اليهود والسود والعرق – كيفين ماكدونالد / ترجمة: تقي الدين بن فيفي

اليهود والسود والعرق – كيفين ماكدونالد / ترجمة: تقي الدين بن فيفي


         يوفر هذا المقال نظرة تاريخية عن علاقات السود باليهود، خلال القرن العشرين. تُظهر الوثائق بوضوح أن المنظمات اليهودية إلى جانب عدد كبير من الأفراد اليهود قد ساهموا بشكل كبير في نجاح الحركة لزيادة قوة السود وتغيير التسلسل الهرمي العرقي للولايات المتحدة. أتناول أيضا السؤال الأكثر صعوبة في كيفية فهم الدوافع اليهودية في التحالف بين السود واليهود.

         من الأهمية بمكان إدراك أن السود واليهود عبارة عن عرقين مختلفين تماما. منذ القدِم إلى الزمن الحاضر، كان السكان اليهود قد حققوا مكانةَ قوةٍ وتأثيرِ بشكل مستمر داخل المجتمعات الغربية. يمتلك اليهود الأشكِناز الذين يسيطرون على المجتمع اليهودي في أمريكا أعلى معدل ذكاء من أي مجموعة إنسانية أخرى، وقد وأظهروا قدرة هائلة في خلق والمشاركة في أعلى الجماعات تأثيرا، وهذا سعيّا لمصالحهم.[1]  على الرغم من انتشار المواقف المعادية لليهود (رغم كونها معتدلة إلى حد ما بالمعايير التاريخية)، وعلى الرغم من مجيئ اليهود عادة كمهاجرين فقراء، إلا أنهم قد حققوا مكانة اجتماعية، وثروة، وقوة، ونفوذا في الولايات المتحدة بما لا يتناسب مع أعدادهم. لقد كانت قوة اليهود جليّة بالفعل خلال الجدل العام حول الدخول في الحرب العالمية الثانية إلى جانب إنجلترا، في الواقع، كان ذلك في وقت مبكر خلال المناقشات حول الهجرة في العشرينيات (رغم أنهم لم يكونوا مع الجانب المنتصر). إلا أنها قد تفاقمت بعد الحرب العالمية الثانية، ومنذ سنة 1960، أصبح اليهود الأمريكيون مجموعة صفوة مع نفوذ كبير جدا على السياسة العامة. على الرغم من وجود انقسامات هامة داخل المجتمع اليهودي الأمريكي، إلا أن هناك اجماعا واسعا على عدد من قضايا السياسة العامة الحاسمة، بالتحديد في مجالات دعم إسرائيل ورفاهية اليهود الأجانب، والهجرة وسياسية اللجوء، وفصل الكنيسة عن الدولة، وحقوق الإجهاض، والحريات المدنية.[2]

         كان هناك إجماع يهودي واسع حول التعاطف ودعم الحركات التي منحت قوة للأمريكيين السود، على الأقل حتى السبعينيات، حين بدأ اليهود المحافظون الجدد –أقلية صغيرة داخل مجموعة اليهود- بمعارضة بعض أكثر أشكال التشريعات تطرفا بشأن تقدم السود، ودعوا إلى الحد من الرفاهية وتقليص بعض أكثر أشكال العمل الإيجابي affirmative action والحقوق الجماعية تطرفا من أجل السود، ومع ذلك، وعلى غرار الجالية اليهودية الأمريكية المنظمة، فإن المحافظين الجدد قد دعموا ثورة الحقوق المدنية في الستينيات.

         يمتلك اليهود تاريخا ووضعاً عرقيا مختلفين تماما. لقد تعرض السود في الجنوب للعبودية وعقب التحرر أدى التمييز العنصري إلى ظهور تسلسل هرمي عرقي محدد جيدا. في الشمال كان السود أيضا فقراء وعاجزين نسبيا، ولكن عند التحكم في معدل الذكاء، حقق السود نفس مستوى النجاح المهني الذي حققه البيض منذ نهاية المرحلة الأولى من حركة الحقوق المدنية –حوالي سنة 1960. منذ ذلك الوقت، وإذا ما تم أخذ معدل الذكاء بعين الاعتبار، فمن المرجح أن يمارس اليهود المهن ذات معدل الذكاء المرتفع أكثر من البيض بنفس معدل الذكاء. على سبيل المثال، في دراسة باستخدام بيانات عام 1990، كان متوسط معدل الذكاء لدى الأشخاص البيض في الوظائف المهنية يبلغ 114، بينما كان معدل الذكاء لدى السود المزاولين لهذه الوظائف يبلغ 94.[3] متوسط معدل الذكاء عند السود هو 85، وهو انحراف معياري أقل من متوسط البيض الأمريكيين وانحرافين معياريين على الأقل أقل من متوسط معدل الذكاء عند اليهود الأمريكيين البالغ 115.[4]

         يعكس هذا التفاوت في معدل الذكاء والنجاح، العلاقة أحادية الجانب بين السود واليهود. لقد لعب اليهود دورا مركزيا في تنظيم، وتمويل، وتعزيز قضايا السود، إلا أن السود لم يكونوا قد لعبوا أي دور في إدارة أعمال المجتمع اليهودي المنظم.[5]

تاريخ مختصر لتحالف اليهود مع السود

         تضمنت الأنشطة اليهودية لصالح السود تشريعاتٍ وقوانينَ وجمع تبرعات ومنظمات سياسية وحركات أكاديمية معارضة للمفهوم البيولوجي القائم على الاختلافات العرقية.

         لقد لعب اليهود دورا بارزا في تنظيم السود ابتداء من تأسيس الجمعية الوطنية للنهوض بالملوَنين National Association for the Advancement of Colored People (NAACP) في سنة 1909، بالرغم من تزايد اللاسامية عند السود، والأمر مستمر إلى غاية الآن. تأسست NAACP من طرف يهود ألمان أثرياء، وغير اليهود البيض، والسود تحت قيادة وليام إدوارد بورغاردت دو بويز W.E.B.DuBois[6]. كان دور اليهود هو السائد:

         بحلول منتصف العقد [حوالي عام 1915]، كانت NAACP قد حضت بشيء من مساعدة بناي بريث B’nai B’rith ولجنة اليهود الأمريكيين، مع الأخوين جول Joel وآرثر سبينغارن Arthur Spingarn كرئيس لمجلس الإدارة، وكبير المستشارين القانونيين، على التوالي؛ هربرت لومان Herbert Lehman في اللجنة التنفيذية، ليليان والد Lillian Wald والتر ساكس Walter Sachs في مجلس الإدارة (وإن لم يكونا في نفس الوقت)؛ وجاكوب شيف Jacob Schiff وبول واربورغ Paul Warburg كممولين ماليين. في سنة 1920، كان هربرت سيليجمان Herbert Seligman  مدير العلاقات العامة، وعملت هارثا غرونينغ Martha Gruening كمساعدة… لذلك، ليس من المستغرب أن يترك ماركوس غارفي Marcus Garvey  مقر NAACP في سنة 1917 حيرانًا متمتما: لقد كانت منظمة بيضاء.[7]

         إلى غاية بعد الحرب العالمية الثانية، تضمن التحالف القائم بين اليهود والسود بشكل أساسي المساعدة التي قدمها اليهود الألمان الأغنياء إلى منظمات السود، سواء من الناحية المالية أو من خلال قدراتهم التنظيمية؛ وقد لعب المحامون اليهود أيضًا دورًا بارزاً في توظيف الخدمات القانونية لمنظمات الناشطين السود. وهكذا، كان الإخوة سبينجارنSpingarn  جزءًا من هذه الأرستقراطية اليهودية الألمانية. باستثناء فترات وجيزة عندما استقال احتجاجًا على موقف المجلس، كان جويل سبينجارن Joel Spingarn رئيسًا لـ NAACP من عام 1914 إلى عام 1934، حين تولى أول أسْود هذه الوظيفة. قدم اليهود الأثرياء أيضًا مساهمات كبيرة في الرابطة الحضرية الوطنية، بما في ذلك يعقوب شيف Jacob Schiff، أول ناشط يهودي في العقدين الأولين من القرن العشرين، وجوليوس روزنوالد Julius Rosenwald، الذي نبعت ثروته من شركة سيرز Sears، ريبوك Roebuck.[8]  كان لويس مارشال Louis Marshall، أبرز الناشطين اليهود في عشرينيات القرن الماضي ورئيس اللجنة اليهودية الأمريكية American Jewish Committee  (AJCommittee)، كان عضوًا في مجلس إدارة NAACP إلى جانب كونه أحد المحامين الرئيسيين لــ .NAACP لقد شارك محامون يهود بارزون آخرون في محاكماتNAACP، بما في ذلك قضاة المحكمة العليا لويس برانديز Louis Brandeis و فيليكس فرانكفورتر Felix Frankfurter، وقد لعب هذا الأخير دورًا رئيسيًا في قرار براون Brown  ضد مجلس التعليم في عام 1954. محامٍ يهوديٌ بارز آخر في أعمال NAACP كان ناثان مارغولد Nathan Margold، كان يوصف بأن له “ضميرا اجتماعيا حارقا”[9]؛ طور مارجولد Margold خطة قانونية ليشُن هجوما ناجا على الأساس القانوني الذي يقوم عليه التمييز العنصري. كما لعب جاك غرينبرغ Jack Greenberg، رئيس صندوق الدفاع القانوني لــ NAACP في الستينيات، دورًا مهمًا في إنشاء صندوق الدفاع القانوني والتعليمي الأمريكي المكسيكي Mexican American Legal Defense and Educational  Fund، جامعاً بين الناشط المكسيكي بيت تيجرينا Pete Tijerina ومؤسسة فورد Ford.[10]

         لعب السود دورا ضئيلا في هذه الجهود حتى أواخر الثلاثينيات: فعلى سبيل المثال، حتى عام 1933، لم يكن لدى القسم القانوني NNACP محامين سود، وطوال الثلاثينيات، حوالي نصف هذا القسم كانوا من اليهود.[11] في ذروة التحالف بين السود واليهود، في الستينيات، كان أكثر من نصف المحامين الذين يدافعون عن الطلاب والمشاركين في حركة الاحتجاج في الجنوب من اليهود.[12]  كما قدمت منظمات يهودية قوية مثل نقابة المحامين الوطنية the National Lawyers Guild، التي كانت لها روابط بالحزب الشيوعي[13]، واتحاد الحريات المدنية الأمريكية the American Civil Liberties Union متمكنين قانونيين من أجل هذه المساعي.

