التأسيس الفلسفي لسياسة الاعتراف عند تشارلز تيلور – قيس ناصر راهي

التأسيس الفلسفي لسياسة الاعتراف عند تشارلز تيلور – قيس ناصر راهي

تشارلز تيلور سياسة الاعتراف

تشارلز تيلور ، فيلسوف كندي


المقدمة:-

    يعد مفهوم سياسة الاعتراف The Politics of Recognition واحداً من أبرز المفاهيم التي اهتمت الفلسفة السياسية المعاصرة بإحيائها سواء أكان من أجل القول بانتصار نظام سياسي ما أم لمعالجة الظلم الذي وقع على الفرد والجماعة، وقد حاول بعض المهتمين  البحث عن تأصيل فلسفي له، وهذا ما يتبين مع تشارلز تيلور (1) الذي اقترنت أطروحة الاعتراف بشكلها المعاصر بإسمه، فضلاً عن اسماء أخرى في الفلسفة المعاصرة(2) .

    إن احدى التحديات البارزة في القرن الحادي والعشرين تتعلق بالاختلافات الثقافية، وبتعبير آخر قضايا التعدد الثقافي وانفجار الهويات الفرعية، فكيف يمكن معالجة هذه الاختلافات الثقافية داخل المجتمعات؟ وهذه القضية تعدّ من أبرز القضايا التي شغلت الفلسفة السياسية المعاصرة، رغم تأكيد القول بأن سؤال الهوية لم يغب عن البحث الفلسفي واهتماماته، بل يمكن عده واحداً من اشتغالات الفلسفة، إلا أن الذي اختلف هو تحولات البحث الفلسفي بالهوية وفق علاقة الأنا بالآخر، نتيجة لتغيّر معنى الموضوع، فبعد أن كان سؤال الهوية جزءاً من البحث في الجوهر -الشيء هو هو- أصبح ينتمي إلى القول بالمظهر –أي يمكن إعادة تشكيل الهوية وفق المتغيرات-، وبعد أن كان سؤال الهوية يقترن بالفرد أصبح مرتبطاً بالجماعة.

    تسعى هذه الدراسة إلى تشكيل فهم فلسفي للاعتراف من منظور الفيلسوف الكندي تشارلز تيلور ، من خلال البحث في تمثيلات الموضوع، سواء أكان مع الكرامة وجدلية السيد والعبد أم أصالة الذات، بيد أن البحث لم يقف عند هذا الحد، إذ تبين من خلال ما تم ذكره الجهد الذي قدمه تشارلز تيلور لتأسيس فهم فلسفي للتنوع الثقافي .

أولاً- مفهوم سياسة الاعتراف :- 

    إن سياسة الاعتراف تعدّ مفهوماً شائعاً في الاستعمال الغربي، وتشير إلى وصف مجموعة واسعة من الصراعات السياسية التي تحدث مع تزايد وتيرة مشكلات العصر، بل أنها تشكل واحدة من أكثر المشكلات السياسية الحاحاً في العصر الراهن، وترتبط بالمطالبة بحرية التعبير للأفراد المهاجرين واللاجئين، كذلك بمطالب النسوية والمشكلات العرقية والدينية، فضلاً عن مشكلات الأقليات والسكان الأصليين والثقافات الاسلامية وغيرها من الثقافات في الدول الغربية(3) .

    ويمكن القول أن تشارلز تيلور يمتلك طريقةً واضحةً في معالجة التعدد الثقافي من خلال سياسة الاعتراف ، وقد أصّل نقاشه تاريخياً(4)، وتأصيل النقاش تاريخياً لا يعني أنه اشتغل مؤرخاً، إنما حاول اللجوء إلى الإرث الفلسفي لتأسيس رؤية فلسفية للاعتراف، ولاسيما أن الموضوع غير متداول سابقاً في الاشتغالات الفلسفية .

    ويعدّ الاعتراف بالهوية الثقافية من المكاسب المهمة للوصول إلى المعايير العامة التي تقوم على هوية الاعتراف، مثل حقوق الجماعات، وهذه واحدة من أهم اكتشافات سياسة الاعتراف للذين لديهم اختلافات ثقافية(5)، فقد وصف هذا العصر بأنه عصر الهوية الثقافية، إذ أصبح نسق التعدد للجماعات متشكل وفق العرق واللغة والاثنية والجنس، وبمعنى شامل وفق الهوية الثقافية، أي أن الثقافة تشكل الهوية السياسية للجماعات(6).

