حوار مع تشارلز بوكوفسكي – حاوره: أرلوند ل. كاين / ترجمة: حمزة زكي


يعدّ تشارلز بوكوفسكي بالنسبة لمن يرغب في إجراء مقابلة معه، كوحش اليّية الذي يظهر على حين غرة لمكتشف الهملايا. إنه لأمر شاق العثور عليه وإن حدث وتم العثور عليه، تصبح الحياة خطرة جداً. قيل أنه لا وجود لشخص يدعى تشارلز بوكوفسكي أساساً، وأن شائعة أثارت لغطاً لسنوات يزعم مروّجيها بأن كل تلك القصائد الصاخبة الموقعة باسمه، كتب في الحقيقة من طرف عجوز قذر ذا إبطين كثيفي الشعر. إلا أنه طبعاً يوجد شخص يدعى تشارلز بوكوفسكي، وهو هناك منزوٍ في غرفة، بسرير مغروس في جدار، في شقة باردة بقلب هوليود، حيث يخفيها من جانب مبنى مكتب المساعدة الاجتماعية و مقر الأمن القديم ومن الجانب الآجر منشأة مستشفى كايزر. يا لـ تشارلز المسكين! يبدو كمدمن كحول متقاعد ينتمي لذلك المكان فعلاً. حين ردّ و نحن على الباب، كانت عيناه التي تعتليهما مسحة حزينة، و صوته المُنهك، ولباس النوم الحريرية الذي كان يرتديه، كل ذلك أوحي لي مما لا يدعو للشّك أن الرجل الواقف أمامي مُتعب. جلسنا و تحدثنا و احتسينا البيرة وبعض الويسكي، و شيء فشيء أخد تشارلز في الإرتخاء حتى صار كعذراءٍ خاضعة للإغواء، ليتنازل أخيراً، ويخوض أولى مقابلاته. إذا قُمتَ وأخرجت رأسك كفاية عبر نافذة شقته، بإمكنك رؤية الأضواء المنبعثة من منزل ألدوس هكسلي حيث يقطن ذاك الكاتب الناجح فوق التل.


– كين : هل يزعجك أن يكون هكسلي في مكان يمكنه أن يبصق منه عليك؟

– تشارلز بوكوفسكي : أوه، هذا سؤال جيد. ( أدخل يده في تجويفٍ خلف سريره المبطن و أخرج منه مجموعة من صوره الشخصية )

– كاين : من التقط هذه الصور؟

– تشارلز بوكوفسكي: إنها خليلتي، توفت السنة الماضية. ماذا كان سؤالك؟

– كاين : هل يزعجك أن يكون هكسلي في مكان يمكنه أن يبصق منه عليك؟

– تشارلز بوكوفسكي : لم أفكر يوماً في هكلسي، لكن مادمت ذكرته، أقل لا، ذلك لا يزعجني.

– كاين : في أي مرحلة بدأت الكتابة؟

– تشارلز بوكوفسكي : عندما كنت في سن الخامسة و الثلاثون اكتشفت أن الشاعر في المعتاد يبدأ في السادسة عشر، لكني أنا بدأت في الثالثة والعشرون.

– كاين : أشار العديد من النقّاد إلى أن أعمالك هي بصراحة عبارة عن سيرتك الذاتية. هل تود أن تعلّق على ذلك؟

– تشارلز بوكوفسكي : كل كتابتي تقريباً هي كذلك. تسع وتسعون بالمئة منها هي من تجاربي المعاشة دوّنتها على نحو مُخزف أدبياً، و هذا إن كتبت المئة بالمئة يكون الواحد المتبقي منها هو من بنات خيالي؛ مثلما لم يسبق لي أن زُرت أراضي الكونغو البلجيكية.