         في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، شاركت المجموعة الكاملة من منظمات الخدمة العامة اليهودية في قضايا السود، بما في ذلك اللجنة اليهودية الأمريكية، والمؤتمر اليهودي الأمريكي  (AJCongress)، ورابطة مكافحة التشهير the Anti-Defamation League  (ADL) لــ بناي بريث B’nai B’rith : “مع وجود موظفين مدربين مهنيا ومكاتب مجهزة بالكامل ومعرفة بالعلاقات العامة، كانت لديهم الموارد لإحداث فرق”[14] في نهاية الأربعينيات من القرن الماضي، كانت رابطة مكافحة التشهير قد اعتبرت الجنوب في حاجة مُلحّة إلى التغيير؛ كانت الرابطة تراقب حالات التوتر العنصري والعنف وسعت بشكل متزايد إلى الحصول على تدخل الحكومة الفيدرالية في الشؤون الإقليمية، بما في ذلك التمييز العنصري.[15]

         لقد ساهم اليهود من ثلثين إلى ثلاثة أرباع الأموال لصالح جماعات الحقوق المدنية خلال الستينيات.[16] عمل مؤتمر اليهود الأمريكيين ولجنة اليهود الأمريكيين  ورابطة مكافحة التشهير بشكل وثيق مع الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين لكتابة ملخصات قانونية وجمع الأموال في سبيل القضاء على التمييز العنصري. لقد لعبت الجماعات اليهودية، وخاصة المؤتمر اليهودي الأمريكي، دورا رائدا في تطوير تشريع الحقوق المدنية وفي متابعة النزاعات القانونية المتعلقة بقضايا الحقوق المدنية التي تفيد السود في المقام الأول.[17]

         لقد مكن الدعم اليهودي، القانوني والمالي، حركة الحقوق المدنية من تحقيق سلسلة من الانتصارات القانونية… ليس هناك مبالغة في تأكيد محامي المؤتمر اليهودي الأمريكي على أنه “في الواقع، قد تم تحرير العديد من هذه القوانين في مكاتب الوكالات اليهودية من قِبل موظفين يهود، قدمها المشرعون اليهود وفرضها الناخبون اليهود.”[18]

         شكّلت أعقاب الحرب العالمية الثانية نقطة تحول في الدعم اليهودي للسود. فقد خرج اليهود في موقع أقوى بكثير من ذي قبل. لقد تراجعت المواقف المعادية لليهود التي كانت سائدة قبل الحرب بشكل سريع واحتلت المنظمات اليهودية مكانة أكبر بكثير في التأثير على العلاقات العرقية في الولايات المتحدة، ليس فقط في مجال الحقوق المدنية ولكن أيضا في مجال سياسة الهجرة. من الجدير بالذكر أن هذه المكانة اليهودية العليا كانت رأس الحربة في المؤتمر اليهودي الأمريكي ورابطة مكافحة التشهير، وكلاهما يهيمن عليه اليهود الذين هاجروا من أوروبا الشرقين بين 1880 و 1920 وكذلك أحفادهم.[19] كما هو موضح أدناه، فإن فهم الطابع الخاص لهؤلاء السكان اليهود ضروري من أجل فهم التأثير اليهودي في الولايات المتحدة من عام 1945 حتى الوقت الحاضر. إن النخبة اليهودية الألمانية، التي سيطرت على شؤون الجالية اليهودية عبر لجنة اليهود الأمريكيين في بداية القرن، قد تراجعت أمام قيادة جديدة تتكون من المهاجرين من أوروبا الشرقية وأحفادهم. حتى لجنة اليهود الأمريكيين، معقل النخبة اليهودية الألمانية، كان يرأسها جون سلاوسون John Slawson، الذي هاجر من أوكرانيا في سن السابعة. وترأس ويل ماسلو Will Maslow  مؤتمر اليهود الأمريكيين، وهو من خلق الجالية اليهودية المهاجرة، إضافة إلى كونه اشتراكيا وصهيونيا. لقد ميّزت الصهيونية الراديكالية السياسية المهاجرين اليهود من أوروبا الشرقية.[20]

         لتوضيح راديكالية الجالية اليهودية المهاجرة، فقد تم تصنيف أعضاء منظمة اليهود من أجل الحفاظ على ملكية الأسلحة النارية (JPFO)، التي تضم 50.000 عضوا ومنتسبا إلى مؤتمر اليهود الأمريكيين، كمنظمة تخريبية من قبل المدعي العام للولايات المتحدة. كانت هذه المنظمة هي “الحصن” المالي والتنظيمي للحزب الشيوعي الأمريكي بعد الحرب العالمية الثانية، كما قامت المنظمة بتمويل جريدة Daily Worker، والهيئة التابعة للحزب الشيوعي الأمريكي CPUSA، وصحيفة Morning Freiheit، وهي صحيفة شيوعية باللغة اليديشية[21]. على الرغم من أن المؤتمر اليهودي الأمريكي AJCongress قد قطع العلاقات مع منظمة اليهود من أجل الحفاظ على ملكية الأسلحة النارية (JPFO) وأعلن عن كون الشيوعية تعتبر تهديدا، إلا أنه كان “في أحسن الأحوال مشاركا مترددا غير متحمس” في الجهد اليهودي لتطوير صورة عامة عن مناهضة الشيوعية –وهو موقف يعكس تعاطف الكثيرين بين أعضائها- وأعضاء الجيل الثاني والثالث من المهاجرين من أوروبا الشرقية[22]. لقد تركزت المخاوف من تورط الشيوعيين اليهود في حركة الحقوق المدنية حول أنشطة ستانلي ليفيسون Stanley Levison، المستشار الرئيسي لمارتن لوثر كينغ الذي كانت له علاقات وثيقة جدا بالحزب الشيوعي (وكذلك مع مؤتمر اليهود الأمريكيين) ومن الممكن أن هذا المستشار كان يعمل تحت النظام الشيوعي في أنشطته مع مارتن لوثر كينغ.[23]

         كما ساعد اليهود على خلق الجو الفكري الذي جعل الثورة في العلاقات العرقية ممكنة في الولايات المتحدة الأمريكية. يلاحظ ديفيد هولينجر David Hollinger “التحول الديموغرافي العرقي والديني للحياة الجامعية الأمريكية من طرف اليهود” في الفترة من 1930 إلى 1950[24]، وفي كتاب ثقافة النقد The Culture of Critique وصفتُ الحركات الفكرية والسياسية التي يهيمن عليها الأشخاص الذين يُعرفون على أنهم يهود وتتم رؤية جهودهم على أنها دعم للقضايا اليهودية، وخاصة لإنهاء معاداة السامية. أدت هذه الحركات مجتمعة إلى أفول التفكير التطوري والبيولوجي في العالم الأكاديمي، وقد تسببت في تشويه الهوية العرقية بين البيض.

         كانت لهذه الجهود الفكرية عدة فروع. بدءا من هوراس كالين Horace Kallen، كان المثقفون اليهود في الصدارة من أجل تطوير نماذج للولايات المتحدة كمجتمع تعددي ثقافي وعرقي. هذه الفكرة القائلة بوجوب تنظيم الولايات المتحدة كمجموعة من المجموعات العرقية الثقافية المنفصلة كانت مصحوبة بأيديولوجيا مفادها أن العلاقات بين المجموعات ستكون متعاونة وحميدة: “تسامت عينا كالين فوق النزاعات التي تدور حوله نحو مملكة مثالية حيث يتعايش التنوع والانسجام”.[25]

         في ثلاثينيات القرن العشرين، مولت لجنة اليهود الأمريكيين بحث فرانس بواز Franz Boas، الذي ساعد في القضاء على فكرة كون العرق البيولوجي مصدرا مهما للاختلاف بين الناس. (أثناء قيادته لهذه المعركة، لم يرفض بواز نفسه مطلقا فكرة وجود اختلافات عرقية في حجم الدماغ لصالح البيض. حتى في نهاية حياته، في طبعة 1938 من كتاب “عقل الإنسان البدائي“، قدّم بواز فكرة أنه سيكون هناك عدد أقل من الرجال ذوي العبقرية العظيمة بين السود؛ ومع ذلك، جادل بأن متوسط الاختلافات بين المجموعات لا ينبغي أن ينطبق على الأفراد سبب الاختلافات داخل كل عرق.[26]) لقد كانت الأنثروبولوجيا البوازية حركة فكرية يهودية، والتي هيمنت في العشرينيات من القرن الماضي على الأنثروبولوجيا الأمريكية[27]  (على النحو الوارد أعلاه، بواسطة “الحركة الفكرية اليهودية” أعني حركة يسيطر عليها أناس عرّفوا بأنفسهم على أنهم يهود واعتبروا مشاركتهم في الحركة من أجل تعزيز المصالح اليهودية).  لقد تم إدراج الأنثروبولوجيا البوازية ضمن جهود الدعاية بعد الحرب العالمية الثانية والتي وزعتها وروجتها لجنة اليهود الأمريكيين، والمؤتمر اليهودي الأمريكي، ورابطة مكافحة التشهير، كما هو الحال في فيلم Brotherhood Man، الذي صوّر كل المجموعات البشرية على أنها ذات قدرات متساوية. في فترة ما بعد الحرب، كان إنكار الإيديولوجيا البوازية للاختلافات العرقية، وكذلك الأيديولوجيا البوازية في النسبية الثقافية والاعتقاد الصادر عن هوراس كالين بأهمية الحفاظ على الاختلافات الثقافية واحترامها، مكونات خطيرة للبرامج التعليمية التي مولتها هذه المنظمات اليهودية الناشطة والموزعة على نطاق واسع  في النظام التعليمي الأمريكي.[28]

         لقد دعّمت لجنة اليهود الأمريكيين AJCommittee أيضا جهود علماء الاجتماع اللاجئين الذين فرّوا من ألمانيا في ثلاثينيات القرن العشرين، وعلى وجه الخصوص أولئك الذين التفوا حول مدرسة فرانكفورت للبحوث الاجتماعية (ماكس هوركهايمر، وإريك فروم، وثيودور أدورنو، وهربرت ماركوز) جمعت هذه المجموعة بين عناصر الماركسية والتحليل النفسي -كلاهما يعتبران حركات فكرية يهودية.[29] أساسا، فقد كان كتاب الشخصية التسلطية والأعمال الأخرى التي أنتجتها هذه المجموعة (تُسمى بشكل كلي دراسات في التحيز) نتيجة لحاجة اليسار إلى تطوير برنامج بحث إمبريقي من شأنه أن يدعم نظرية مسبقة مُرضية سياسياً وفكريًا عن معاداة السامية و أشكال أخرى من العداء العرقي من أجل التأثير على جمهور أكاديمي أمريكي. يحاول كتاب الشخصية التسلطية إظهار أن الانتماءات إلى مجموعة من غير اليهود، وخاصة الانتماء إلى الطوائف الدينية المسيحية، والقومية، والروابط الأسرية الوثيقة، هي مؤشرات على الاضطرابات النفسية. وعلى مستوى أعمق، يهدف عمل مدرسة فرانكفورت إلى تعديل المجتمعات الغربية في محاولة لجعلها تقاوم معاداة السامية من خلال إفساد الانتماءات الجماعية لغير اليهود.