ثانياً- البحث عن الكرامة تمثيلاً لسياسة الاعتراف:-

    لم يجانب الصواب من ربط الكرامة بالاعتراف، ومسألة البحث هنا ترتبط بالمرتكزات التي تؤسس للاعتراف، الذي هو أولاً وقبل كل شيء البحث عن كرامة الانسان، فكيف يمكن البحث عن الاعتراف لإنسان لا يمتلك كرامه؟ التي هي وضع طبيعي له وسلبها منه يعني سلباً لإنسانيته، وبهذا يمكن القول إن الكرامة تُعدّ تمثيلاً للاعتراف، ولكن هذه المسألة تحتاج إلى توضيح، لهذا يُرى إن اهتمام تشارلز تيلور بتأصيل الاعتراف ارتبط باشتغاله على الكرامة .

    وحينما يُذكر مفهوم الاعتراف فلابد أن يحضر هيجل، لكن المسألة أبعد من ذلك على وفق رؤية تشارلز تيلور ، إذ حاول البحث عن تأسيسات أقدم، وهذا ما أكده بقوله يتبادر إلى الذهن الحضور الهيجلي من خلال جدلية السيد والعبد، وهذه مرحلة مهمة لكن نحتاج العودة إلى الوراء أبعد قليلا(7)، وعلى وفق رأي تشارلز تيلور ، إن هناك ضرورة لتأسيس فهم جديد لـ سياسة الاعتراف وفق تأصيل فلسفي، فمع روسو توجد نواة فكرة كرامة المواطن والاعتراف، حتى لو لم تكن هناك مصطلحات محددة، إذ يعدّ روسو ناقداً حاداً في حديثه عن عدم المساواة حين تبرز كلحظة مصيرية فينعطف المجتمع نحو الفساد والظلم، ويبدأ الناس بالرغبة لتفضيل الكرامة في المجتمع الجمهوري، ويمكن للجميع المشاركة في ضوء المصلحة العامة(8). ومن هنا اعتقد تشارلز تايلور بإمكانية النظر إلى روسو بوصفه واحداً من مؤسسي خطاب الاعتراف، ليس لأنه استعمل المصطلح، بل لأنه فكر بأهمية الاحترام، وهذا لا غنى عنه من أجل الحرية(9) .

    وانطلاقاً من التصور السابق فإن البحث عن الاعتراف يفترض الحديث عن الكرامة التي تتضمن البحث عن الاحترام والمساواة والحرية، وهذه المطالب عادةً تبرز حين يكون العكس على أرض الواقع، وعصر روسو شاهد على ذلك، لكن اللافت هنا استعادة تشارلز تيلور لروسو، فهل عصر تشارلز تيلور تطلب استعادة مفهوم الكرامة والاحترام والمساواة والحرية؟

     والكرامة هنا تتمثل في المساواة السياسية ويشترك فيها جميع البشر بحكم قدرة كل منهم، وتعتمد على عوامل توجيه الذات، فكل شخص قادر على تطوير وجهة نظره حول أية قضية، ويتصرف وفق وجهة النظر التي يتبناها وهذه القدرة تُمتلك بغض النظر عن قدرة المرء الثقافية وموقعه الاقتصادي، ومن ثمّ كل شخص يستحق الاحترام، وإن للجميع مجموعة من الحقوق والواجبات، وألا يتمتعوا بمعاملة مختلفة من منظور مواطن أدنى أو أعلى أو من الدرجة الأولى أو الثانية، واحترام المساواة تعني الاعتراف واكتشاف وتكوين المرء، وربما تُعد فريدة من نوعها، وفي كلتا الحالتين ليس شعور المرء باحترام الذات فحسب، إنما هناك شعور أعمق يتملكه ويُعبر عن وضع خاص لوجوده(10)، وهذا ما أشار إليه روسو بقوله: ولد الانسان حراً وفي كل مكان هو الآن يرسف في الاغلال، فما بالك بواحد من الناس يُخيل اليه إنه سيد الاخرين والحال إنه لا ينفك عبداً أشد عبودية منهم(11)، ويبدأ روسو كتابه خطاب في أصل التفاوت متسائلاً كيف بالإمكان التأمل فيما أقامته الطبيعة من مساواة بين البشر وفيما استحدثوه من تفاوت؟ (12)