– كاين : أود أن أشير الى قصيدة في آخر كتابٍ لك، و هي ” الركض بالصّيد “. هل كان من المصادفة أن تستعمل إسم و حضور الفتاة التي ذكرتها في قصيدة ” تُذفع المرآة لتشتكي ” بالتحديد ؟

– تشارلز بوكوفسكي : إطلاقاً. تلك ليست فتاة استثنائية أو أي شيء من هذا القبيل؛ تلك كانت فتاة مركبة، صحيح أنها ذات جمال أخّاد، تضع على ساقيها جوارب من النايلون، لكنها ليست ساقطة بمعناً كلي، هي مخلوق ليلةٍ نصف سكرانة. و هذا لا يعني أن ليس لها وجودٌ فعلي، رغم أن لها أكثر من إسم.

– كاين : ألا يبدو الأمر شذوذ عن القاعدة؟ حيث أن هناك من يملون إلى تصنيفك على أنك واحد من الشعراء المنعزلون.

– تشارلز بوكوفسكي : لا أستطيع أن فكر في أيٍ من الشعراء المعنزلون بمعزل عن جفرس المتوفى. ( روبنسون جفرس ) أما الباقية فهم لن يتورعوا عن تلوث بعضهم البعض بلعابهم أو شنق بعضهم البعض. لهذا يخال لي حقاً، أنني بالفعل آخر الشعراء المنعزلون.

– كاين : لماذا لا تحب الناس؟

– تشارلز بوكوفسكي : من برأيك يحب الناس؟ أريني شخص واحداً وسأريك لماذا لا أحبهم. انتهى. الآن علي أن أذهب لجلب بيرة أخرى. ( فيما كان يمشى متؤيداً نحو مطبخ صغير هتفتُ بالسؤال التالي بصوت مرتفع )

– كاين : إليك السؤال السخيف، من هو أعظم شاعر مايزال على قيد الحياة؟

– تشارلز بوكوفسكي : ذلك ليس بسؤال سخيف. بل هو سؤال جاد. حسناً، لدينا عزرا بوند و لدينا أيضا ت.س. إليوت، لكن كلهم توقفوا عن الكتابة. أما بالنسبة للشعراء الناشطون سأقول .. آه، لري إيغنر.

– كاين : حقاً؟

– تشارلز بوكوفسكي : أجل. لا أعرف أحد سبق أن قال شيء كهذا. لكن ذلك كل ما أمكنني التوصل اليه.

– كاين : ما رأيك في الشعراء المثلين؟

– تشارلز بوكوفسكي : المثليون هم مراهفوا الحس و الشعراء المراهفون هم شعراء سيّؤون بالضرورة، رغم أن غينسبرغ بعد محاولات كثيرة، استطاع أن يقلب الطاولة، و يجعل القصيدة المثلية تحذو حذو نظيرتها القصيدة الرجالية؛ لكن على المدى الطويل، المثلي سيبقى مثلي وليس شاعراً.

– كاين : لننتقل إلى أمور أكثر أهمية، ما هو التاثير الذي تظن أن ميكي ماوس قد أحدثه على الخيال الأمريكي؟

– تشارلز بوكوفسكي : قاسٍ. في الواقع كان تأثيراً قاسياً. بإمكاني القول أن ميكي ماوس أحدث تأثيراً بالغاً على المجتمع الأمريكي أكثر من شكسبير ومليتون ودانتي وريبلز وتشيكوفسكي ولنين وڤان غوخ حتى. الشيء الذي يدعو إلى الاستغراب من حال المجتمع الأمريكي. بالنسبة لأهالي كلفورنيا الجنوبية تبقى دزني لاند مصدر افتتانهم في المقام الأول، لكن المقبرة تبقى مآلنا الأخير.

– كاين : كيف تجد الكتابة في لوس أنجليس؟

– تشارلز بوكوفسكي : لا يهم أين يكتب المرء، طالما هناك جدران و آلة الكتابة و أورق و بيرة. بإمكانك أن تكتب من داخل فواهة بركان. برأيك هل علي أن أجعل عشرون شاعراً يمدّوني ببضع دولارات كل أسبوع لكي تبقيني خارج السجن؟

– كاين : كم مرة تم اعتقالك ؟

– تشارلز بوكوفسكي : كيف أمكنني معرفة ذلك؟ ليس كثيراً؛ احتمال أربعة عشر أو خمسة عشر ربما. ظننت أنني أقوى للصمود أمام ذلك، لكن كلما تمّ اعتقالي أحسست كأن أحشائي تتمزق، لا أعلم لماذا.