         في سنة 1944، نظّم مؤتمر اليهود الأمريكيين لجنة العلاقات المجتمعية المتبادلة Commission on Community Interrelations تحت قيادة كورت لوين Kurt Lewin، المدافع الشرس عن هوية الجماعة للمجموعات الأقلية. جسّد لوين الموقف التصادمي ليساريّي مؤتمر اليهود الأمريكيين من خلال الدفاع عن أهمية التشريعات المناهضة للتمييز بدلا من الاعتماد فقط على الدعاية والعلوم الاجتماعية النشطة.[30] تم تجنيد النشطاء/العلماء في هذه الجماعة بما في ذلك كينيث كلارك Kenneth Clark، الذي كانت دراسته عن الدمى مع الأطفال السود، مفترضة أنها تُظهر الضرر النفسي الناجم عن التمييز العنصري، جزءا مُهما في القرار التاريخي لسنة 1954 في قضية براون ضد مجلس التعليم. كانت ماري جاهودا Marie Jahoda عضواً آخر، مؤلفةٌ مشاركة في كتاب معاداة السامية و الاضطراب العاطفي، وهو مجلد في دراسات في التحيز نشرته لجنة اليهود الأمريكيين.[31] يتكون هذا الكتاب من مجموعة من المقترحات النفسية الديناميكية المخصصة، تتشارك في أن معاداة السامية تنطوي على إسقاطِ نوعٍ من الصراع داخل النفس. هذا الكتاب توضيح جيّد لفائدة التحليل النفسي في بناء نظريات حول معاداة السامية أو غيرها من أشكال العداء العرقي التي تعكس عدم كفاية نفسية بدلاً من صراع حقيقي في المصالح.

         إن التعبير العام لهذا الجهد متعدد الأوجه من طرف المنظمات اليهودية لتغيير العلاقات العرقية في الولايات المتحدة تمثل في حركة العلاقات بين المجموعات.[32] وشمل هذا الجهد تحديات قانونية للتحيز في الإسكان والتعليم، والعمالة العامة. إلى جانب هذا فقد قامت المنظمات اليهودية بصياغة مقترحات تشريعية وسعت إلى تأمين تمريرها إلى داخل القانون في الهيئات التشريعية الوطنية والولائية. كان الشّق الآخر للهجوم هو تشكيل الرسائل الإعلامية، وتعزيز البرامج التعليمية للطلاب والمعلمين، وكما تم ذكره أعلاه، تعزيز الجهود لإعادة تشكيل الخطاب الفكري حول العرق حول العالم الأكاديمي. لقد لعبت رابطة مكافحة التشهير دورًا مركزيّا في هذه الجهود، وهذا “من خلال استخدام المواقع الإذاعية والتلفزيونية، والأناشيد الحاذقة، وشرائط الأفلام، والجهود الإعلامية الأخرى”[33]. وقد قامت رابطة مكافحة التشهير بتجنيد مشاهير أمثال بيس ميرسون Bess Myerson  الذي قام بجولة في البلاد تحت شعار “لا يمكنك أن تكون جميلاً وتكره”.[34] كما قامت أفلام هوليوود مثل اتفاقية الشرف Gentleman’s Agreement و البيت الذي أعيش فيه The House I Live In  أيضا بنشر هذه الرسائل، كما تضمنت مسرحية جنوب المحيط الهادئ South Pacific، من تأليف رودجرز Rodgers و هامرشتاينHammerstein ، موضوعًا للزواج بين الأعراق وأغنية تُصرّح بوجوب أن يتم تعليم الأطفال الكُره، كما هو الحال في مشاركة اليهود في سياسة الهجرة والعديد من الأمثلة الأخرى على النشاط السياسي والفكري لليهود، وسواء كان ذلك في العصر الحديث أو ما قبل الحديث[35]، فإن حركة العلاقات بين المجموعات غالبًا ما سعت إلى تقليل المشاركة العلنية لليهود.[36]

         تنبع أيديولوجية الصراع بين الجماعات التي طورتها حركة العلاقات بين المجموعات من سلسلة الدراسات في التحيز التي ترعاها لجنة اليهود الأمريكيين AJCommittee، ولا سيما الشخصية التسلطية لمدرسة فرانكفورت. اعتبَر هذا العمل صراحة أن مظاهر الاستعلاء العرقي أو التمييز ضد المجموعات الخارجية عبارة عن مرض عقلي وبالتالي فهو يُعتبر حرفيا مشكلة صحية عامة. تم تشبيه الهجوم على الصراع بين الجماعات بالهجوم الطبي على الأمراض المعدية الفتاكة، ووصف هؤلاء الناشطون المصابين بهذا المرض بكونهم “مصابون بالعدوى”Infected”.[37] لقد أكدت الفكرة الثابتة الأساسية لهذه المجموعة الناشطة عرقيا على فوائد زيادة مستويات الانسجام بين المجموعات -جانب من المثالية المتأصلة في تصور هوراس كالين Horace Kallen للتعددية الثقافية- ناهيك عن أن مجموعات معينة، لا سيما الجماعات غير اليهودية من أصل أوروبي، قد تفقد قوتها الاقتصادية والسياسية ويتراجع نفوذها الثقافي.[38] لم يتم النظر إلى المواقف السلبية اتجاه المجموعات كنتيجة لمصالح المجموعة المتنافسة، بل كنتيجة لمرض نفسي فردي.[39] وأخيرا، في حين كان يُنظر إلى الاستعلاء العرقي من قِبل غير اليهود على أنه مشكلة صحية عامة، حارب مؤتمر اليهود الأمريكيون ضد الاستيعاب اليهودي وكان مؤيدا قويا لإسرائيل كدولة عرقية يهودية.

         لقد أكد خطاب حركة العلاقات بين الجماعات على أن أهدافها تتماشى مع وجهات النظر التقليدية لأمريكا، إلا أن هذا أمر مضلل في أحسن الأحوال. فقد شدّد خطابهم على تراث التنوير من حيث الحقوق الفردية. ومع ذلك، بدلاً من النظر إلى إرث الحقوق الفردية كمنتج فريد للثقافة الغربية، فسرت حركة العلاقات بين المجموعات هذه الحقوق على أنها تتوافق مع المثل اليهودية الناشئة مع الأنبياء. لقد تجاهل هذا المفهوم حقيقة أن التقليد اليهودي نفسه أمر جماعي بشكل عميق وليس فرديًا. كما تجاهلت حقيقة أن العداء تجاه الجماعات الخارجية كان دائمًا أمراً محوريًا في استراتيجية تطور الجماعات اليهودية.[40] وبالتالي، فإن الخطاب اليهودي في هذه الفترة كان قائمًا على رؤية وهمية للماضي اليهودي مصمم خصيصًا لتحقيق أهداف يهودية في العالم الحديث، حيث احتفظ خطاب التنوير حول العالمية وحقوق الفرد بمكانة فكرية كبيرة.[41]

         لقد تجاهلت الحركة بين الجماعات أو افتقدت مصادر الهوية التقليدية الأخرى للهوية الأمريكية. لم يكن هناك أي ذكر للجانب الجمهوري للهوية الأمريكية كمجتمع متماسك ومتجانس.[42] كما أنها تجاهلت أو غاب عنها الفكرة القائلة إن أمريكا هي ثقافة شمال غرب أوروبا تم إنشاؤها من قبل أشخاص ينتمون إلى مجموعة عرقية محددة. أصبح هذا الجانب “الثقافي العرقي” للهوية الأمريكية كمجموعة عرقية/إثنية مؤثرًا جدًا بين عامي 1880 و 1920 مع نظريات ماديسون غرانت Madison Grant، وثروب ستودارد Lothrop Stoddard، وغيرهما. كانت هذه النظريات مأثرة بشدة بالداروينية، وكانت الهدف المحدد للأنثروبولوجيا البواسية والحركات الفكرية اليهودية الأخرى المذكورة أعلاه.

         في أوائل الستينيات، قدر مسؤول رابطة مكافحة التشهير ADL أن ثلث المعلمين الأمريكيين قد تلقوا مواد تعليمية من الرابطة على أساس أيديولوجية حركة العلاقات بين المجموعات.[43] كما شاركت الرابطة بشكل وثيق في التوظيف وتطوير المواد وتقديم المساعدة المالية لورشات العمل للمعلمين ومدراء المدارس، غالبًا بمشاركة علماء الاجتماع من الأوساط الأكاديمية – وهي جمعية أضافت بلا شك مصداقية علمية لهذه الممارسات. من المفارقة، ربما، أن هذه الجهود للتأثير على المناهج الدراسية في المدارس العامة كانت تقودها نفس المجموعات التي سعت إلى القضاء على التأثيرات المسيحية العلنية من المدارس العامة. استمرت الرابطة لأن تكون المروج الرئيسي لتعليم التنوع من خلال معهد عالم قائم على الاختلاف A World of Difference® Institute[44]  منذ عام 1985، قام هذا المعهد بتدريب أكثر من 230.000 معلما في المدارس الابتدائية والثانوية في تعليم التنوع، كما قام بوضع برامج تدريبية على التنوع في مكان العمل للعاملين والطلاب في الولايات المتحدة. كما تم إجراء تدريب المعلمين في ألمانيا وروسيا.