    ويتبين مما سبق إن البحث في الكرامة هنا لم يكتفِ بالجانب النفسي للإنسان فحسب، بل مثل محاولة لتأصيل البحث من الناحية الفلسفية، سواء أكان من خلال اللجوء للتأسيس الفلسفي أم التصدي لمشكلات الواقع المرتبطة بمحاربة التمييز، ومع تأكيد القول بأن الاعتراف وفق الفهم المعاصر لم يكن موجوداً مع تأسيسات روسو، إنما كان هناك تمثيل له من خلال أطروحة الكرامة ببعدها السياسي، وهذا ما ستقوم بتطويره عملية الفهم الهيجلي فيما بعد من خلال جدلية السيد والعبد .

ثالثاً- جدلية السيد والعبد(13) وتأسيس أطروحة سياسة الاعتراف:-

    لعل من أبرز أفكار الفلسفة الحديثة في المجال السياسي الراهن هي جدلية السيد والعبد أو كما يعبر عنها بالصراع من أجل الاعتراف، وهنا الفكرة بالمعنى الهيجلي، التي استندت اليها ايديولوجيا انتصار الديمقراطية الليبرالية مع فوكوياما في نهاية التاريخ بمعنى الاعتراف الذي تحقق مع الديمقراطية، فضلاً عن الإفادة من الأطروحة في التأسيسات الفلسفية لمعالجة مشكلات الواقع المعاصر، سواء أكانت مع تشارلز تيلور أم مع آخرين .

    لقد شهدت السنوات الأخيرة من القرن العشرين عودة مثيرة للاهتمام في فلسفة هيجل، فالعلاقات الهيجلية قد لاقت العديد من التفسيرات الجديدة(14)، ومما هو مُلاحظ أن ما حدث مع هيجل في جدلية السيد والعبد هو تمثيل لسياسة الكرامة، وبمعنى آخر انصاف للذات، التي يمكن ازدهارها في ظل الاعتراف، إذ إن كل وعي يسعى للحصول على اعتراف الآخر، وهذا ليس دليلاً على عدم وجود الفضيلة ولكن فيما يتعلق بالمفهوم المألوف للشرف الهرمي يُعدّ أمراً معيباً، فالصراع من أجل الاعتراف يمكن أن يوجد له حل واحد مرضي وذلك هو نظام الاعتراف المتبادل من خلال المساواة، ويأتي هيجل بعد روسو لإيجاد النظام المشترك، فالفرد يوجد في الـ الجماعة(15) .

    يأتي مفهوم الاعتراف من الفلسفة الهيجلية تحديداً من ظواهرية الروح(16)، ويحدد العلاقة المثالية المتبادلة بين الأفراد ويتحقق من وعي آخر فاعل، ومن ثم، في أغلب الأحيان عُدّ بالمقابل من النزعة الفردية الليبرالية ولاسيما حين ارتبط بالجماعة، مع القول بأن العلاقات الاجتماعية هي قبل الأفراد، والاعتراف بوصفه نظرية قد شهد اهتماماً كبيراً من الفلاسفة الهيجليين الجدد(17) .

    ولابد من الاشارة هنا، إن الفهم المعاصر للاعتراف ربما جاء نتيجة لقراءة كوجيف لكتاب هيجل (ظواهرية الروح) ولاسيما في كتابه مدخل لقراءة هيجل (محاضرات في ظواهرية الروح)، إذ إن هذه القراءة فتحت مجالاً لتقديم قراءة جديدة للأفكار الهيجلية. ويمثل وعي الانسان وعيه بذاته وحقيقته وكرامته الانسانية التي تجعله مختلفاً عن الحيوان، ويصبح الانسان واعياً بذاته لحظة فهمه للأصل وثقته به(18)، وأن وجوده يفترض الرغبة بالوعي، فحقيقة الانسان يمكن تشكلها ليس من وجوده البايلوجي فحسب، إنما من ثقته بذاته نتيجة رغبته(19) .

