تشارلز تايلور: معنى أن نعيش في  عصر حديث – وحيد الهنودي

تشارلز تايلور: معنى أن نعيش في  عصر حديث – وحيد الهنودي


    نعيش اليوم على وقع حدث فكري هائل، هائل لكوننا لا نتابعه من الخارج بل نحن منخرطون فيه بكلّيتنا رضينا بذلك وأدركناه أو لم نرض وتغاضينا عنه. نحن نتأثر به أيما تأثر حتى وإن لم نؤثّر فيه، إنه حدث استعادة الحداثة سؤالا، ولأجل أن السؤال يتعلّق بالغرب أكثر مما يتعلّق بغيرهم من قاطنة الكوكب لذلك فإنه مهتم به أكثر من غيره، ذلك أن الحداثة تظل حدثا غربيا بامتياز حتى وإن كنا نعيش على وقعها ودخلت إلينا وأعادت تشكيلنا نحن اللاغربيين. وإذ يستعيد الغرب ذاته يتفكّرها فإنه ما انفك يختلف طرائقا ويتوزع مشاربا ويتشتت مذاهبا فثمة من يعتقد أن الحداثة استوفت ممكناتها وحققت مستطاعها وهي أعجز اليوم عن التقدم والاستمرار ما لم يتم استحداثها من الداخل وتطبيب محركاتها الذاتية، ومن يعتقد أنه آن أوان تجاوزها والإجهاز عليها لما يسكنها من روح عدمي أنهكت كينونة الكائن وعطّلتها ومن يعتقد أنها آلت إلى شكل قصيّ من الاغتراب وتستبطن مهالك ومخاطر مهددة ولعل الشواهد لا تعوز هذه التوجهات الفكرية من حروب كوكبية وانحباس حراري وتلوث ومن آفات تعصف بالأفراد والمجموعات وشعور معمم بفقدان المعنى وبوار القيم. إن القائلين بهذه المواقف يؤكدون أن الحداثة تئن من إجهاد عميم يلتقون في الحكم ويختلفون في التمشيات وقد استطاعوا بما لهم من حجج أن يؤثروا حتى في خصومهم المنافحين عنها والذين يقرنون مجيئها بالتحرر من ربقة المجتمعات الكتلوية وسلطان الدين والموروث ومن الفاقة، إن الحداثة عند مناصريها Boosters مناسبة للحرية والرفاه وحتى إن بدت بعض المعايب فهي جانبية لا يجب أن تنسينا الصورة في كليتها. إنهم يؤكدون أن ما وصلنا إليه لا يمكننا الاستغناء عنه فتضحي الحداثة قدرا لا فكاك لنا منه. وتعود أصالة فلسفة تشارلز تايلورCharles Taylor إلى موقعها على أرض هذا الفكر الذي يتفكّر الحداثة، فهو يحتل موقعا وسطا يقول عنه :”موقعي يختلف عن ذلك الذي للمدافعين Boosters والذي لخصوم الثقافة المعاصرة Knockers  فعلى خلاف المدافعين عنها لا أعتقد أن كل شيء يسير نحو الأفضل في هذه الثقافة، وأتفق في هذه النقطة مع خصومها لكن على خلاف هؤلاء أعتقد أنه ينبغي أن نعتبر فعلا أن الأصالة مثال أخلاقي.”[1] هذا الموقع  يمكّنه من التملّص من داء الأيديولوجيا ليعيد تأويل الحداثة ذلك أن ما تركناه وراءنا، إنما تجاوزناه بملئ إرادتنا وعيًا بعُقْمِه لذلك لا معنى للتّباكي عليه لكن ما نحن فيه ليس قدرا بل إمكان يقبل التعديل والتطبيب إن نحن أدركنا ما لحقها من انحرافات وما مسّها من أعطاب نتيجة لطفرة ظلت تساكنها منذ البداية وهو ما يقتضي البحث في منابعها وتتبع مساراتها لتشخيص عللها.