دوافع اليهود لدعم قضايا السود

       من الصعب دائمًا قياس تأثير التحولات الاجتماعية المعقدة مثل التغييرات الهائلة في العلاقات العرقية التي حدثت على مدى السنوات الخمسين الماضية. مع قطع النظر عن المساهمة الدقيقة لليهود والمنظمات اليهودية، فإنه يجب على المرء الاعتراف بوجود تعاون بين المنظمات اليهودية الرئيسية والنشطاء السود وعدد كبير من البيض الذين جاءوا لاستيعاب الأسس الأيديولوجية لهذه الثورة. في الواقع، في الوقت الحاضر، من الإنصاف القول إن هناك إجماعًا في رأي النخبة عبر الطيف السياسي حول الأسس الأخلاقية لثورة الحقوق المدنية بالنسبة للسود. يتجلى هذا الإجماع بارتياح واضح في مناسبات مثل الرقابة العامة التي أعقبت تصريحات ترينت لوت Trent Lott في ديسمبر 2002 بأن أمريكا لن تواجه الكثير من مشاكلها الحالية إذا ما تم انتخاب ستروم ثورموند Strom Thurmond في عام 1948. لقد كان ثورموند حينها يعمل على أرضية عنصرية.

تشير الأدلة التي تم عرضها بشكل مختصر هنا بالتأكيد إلى أن النشاط اليهودي كان قوة حاسمة في قيادة وتنظيم وتمويل الثورة في العلاقات العرقية التي ظهرت في الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية. حتى هارولد كروس Harold Cruse، الناقد الأسود الصريح للتحالف اليهودي مع السود، لاحظ أن “الحقيقة كانت (ولا تزال كذلك) أن اللجنة اليهودية الأمريكية وأتباعها المفكرين قد قاموا بعمل رائد بطرق لم يسبق لها مثيل من قبل حلفائهم البروتستانت البيض”.[45] (يمكن إصدار بيان مماثل فيما يتعلق بمشاركة اليهود في فتح الهجرة إلى أمريكا لجميع شعوب العالم[46]). هذا لا يعني أن السود لم يكن ليحاولوا في نهاية المطاف تغيير وضعهم في غياب تحالف مع اليهود.

ومع ذلك، فمن الصعوبة بمكان تصديق أن هذه الجهود كانت ستعمل بنفس الفعالية وستكون ناجحة للغاية بدون مشاركة اليهود. بعد كل شيء، على الأقل حتى الستينيات من القرن الماضي، لم يظهر السود أنهم قادرون على إنشاء منظمات فعالة دون مشاركة اليهود. لا يزال السود، كمجموعة ضعيفة الأداء، يتمتعون بقوة ونفوذ قليلين نسبيًا في العلاقات العرقية في الولايات المتحدة ويظلون ممثلين تمثيلًا ناقصًا في جميع مؤسسات المجتمع النخبوية. بسبب ذكائهم الكبير، ومستوى تعبئتهم العالية وتمثيلهم المفرط في مؤسسات النخبة الحكومية ووسائل الإعلام والأعمال والعالم الأكاديمي، فإن تأثير اليهود غير متناسب مقارنة بعددهم.[47] أما البيض غير اليهود فقد كان لم تأثير ضئيل نسبيًا بالمقارنة مع اليهود وهذا لافتقارهم للتعبئة لتحقيق مصالحهم العرقية.[48]

علاوة على ذلك، فإن مشاركة اليهود المستمرة في وسائل الإعلام وتمويل منظمات السود يظل مكونًا مهمًا لنجاح السود، بعد فترة طويلة من تسليم قيادة هذه المنظمات إلى أيدي السود. فعلى سبيل المثال، يلاحظ موراي فريدمان Murray Friedman أنه بعد عام 1955، تولى السود قيادة الحركة: “لم يعد القادة اليهود والأجانب الآخرون يتخذون قرارات بعد الآن. سيعملون وراء الكواليس، موفرين المال والمشورة لـ [مارتن لوثر] كينغ ومساعديه، الذين سيتولون قيادة الحركة، ويتصدرون عناوين الأخبار ويتحملون فترات السجن “.

على الرغم من الظهور البارز للمحافظين اليهود الجدد الذين يختلفون مع بعض الأشكال الأكثر تطرفًا للعمل الإيجابي ومع عناصر أخرى من الأجندة السياسية للسود، إلا أن الغالبية العظمى من اليهود لا تزال في الجناح الأيسر/الليبرالي من السياسة الأمريكية. في الواقع، فإن الجهد المبذول لتغيير عدم التمييز في التوظيف كان موجها نحو نظام حصص تحت مسؤولية فكرية يهودية قوية، وخاصة ألفريد بلومروسين Alfred W. Blumrosen، في لجنة تكافؤ الفرص في العملEqual Employment Opportunity Commission.[49] على الرغم من أن اليهود يمثلون فقط 2.5 ٪ من السكان، إلا أنهم يقدمون أكثر من نصف التمويل للحزب الديمقراطي، وفي انتخابات عام 2000، صوت 80 ٪ من اليهود لصالح جور Gore.[50] بشكل عام، يدعم ممثلو المؤتمر اليهودي البرامج الليبرالية مع زملائهم السود[51]، وتستمر المنظمات اليهودية في تأييد برامج العمل الإيجابي القوية، مثل الحصص، على الأقل إذا كان من الممكن إثبات تاريخ سابق من التمييز.[52]

يبدو الدعم اليهودي للحزب الديمقراطي في تراجع. إذ في انتخابات عام 2000، صوت الشباب اليهود الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 29 عامًا بنسبة 59٪ مقابل 40٪ لصالح بوش Bush. ومع ذلك ، ربما لا يشير هذا التغيير المُنذر إلى انشقاق كبير لليهود عن إنجازات ثورة ما بعد الحرب العالمية الثانية في القضايا العرقية. على سبيل المثال، إلى حد الآن، فإن الدعم الواسع للمهاجرين متعددي الأعراق إلى الولايات المتحدة هو ما يميّز الطيف السياسي اليهودي بأكمله، من أقصى اليسار إلى اليمين المحافظ الجديد[53]. علاوة على ذلك، فقد كان القادة الأصغر سناً في رابطة مكافحة التشهير ADL  أكثر ميلًا للإقرار على عتبة أدنى لسياسة العمل الإيجابي التي يمكن فيها استخدام العرق كعامل في التوظيف والقبول الجامعي في ظل غياب نتيجة للتمييز العرقي.[54] يميل كبار السن من اليهود إلى عرض العمل الإيجابي من خلال عدسة أنظمة الحصص المصممة لتعديل عدد اليهود في جامعات النخبة في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين.

إن مشاركة اليهود في تغيير التسلسل الهرمي العرقي للولايات المتحدة ليست نتاج اليهودية في حد ذاتها. أي أنه لا يوجد شيء في اليهودية كدين أو كعرق يملي على اليهود بأن يتحالفوا مع السود باعتبارهم غرباء مستضعفين في أمريكا الأوروبية. لقد اعتاد اليهود على مر التاريخ على عقد تحالفات مع النخب، وغالبًا ما تحالفوا مع النخب الأجنبية والقمعية. في العالم القديم، في العالم الإسلامي وفي أوروبا المسيحية من العصور الوسطى إلى أوروبا الشرقية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، كان اليهود متحالفين مع الحكام وكان يُنظر إليهم غالبًا على أنهم مضطهدين للناس.

في الواقع، لقد جادلتُ بأن الفرق المهم بين أوروبا الشرقية والغربية هو أن الأنظمة الاقتصادية الاستغلالية التي تنطوي على التعاون بين اليهود والنخب غير اليهودية استمرت لفترة أطول بكثير في أوروبا الشرقية[55]، حيث “أصبح مدير الأملاك اليهودية سيد الحياة والموت على سكان مقاطعات بأكملها، وكونه ليس له سوى مصلحة مالية قصيرة المدى في هذه العلاقة، فقد واجه إغراء لا يقاوم للتحلل من مواضيعه المؤقتة.”[56] كان موضوع إقراض الأموال اليهودي القمعي والزراعة الضريبية ميزة من مميزات المواقف المعادية لليهود لقرون.

إلى جانب ذلك، فإن القانون اليهودي يتغاضى عن العبودية ويميز بين معاملة العبيد اليهود ومعاملة العبيد غير اليهود (على حساب الأخير). لقد سيطر اليهود على تجارة الرقيق في العالم الروماني القديم،[57] وشارك اليهود في تمويل تجارة الرقيق الأفريقية إلى العالم الجديد كنخبة تجارية في إسبانيا والبرتغال وأمستردام. في الولايات المتحدة، كان اليهود في الجنوب يتاجرون ويمتلكون العبيد،[58] ربما على الأقل بمستويات تتناسب مع ثروتهم ونسبتهم المئوية من السكان.

بالنظر إلى هذا التاريخ، فربما ليس من المستغرب أن يكون اليهود في جنوب الولايات المتحدة، بشكل عام مشاركين مترددين في حركة الحقوق المدنية.[59] كان المجتمع اليهودي الجنوبي صغيرًا نسبيًا بالمقارنة مع السكان اليهود الأكبر عددا الذين قدموا من أوروبا الشرقية بين عامي 1880 و 1924، وكان تأثيرهم القومي قليلًا نسبيًا. وصل يهود الجنوب في القرن التاسع عشر، وكان أغلبهم من ألمانيا، وكانوا يميلون إلى أن يكونوا محافظين سياسيين، على الأقل مقارنة بإخوانهم في أوروبا الشرقية. كان التصور العام لليهود في الشمال والسود والبيض في الجنوب هو أن اليهود في الجنوب قد تبنوا مواقف البيض بشأن القضايا العرقية. بالإضافة إلى ذلك، فقد اتخذ اليهود في الجنوب مكانة متدنية لأن البيض في الجنوب غالباً ما اتهموا (بحق) اليهود في الشمال بأنهم هم المحرضون الرئيسيون على حركة الحقوق المدنية وبسبب الروابط بين اليهود، والشيوعية، وإثارة الحقوق المدنية في وقت كانت فيه كل من الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين وتيارات المنظمات اليهودية تبذل قصارى جهدها لتقليل الارتباطات مع الشيوعية.[60] (كان اليهود هم العمود الفقري للحزب الشيوعي الأمريكي وتم تحريك هذا الحزب باسم قضايا السود) .[61] كان من الشائع أن يشجب الجنوبيون ضد اليهود بينما يتم إعفاء اليهود الجنوبيين من اتهاماتهم: “ليس لنا ههنا سوى اليهودي رفيع المستوى، وليس مثل أصحاب الدراجات النارية في نيويورك”.[62]