    وفي ختام هذا الجزء، من الممكن القول أن عملية الصراع من أجل الاعتراف عند هيجل تبدأ ببروز الوعي بالذات لدى الإنسان، وهذا الوعي يبرز عند إنسان وإنسان آخر، ويعبر عن بداية الوعي بالرغبة، وهذه الرغبة تدفع إلى الأمام لا بتجاوز الآخر الذي يمثل أمامه فقط، فالرغبة وفق رأي هيجل لا تتوقف إلا بتجاوز الآخر المرتبط معه بالمصير نفسه .

    وإنّ تحول الوعي إلى وعي بالذات يحتاج إلى الرغبة واللقاء مع وعي الآخر ليتصارع معه وليثبت وجوده، ويصنف هيجل هذين الوعيين الملتقيين والمتصارعين في الوقت نفسه إلى صنفين الأول اتصف بالمخاطرة، والثاني حرص على بقائه، والأول أطلق عليه هيجل تسمية السيد والثاني أطلق عليه تسمية العبد، فالسيادة أتسم بها الوعي الأول لأنه خاطر بحياته، والعبودية أتسم بها الوعي الثاني الذي أصبح أداة بيد السيد لقضاء حاجاته، ولكن هذه العلاقة لا تدوم طويلاً، إذ سرعان ما يكتشف العبد وعيه المتمثل بوجوده المهم بالنظر إلى السيد، فيصبح وعيه وعي بالذات، فينتقل من الإحساس بالعبودية إلى الشعور بالحرية، ومن ثم يصبح هذا السلوك رغبةً في انتزاع اعتراف السيد به، وهذا الصراع ليس صراعاً دموياً، إنما هو صراع من أجل انتزاع الاحترام والاعتراف وإن مسيرة الوعي في التاريخ التي تمثلت عبر وعي السيد ووعي العبد تنتهي بتحرر العبيد ونيلهم الحرية التي يبتغونها .

رابعاً الاعتراف وأصالة الذات

    لقد أدرك تشارلز تيلور -وهو المختص في بداياته بالدراسات الهيجلية- إن حديث هيجل عن الاعتراف غير مرتبط بالجماعة إنما بالفرد، لهذا ربط تشارلز تيلور البحث بالاعتراف بأصالة الذات، وهنا لم يكتفِ بفلسفة هيجل من أجل التأسيس لأطروحته، بل رجع إلى مرتكزات أخرى، سواء أكانت في مسألة الكرامة مع روسو أو مع هيردرHerder، لهذا فالبحث هنا يأخذ شقين أحدهما مع روسو والآخر مع هيردر الذي وجد معه التأسيس لأصالة الذات التي سعى من خلالها تشارلز تيلور التأسيس للاعتراف بالجماعة .

    وفي هذ السياق اعتقد تشارلز تيلور بأن روسو كاتب فلسفي مهم وساعد على احداث تغيير مهم ليس لأنه دشن التغيير، إنما لأن شعبيته الكبيرة تأتي من تعبيره عن معنى ما كان يحدث في الثقافة، وكثيراً ما كان يعرض مسألة الأخلاق بوصفها تعبيراً عن صوت الطبيعة في داخل الانسان، وغالباً ما يغرق هذا الصوت نتيجة الاعتماد على الآخرين، بينما الخلاص الأخلاقي يأتي من استعادة الاتصال الأصيل مع الذات(20)، ويمنح أهمية أخلاقية للأصالة التي هي في خطر الضياع من خلال مطابقة الذات مع الآخر(21).

    إن أحد الطرائق الرئيسة لوصف تطور فكرة الاعتراف انطلقت من القرن الثامن عشر، وإنها قُدمت في ضمن معنى أخلاقي للشعور البديهي لـ ما هو الصواب أو الخطأ، وإن النقطة الأصلية لهذا المذهب هي التصدي لوجهة نظر المنافس ومعرفة الصواب والخطأ، ولاسيما تلك التي تعنى بالثواب والعقاب، إذ كانت الفكرة التي فهمت الصواب والخطأ غير جامدة، بل مستقرة في البعد الأخلاقي، وضمن الصوت الداخلي للشعور(22) .