    إن ما يميز قراءة تايلور لمسألة الحداثة وهي المسألة التي ظلت تشق كتاباته وتربط مسار تفكيره في اعتقادنا هو رهانه إذ كيف يمكن لشخص ديّن أن يسكن الحداثة دون أن يكون غريبا؟ وبذلك هو بحث في شروط إمكان مجتمع ديمقراطي تعددي يقبل الاحتفاء بمسارات وأفهام متعددة للاكتمال تسمح للأفراد بالتألق الذاتي Self fulfillment والتوجه لما يرونه حياة سعيدة سواء ارتبطوا بالمتعالي Transcendantal  أو اكتفوا بالبقاء في المحايث Immanent . هذا ما يشكّل مرتكز فلسفته حيث يتضايف رجل الدين بالفيلسوف والمؤرخ واللساني ورجل السياسة والمواطن الحر المنخرط في قضايا جماعته الثقافية مادام الفرد وفقا لما يتصوّره تايلور لا يمكنه أن يختار توجها للحياة السعيدة التي تعطي لوجوده معنى إلا بانخراطه في سياق ثقافي يتقاسمه مع آخرين هم الذين سيعيّرون اختياره ويصدرون عنه حكما مدحا وذما، وتكون الحاجة للاعتراف The need of Recognition  أقصى ما يسعى إليه الكائن نحتا لكيانه وتوقا لما يريد أن يكونه فــ:”الاعتراف ليس مجرّد أدب تجاه الأشخاص، إنه حاجة إنسانية حيوية.”[2] من هنا يكون تفكّر الحداثة عنده واستنطاقها انخراط فيها، إذ لا يمكن أن نتناولها من الخارج. فهل أنجزت وعودها حيث كان مأمول الإنسان الغربي التحرر من المجتمع الكتلوى الضاغط بقيمه ومعتقداته الدينية وموروثه على الأفراد يمنعهم من بناء تصور لوجودهم خارج المثال الذي أُعِدَّ لهم سلفا من أجل أن يحددوا مثال الخير الذي يرونه مناسبا ويكون لهم مطلق الحق في اختيار ما يعتقدون أنه حياة جيدة؟ أم أن ذلك المأمول قد خاب؟

        إن تفكّر الحداثة تايلوريا لا يعني عملية حسابية نجريها بعقل بارد تحدد المفاوز التي نغنمها والخسائر التي علينا إدراكها والحد منها أو تلافيها إن كان حظنا أوفر بل هو تشخيص لها يقف على علّاتها ويتبيّن أعطابها. هذا ما اقتضي منه إعداد عدّته المنهجيّة والتي ديدنها تنويعا يضفي على قراءته الطرافة والثراء فهو ينتحي وجهة جنيالوجية تحفر عميقا في تربة الفكر وتقلّبها ليتتبع في جهد فكري صبور منابتها وجذورها الأكثر غورا ويستفيد من الهيرمينوطيقا بما يسمح له بتأويل الممارسات والأفكار تأويلا يتقدّم به من الفهم مادام الإنساني يُفْهم والطبيعي يُفَسَّر التزاما بدرس دلتاي فصلا يميّز بين عالم الروح وعالم المادة، وهو إذ يتقدّم في قراءة الحداثة حدثا هاما في تاريخ المجتمعات الشمال أطلسية لا يني يستفيد من التاريخ وينشأ أنتروبولوجيا فلسفية تكشف اكتناز التجربة الإنسانية إن هي اتجهت صوب التجديد والخلق كاشفا بذلك عن صلته بالفينومينولوجيا تأصيلا لسرد حكاية الحداثة ونص فصولها ولأن الحكاية منقالة لغة كانت حاجته للفلسفة التحليلية جد أكيدة. إن تتبع فلسفته يجعلنا بصدد تقليب فكر يَثْرَى بالقراءات ويثريها، ذلك هو قدر فلسفة أرادت ببراعة أن تستفيد في آن من منتجات أوروبا القارية والتوجهات الأنغلوسكسونية ينحت فكرا بالغ الصقل إيمانا بمنزلة الإستيطيقي والتيولوجي وتأصيلا للمواطن في الفضاء العمومي.