لقد تبنى رجال الأعمال اليهود ممارسات التمييز العنصري في الجنوب وغالباً ما كانوا يتصنعون دورًا اقتصاديًا لاستغلال السود. يشير تعليق عام 1946 على لجنة علاقات العمل Committee on Labor Relations إلى أنه: “يجب أن يقال بصراحة بالنظر لـ [الأمريكيين من أصل أفريقي] إن اليهود ضعاف في الجنوب. إن اليهودي الوحيد الذي يقابله الزنجي في المدينة إما سمسار عقارات، أو بقّال، أو وكيل تأمين، أو مالك. واليهودي الوحيد الذي يلتقي به المزارع إما مزارع أو تاجر”.[63] أفاد صحفي سنة 1946 أن السود في الجنوب غالبًا ما كانت لهم مواقف معادية لليهود. لقد أبدوا “ارتياحا شديدا من اضطهاد النازيين لليهود. وقد كانوا يزعمون أن اليهود المحليين لا يمكن تمييزهم عن “المتبجحين” “crackers” في موقفهم إزاء السود”.[64] على الرغم من وجود بعض الاستثناءات، فإن الغالبية العظمى من يهود الجنوب لم يشاركوا في الحقوق المدنية، حتى بعد اشتداد النضال في الخمسينيات والستينيات[65]

وبشكل مماثل، تعاونت الغالبية العظمى من اليهود في جنوب إفريقيا مع نظام التمييز العنصري. بين عامي 1948 و 1970، وهب معظم اليهود ولاءهم السياسي للحزب المتحد United Party “الذي كان ملتزمًا بسيادة البيض كما هو الحال مع القوميين الأفارقة.”[66] في السبعينيات، تحول اليهود أكثر إلى الحزب التقدمي Progressive Party، الذي دعا إلى التفكيك التدريجي للتمييز العنصري، ولكن “يبدو أن هناك شيئا من الحقيقة في النكتة الساخرة آنذاك في أن اليهود تحدثوا مثل التقدميين، حيث أنهم صوتوا لصالح الحزب المتحد وفي نفس الوقت أعربوا عن أملهم في بقاء الحزب الوطني Nationalist Party في السلطة”.[67]

مع ذلك، فإن السمة الأكثر إثارة للدهشة في السلوك السياسي اليهودي في ظل نظام التمييز العنصري هو أن اليهود كانوا ممثلين تمثيلا كبيرا من بين أولئك الذين حظرتهم الحكومة بسبب معارضتهم للتمييز العنصري. فعلى سبيل المثال، شكل اليهود أكثر من نصف البيض الذين اعتُقلوا في محاكمة الخيانة Treason Trial سنة 1956 ونحو نصف البيض المشتبه في أنهم أعضاء في الحزب الشيوعي في عام 1962؛ لذلك، فإن في أذهان الجمهور أن “اليهود احتلوا مكانة بالغة الأهمية في صفوف أولئك الذين حاولوا قلب نظام حكم الدولة”.[68]

إن أفضل مؤشر لمشاركة اليهود في السياسات الراديكالية في جنوب أفريقيا كان التعرض للراديكالية السياسية للثقافة الفرعية اليهودية بأوروبا الشرقية كطفل.[69] وكما هو موضح أدناه، فإن الميزة الفريدة لهذه المجموعة اليهودية هي التي لعبت دورًا مهمًا للغاية في الثورة في العلاقات العرقية بالولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية.

في الشمال، على الأقل حتى الستينيات، كان يُنظر إلى اليهود كمستغلين أكثر من كونهم مشجعين للسود بسبب دورهم كرجال أعمال في مجتمع السود. من ماركوس غارفي Marcus Garvey إلى مالكولم إكس Malcolm X، ويوليوس ليستر Julius Lester (“يجب إخراج هارلم من سيطرة غولدبرغ”)، ولويس فارخان Louis Farrakhan وخالد محمد (كان اليهود “مصاصي دماء لأمة السود”)، كان القوميون السود يستنكرون بشكل دائم استغلال اليهود للسود اقتصاديا بسبب دورهم كرجال أعمال في مجتمع السود.[70] في ثلاثينيات القرن العشرين، وبتصاعد التوترات مع الكساد الكبير، قالت صحيفة السود: “إذا عامَلَ التجارُ اليهودُ في ألمانيا العمالَ الألمان مثلما يعامل بلومشتاين Blumstein [متجر مملوك لليهود] شعب هارلم، فإن هتلر على حق”.[71] غالبًا ما أدى تصور اليهود كمستغِلين إلى نشوب أعمال عنف من طرف السود ضد اليهود، كما هو الحال في أعمال الشغب في ديترويت عام 1943، عندما كانت المتاجر اليهودية هدفًا رئيسيًا للسود، وفي هارلم وشيكاغو، حيث اشتكى القادة السود في كثير من الأحيان من أن المتاجر المملوكة لليهود لا توظف السود.[72] وفي أربعينيات القرن الماضي، بحسب أحد المراقبين، “في هارلم، أصبح إلقاء اللوم على اليهودي بسبب التمييز وسوء المعاملة نمطَ حياة”[73]؛ كان التجار اليهود أيضًا مستهدفين في أعمال شغب السود في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات؛ على سبيل المثال، بين عامي 1968 و 1972، قُتل 22 تاجرًا يهوديًا على يد مثيري الشغب السود في فيلادلفيا و 27 تعرضوا لإطلاق النار أو الضرب.[74] لقد كان التلاعب برسوم الإيجار والأسعار حينها أمرا شائعا.

ومع ذلك، على الرغم من أن هذه الحوادث تظهر بالتأكيد أنه غالبا ما كان للسود نظرة سلبية عن اليهود، إلا أنها قد تكون أمارة على فشل السود في تطوير أعمالهم الخاصة أكثر من كونها أمارة على أمر استغلالي فقط بشأن رجال الأعمال اليهود. في الآونة الأخيرة، استهدف السود المتاجر التي يملكها الكوريون خلال أعمال الشغب في لوس أنجلوس سنة 1993 بعد أن تم استبدال الكوريين باليهود كأصحاب أعمال يخدمون مجتمع السود.

عند سؤال اليهود عن دوافعهم الخاصة، فإنهم يميلون إلى رؤية أنفسهم على أنهم إيثاريون في دعم قضايا السود، أو أنهم “يعتقدون أن الاهتمام اليهودي بالسود كان أمرا ‘طبيعيًا’، نما من التجارب الموازية للمعاناة والقهر”[75]. خلال ذروة حركات الحقوق المدنية، أعاد اليهود والمنظمات اليهودية “تعريف اليهودية كمرادفة لليبرالية”.[76] وهناك موقف تم التعبير عنه عموما بأن عمل اليهود من أجل الحقوق المدنية يعكس” الأخلاق الكونية” لليهودية،[77] إن هذا الرأي يتجاهل تاريخ الشعب اليهودي كمجموعة مغلقة ذات منظور أخلاقي عميق وخاص للغاية، مع معايير أخلاقية مختلفة تمامًا خاصة لكل من أعضاء المجموعة الداخلية وأعضاء المجموعة الخارجية.[78]

في العالم المعاصر فإن المثال الأكثر وضوحا للخصوصية الأخلاقية اليهودية هو واقع إسرائيل كدولة عنصرية توسعية. لقد أخضع يهود إسرائيل الفلسطينيين لاحتلال وحشي بهدف توسيع أراضيهم لتشمل الأراضي التي احتلها خلال حرب عام 1967؛ كان اليهود الأمريكيون داعمين بشدة لإسرائيل، وفي السنوات الأخيرة فضلت الجالية اليهودية المنظمة حزب الليكود Likud party اليميني الإسرائيلي وسياساته العدوانية تجاه الفلسطينيين. إن الكثير من مناصري حزب الليكود هم أعضاء مفرطون في الاستعلاء العرقي بالحركة الاستيطانية وأشكال أخرى من الأصولية اليهودية.[79]

سياسة أخرى تتمثل في الاعتراف بأن اليهود قد خدموا مصالحهم الخاصة من خلال دعم قضايا السود، ولكن بتقييد هذه المصالح بالمصلحة العامة من أجل ضمان الحقوق المدنية لليهود. على سبيل المثال، في عام 1954، كتب ويل ماسلو Will Maslow، وهو ناشط يهودي في المجلس الاستشاري لعلاقات الجالية اليهودية الوطنية the National Jewish Community Relations Advisory Council، أن دعاوى NAACP ضد المدعين السود تخدم اليهود، بما في ذلك إنهاء عقود الإسكان المقيدة وإمكانية التمييز على أساس العرق في قرارات التوظيف.[80] في رسالة بعث بها عام 1920، أشار لويس مارشال Louis Marshall إلى إمكانية استخدام عقود الإسكان المقيدة ليس فقط ضد السود ولكن أيضًا ضد “أولئك من أي عرق وأي جنسية أو أصل”.[81]

مع ذلك، فقد تباعدت مصالح السود واليهود بشكل متزايد، خاصة منذ ذروة التحالف بين السود واليهود في الستينيات. في أواخر الستينيات، عارض اليهود بشدة جهود السود للسيطرة على مدارس نيويورك لأنهم هددوا الهيمنة اليهودية في نظام التعليم، بما في ذلك نقابة المعلمين.[82] كما تباعدت القضايا المتعلقة باليهود والسود عندما أصبح العمل الإيجابي وحصص قبول السود بالكليات موضع خلاف في السبعينيات.[83] انضمت المجموعات اليهودية الرئيسية – لجنة اليهود الأمريكيين، مؤتمر اليهود الأمريكيين و رابطة مكافحة التشهير – إلى جانب باكه Bakke في القضية التاريخية لأنظمة الحصص العرقية في كلية الطب بجامعة كاليفورنيا-ديفيس، بالتالي خادمين بجدارة مصالحهم الخاصة كأقلية ذكية جدًا.