    في الوهلة الأولى، يتبين إن البحث عن أصالة الذات مازال مرتبطاً بالتأسيس لأصالة الذات الفردية، بل تكاد لا تختلف عن أطروحات فلاسفة العصر الحديث المؤسسين للتفكير الفردي هذا من جانب، لكن عند القراءة الكاملة يتبين أن الفردية هنا مرتبطة بالجماعة وغير منفصلة عنها، لأنها مرتبطة بالاعتراف والكرامة التي يمنحها الآخر، وربما هذا ما ميز فردية روسو عن الآخرين، وبالتأكيد هذا ما أدركه تشارلز تيلور .

    ويخلص تشارلز تيلور بعد ذلك إلى القناعة بأن المرتكز الثاني لفهم الأصالة يرتبط مع أسم هيردر الذي بين أن الطريقة الأصيلة لوجودنا تتمثل في أن كل شخص يمتلك سبراً أو قياساً، فلم يعتقد أحد أن الاختلافات بين البشر ذات أهمية أخلاقية، وأن لكل شخص طريقته التي يعيش فيها حياته، وليس تقليداً لحياة شخص آخر وهذه الفكرة تعطي أهمية جديدة للحقيقة الوجودية(23).

    ودعا هيردر لاكتشاف الطريقة الأصيلة للوجود مع تأكيده على أن طريقة الكائن لا يمكن أن تكون مكتسبة اجتماعياً فحسب، بل إنها تتولد داخلياً(24). وفي الوقت ذاته هناك حضور لأصالة الذات في بعدها الاجتماعي من خلال عدة أمور تتبين من خلال قوله: “إن عدم المساواة بين البشر تنتج من التعليم بوصفها حالة للناس أنفسهم في ظل أنواع متنوعة من البرامج الحكومية، وإن أنبل انسان يفقد نبله في ظل الاستبداد، ويزحف نحو الكذب والخداع مثلما يزحف للبذخ والعبودية، فلا عجب إنهم في النهاية قد اعتادوا هذا الأمر وقبلوه، على الرغم من إنه حال يرثى له، وبالتالي فإن هذا البؤس ليس من عمل الطبيعة بل من الطبيعة البشرية(25) .

    إن الاعتراف صريح الآن، وإنه صريح في المعنى الذي ذُكر، من خلال فكرة إننا نتشكل من الاعتراف، وإن عدم الاعتراف وصل إلى مرحلة يمكن عدها مضرة(26)، وإن علاقة الاعتراف بالأصالة تتمثل بأن كل فرد يمتلك فرصة تمكنه من الولادة من جديد، وتتميز الأصالة بقدرتها على حب أنفسنا وحب الآخرين مع التأكيد بأن مسارات اكتشاف الذات متوفرة دائماً(27)، وإن حقيقة الوجود لذاتي تعني حقيقة الوجود لأصالتي، وهو أمر بالإمكان التعبير عنه واكتشافه ويهدف لتحقيق الذات، التي عادةً ما تصاغ بصورة مثالية، ويمكن الاشارة هنا إلى أن تطبيق هيردر لتصور الأصالة يكون على مستويين: ليس لعلاقة الفرد مع الأشخاص الآخرين فحسب، إنما للشعب الذي لديه علاقة ثقافية مع الشعوب الأخرى، وهنا يمكن التعرف على نواة فكرة القومية في كل أشكالها الحميدة والخبيثة(28) .

    ومما يلاحظ كذلك إن الفكرة الجديدة للأصالة هنا يمكن تشبيهها بفكرة الكرامة أيضاً، نتيجة لتراجع المجتمع الهرمي في تلك المجتمعات المبكرة، وما يسمى اليوم بالهوية(29)، ومن المهم تضمن رؤية الأصالة بعض مفاهيم المجتمع أو على الأقل كيف ينبغي أن يعيش الناس معاً، فالأصالة هي وجه من وجوه الفردانية الحديثة، وإنها سمة من سمات كل أشكال الفردية التي لا تؤكد حرية الفرد فحسب، بل تقترح أيضاً رؤية للعيش مع الجماعة، إذ إن الفردية كمبدأ أخلاقي أو مثالي يجب أن يُقدم رؤية حول كيف يجب أن يعيش الفرد مع الآخرين(30) .