       ليس من الغريب والحالة تلك أن ينتقي تايلور معنى جديدا للحداثة يتسافى عن بقية التناولات ليراها كثقافة، إنها تصور غير مسبوق للإنسان والعالم والله، واللاسبقيّة هذه نُفْهم ليس كقطع جذري مع السابق ذلك أن جذور الحداثة تمتدّ عميقا في تربة الفكر الغربي بل تُفْهم كتغيّر في طريقة تصوّرنا لوجودنا لتأسيس طريقة جديدة، فالذي حصل إذا تبدّل في دلالة الهوية وفي إحداثيات الفعل الإنساني وهو تبدّل عميق في المتخيلات الاجتماعية الحديثة[3] ذلك أننا منذئذ ( وضمير النحن يعود على الغرب دون غيره من قاطنة العالم) لم نعد ننظر إلى أنفسنا في غمرة الانغمار Embedding بل كذاتية تؤكد في فعلها استقلالها الذاتي، إذ الحرية من وجهة نظر وجودية قدر علينا أن نكابده بصبر في نحتنا لما نريد أن نكونه، وما نريد أن نكونه يتحدد على نحو من أنحائه بما نعتبره خيرا، ذلك الذي نعتقد أن حياتنا ستكون سعيدة وأكثر امتلاء إن نحن تحوّزناه. في فضاء الحداثة إذا ثمة تصوّر جديد للخير الذي لم يعد يفهم كانسجام مع ما يوجد خارجنا أكان الله أو المثال أو المجتمع بل أن منبع الأخلاق أصبح جوانيا واستمر يلوذ بالجوانية أكثر فأكثر. لكن هذا التحرر سار في مسار غير منتظر وذلك هو معنى الطفرة[4] أو الانحراف عند تايلور إذ كان التحرر يمكن أن يفضي إلى إيقاد جذوة الأصالة  Authenticity فينا وينمي الفرادة وذلك معنى الذاتية الأصيل غير أن مسار العقلانية الظافرة أفضى إلى إخماد تلك الجذوة وتهفيت طاقاتها وهو ما يؤكد أن الأقلاق التي تهز الحداثة هزا من الداخل والتي وجدت تعبيرتها القصوى في أحداث ثورة 6819 للشباب رفضا للمثلنة والتنميط وانعدام المعنى إنما تعود للعقلانية الأداتية[5] للقرن 18 حيث أُخْتُزِلت فكرة الخير في المنفعة وتحوّلت الأخلاقية إلى اجراءوية باهتة تُعلي مقولة الحق على الخير وتستفرغ الفعل من مضمونه ليكون تطابقا مع القانون غير عابئ بالنتائج بل يستمد قيمته من التزام الأفراد به. هذا ما حوّلهم إلى كائنات متنافسة حول المنافع، ذلك أننا لم نعد ننظر للمجتمع كفضاء طبيعي لوجودنا بل لنا وجود خارجه يمكننا أن ننظر منه إليه، فاعتقدنا في غمرة تحوّلاتنا وبموجب الموضعة المتواصلة تلك التي ترى في الموضوعية شرطا للعلموية أن المجتمع اصطناع تعاقدي بين الأفراد فاختزلنا دور الدولة إلى جهاز حقوقي تفصل في النزاعات دون اكتراث بمضمون ما يتنافسون حوله. هذا ما خفّض من معنى المواطنة إلى أدنى مستوياته فانعزل الأفراد في شرنقاتهم أو صدفاتهم[6] وأصبح أقصى ما يسعون إليه تنمية حياتهم المادية والدفاع عن مصالحهم فانسحبوا من الفضاء العام وهو ما آل بهم إلى حال من الاغتراب السياسي تحولت بموجبه الأنظمة السياسية الديمقراطية إلى استبداد ناعم Soft despotism  يحدد فيه أصحاب النفوذ والطبقة البيروقراطية شروط استدامة النظام فـ :”حالما تضعف المشاركة وعندما تنضب الجمعيات المحايثة التي كانت هيكلا، فإن الفرد-المواطن يكون وحيدا في مواجهة الدولة البيروقراطية الهائلة، وأمامها يشعر أنه بلا حول، يجد أنه أضعف وتنغلق الحلقة المفرغة للاستبداد الناعم “[7].