مع ذلك، وفي الآونة الأخيرة، أيدت الجماعات اليهودية استخدام العرق كعامل في التوظيف والقبول بالجامعة، خاصة في الحالات التي يكون فيها التمييز في السابق واضحا. في عام 1995، رفضت رابطة مكافحة التشهير قرارًا كان سيسمح للعرق بأن يكون عاملاً حتى في غياب “تمييز واضح” أو “حضور رمزي”.[84] وخلال الفترة نفسها، دعم مؤتمر اليهود الأمريكيين الأهداف والجداول الزمنية التي أمرت بها المحكمة “بالنظر إلى وجود تمييز”.[85] وقد دعّمت المنظمات اليهودية الرئيسية العمل الإيجابي في قضة المحكمة العليا الحديثة التي تتناول سياسة القبول في جامعة ميتشيغان. ذكرت لجنة اليهود الأمريكيين في الأمر القضائي لصديق المحكمة amicus brief أن “التنوع لا يوفر تجربة تعليمية أكثر ثراء لجميع الطلاب فحسب، بل يُعدّهم أيضًا للمشاركة في ديمقراطيتنا التعددية”.[86]  فضلت رابطة مكافحة التشهير سياسات القبول في كليات الحقوق التي لم تحدد للعرق درجة قيمة معينة من أجل القبول، معلنة أن القرار قد كان “محاولة لتحقيق توازن دقيق”. كما “طلبت الرابطة أيضا من مكاتب القبول بالجامعات الاعتراف بأن المحكمة لم تأذن باستخدام العرق ‘كبديل للاعتبار الفردي لطلابهم”.[87]

منذ الستينيات، كان الاهتمام العرقي اليهودي بالترويج لإسرائيل يتصادم أيضًا مع آراء العديد من النشطاء السود الراديكاليين الذين رأوا إسرائيل كقوة استعمارية غربية والفلسطينيين كشعب مسلم مضطهد في العالم الثالث. على سبيل المثال، في أواخر الستينيات، وصفت لجنة التنسيق الطلابية اللاعنفية (SNCC) الصهيونية بأنها “استعمار عنصري”.[88] في نظر اليهود، كان عدد كبير من القادة السود، بما فيهم الراحل ستروكلي كارميشيل (كوام توري) Stokely Carmichael (Kwame Touré)، و جاس جاكسونJesse Jackson ، و لويس فاراكانLouis Farrakhan ، و أندرو يونغAndrew Young ، مؤيدين للفلسطينيين تمامًا. (خسر يونغ منصبه كسفير للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة نتيجة للضغوط اليهودية لأنه دخل في مفاوضات سرية مع الفلسطينيين). في الستينيات، أدت عبارات التضامن مع الفلسطينيين من قبل السود الراديكاليين، الذين تبنى بعضهم الدين الإسلامي، إلى خروج العديد من اليهود اليساريين الجدد من الحركة.[89] ترتبط أصول المحافظين الجدد جزئيًا، إن لم يكن بشكل أكبر، بحقيقة أن اليسار، بما في ذلك الاتحاد السوفييتي والراديكاليين اليساريين في الولايات المتحدة، قد أصبح معاديًا للصهيونية ومعاديًا لليهود. في الواقع، أظهرت الدراسات الاستقصائية التي أجريت في ستينيات القرن الماضي باستمرار أنه من المرجح أن يكون لدى السود مواقف معادية لليهود أكثر بكثير من البيض. وقد أظهر آخر مسح لرابطة مكافحة التشهير، في عام 1998، أن للسود مواقف معادية لليهود أكبر بأربع مرات من الأشخاص البيض (34٪ إلى 9٪).[90]

يقدم هارولد كروس Harold Cruse، مفكر أسود، تحليلاً محدد المعالم بشكل خاص لدور المصلحة الذاتية لليهود من خلال دورهم في التحالف مع السود: “إن اليهود يعرفون بالضبط ما يريدون في أمريكا”. يريد اليهود التعددية الثقافية بسبب سياستهم طويلة الأمد وعدم الاستيعاب والتضامن الجماعي. ويلاحظ كروز، مع ذلك، أن التجربة اليهودية في أوروبا أظهرت لهم أنه “يمكن لاثنين أن يلعبا هذه اللعبة” (مثل يقال حين تريد إيذاء شخص بنفس الطريقة التي آذاك بها-المترجم-) (أي تطوير مجموعات عرقية مركزية للغاية)، وأنه “عندما يحدث هذا، فإن الويل سيكون إلى جانب من يفتقر إلى العدد”.[91] يلاحظ كروس أن المنظمات اليهودية تنظر إلى قومية البيض باعتبارها أكبر تهديد محتمل لهم وأن قومية البيض تميل إلى دعم السياسات الموالية لاندماج السود (أي، استيعابية، فردية) في أمريكا، ربما لأن مثل هذه السياسات تضعف قوة البيض وتقلل من احتمال وجود أغلبية بيضاء متماسكة وقومية معادية لليهود. وفي الوقت نفسه، عارضت المنظمات اليهودية الموقف القومي للسود تمامًا وفي الوقت نفسه اتبعت استراتيجية مجموعة قومية ومناهِضة للاستيعاب لمجموعتهم.

يجب أن يتم أخذ هذا الاقتراح المتعلق بدافع اليهود على محمل الجد، ويجب النظر إلى دور اليهود في شؤون السود كجزء من الصورة الأوسع للاستراتيجية اليهودية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. لقد رأينا أن التوجه العام للنشاط السياسي في فترة ما بعد الحرب قد تمثل في الدعاية والنشاط السياسي لحركة العلاقات بين الجماعات. تهدف ضغوطات البرامج التعليمية، والرسائل الإعلامية، والمبادرات التشريعية، وتحديات المحاكم، والاحتجاجات إلى تغيير المواقف والسلوكيات العرقية النموذجية لأمريكا التقليدية. وكما يشير ستيوارت سفونكين Stuart Svonkin، فإن النشطاء اليهود “اعتبروا التزامهم في حركة العلاقات بين الجماعات بمثابة إجراء وقائي متعمد لضمان عدم حدوثها – أي حرب الإبادة النازية ضد اليهود الأوروبيين- في أمريكا أبدً”.[92]

بالإضافة إلى الحركة التي تهدف إلى تغيير العلاقات العرقية التي نوقشت هنا، فقد اتخذت المنظمات اليهودية مبادرة لتغيير سياسة الهجرة الأمريكية إلى سياسة الهجرة متعددة الأعراق على نطاق واسع.[93] لا تزال الهجرة الجماعية المتعددة الأعراق موضع إجماع بين الجالية اليهودية الأمريكية، وقد أكد العديد من النشطاء اليهود على الميزة التي يمكن أن يستمدها اليهود من أمريكا حيث الهيمنة السياسية والديموغرافية للبيض قد انهارت وأن البيض لا يستطيعون التحكم بمصيرهم السياسي.[94] وفي الآونة الأخيرة، قال ليونارد س. جليكمان Leonard S. Glickman، الرئيس والمدير التنفيذي لجمعية مساعدة المهاجرين العبرية Hebrew Immigrant Aid Society (HIAS): “كلما كان المجتمع الأمريكي أكثر تنوعًا، أصبح اليهود أكثر أمانًا”.[95] بعد نفاذ اليهود الروس، تُشارك جمعية HIAS الآن بعمق في تجنيد اللاجئين من إفريقيا -نقطة تحول جديدة في تحالف اليهود والسود.

إن ما يتوافق مع هذا التفسير أيضًا هو أن المنظمات اليهودية قد دخلت في تحالفات مع منظمات عرقية لغير البيض في السنوات الأخيرة. على سبيل المثال، شكلت مجموعات مثل لجنة اليهود الأمريكيين ومجلس الجالية اليهودية في واشنطن الكبرى تحالفات مع منظمات مثل المجلس الوطني للعرق National Council of La Raza ورابطة المواطنين الأمريكيين اللاتينيين المتحدين League of United Latin American Citizens (LULAC).[96]  هناك جانب مهم من هذا الجهد وهو مؤسسة التفاهم العرقي Foundation for Ethnic Understanding، التي شارك في تأسيسها الحاخام مارك شناير Marc Schneier، رئيس مجلس الحاخامات في أمريكا الشمالية.[97] ترتبط هذه المؤسسة ارتباطًا وثيقًا بالمؤتمر اليهودي العالمي، وهي الجهة الراعية لمؤسسة واشنطن، ومكتب نائب المفوض، وكذا العديد من برامجها. كان كل من الاجتماع الذي عُقد في أغسطس من سنة 2003 ، وتجمع مؤتمر السود، وتجمع مؤتمر ذوي الأصل الإسباني، ووفد المؤتمر اليهودي، والمؤتمر الأمريكي في آسيا والمحيط الهادئ، مثالًا نموذجيًا على جهود المؤسسة. تشمل البرامج العديدة للمؤسسة تنظيم تجمع مؤتمر اليهود مع السود؛ وجائزة التنوع المؤسسي، الممنوحة “لشركة Fortune 500 الكبيرة التي تلتزم ببناء قوة عمل متنوعة”؛ وحفل توزيع جوائز المؤتمر اللاتيني / اليهودي السنوي؛ والحفل السنوي لجوائز مؤتمر السود و اليهود؛ ومنتدى القيادة السنوي بين الأعراق. ينظم هذا المشروع الأخير اجتماعًا سنويًا بين NAACP، والمجلس الوطني  للعرق، والمؤتمر اليهودي العالمي والاتحاد القانوني الأمريكي في آسيا والمحيط الهادي. من الواضح أن مختلف الجماعات العرقية غير الأوروبية تُطَور علاقات وثيقة وأن المنظمات اليهودية تأخذ زمام المبادرة في هذا الجهد.

