بول بلزرد في حديث مع كارلوس زافون عن رواية «ظل الريح» – ترجمة: حمزة زكي


-بول بلزرد: لما إستغرق منك كتابة أولى رواية لك تأليف أربع كتب؟ 

 

– كارلوس زافون:  لقد واظبت لمدة عشر سنوات على تأليف رواياتٍ وقد حقّقت نجاحًا باهرًا ضِمن صنف الأدب الموجه للناشئة، ولكن هذه المرة، مع «ظل الريح» أردت أن أصنع شيئًا فريدًا جدًا، شيئًا يتوفر فيه كل ما أردته أن يكون في كتاب ما. لذا فإن ما قمت به وما كلّفني ذلك كان أمراً مهمًا بالنسبة لي، حيث أنني عمِلت على كل تلك المطامح الكبرى التي نجدها في روايات القرن التاسع عشر، إذ في محاولتي لإعادة تشكيل تلك النوعية من الروايات الضخمة كأعمال – تولستوي وديكنز ويلكي كولينز – راهنت على تظافر كل العناصر السردية التي تبلورة في القرن العشرين، بدأً بقواعد السينما والوسائط الأخرى المتعددة والخيال العام وكل ما هنالك من التقنيات متاحة، لغاية واحدة ألا وهي جعل القرَّاء يحظون بتجربة قرائية جد مُكثفة. كانت تلك هي الفكرة التي بنيتُ عليها روايتي والتجرية التي خرجت بها من تأليفي ل « ظل الريح ». لذلك، فعلى نحو ما، يمكن القول أن « ظل الريح » هي نوعاً ما الرواية المكونة من عدة روايات؛ إنها. بالاساس قصة مكونة من قصص كثيرة؛ وتمزج كذلك بين عناصر كثيرة كالهزل والغموض وقصة حب والخيال التاريخي. فهذه الرواية تجمع بين الكثير من الأنواع الأدبية، للوصول إلى الأفضل، نوع جديد وهجين يقدم كل تلك الأشياء معاً. 

 
– بول بلزرد: هلاّ اطلعت القراء على الشيء المغري الذي بإمكان توقعه من هذا الكتاب. أطلعنا على المدخل الافتتاحي للرواية. 
 

– كارلوس زافون:  بدأت أحداث القصة في مدينة برشلونة سنة 1945، حين استيقظ طفل صغير في الحادية عشر من العمر ذات صباح، ولا يذكر وجه ولدته. في ذلك الصباح اصطحبه والده العجوز، الذي كان طوال حياته يعمل كبائع كتب مستعملة إلى مكان غريب، يدعى مقبرة الكتب المنسية . ” وهي مكتبة سحرية متوارية في قصر من الضاحية القديمة في برشلونة ” حيث ينتهي الأمر بالكتب المنسية و العناوين الضائعة، وكان ذلك المكان بمثابة مجتمع سري يحميه عُشّاق الكتب وأُمناء المكتبات، وقد جرت العادة على أن من يرتاد ذلك المكان لأول مرة، عليه أن يختار كتابا واحدا وأن يبدل ما بوسعه للاحتفاظ عليه فيبقى حيًا. وقع اختيار دانيال على كتاب «ظل الريح» وهو الكتاب الذي قرأه ذات الليلة، فصار مأخوذا به حد الإفتتان، إذ لم يسبق له أن قرأ شيئا بتلك الروعة؛ من حيث الشخصيات والعالم الذي دارت فيه أحداث القصة، ما جعل تمسّكه بالكتاب يبدو شديدًا، إلى حد أن استبدت بالصبي رغبة في معرفة أشياء عن المؤلف، وعن قصة تاليفه لذلك الكتاب. فتوصل الصبي إلى أن المؤلف المدعو خوليان كاراكس، لم يكن معروفاً قط – لا أحد يعرف شيئاً عنه وما آل إليه – وكل ما كان متداولاً عنه هو أنه ربما قد لقيّ مصرعه في الأيام الأولى من الحرب الأهلية الإسبانية، في ظروفٍ ذملتبسة. بيد أن ذلك ليس إلا بداية اللغز، إذ اتضح أن هناك شخص – غامض، من رجال الظل – يجول العالم بحثًا عن كتب خوليان كاراكس، ليحرقها ويطمسها مرة وإلى الأبد، وكان ذلك الشخص يدعى لاَن كوبرت، وأدرك دانيال أنه إسم إحدى الشخصيات الواردة في صفحات قصة جوليان كاراكس، وبذلك النحو تكون تلك الرواية التي يعتمد الشيطان. من هذه النقطة – التي كانت نقطة الإنطلاق – تعبر هذه القصة الملحمية الكبيرة الملىء بذلك العدد الموفور من الشخصيات والكثير من القصص خمسة عقود من الزمان، منسوجة على طريقة الدمى الروسية، بحيث يقودنا كل لغز إلى آخر، وكل شخصية إلى أخرى. وبالتالي تبدو كل هذه الكتدرائية المبنية من الكلمات والقصة وهذا العالم الواسع كمتاهة تتسع باستمرار، وشيئا فشئيا تأخذ في التقلص، وتنكشف كل الألغاز وخلفية الأحداث، كأجزاء من الدائرة المُشكّلة لحيوات عدد من الشخصيات، ثم في الأخير تصير واحدة، يكون هذا الكتاب الذي يُقرأ عنه « ظل الريح » – هو نفسه الكتاب الذي يُقرأ – يصبح كتاب واحد، وهكذا تتفاعل تجربة ما وراء الخيال بغموض داخل العمل. 

 
-بول بلزرد:  لا عجب أنها لا تزال تحقق نجاحًا واسعًا حتى الآن، لكن كارلوس لما كتبت كتبك الأربعة الأولى في صنف الأدب الناشئة. لماذا بدأت مسيرتك ككاتب بهذا النوعية من الكتب؟ 
 

– كارلوس زافون: كل ما هنالك، هو أن أولى كتبي، الذي كان في الأساس عبارة عن قصة مغامرةٍ غامضة، وقد حاز الكتاب في إسبانيا على جائزة مهمة لفئة أدب الناشئة، وبفضل ذلك حقق الكتاب رواجًا ملفتًا، والآن أصبح العنوان رسميًا، وقد حظى الكتاب بقراءة واسع في الكثير في المدارس الثانوية بإسبانيا، لذلك أعتقد أنني على نحو ما، كنت ضحية نجاحي في ذلك الجنس الكتابي، لأنه لم يكن أبدًا توجهي الطبيعي. إذ إنني لم أنوي أبداً كتابة ذلك النوع من القصص، رغم أنني حققت نجاحًا كبيرًا في هذا الصدد. ومع ذلك، فأنا أعد ذلك بمثابة أهم تجربة تعلم، منعطف سنح لي للانفتاح على تجريب الكثير من الأجناس الأخرى، بتقنيات كثيرة، إلى أن أحسست في وقتٍ ما بأني أصبحت جاهزًا لألف كتابًا طالما أردتُ تأليفه، فكان « ظل الريح » ذلك الكتاب المنتظر. لهذا فإن بعد عشر سنوات من الخبرة في روايات أدب الناشئة، والتي هي أيضا حققت نجاحاً كبيراً، بإعتقادي أن ذلك شحذ أسلوبي في الكتابة على نحو ملفت من خلال تجريبي للكثير من الأشياء – وأن كل ما راكمته منذئذٍ قد تقاطع في « ظل الريح » كمحصلة. وهذه الرواية إن شئنا اعتبارها أولى رواياتي، بالرغم من كونها الخامسة ضمن مجموع أعمالي.