           إن تطبيب الحداثة يقتضي أن نستعيد النظر في المسار بحسب تايلور وأن نستعيد الوحدة المفقودة بين الفرد والمجتمع / الإنسان والطبيعة / الوعي والجسد /  الانفعالات والعقل، إذ جذّرت الإبستيمولوجيا الحديثة هذه الثنائيّات. إن تطبيب الحداثة ومداواة أعطابها يجعلنا ندرك أنه ليس علينا أن نتحمّلها كرها ما دام بمستطاعنا إثراءها وذلك بجعل إيتيقا الأصالة التي تتبنّاها تتضمن فكرة الأصالة، إذ الذاتية تحمل وجها مظلما لكنها مع ذلك تحبس في جوانيّتها أجلّ طاقاتها التي ينبغي تحريرها، ولأن الأنا لا توجد إلا في حوار، في شبكة متحاورين هم الآخرون الذين تتقاسم معهم أفق المعنى الذي يحدد لها ما ينبغي أن تختاره، وما نختاره يتحدد على قاعدة التقييمات القوية Strong Evaluations التي تؤلّف مشتركا يحدد هوية الجماعة الثقافية وقد مكنتنا الحداثة بوصفها ثقافة من إعلاء خيرات مثلى Hyper goods وهي ليست خيرات من بين أخر بل خيرات تمكننا من ترتيب الخيرات، “خيرات مثلى بمعنى الخيرات التي ليست فقط هامة أكثر من غيرها بل أيضا تلك التي تحدد النقطة التي من خلالها نُعَيِّر ونحكم ونختار من بين الخيرات.”[8] ولأنها تؤلف مشتركا فإنها تجعل الاعتراف ممكنا إذ يتوجه الأفراد إلى إكساب خياراتهم معنى بما يصبون إليه من اعتراف بأخلاقيتهم. إن ما آل بالحداثة إلى حال من النوسان هو هذه النسبوية المقيتة التي ترفض تقييم الخيرات والتي تحوّلت إلى عائق يمنع الأفراد من إثبات أصالتهم وحبستهم في سجن الحياة العادية Ordinary life وهي حياة كل يوم تلك التي ننغمس فيها في الزواج وتربية العيال والعمل ونتوجه فقط نحو الرفاه المادي رفضا للتعالي. إن فتح أفق وجودنا ليكون للأفراد حق في اختيار ما يعتبرونه خيرا هو ما فتح فلسفة تايلور على مسألة العلمانية Secularization التي آلت إلى حال من التجذّر في المحايث والقطع مع التعالي.

  لا مندوحة إذا من الإقرار أن تلازما كان ضروريا بين مسار انبثاق الذاتية ومسار علمنة المجتمع، هذا في اعتقادنا ما جعل الخطوط الرئيسية لكتاب عصر علماني secular age A[9] تحضر بوضوح في كتاب مصادر الأنا تَشَكُّل الهوية الحديثة Sources of the Self. The making of the modern [10]، لكأن العلمانية سمحت بفهم جديد لهويتنا بل وأوجدت شروط تحققها ونمائها. لذلك ليس من الغريب أن تايلور خصّ  السؤال عن العلمانية بمكانة متميّزة، ولعل ما يميّز فكره بحق ليس التأكيد أنها بنت الدين عائد إلى ذاته يتفكّرها ونصوصه يؤولها فذلك متّفق عليه ولا جِدَّة فيه فأغلب الباحثين رغم تنوع مشاربهم الفكرية يؤكدون ذلك. إن ما يحرّك تايلور هو البحث عن معنى الدين في عصر علماني[11] وهو قلق يحمله فيلسوف يسكنه تيولوجي ولا جديد في ذلك لأن تايلور يصرّح بانتمائه المسيحي وبوجود علاقة جذرية بين اليهودية والمسيحية[12]. إنه يبحث في الذي حصل وكيف حصل ولما حصل ما حصل ليتحوّل الدين من بداهة في المجتمعات الغربية قبل 1700 إلى تصوّر بين تصورات أخرى تنافسه وتتفوّق عليه في أوساط عديدة ما فتئت تتوسّع[13]، ففي حين كان الإلحاد في القرن 18 حكرا على بعض الأنواريين الأشد رديكالية امتدّ في القرن 19 ليشمل النخبة وفي القرن 20 ضم مجموعات جديدة لتتعدّى النخبة وتشمل عامة الناس.