لا ينبغي النظر إلى الدوافع من الناحية الدفاعية بالطبع، بل على أنها تهدف إلى زيادة القوة اليهودية. إن الحقيقة تكمن في أن صعود اليهود في الولايات المتحدة، وكذلك صعود حلفائهم السود وملايين المهاجرين غير البيض بعد عام 1965، قد صاحبه أفول في قوة النخب البيضاء البروتستانتية القديمة. إنه دافع كاف، بالطبع، إلا أنه يترك عنصراً نفسيًا مهمًا. طوال هذه المقالة، لاحظت التناقض بين المهاجرين اليهود الألمان إلى الولايات المتحدة من منتصف إلى أواخر القرن التاسع عشر والهجرة اليهودية الضخمة من أوروبا الشرقية التي غيرت تماما وضع يهود أمريكا باتجاه الراديكالية السياسية والصهيونية. سرعان ما أصبحت المجموعة الأولى من المهاجرين مجموعة النخبة، وكانت مواقفهم، كما هو الحال في ألمانيا، أكثر ليبرالية بلا شك من مواقف غير اليهود في ذلك الوقت الذين وجدوا أنفسهم في وضع مماثل.[98] ومع ذلك، فقد كانوا ميّالين إلى المحافظة السياسية، وسواء كانوا يعيشون في الشمال أو في الجنوب، فإنهم لم يحاولوا إحداث تغيير جذري على عادات الأغلبية البيض، ولا الانخراط في النقد الراديكالي للمجتمع غير اليهودي. إنني أشك أنه في ظل غياب الهجرة الجماعية لليهود من أوروبا الشرقية بين عامي 1880 و 1920، كانت الولايات المتحدة قد مرت بتحولات جذرية في السنوات الخمسين الماضية.

لقد كان المهاجرون من أوروبا الشرقية وأحفادهم ولا يزالون كذلك مجموعة مختلفة تمامًا.[99] إن أصول هؤلاء المهاجرين تعود إلى متديني وذوي نزعة الاستعلاء العرقي في مجتمعات الشتات Shtetl بأوروبا الشرقية. حققت هذه الجماعات مكانة اقتصادية ذات نفوذ في جميع أنحاء المنطقة، غير أنها كانت تحت ضغط شديد بسبب المواقف والقوانين المعادية لليهود. وبسبب ارتفاع نسبة المواليد، كانت الغالبية العظمى من يهود أوروبا الشرقية فقيرة. وبحلول عام 1880، انتقلت هذه الجماعات من التعصب الديني إلى خليط معقد من الراديكالية السياسية والصهيونية والتعصب الديني، على الرغم من أن التعصب الديني كان في انخفاض مقارنة بالإيديولوجيات الأخرى.[100] غالبًا ما تعايشت راديكاليتهم السياسية مع الأشكال المسيحية للصهيونية بالإضافة إلى الالتزام المكثف بالقومية اليهودية والانفصال الديني والثقافي، وقد احتفظ العديد من الأفراد بمجموعات متنوعة ومتغيرة بسرعة من هذه الأفكار.[101]

يستمر في العالم الحديث، صدى كل من التطرف السياسي والصهيونية، اللذين ينبع كل منها من التعصب والاستعلاء العرقي المُتّقد للسكان اليهود المهددين في أوروبا الشرقية في القرن التاسع عشر. في إنجلترا وأمريكا، كان لهجرة اليهود من أوروبا الشرقية بعد عام 1880 تأثير تحويلي على المواقف السياسية للجاليات اليهودية في هذين البلدين، نحو سياسة راديكالية وصهيونية، غالبًا ما تتعلق بالعقيدة الدينية.[102] لقد قام اليهود المهاجرون من أوروبا الشرقية بإغراق المجتمعات اليهودية القديمة ديموغرافيًا في كلا البلدين، وبدأت المجتمعات القديمة بالقلق بشأن إمكانية عودة معاداة السامية. وحاولت الجاليات اليهودية القائمة بمنع انتشار الأفكار السياسية الراديكالية بين المهاجرين. ومع ذلك، ليس هناك شك في أن اليهود المهاجرين شكلوا جوهر اليسار الأمريكي على الأقل خلال الستينيات. كما هو مذكور أعلاه، لا يزال اليهود يشكلون قوة مهمة لليسار حتى اليوم.

إن إحدى تجليات الاستعلاء العرقي المُتّقد لليهود المهاجرين وأحفادهم هو الكراهية تجاه العالم غير اليهودي. وبعبارة أخرى، على مستوى واعي، كان النشطاء اليهود الذين كان لهم مثل هذا التأثير الكبير على تاريخ العلاقات العرقية في أمريكا مدفوعين إلى حد كبير بكراهيتهم لبُنية قوة البيض بالولايات المتحدة، لأن هذه البنية تمثل ثقافة مجموعة خارجية. لقد حاولت وصف كراهية اليهود الشديدة تجاه العالم الاجتماعي غير اليهودي في عدة أماكن،[103] غير أن جون موراي كوديهي John Murray Cuddihy ربما يصف ذلك بشكل أفضل:

من سليمان ميمون Solomon Maimon إلى نورمان بودهوريتز Normon Podhoretz، من راشيل فارنهاغن Rachel Varnhagen إلى سينثيا أوزيك Cynthia Ozick، من ماركس Marx ولاسال Lassalle إلى إرفينج جوفمان Erving Goffman وهارولد غارفينكل Harold Garfinkel، من هرتزل Herzl وفرويد Freud إلى هارولد لاسكى Harold Laski وليونيل تريلينج Lionel Trilling، من موسى مندلسون Moses Mendelssohn إلى جيه روبرت أوبنهايمرJ. Robert Oppenheimer وآين راند Ayn Rand، جيرترود شتاين Gertrude Stein، والرايخ الأول والثاني (فيلهلم وتشارلز) (Wilhelm and Charles)، هيكل مهيمن واحد لمأزق متطابق ومصير مشترك فرض نفسه على وعي وسلوك المثقف اليهودي في المنفى [Galut] : مع ظهور الانعتاق اليهودي، عندما تنهار جدران الحي اليهودي و ينحل الشتات، يلج اليهود – مثل بعض علماء الأنثروبولوجيا أصحاب العيون الكبيرة – في عالم غريب، لاستكشاف شعب غريب مراعين للشريعة اليهودية الغريبة Halakah. يتفحصون هذا العالم بفزع وعجب وغضب وموضوعية قِصاصية. هذا العجب، وهذا الغضب والموضوعية الانتقامية من الهامشيين غير الأعضاء هو انتكاسة؛ إنهم يستمرون بلا هوادة في زماننا لأن تحرير اليهود مستمر في زماننا.[104]

تماشياً مع ما نعرفه عن سيكولوجية الاستعلاء العرقي، فإن هذا يعني ضمناً أن الدافع الأساسي للمثقفين والناشطين اليهود المشاركين في النقد الاجتماعي كان ببساطة كراهية بنية السلطة غير اليهودية، التي يُنظر إليها على أنها معادية لليهود وغير أخلاقية بالمرّة. ترتبط هذه الكراهية عمومًا باتهام الثقافة الأمريكية قبل الحرب العالمية الثانية بكونها معادية بشدة لليهود. لقد تمحور القلق اليهودي بالتحديد على قانون الهجرة لعام 1924، الذي أغلق باب الهجرة على يهود أوروبا الشرقية نحو الولايات المتحدة. لا يوجد هناك أي جدل بأن قانون عام 1924 كان مدفوعًا جزئيًا بإجماع الآراء في الولايات المتحدة ضد التطرف السياسي والعادات العشائرية للمهاجرين اليهود الجدد.[105] تتجلى الحدّة العاطفية لمشاركة اليهود في التحالف اليهودي مع السود في مشاركة اليهود في تغيير سياسة الهجرة الأمريكية؛ كانت كلتا هاتين الحركتين عبارة عن دلالات قوية على الكراهية ضد ثقافة البيض والمسيحية في الولايات المتحدة، والتي اعتبرت معادية لليهود وغير أخلاقية بشدة.

كانت الثقافة الفرعية اليهودية الناطقة باللغة اليديشية ترى أمريكا البيضاء من خلال عدسة يهود الشتات من أوروبا الشرقية، ثقافة محاطة ببحر من غير اليهود الأعداء على استعداد دائم لإطلاق العنان لمذبحة معادية لليهود. في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، وصفت الصحافة اليديشية بصورة روتينية عمليات الإعدام وغيرها من مظاهر العداء العنصري على أنها مذابح أو رسوم الإيمان autos-da-fé (أي محاكمات محاكم التفتيش أين تتم إدانة العديد من اليهود الممارسين للتقية بتهمة أنهم كاثوليك منافقون).[106] يضع هذان المصطلحان اليهودي في موقع الأَسْود كضحية لعدوان البيض. كان يُنظر إلى البيض في جنوب أمريكا بنفس الطريقة التي ينظر بها إلى الغزاة القوزاق Cossacks الذين كانوا يهاجمون اليهود في بولندا في القرن الثامن عشر أو المحققون المعذِبون والمُعدمِين لليهود في إسبانيا في القرن السادس عشر – وهو مؤشر على الإحساس العميق بالمظالم التاريخية النموذجية لليهود المحددين بقوة.[107]

تظهر هذه الكراهية العميقة تجاه العالم غير اليهودي في تعليقات مايكل والزر Michael Walzer، عالم الاجتماع بجامعة برينستون Princeton  وعضو في مفكرو نيويورك New York Intellectuals، حول “أمراض الحياة اليهودية” يصف والزر “الشعور بأن ‘العالم كله ضدنا’، وما ينجم عن ذلك من خوف واستياء وكراهية اتجاه الأغيار goy، والأحلام المخفية عن الانعكاس والانتصار”.[108] كانت هذه المشاعر واضحة للغاية في الأنشطة اليهودية باسم السود بعد الحرب العالمية الثانية. نظم والزر نفسه اعتصامات في متاجر تمارس شركاتها الفرعية في الجنوب التمييزَ العنصري ، وشارك في مظاهرات الستينيات؛ كما كان معطاءً رئيسيًا لحركة الحقوق المدنية في الستينيات.[109] ولاحظَ أن اليهود المتورطين في حركة الحقوق المدنية لم يكونوا يساريين تصادف أنهم يهود:

في حركة الحقوق المدنية، كنا ناشطين يساريين يهود بشكل قاطع. كانت هوياتنا الشخصية، ومعرفة الذات، وفهم ماضينا، والأهم من ذلك، مشاعرنا العميقة أكثر انخراطًا في هذه المعركة من أي من [القضايا اليسارية الأخرى] … لقد كانت لدينا ذكرياتنا الخاصة عن عيد الفصح [وموضوعه عن اليهود كعبيد]، كان بإمكاننا الاقتباس عن الأنبياء ونروي قصص اضطهاد اليهود. لقد نظر إلينا العمداء الجنوبيون مع كلابهم كما كان ينظر إلينا القوزاق … أو النازيون. إن الأشياء التي لم نفكر فيها وتحدثنا عنها في الحركات الأخرى حصلنا عليها بسهولة في هذه الحركة. لقد فاجأنا أنفسنا من امتداد هويتنا: كون الأمريكيون السود كيهود، وكوننا أنفسنا كسود. لقد اعتقدنا أن الحقوق المدنية كانت كفاحنا.[110]

يجب أيضًا أن يتم النظر إلى دوافع اليهود في تحالفهم مع السود في السياق العام لمشاركة اليهود في اليسار، وهو موضوع ناقشته بإسهاب في مكان آخر[111]: وما يأتي هو عبارة عن ملخص لتلك المناقشة:

  • استفاد اليهود مباشرة من نشاط اليسار من خلال تحسين وضعهم الاقتصادي، كما هو الحال في التحالف اليهودي مع السود، حيث تم تحدي التمييز في التوظيف والسكن. في أوروبا الشرقية، كان هناك إفقار لعدد كبير من اليهود، واستفاد اليهود من الثورة البلشفية لأنها وضعت حداً لممارسات الحكومة المعادية لليهود. خلال عقودهم الأولى في الولايات المتحدة، ناضل اليهود المنخرطون في الحركة العمالية من أجل ظروف اقتصادية أفضل للعمال اليهود.