    وفي ضوء الفهم المتطور للاعتراف في القرنين الأخيرين يمكن تصور لماذا ثقافة الأصالة تعطي أنموذجين للعيش معاً(31) ؟

    الأنموذج الأول – طالب بفرص متساوية للجميع لتطوير هويتهم الخاصة في المجال الاجتماعي، أما الأنموذج الثاني- فتعتبر علاقات الحب مهمة في المجال العاطفي .

    وانطلاقاً مما سبق، فإن خطاب الاعتراف يحدث على مستويين: الخاص والعام، وإلى حد ما يكون هناك ارتباط بينهما، ولكن ينبغي الحفاظ على تمايزهما(32)، أو كما اقترح تشارلز تيلور أن يكون للاعتراف وظيفتين أساسيتين: الأولى اجتماعية وسياسية، والثانية معرفية تتعلق بالذات، والاعتراف ليس مجرد علاقة بين الأنا والآخر، إنما ينطوي على الجانب المعرفي من هذه العلاقة الذاتية التي تعني أن الاعتراف يغذي الموضوع الأساس لأصالة الذات وهو معرفة الذات(33) .

الخاتمة:-

    لعل أبرز الأمور، هنا، هي تلك المتعلقة بالقول بأن هوية الأنا لا تتحقق من خلال الرجوع إلى ذاتها فحسب، إنما هنالك ذات جماعية مسؤولة عن تشكيل هذه الأنا وتكوّنها، وهنا حصلت انعطافه في موضوع البحث، إذ تحول الموضوع من البحث في الذات الفردية إلى البحث في الذات الجماعاتية أو الجماعة بوصفها مسؤولة عن تشكل الأنا، وهذا الأمر قد شغل اهتمام عدة مجالات معرفية في بداية القرن العشرين، فرغم محاولة اقناع الذات بأنها مسؤولة عن هويتها، وهي من تشكلها إلا أن الواقع يشي بغير ذلك، إذ ماهو كائن يشير إلى أن هوية الـ أنا تتشكل ضمن الـ نحن، بل لا يمكن تجاوز القول بأن هوية الـ نحن كالأثم الذي لا نستطيع النجاة منه مهما عارضناه .

    ومما هو مُلاحظ، أن حضور الفرد ضمن الجماعة يعني القول بإمكانية تشكل هويته على وفق تلك الجماعة مع التأكيد على أصالة الانا، وطبيعة هذا التشكل يبدأ من الأسرة، وحتى الصراع مع المُختلف سيكون له حضور في تشكل هوية الأنا لأنه يعبر عن شكل من أشكال الحوار ولا يختفي مع اختفاء من يتحاور معهم لأنه أصبح جزءاً من هويته، ويعبر عن الحوار بالإفصاح المتبادل وإن هذا الفهم مرتبط أيضاً بتغير الموقف من فهم الهوية، وبالتالي فإن للحوار دور في فهم ذات وتشكل الهوية التي تبقى مفتوحة لأي متغيرات جديدة .

    وانطلاقاً من هذا التصور يمكن القول أن الاعتراف يساهم في تشكيل هوية الانا، وأن الحوار يُعدّ شكلاً من أشكال هذا الاعتراف ضمن الجماعة، وكذلك ممكن نقل البحث من الاعتراف بالفرد إلى الاعتراف بالجماعة، فهوية الفرد تتشكل بالاعتراف وكذلك هوية الجماعة تتشكل بالاعتراف، وهذا الأمر ينطبق على الحوار أيضاً الذي هو تمثيل للاعتراف، وبهذا تتحقق امكانية اعادة تشكل الهوية وفق أي متغيرات جديدة، أما في حال عدم الاعتراف، فسينتج اصراراً على التمسك بالهوية التي تكون منغلقة على ذاتها نتيجة الازدراء والتهميش .