    إن فهم مسار العلمنة اقتضى استعادة مسار الحداثة ذاته ذلك أن التأكيد على جوانية الإيمان وتهذيب النفس وإعلاء الحياة العادية كان سطح البناء التأسيسي وفي الغور تبدّلات وانتقالات أنتربوثقافية هامة بل وجذرية هي طفرات مهّدت لنقلة ربطتنا بالمحايث وقطعت صلتنا نهائيا بالمتعالي باعتباره وهم وزيف وحال من الاغتراب. هذا ما جعل تايلور يتحدّث عن أقلاق نتيجة لانحرافات باطنت مسار الحداثة حين اعتقد الفكر متأثرا بالأنوار أن مسار التاريخ خطّي وسينتهي إلى إفلاس واضمحلال الدين بوصفه رؤية لاعقلانية وينتصر العلم والتقنية، فولادة الإنسان حرا قادرا تتزامن مع موت الله. لقد تحوّل الإلحاد منذ هذه اللحظة إلى موقف أيديولوجي مصاب بالعمى الكلي إذ ما انفك يتوهم أنه تعبير عن العقلانية الظافرة كضد للدين اللاعقلاني. وفي وجه ثان من وجوه الحداثة تحوّل البناء السياسي الحديث للدولة الديمقراطية الوليدة إلى فصل حاد بين الفضاء العمومي والفضاء الخصوصي ولأن الدولة الديمقراطية تتسم بالحياد بين مواطنين يتساوون في الكرامة والحريّة فإن ذلك اقتضى استبعاد الروحاني إلى حياة الضمائر وألقت به في الفناء الخلفي للوجود الاجتماعي[14].

    إن هذين المنهجين الاختزاليين حسب تايلور قد آلا إلى إفلاس وهو ما يستدعي إعادة طرح مسألة العلمانية وخوض حوارات حولها للنظر إليها هذه المرة كطريقة في الاكتمال  Fulness ففي عصر السوبرنوفا super nova حيث تتشكل بانوراما عقدية وروحية تشمل خيارات فلسفية ودينية وميتافيزيقية متنوّعة وهو نتيجة للتعددية الثقافية التي آلت إليها المجتمعات الحديثة بتحرير الأفراد من ربقة المجتمعات الكتلوية وسلطة الموروث الجليل والعادات فباتت الخيارات حرة والتوجهات مختلفة وطرق الاكتمال متنوّعة. في فضاء السوبرنوفا تبدّل الدين ذاته تبدلا عظيما ولعل مكمن العظمة بحسب ما نرى يعود إلى هذه القدرة الهائلة التي يمتلكها على التلاؤم مع المتغيرات حتى وإن كانت حادة وجذرية وهو ما استفاده الفكر التايلوري من أبحاث خوزييه كازانوفا[15]. في العصر العلماني أصبح الدين خيارا يوفّر للأفراد ملاذا لا يمكن للعلم أن يدّعيه فأسئلة حول الموت والحياة البعدية والقَدَر والفواجع تظل تعطي للدين وجاهة، بل لأن العلم ذاته بحقائقه ونتائجه مفجع فإن عددا هائلا من البشر ما زال يجد في الدين ملاذا لم يعد يدّعي أنه بداهة تسكن المجتمع ولا هو دين السلف والأولين القائم على الإتباع ولا هو إيمان هادئ قانع بل هو خيار من بين خيارات أخرى مترجرجة من الداخل. ولا يتوفر للأفراد مسلكين إما الإيمان أو الإلحاد بل بينهما طيف من الخيارات أكثرها قلقا تلك التي تلوذ بالأقاصي وتقيم فوق التخوم حيث تهددها رياح اللايقين فـ” إذا ما ارتفعت إلى القمة، في نقطة التقاء الخيارين الأعظمين كل الأسئلة تقع على العاطفة التي تخبرك أنه خارجك يوجد شيء يتجاوزك.”[16]

     إن تايلور يدافع عن حق المتدينين وكذلك اللامتدينين إذ أن العلمانية تكون عرجاء إن هي أعلت الترتيبات والقوانين على الغايات وهو ما تورطت فيه على نحو من الأنحاء اللائكية الفرنسية، حين اعتقدت أن حياد الدولة يسمح لها بإلغاء حضور الدين في الفضاء العمومي لأن غُبْنًا يمارس ضد العقديين إذ يحرمهم من التوجه وفقا لما يرونه مناسبا وما يمنح وجودهم معنى ويكون معبرهم نحو الاكتمال. هذا ما يجعل الحداثة منظورا إليها من براديغم الروحاني حال من الاغتراب يهدد التعددية الثقافية وهو ما يسمح لنا بإغلاق ثالوث التفكير في المتن التايلوري بتفكّر التعددية الثقافية Multiculturalism .

