكثير من الديون دفع ضرائب أقل. والأشخاص الذين ليسوا مدينين يجب أن يدفعوا المزيد من الضرائب “. ما أقترحه تحت عنوان الاشتراكية التشاركية هو استخدام عائدات هذه الضريبة التصاعدية لتمويل شيءٍ ما. الأشخاص الذين لا يحصلون الآن على أي ميراثٍ، وهم في الأساس 60 بالمائة من السكان، سيحصلون على 120،000 يورو أو 150،000 دولار. من أجل دفع ثمن ذلك، سيحصل الأشخاص الذين يحصلون الآن على 1 مليون دولار من الميراث على 600،000 دولار أو 650،000 دولار. لكن سيبقى لديك الكثير من عدم المساواة بين الأطفال -وإذا كنت تريد رأيي، أعتقد أنّنا يمكن أن نذهب أبعد من ذلك- لكنّ هذا سيحدث بالفعل فرقًا كبيرًا لأنّ هذا يمكن أن يضع الجميع تقريبًا في الثروة الوسيطة. إنّها في الأساس امتدادٌ لما تمّ القيام به فيما يتعلق بالضرائب التصاعدية.

الركيزة الرئيسية الأخرى للاشتراكية التشاركية هي توفير المزيد من الفرص للعمال للمشاركة في حوكمة شركاتهم من خلال المزيد من حقوق التصويت في مجالس إدارة الشركات. هناك العديد من البلدان، بما في ذلك ألمانيا والسويد، دولٌ ناجحةٌ للغاية في هذا السياق، حيث يذهب ما يصل إلى 50 في المائة من حقوق التصويت في مجالس إدارة الشركات الكبيرة إلى ممثلي العمال. أعتقد أن هذا يجب أن يصبح القاعدة.

إذا كان هذا النظام موجودًا في المستقبل، أثناء أزمةٍ مثل هذه الأزمة، فلن ترى هؤلاء الفقراء في الشارع يبحثون عن الطعام، ويبحثون عن عمل. ستكون الأغلبية في وضع يمكنها من عدم قبول كل شيء. يمكنك وضع الخطط. يمكنك التحكم بشكل أفضل في حياتك الخاصة. هذا هو الغرض. إنه أكثر بكثيرٍ من المال. إنه حقًا أكثر من حيث خلق القوة حول وجودك.

والاس: كانت فكرة القوة التصويتية -هذه الركيزة الخاصة- جزءًا كبيرًا من خطة إليزابيث وارن لإعادة تشكيل الاقتصاد الأمريكي. عندما نشرت كتابك الأخير، كنت بالفعل مثقفًا عامًا في فرنسا، لكن حالتك ارتفعت منذ ذلك الحين. يبدو أنّك تلعب دورًا سياسيًا أكثر وضوحًا الآن. هل كان لديك أي اتصالٍ مباشر مع الموجة الحالية من الشخصيات اليسارية -وارين وساندرز في الولايات المتحدة، كوربين في إنجلترا؟ ما دورك على مستوى السياسة مع القادة السياسيين؟

بيكيتي: لقد تبادلت مع العديد من هؤلاء الناس وجهات النظر. مع وارن، نظمنا نقاشًا عامًا في بوسطن عام 2014. في ذلك الوقت كانت حذرةً للغاية بشأن ضريبة الثروة. كنت أدافع بالفعل عن ضريبة الثروة؛ نبدأ ظريبةً حقيقيةً على المليارديرات. كنت أقول ما بين 5 و 10 بالمائة لكل ملياردير. وكانت تقول، “أوه”. ومن المثير للاهتمام أنه بعد أربع سنوات -حسنًا، بدأت في الواقع بمعدل ضريبةٍ أقل على المليارديرات، 3 في المائة فقط، ثم جاء بيرني مع 8 في المائة على المليارديرات ثم أتت وارن ب 6 في المائة،والتي ربما كانت تلك هي المشكلة. كانت تبدو أحيانًا كما لو أنها كانت نوعًا ما تركض خلف بيرني، أيضًا في مجال الرعاية الصحية العامة.

أنا لا أقول أنهم طالبوا بذلك لأنني كنت أقترح ذلك على موظفيهم. هؤلاء الناس لا يحتاجونني. هناك الكثير من الناس في الولايات المتحدة، في بريطانيا، غيّروا رأيهم بشأن الضرائب التصاعديّة، حول حقوق العمال. نحن لسنا في زمن توني بلير.