الهوامش:

(1)  تشارلز تيلور (1931-؟) فيلسوف كندي غزير المعرفة من الصعب تصنيفه على وفق أحد المجالات الفلسفية, إذ لديه اهتمامات في فلسفة الأخلاق والسياسة والدين وفلسفة اللغة والجماليات, ويتقن ثلاث لغات هي: الفرنسية والانكليزية والالمانية, وله حضور فلسفي في العالم الانجلو أمريكي فضلاً عن المانيا, نال كتابه عصر علماني حضوراً في الأوساط الفلسفية والثقافية, وقد عمل استاذاً في جامعة ماكجيل, فضلاً عن مشاركته في الحياة السياسية الكندية, إذ أنه ممثل عن الكيبيك ويحظى بشعبية واسعة,  وفي عام 2007م عُين رئيساً بالاشتراك مع جان بوشار في اللجنة الاستشارية المتعلقة بالاختلافات الثقافية, التي سميت لجنة بوشار-تايلور. تحدث عنه اشعيا برلين بكلمات واصفاً إياه “إن تايلور يمتلك ذكاءً حاداً وعمقاً انسانياً, وفكراً صادقاً, وله رؤية رائعة في مجموعة متنوعة من التقاليد الفلسفية, ويشهد له بأنه مصدر إلهام حقيقي حتى لأولئك الذين يحملون وجهات نظر مختلفة عنه”.

Berlin, Sir Isaiah, Introduction for Philosophy in an age of pluralism The philosophy of Charles Taylor in question, edited by James Tully with the assistance of Daniel M. Weinstock, Cambridge University Press, UK,  First published , 1994, p.1

(2) لعل أبرز من أقترن الاعتراف بإسمهم في الفترة المعاصرة هم كلاً من: تايلور واكسيل هونيث وبول ريكور, وقد اقترنت مناقشة الاعتراف عند هونيث في احدى دراساته بإعادة التوزيع وذلك من خلال مشاركته لعمل فكري مع نانسي فريزر. فضلاً عن القول بأن الاعتراف عند هونيث كان في المقام الأول ليس وسيلة لفهم ظواهر صعود الهوية السياسية أو الحركات الاجتماعية الجديدة, إنما بمثابة الأساس لإعادة البناء المنهجي لتقليد النظرية النقدية .

Markell, Patchen Recognition and Redistribution, in Political Theory, Edited by  John S.  Dryzek  Bonnie Honig and Anne Phillips, Oxford University Press, Oxford &New York, First Published, 2006, p.452.

 أما عن أطروحة الاعتراف عند ريكور, فقد تمثلت في كتابه  مسار الاعتراف The Course of Recognition  , الذي هو في الأصل عبارة عن ثلاث محاضرات قدمها ريكور في معهد الدراسات الأنثروبولوجية في فينا, ثم طورها في محاضرة له في مركز أرشيف هوسرل في فرايبورغ, ويبدو أن ريكور هنا قد شغله البحث الدلالي لمفهوم الاعتراف محاولا تأسيس نظرية فلسفية لهذا المفهوم .

(3)Tully ,James, Public Philosophy, New Key, Volume I: Democracy and Civic Freedom,  Cambridge University Press, UK, First Published, 2008,p. 166. &

Parekh, Bhikhu, Redistribution or Recognition? A Misguided Debate, In Ethnicity, Nationalism, and Minority Rights Edited by Stephen May, Tariq Modood, and Judith Squires, Cambridge University Press, UK, First Published, 2004, p.199.

(4) Wolf, Susan, Comment  about The Politics of Recognition for  Charles Taylor, , in Multiculturalism Examining The Politics of Recognition Edited  by Amy Gutmann, Princeton University Press, Princeton, New Jersey, 1994, p.87.

(5) Tully James, Public Philosophy, p.181.

(6) Kymlicka, Will, & Avigail Eisenberg(Editors), Identity Politics in the Public Realm, UBC Press, Toronto, 2011, p.1.

 (7) Taylor, Charles, The Politics of Recognition, Multiculturalism, Examining The Politics Of Recognition, Edited by Amy Gutmann, Princeton University Press, Princeton, New Jersey, 1994, p.26.

(8)  Ibid, p.35.

(9)  Ibid, p.45.

(10) Taylor, Charles, The Politics of Recognition ,p.37.& Bhargava, Rajeev, Hegel, Taylor and the Phenomenology of Broken Spirits, in The Plural States of Recognition, Michel Seymour (Editor), Macmillan, First Published, 2010, p.38

(11) روسو, جان جاك, في العقد الاجتماعي أو مبادئ القانون السياسي, ترجمة وتقديم وتعليق عبد العزيز لبيب, المنظمة العربية للترجمة, بيروت, ط أولى, 2011, ص 78 .