     يشكّل تشخيص تايلور لأزمة الحداثة من خلال مآلات العلمانية وواقع الهوية الذاتية الآيل للتنميط والمثلنة منطلقا لتفكّر إشكالية التعددية الثقافية، وهو ما جعلنا نعي أن أزمة الحداثة إنما هي أزمة مسار من التسطيح المتواصل للكينونة وإفراغها من المعنى بخاصة ونحن نتوجه نحو عالم معولم يشهد تهديدا متواصلا للدولة-الأمة التي نمت في إطارها الخصوصيات القومية ولعل ذلك ما آل إما إلى قصووية هووية تلوذ بالتعصب والانكماش حينا وتشهد تقلّصا للفروقات بين الجماعات وسلعنة متواصلة للثقافي أحيانا. في هذا الأفق يستعيد تايلور تفكّر التعددية الثقافية وهو إذ يدرك بجلاء أن الفكر الجمهوري يتوجّس منها خيفة ويرتاب إذ يمكن أن توقظ شيطان الفتن الدينية والعرقية التي عمل طيلة مساره على تخفيتها عبر سياسات الدمج أو الاستيعاب وإعلاء القوانين والترتيبات القائمة على فصل المجال العام عن المجال الخاص درء للاختلاف وصونا للمساواة بين المواطنين، غير أن الفكر الليبرالي والمجتمعات الأنغلوسكسونية لم يكن حالها أفضل حيث يؤكد تايلور أن سياساتها تتعامى عن الاختلاف وتنكر التعددية بإعلاء مقولة الحق ما دمنا غير قادرين على إقامة تصور مشترك للخير تأسّيا بما انتهت إليه أبحاث ج راولس والتي اعتبرت ” العدالة فضيلة مؤسسات”[17].

           إن ما يرفضه الفكر الجماعاتي – وُيعْتَبَر تايلور أحد أعلامه البارزين حتى وإن أنكر ذلك – في الفكر الليبرالي هو إعلاء الفرد على المجتمع واعتقاد في وجودٍ ممكن للأفراد سابق على الوجود الاجتماعي وهو ما يحوّل الدولة إلى سياج يحمي الإطار الماقبلي للحقوق وفقا لمبدأي القانون والمساواة فيتم نقل المشكل إلى الأفراد الذين عليهم أن يلائموا خياراتهم وتصوراتهم ومفضلاتهم مع قواعد العيش المشترك.[18] على خلاف هذا الموقف يعتقد تايلور أن تصوّر الهوية التي لا تتحقق إلا في شبكة من المتحاورين تنقل في فعلها الخيرات المثلى إلى الوجود الاجتماعي ليكون تَحَقُّقَها تجسيدا للحياة الجيدة التي تملك بحسب تصورها معنى وتنضح بالقيمة وذلك ما يتم من خلال اللغة التي تجعل الخلفية Backgroun ممكنة. هذا ما يؤكد قيمة الجماعات الثقافية التي عليها أن تقيم تفاهما بين الأفراد المختلفين بتوفير سياق هو خلفية تمكنهم من ترتيب الخيرات التي ادّعت النسبوية تساويها لأن ترتيب الخيرات هو ما يعطي للاعتراف معنى، ثانيا تحتاج الجماعات الثقافية المتجاورة للتفاهم طلبا للاعتراف بجدارتها كما الأفراد يطلبون الاعتراف بجدارتهم، هذا ما يضمنه نظام جمهوري فيدرالي يقبل المواطنة الاختلافية وينمّيها دافعا المواطنين للمشاركة في الحياة العامة صونا لحرياتهم وصولا إلى تصور كسموسياسي يسمح للجماعات الثقافية الاختلافية ويُبْقِي على التواصل بينها.

       إن ما يؤسسه النص التايلوري فهم طريف للحداثة حين تتحوّل إلى ثقافة بين ثقافات، بل الحداثة ذاتها حداثات، حداثات إذ لكل مجموعة بشرية مسارها في تحديث هويتها وقولها، وحداثات لأن الحداثة الغربية تظل من الداخل مسكونة بمسارات وهي نتاج لمسارات تاريخية متعرّجة لم يكن حيدانه الذي أفضى إلى أقلاق تسكنها إلا نسيانا للأصالة. ولا سبيل لدرء هذه الأقلاق إلا بمداواة عللها وعلاج أعطابها وذلك لا يكون إلا بتحرير طاقاتها الكامنة فيها تلك التي خذلناها عندما انتصرنا للعقل العلمي الأداتي. إن الحداثة ما زالت تحتوي ما يمكنها أن تقدّمه للإنسية الغربية شرط الوعي أن الحل لا يكمن في روح عدمي تجسّده التيارات النيتشوية ولا في روح دغمائي يتعامى عن الأقلاق وهو ما يجسّده الفكر الليبرالي. إن إعادة إصلاح محرّكات الحداثة يكمن في تحرير مثال الأصالة.