والاس: لقد كان هناك عقدين رائعين في هذا الصدد. كيف ترى ما حدث على وجه الخصوص في أعقاب الركود العظيم -كان هناك انفجار القلق بشأن عدم المساواة، مع “احتلوا” ولاحقًا بيرني، ولكن كان هناك أيضًا القليل من انفجار عدم المساواة نفسه، جزئيًا بسبب الطريقة تم تصميم هذا الانتعاش.

بيكيتي: كان يمكن أن تتحول الأمور بشكلٍ مختلفٍ. في أوروبا في وقت الأزمة الكبرى، كان بإمكان الحكومتين الألمانية والفرنسية أن تسلكا طريقاً مختلفاً، لكن في النهاية كان خوفهم من اليسار المتطرّف أكبر من خوفهم من اليمين المتطرّف. أعتقد أنّ هذا كان خطأً. وربما يدركون اليوم أنّهم يجب أن يكونوا أكثر خوفًا من اليمين المتطرّف، لأنّ اليسار المتطرّف على الأقل -على الرغم من أنه ليس لديهم دائمًا خطةٌ مثاليةٌ أو حلٌ مثاليٌ- هم أمميون. مع المهاجرين والجزر اليونانية اليوم، يمكنك أن ترى الفرق بين الأممية والقومية، يجب أن يتذكّر القادة في يمين الوسط أو يسار الوسط ذلك ويحاولوا بناء تحالفات.

لكني أعتقد اليوم أنني ربما أكثر قناعةً مما كنت عليه قبل ست أو سبع سنوات أنّنا بحاجةٍ حقًا للتفكير في النظام الاقتصادي المقبل. لقد فاجأت الأزمة المالية لعام 2008 العالم في وقتٍ كنّا فيه ما نزال في مزاج المنافسة الحرّة للسوق في التسعينيات وأوائل القرن الحادي والعشرين. بطريقةٍ ما، لم يكن هناك عملٌ سياسيٌ-فكريٌ حقيقيٌ لمحاولة التفكير في النموذج الاقتصادي التالي. أعتقد أننا عانينا من ذلك.

والاس: كان رأس المال في القرن الحادي والعشرين يغطي موادًا من فترة ما قبل الأزمة المالية. لقد خصّصت قدرًا كبيرًا من الكتاب الجديد للتاريخ الحديث.

بيكيتي: أعتقد أنّ كتابي الجديد هو … أولاً أفضل بكثيرٍ من الكتاب السابق. بالنّسبة لأولئك الذين يقرؤون واحدًا منهم فقط، أعتقد أنّهم يجب أن يقرؤوا هذا حقًا. أعتقد أنّه أكثر حيويةً، وأقل تقنيةً، ويغطي العديد من البلدان والسياقات التاريخية. كان الكتاب السابق مركّزًا في الغرب كثيرًا، وركًز كثيرًا أيضًا على الصّدمة بسبب الحرب العالمية الأولى، الحرب العالمية الثانية، لدرجة أنّ الكثير من النّاس يفسّرون الكتاب الأول بطريقةٍ متشائمةٍ إلى حدٍ ما، قائلين، “إذا لم يكن لديك صدمةٌ عالميةُ كبيرةُ، لن يكون لديك أي تغييرٍ”، وهو ما لم أكن أقصده في ذلك الوقت. ولكن ربما لم أعبّر عن نفسي بشكل جيد.

والاس: كان أحد الردود الرئيسية على الكتاب الأخير، على الأقل بين الجمهور الأمريكي، هو معاملة r> g كما لو كان قانونًا طبيعيًا يمكن تعديله في بعض الأحيان فقط من خلال تغييرٍ سياسيٍ استثنائيٍ. لكن في الواقع، حقيقة أنّ الحساب المصرفي لشخصٍ غنيٍ ينمو بشكلٍ أسرع من الناتج المحلي الإجمالي الوطني، هذه مجرد ظاهرةٌ تم إنشاؤها بواسطة هيكلٍ سياسيٍ معينٍ أيضًا. إنّها من صنع السياسة.