– كاين: سيد تشارلز بوكوفسكي، ما تطلعاتك للمستقبل، هذا و أنّ الكثير من دور النشر الآن باتت تتهافت لتنشر كتبك؟

– تشارلز بوكوفسكي : كنت في ما مضى أستلقي ثملاً في الأزقة غير مبالٍ، و غالباً سأفعل ذلك مجدداً. من يكون تشارلز بوكوفسكي هذا؟ قرأت عنه و بدى لي أن لا صلة من أي نوع تربطني به. هل تفهم ما أقصد؟

– كاين : برأيك إلي مدى أثر الخمر على أعمالك؟

– تشارلز بوكوفسكي : هممم .. لا أحسب أني كتبتُ أيٍ من قصائدي و أنا في أتم وعي. لكن حدث أن كتبت بضع قصائد جيدة أو ربما سيئة تحت التأثير البغيض للشراب، ساعتئذ لم أكن أدري أي شيء هو أفضل لي، أَهو شرابٌ آخر أم شفرة حلاقة.

– كاين : سيد تشارلز بوكوفسكي، أتعتقد أن زوالنا جميعاً بات وشيكاً؟

– تشارلز بوكوفسكي : نعم، أظن أن ذلك أمر محتوم. إنها مسألة حسابية بسيطة. في الأول تكون لديك الإمكانية و بعدها تحصل على العقل الإنساني. بينما كل شيء يسير بثبات سيصعد أحمق لعين أو مجنون من الأسفل يتقلد مركز القوة. هو من سينسفنا، و يقذف بالجميع إلى الجحيم.

– كاين : وما هو في اعتقادك الدور المنوط بالشاعر في هذا العالم الفوضوي الذي نعيش فيه؟

– تشارلز بوكوفسكي : لا يروقني كيف صِيغ السؤال. ومع ذلك أقول بأن الشاعر تقريباً لا دور له لا شيء للأسف. و حينما و يحاول أن يخرج من حذائه و يكون صارماً مثلما فعل صديقنا عزرا سيصفع على مؤخرته. الشاعر هو رجل غير مكتمل أو بمعنى أدق مخنث، فهو ليس بشخص حقيقي، و لم يحظى بالتكوين الذي يؤهله لقيادة أناس حقيقين في قضايا الدم و البسالة. لا أنوي أية إساءة لك من هذا، لكن علي أن أفصح لك عن رأي. لأنه إن طرحت الأسئلة تحصل على الإجابات.

– كاين : حقاً؟

– تشارلز بوكوفسكي : حسنا، لا أدري …

– كاين : أقصد في المعنى العام. هل للمرء أن يحصل على إجابات؟

– تشارلز بوكوفسكي : قطعاً لا، في المعنى العام نحن نحصل فقط على شيء واحد. أنت تعلم … جدارية لقبورنا هذا إن كنا محظوظين، و إن لم نكن فعشب أخضر فحسب.

– كاين : إذن هل نحن تخلينا عن السفينة أم الأمل معاً؟

– تشارلز بوكوفسكي : لما هذه الكلشيهات و الأقوال المبتذلة؟ حسناً، سأقول لك لا. لم نتخلى عن السفينة. أقول بقدر ما سيبدو قولي سخيفاً؛ عن طريق القوة و الروح و النار و الجسارة و المغامرة لبعض الرجال بأساليب محدودة جدا يمكننا حماية جثة الإنسانية من الغرق. لا نور يخرج حتى يخرج. لنكافح كرجال ليس كالجرذان. نقطة. لا مزيد من الإضافات.

المصدر