الهوامش

[1]  Charles Taylor : The Ethique of Authenticity. Havard University Press. Massachussetts and Loondon0 England 1991.  P22

2  Charles Taylor : Multiculturalisme, différence et démocratie.  Ed Aubier 1994. P4.

3 تشارلز تايلور: المتخيّلات الاجتماعية الحديثة ترجمة الحارث النبهان. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 2015.

4 لا يستعمل تايلور مفهوم الاغتراب إلا نادرا إذ يعتقد في وجود طفرة مست مسار الحداثة، والطفرة تغير مفاجئ في مسار تشكل الكائن يورث خصائص جديدة للجيل الجديد قد تؤدي لاستمراره وتهبه شروط البقاء وقد تأذن بانقراضه وفنائه. أما في الخلية فالطفرة تغيّر مفاجئ يأذن بنماء سرطاني لا يكف عن التكاثر. بهذا فالحداثة مسكونة بروح مسرطن يجب تطبيبه، أو هي شهدت تغيّر مفاجئ في مسارها حاد بها عما يمكن أن تكونه.

5 يعرفها تايلور بقوله :” بعقل أداتي Instrumental Reason أعني هذه العقلنة التي نستعملها عندما نقيّم الوسائل الأكثر بساطة للوصول إلى غاية محددة، فالنجاعة القصوى والإنتاجية الضخمة هي ما تقيس نجاحها.” (Charles Taylor : The Ethique of Authenticity op cit p22-23)

6 يثير مفهوم Buffered Self إشكالية في الترجمة إذ يترجمه سافيدان Savidan بـLe moi isolée  بمعنى الأنا المعزول في حين يختار بيلار A.J. Billard كلمة Tampon بمعنى الصدفة فيبقي على دلالة العزل ويضاعفه، أما جون غروندان J. Grondin فيترجمه بـCoussin في إشارة للامتلاء والاكتناز.

 7 Charles Taylor : The Ethique of Authenticity op cit p10.

8 تشارلز تايلور: منابع الذات. تكون الهوية الحديثة. ترجمة حيدر حاج اسماعيل، مراجعة هيثم غالب الناهي. المنظمة العربية للترجمة ص 120

9 Charles Taylor :A Secular Age. The Belknap Press of Harvard. University Press. Cambridge. Massachusetts. And London. England. 2007

10 Charles Taylor : Sources of the Self. The making of the modern. Cambridge. Havard University Press. 1989

 11 فتحي المسكيني : “الزمن العلماني” وعودة الدين. نموذج تشارلز تايلور. مجلة التفاهم 41 السنة 11 صيف 2013

12 يواصل تايلور وهم اختزال الديانات الإبراهيمية في اليهودية والمسيحية ولا يشير إلى علاقتهما بالإسلام إلا مرة واحدة حين يؤكّد على استحالة استقبال هذا الدين للعلمانية بالمعنى الغربي.

13  لعل كتاب عصر علماني إعادة صياغة متكررة للسؤال التالي “ما الذي تغيّر منذ بداية القرن 17 الفترة التي كان فيها الإيمان عمليّا ممكنا والقرن 21 حيث لا يوجد فقط عدد كبير من الملحدين السعداء بذلك بل وفي بعض الأوساط أصبح الإيمان مضادا للتيار؟ A Secular Age op cit p 650

14  تشارلز تايلور: المتخيّلات الاجتماعية الحديثة صص 103/128

15 خوسييه كازانوفا: الأديان العامة في العالم الحديث ترجمة قسم اللغات والترجمة في جامعة البلمند، مراجعة بولس وهبة. المنظمة العربية للترجمة. بيروت ط1 . 2005

16 Charles Taylor : La diversité de l’expérience religieuse aujourd’hui. Montérial. Boréal.2003 p 13

17 john Rawls :Théorie de la justice. Trad. Catherine Audard. Editions de seuil, 1987 p 26

18 بريان باري: الثقافة والمساواة. نقد مساواتي للتعددية الثقافية. ترجمة كمال المصري عالم المعرفة نوفمبر 2011عدد38