(12) يراجع: روسو, جان جاك, خطاب في أصل التفاوت وفي اسسه بين البشر, ترجمة بولس غانم, تدقيق وتعليق وتقديم, عبد العزيز لبيب, المنظمة العربية للترجمة, بيروت, ط أولى, 2009 , ص 37 .

(13)  إن جدلية  السيد والعبد في الصراع من أجل الاعتراف, قد نجحت في تحويل الموت إلى نفي روحي, إذ إنها عملية ادماج, فبقدر ما يعمل السيد على إخضاع العبد من خلال التهديد بالموت، كذلك تمتع السيد بخطر الموت بدلاً من الموت نفسه, وبمعنى آخر تمتع السيد بالمجازفة والمخاطرة نتيجة وعيه. يراجع:

Adkins, Brent, Death and Desire in Hegel, Heidegger And Deleuze,, Edinburgh University Press, Great Britain, 2007, p.88.

وإن جدلية السيد والعبد عند هيجل أخذت حيزاً واسعاً مع الماركسية ومفهوم الاغتراب والعمل, ومن جهة أخرى مع مفاهيم الشعور بالوحدة والهيمنة وصولاً إلى نيتشه والوجودية . يراجع:

Verene, Donald Phillip, Hegel’s Absolute An Introduction to Reading the Phenomenology of Spirit, University of New York Press, USA, 2007, p.55.

(14) Moggach, Douglas, Hegelianism, Republicanism, and Modernity, in The New Hegelians, Douglas Moggach (Edited), Politics and Philosophy in the Hegelian School , Cambridge University Press, UK, 2006, p.2.

(15)  Taylor, Charles, The Politics of Recognition, p.50.

(16) إن الاعتراف  في ظواهرية الروح، في القسم الخاص بـ وعي الذات, إذ يبين هيجل إن الوعي الذاتي يمكن أن يحدث فقط حين نواجه أنفسنا في ردود انسان آخر, وهو الأنسان الذي يشاركنا, فضلاً عن ذلك، لا نرغب بهذا الاعتراف من بعض الناس, ولذلك يرى هيجل أن نتمكن في النهاية أي أن نكون راضين فقط عن طريق الاعتراف الشامل .

Magee, Glenn Alexander, The Hegel Dictionary, Continuum International Publishing Group, London, 2010, p.195.

(17) Fraser, Nancy & Axel Honneth, Redistribution or Recognition? A Political-Philosophical Exchange, Translated by Joel Galb, James Ingram, and Christiane Wilke, VERSO London· New York, p.10.

(18) Kojdve, Alexandre, Introduction to the Reading of Hegel,( Lectures on The Phenomenology of Spirit, Edited by Allan Bloom, Translated from the French by James H . Nichols ,J r., Cornell University Press, UK, 1969, p.3.

(19)  Ibid, p.4.

(20) Taylor, Charles, The Politics of Recognition, p.29. & Taylor, Charles The Ethics of Authenticity, p.27.

(21)  Taylor, Charles, The Politics of Recognition, p.30.

(22)  Ibid, p.28.

(23)  Ibid, p.30.

(24) Taylor, Charles, The Politics of Recognition, p.32.

(25) Herder, Johann Gottfried, Another Philosophy of History and Selected Political Writings, Translated, With introduction and Notes, By Ioannis D. Evrigenis and Daniel Pellerin, Hackett Publishing Company, 2004, p.126.

(26) Taylor, Charles, The Politics of Recognition, p.64.

(27) Taylor, Charles, The Ethics of Authenticity, p.44.

(28) Taylor, Charles, The Politics of Recognition, p.31.

(29) Ibid.

(30) Taylor, Charles The Ethics of Authenticity , p.44.

(31) Ibid, p.50

(32) Tait, Michael James, Recognition And Community in The Thought Of Charles Taylor, A the degree of  Master of Arts in the Department of Political Studies, Queen’s University ,Canada, September 1997, p.70.

(33) Jurist, Elliot L. Beyond Hegel and Nietzsche Philosophy, Culture, and Agency, p.143.