بيكيتي: أنّه كذلك. ربما لم أكن واضحًا بما فيه الكفاية بشأن ذلك. يجب أن أقول بشكلٍ عامٍ لقد تعلّمت الكثير من جميع المناقشات حول كتابي السابق. لقد تعلّمت الكثير من خلال السفر إلى العديد من البلدان التي لم أسافر إليها بما فيه الكفاية من قبل. أعتقد أنّه من خلال توسيع نطاق البلدان والمسارات التاريخية التي أنظر إليها، فقد جعلني ذلك أدرك هذا التنوّع المذهل للإيديولوجيات البشرية والخيال البشري لإعادة هيكلة المجتمعات طوال الوقت. وربما هذا هو الدرس الرئيسي للتاريخ، وهو أنّ الفكرة القائلة بأنّ هناك طريقةٌ واحدةُ فقط وليس هناك بديلٌ، هي مجرد خطأ.

والاس: سمعت أن الكثير قد بدأ في التسعينات وحتى عام 2008: هناك طريقةٌ واحدةٌ فقط.

بيكيتي: هذا خطأ.

والاس: منذ الانهيار، كان هناك نوعٌ من الاعتراف من أماكن مثل صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، فاينانشيال تايمز، الإيكونوميست، كل هذه الأصوات النخبوية الليبرالية المعولمة تقول: “حسنًا، هناك بعض المشاكل الحقيقية هنا.” لكنّهم ما زالوا لا يفكّرون كثيرًا في النماذج البديلة.

بيكيتي: إذا نظرت إلى كيفية حدوث الأشياء، فسترى إمكانيّةً للتعبئة السياسية والتغيير التاريخي من خلال العمليات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والتي تحدث دائمًا بشكلٍ أسرع بكثيرٍ مما يميل الخطاب المهيمن إلى تخيّله.

والاس: ولكن بالطبع من الصحيح أيضًا أنّ هؤلاء الأشخاص يمكنهم المساعدة في تصميم النظام وكيف يتطور، خاصةً في حالة شيءٍ مثل الركود العظيم. إلى أي مدى أدى الانتعاش إلى تفاقم عدم المساواة، في رأيك؟ قد ينظر المواطن العادي إلى التاريخ ويقول: “إنّ أولئك الذين لديهم حق الوصول إلى رأس المال هم الذين يمكنهم شراء الأصول المتعثّرة، ونتيجةً لذلك، ما لم يكن هناك تدخلٌ مثيرٌ حقًا، فستكون قوى رأس المال هي التي تستفيد من الأزمة دائمًا .” هل هذه قراءةٌ عادلةٌ لكيفية خروجنا من الركود؟

بيكيتي: أنت على حقٍ في أنّ أداء الأشخاص في القمة أفضل مرةً أخرى من المتوسّط. كيف تفسّر هذا؟ أعتقد أنّ السبب في ذلك هو أنّه إذا كنت تتعامل مع الميثاق المالي والسياسي والاجتماعي والقانوني وسياسة المنافسة بالكامل، فلن يكون هناك تغييرٌ كافٍ. في النهاية ربما كان الدرس الوحيد من أزمة عام 1929 من اليمين واليسار، إذا نظرت إلى الاقتصادي ميلتون فريدمان، الاقتصاديين النقديين، اتّفق الجميع على أنّ الاحتياطي الفيدرالي والبنوك المركزية في أوروبا ارتكبوا خطأً فادحًا في الثلاثينيات عن طريق ترك البنوك تسقط واحدًا تلو الآخر. كان الدرس الوحيد من التاريخ بطريقةٍ ما هو “سنفعل كل ما يتطلبه الأمر، وسنقوم بطباعة ما نحتاجه من أموالٍ، من أجل إنقاذ القطاع المالي”. والواقع أنّه سمح لنا بتجنب الأسوأ، وهو الانخفاض التامّ في النّشاط الاقتصادي من النّوع الذي كان لدينا في الثلاثينيات. إنّها أخبار جيدةٌ بطريقةٍ ما. لقد تعلّمنا شيئًا من التاريخ.

المشكلة بالطبع أنّنا لن نحلّ كلّ شيءٍ عن طريق البنوك المركزية. لم يكن هناك شيءٌ آخر في الحقيقة. ما يقلقني قليلاً اليوم هو أنّه على الرغم من وجود الكثير من الدوافع لمعالجة المشاكل الهيكلية، ولا سيما أزمة المناخ أو أزمة الوباء الحالية، إلا أنني أعتقد أنّه لا يوجد تفكيرٌ كافٍ حول كيفية تغيير القواعد الاقتصادية، وتنظيم علاقات الملكيّة على وجه الخصوص، كم من الممتلكات الخاصة نريد. نحتاج أن نأخذ على محمل الجد حقيقة أن توزيع العبء يجب مناقشته من وجهة نظرٍ ديمقراطيةٍ، يجب توزيعه عبر مجموعات الدخل. في بعض الأحيان، يقتنع نشطاء المناخ ونشطاء البيئة، بأنّ المشكلة رقم واحد هي المناخ فيما لا يريدون سماع عن أي شيءٍ عن أشياء مثل الدخل أو الأجور.

والاس: يعتقد بعض نشطاء المناخ أنّ الحل هو تقليص اقتصاداتنا. يسمونه “تراجع النمو”.

بيكيتي: الأمر الذي يجب مناقشته بدقةٍ شديدةٍ لأنّه بعد ذلك يجب عليك أن تكون حذراً للغاية بشأن ما تقترحه بالضبط على 50 في المائة في المجتمعات. أعتقد أنّه من الممكن تصميم خطةٍ، ولكن يجب أن نكون حذرين للغاية. في فرنسا كانت لدينا حركة السترات الصفراء. وقالت الحكومة إنّها سترفع ضريبة الطاقة وضريبة الكربون لصالح المناخ، ولكن بعد ذلك أدرك النّاس أنّها تستخدم المال لخفض ضريبة الثروة على الأغنياء وبعد ذلك أصيب الناس بالجنون. اليوم لا أحد يريد أن يسمع عن ضريبة الكربون بعد الآن في فرنسا. دمّرت هذه الحكومة بشكلٍ أساسيٍ فكرة فرض ضرائب على الكربون في فرنسا لبعض الوقت على الأقل. سيتعين علينا العودة إليه لأننا نعلم أن هذا جزءٌ من الحل.

إذا لم تفعل ذلك بطريقةٍ تأتي مع تقليل طموحٍ للغاية لعدم المساواة وتغييرٍ طموحٍ للغاية في الهيكل الاقتصادي الرأسمالي، فهذا يؤدي إلى نتائج عكسية. كان العديد من الأشخاص القادمين من حزب الخضر في فرنسا مع ماكرون، وتمّ انتخابهم أعضاء في البرلمان مع ماكرون، وصوّتوا لإلغاء ضريبة الثروة. وأريد أن أسألهم “حسنًا. هل هذه خطتك؟ هل هذا ما لديك؟” في ألمانيا، هناك احتمالٌ أن يحكم الخضر مع ما يسمى يمين الوسط. أعتقد أنّ الحركة البيئية يجب أن تفكّر بجديةٍ أكبر فيما يتعلق بالمذهب الاقتصادي.

والاس: أنا موافق. لكنني أعتقد أيضًا أنّ هناك بعض الالتباس الأساسي حول الظروف الهيكلية التي نتعامل معها. منذ عام 2009 يبدو أنّ هذا النوع من النظرة التقليدية لدى الاقتصاديين قد تحرّك إلى حدٍ ما حول الإنفاق على العجز والديون. في أي نقطةٍ ينبغي أن يصبح هذا المستوى من الإنفاق العجزي مقلقًا؟ أم أنّ هناك نقطة؟ في الولايات المتحدة كان التحفيز للوباء بالفعل ضعف حجم التحفيز في عام 2009.

بيكيتي: أعتقد أنّنا بحاجةٍ إلى أن نظهر للناس في الولايات المتحدة، في أوروبا، أنّ البنوك المركزيّة يمكنها أن تفعل أشياءً من أجل الناس بشكلٍ عامٍ، وليس فقط لإنقاذ البنوك. على سبيل المثال، سأكون مؤيدًا جدًا لاستخدام خلق الأموال للدفع مباشرةً مقابل بعض تحويلات الدخل الأساسي في منتصف فترة الركود، والتحويل مباشرةً إلى الجميع. يمكن أن يكون 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ويمكن أن يكون 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. أعتقد أيضًا أنّ الناس يدركون أنّه بالطبع لن تكون هذه النقطة السحريّة لحل جميع المشاكل. في مرحلةٍ ما إذا كنت ترغب في الدفع مقابل دولة الرفاهية التي تكلّف 40 أو 50 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي كل عامٍ، فيجب أن يكون لديك ضرائب تصاعدية.

والاس: تهيمن على وجهة نظري التجربة الأمريكية، لكني أرى حركةً أكثر عدوانيةً من قبل بنوكنا المركزية، التي تعمل على مسافةٍ أبعد من الدوافع الديمقراطية، أكثر مما أشاهده من الهيئات التشريعية والحكومات، التي هين ظريًا أكثر استجابةً للضغوط الديمقراطية. لماذا؟

بيكيتي: إنّ طباعة النقود أسهل من الاتفاق على قانون ضرائب جديدٍ، وقانون عملٍ جديدٍ، وطريقة إدارةٍ جديدةٍ للشركات. ولكن في النهاية هناك حدودٌ لما يمكنك فعله بهذا. على مدى السنوات العشر الماضية كنا ننقذ البنوك، ولكن هل حللنا مشكلتنا مع تزايد التفاوتات والاحترار العالمي؟ لا. إذا كان أي شيء، فقد ساهم كل هذا المال في إثراء أولئك الأغنياء بالفعل، وساهم في تمويل الاستثمار الذي ظلّت تنبعث منه كمياتٌ هائلةٌ من الكربون. مرةً أخرى، كل ما فعلته هذه الأموال حتى الآن هو منع الانهيار الكامل للنظام المالي، لكنّ هذا لا يرفع المستوى.

ما يوضحه هذا هو أنّنا يجب أن نهتمّ جميعًا بكيفية إعادة كتابة النظام. يجد الكثير من الناس هذا الأمر مملًا للغاية، ويمكنني أن أخبركم عندما تحاولون التحدث عن التحول والديمقراطية في المؤسسات الأوروبية، فإنّ معظم النّاس يتوقّفون عن الاستماع بعد خمس دقائق. لكن الأمر مهم جدًا لأنّه، إذا استطاعت الأغلبية اعتماد ميزانيةٍ، يمكن أن تحدّد عجزًا، أو خطة استثمارٍ، خاصةً بشأن المناخ -الرأي العام الأوروبي اليوم، هو في صالح حل أزمة المناخ- إذا كان البرلمان “مع أغلبيةٍ بسيطةٍ” يمكن أن يقرّر الدفع مقابل خطةٍ استثماريةٍ هائلةٍ، أعتقد أنّه سيفعل.

والاس: هناك العديد من العوائق التي تحول دون التغيير الدراماتيكي، بما في ذلك التغيير. ولكن إذا كانت هذه هي الحقيقة حقًا أن الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي قد ينخفض ​​بنسبة 30 بالمائة هذا الربع، ومن يدري كم بحلول نهاية العام، وتلك التأثيرات موزّعةٌ في جميع أنحاء العالم، أليست هذه صدمةً كبيرةً جدًا لعدم إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي؟

بيكيتي: بلى. لن أراهن على ذلك. مرةً أخرى، أنا أؤمن بالذكاء الجماعي والتعبئة الجماعية. أعتقد أنّه كلما زادت التعبئة حول كيفية تغيير نظامنا الاقتصادي، كان ذلك أفضل. مجرّد انتظار أن تصبح الأزمة أعمق وأعمق لن يحل أي شيء. ما يحدث الآن مع هذا الإغلاق أمرٌ مروعٌ للكثير من الناس. يجب علينا أن نفعل كل ما في وسعنا للحد من الضحايا. الآن هذا هو القلق الأكبر. ثم يجب أن نحاول استغلال هذا الوقت للتفكير في النظام الاقتصادي الذي نريده. أعتقد أنّ هذه قضية ليست فقط للاقتصاديين أو المصرفيين أو المسؤولين الحكوميين. هذه حقا مشكلةٌ للجميع. نحتاج جميعًا إلى القلق بشأن الكيفية التي سننظّم بها ديننا العام ونظامنا القانوني وكيف نريد مشاركة السلطة في الشركات. كل هذه قضايا ملموسةٌ ومعقدةٌ، ولكنّ هذه قضايا نحتاج فيها إلى إحراز تقدمٍ جماعيٍ إذا أردنا أن نجعل هذه الأزمة فرصةً مفيدةً لتغيير العالم.

المصدر