  • كان اليهود مختلفين عن غيرهم في الحركة العمالية بسبب كرههم الشديد للنظام الاجتماعي كله، والذي اعتبروه معاديًا لليهود، وكتعبير عن شعب وثقافة غريبين. لم تتغير هذه الكراهية بعد صعودهم الاجتماعي في الولايات المتحدة. على سبيل المثال، وصف عالم الاجتماع سيمور مارتن ليسيت Seymour Martin Lipset “العائلات اليهودية المثالية التي ناقشت، يومًا بعد يوم، حول مائدة الإفطار، في سكارسديل Scarsdale ونيوتون Newton وجريت نيك Great Neck وبيفرلي هيلز Beverly Hills، كم هو رهيبٌ، وفاسدٌ، ولاأخلاقٌي، ولاديموقراطيٌ، وعنصريٌ المجتمع الأمريكي”.[112] بالنسبة للعديد من اليهود اليساريين الجدد “فإن الثورة تَعِدُ بالانتقام من المعاناة وإصلاح الأخطاء التي تم إلحاقها باليهود لفترة طويلة بـِـإذن أو بتشجيع، أو حتى بأمر، من السلطات في مجتمعات ما قبل الثورة”.[113] لقد أظهرت المقابلات مع الراديكاليين اليهود من اليسار الجديد أن لدى العديد منهم تخيلات مدمرة تؤدي فيها الثورة إلى “إذلال أو نزع ملكية أو حبس أو إعدام المضطهِدين”[114] ، مقترنة بالإيمان بقوتهم الكلية وقدرتهم على خلق نظام اجتماعي غير قمعي.

  • كما تمت الإشارة إليه أعلاه، فقد لاحظ العديد من المعلقين أن اليهود المشاركين في التحالف مع السود يعتبرون أنفسهم كإيثاريين وكمعبرين عن أخلاقيات عالمية متجذرة بعمق في التقاليد اليهودية. بشكل عام، تميل دراسات علماء الاجتماع اليهود عن الراديكاليين اليهود إلى عزو التطرف الراديكالي اليهودي جزافاً إلى “الاختيار الحر لأقلية موهوبة”[115] بعدما فشلت التفسيرات الاقتصادية. لقد قدمت الإيديولوجية اليسارية مظهر خادع عن العالمية، لكن مجرد نظرة فاحصة حول الراديكاليين اليهود تكشف أن الغالبية العظمى لديها هويات يهودية قوية للغاية وتركت الحركة عندما كان ينظر إليها على أنها تهدد المصالح اليهودية. كثيرا ما كان لدى النشطاء اليهود أوهام كثيرة حول التزاماتهم اليهودية. سمحت العالمية اليسارية بانتقاد المؤسسات التي تعزز روابط المجموعة بين غير اليهود (مثل القومية والجمعيات الدينية المسيحية التقليدية)، في حين استمر اليهود أنفسهم في الحفاظ على حس قوي بهوية المجموعة. لقد عبر اليهود عن مشاعر عالمية بينما أقاموا حواجز خفية بينهم وبين غير اليهود:

لم يتم تقبل [المثقفين غير اليهود] حقّاً بشكل كليّ حتّى في المجموعة العلمانية الإنسانية الليبرالية لأصدقائهم اليهود القدامى. يستمر اليهود في الإصرار بشكل غير مباشر وغالباً بشكل يتعذر تفسيره على تفردهم الخاص. إن العالمية اليهودية في العلاقات بين اليهود وغير اليهود لها حلقة مفرغة …. ومع ذلك، فلدينا شذوذ العلمانيين والملحدين اليهود الذين يكتبون كتب الصلاة الخاصة بهم. نجد أن الإصلاحيين السياسيين اليهود يَنشقّون عن أحزابهم المحلية التي تؤكد على أسلوب سياسي عرقي، وتُلح ظاهريًا على تحقيق أهداف سياسية عالمية – في حين ينظمون نواديهم السياسية الخاصة التي تكون يهودية بأسلوبهم وطريقتهم التي غالبا ما يكون فيها غير اليهود غير مرحب بهم بشكل تام.[116]

  • أعادت الحركات السياسية اليسارية خلق الجو النفسي للمجتمع اليهودي التقليدي: إحساس قوي بالفخر داخل المجموعة، وتفوق أخلاقي، وحماس مسيحي يأمل في مستقبل مثاليّ، وفكر داخل/وخارج المجموعة، وهيكل اجتماعي هرمي، واستبعاد المنشقين.

إن التعليقات أعلاه تنطبق على المهاجرين من أوروبا الشرقية وأحفادهم الذين جاؤوا من أجل الهيمنة على الجالية اليهودية الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية بدلاً من النخبة اليهودية الألمانية في الحقبة السابقة. من المؤكد أن دوافع النخبة اليهودية الألمانية احتوت على عناصر من هذه الخصائص. ومع ذلك، فإن مراجعة هاسيا دينرHasia Diner لوسائل الإعلام اليهودية الألمانية في ذلك الوقت أظهرت أنها كانت مهتمة بأشكال التمييز ضد السود التي يمكن أن يكون لها أيضًا تأثير على اليهود، مثل الاتفاقيات التقييدية في الإسكان، أكثر من اهتمامها بالأشكال التي تنطبق فقط على السود، مثل الفصل في وسائل النقل العام.[117] لقد كانت استراتيجيتهم تهدف بشكل أساسي إلى ضمان الحقوق المدنية من خلال النظام القانوني بدلاً من أسلوب التصادم الذي ظهر بعد الحرب العالمية الثانية. على الرغم من عدم شكهم في الشعور بالتهميش الاجتماعي والاغتراب عن الثقافة الأمريكية – التي تعتبر عمليّاً من السمات المميزة لكونهم يهودًا[118] – فإن المرء لا يرى الكراهية الشديد لكل النظام الاجتماعي غير اليهودي بينهم. لم يكن التطرف السياسي والصهيونية – وهما دعامتان للثقافة اليهودية الفرعية بأوروبا الشرقية والتي كانت لهما آثار كبيرة على العالم الحديث – من سمات هذه المجموعة. لقد كان الهم الرئيسي لليهود كنخبة، هو القضاء على العوائق المدنية التي كانت، وفقا لهم، مُقيّدة لآفاق كل من السود واليهود.

الخلاصة:

لقد كان اليهود هم العمود الفقري لليسار في الولايات المتحدة منذ مطلع القرن، حين كانت الموجة الضخمة من الهجرة اليهودية من أوروبا الشرقية في ذروتها. على الأقل منذ أربعينيات القرن العشرين، كان التحالف بين اليهود والسود جزءًا مهمًا من انخراط اليهود في اليسار. وفي الحقبة المعاصرة، فإن صعود المحافظين الجدد اليهود (الذين يقبلون المبادئ الأساسية لليسار فيما يخص القضايا العرقية)، والتصريحات المعادية لليهود والمؤيدة للفلسطينيين من قبل بعض الناشطين السود والمواقف المعادية لليهود الشائعة نسبيًا في مجتمع السود لم يغير ذلك فعليّاً. أعتقد أن هذا راجع -على المستوى الأساسي- إلى استمرار الطيف السياسي اليهودي بأكمله، من اليسار / الليبرالي إلى اليمين المحافظ الجديد، برؤية الهيمنة السياسية والثقافية للأوروبيين البيض بعين العداء والشك. إن المواقف تجاه الهجرة لهي مؤشر ممتاز على ذلك. لقد غيرت الهجرة بالفعل ديموغرافيا التصويت في الولايات المتحدة، وسينتج عن ذلك أفول القوة السياسية والثقافية للبيض في المستقبل المنظور. إن اليهود متحدون لصالح هذه النتيجة.

لقد لعب النشاط اليهودي دورًا أساسيًا وحاسمًا في الثورة في العلاقات العرقية التي حدثت خلال السنوات الخمسين الماضية بالولايات المتحدة. إنها ثورة كانت في مبناها الرئيسي مستوعبة أيضًا من طرف جزء كبير من البيض في الولايات المتحدة وفي الدول الغربية الأخرى ولا سيما الصفوة البيضاء، التي أبرمت تحالفات مع اليهود والعناصر الأخرى للنخب متعددة الأعراق. يبقى أن نرى ما ستكون عليه العواقب بعيدة المدى لهذه الثورة وما إذا كان البيض، على وجه الخصوص، سيحاولون الحفاظ على قوتهم السياسية والثقافية وتوسيعها في الولايات المتحدة وغيرها من المجتمعات الغربية التقليدية. يجب أن نتذكر أنه لا يوجد شيء ما في طبيعة اليهودية نفسها قد يوحي بأن المجتمع اليهودي سيعارض حتمًا كونه أقلية في مجتمع هرمي عنصري مهيمناً عليه من قِبل البيض. غالبًا ما شارك اليهود في مثل هذه المجتمعات، إما كنشطاء مؤيدين لهيمنة مجموعة عرقية أخرى، أو على الأقل كمشاركين سلبيين ولكن راغبين في مثل هذا النظام. من المحتمل أن يغير اليهود سلوكهم السياسي في هذا الاتجاه، لأن الآثار السلبية للهجرة من العالم الثالث، وخاصة من الدول الإسلامية، بدأت تؤثر على إدراكات اليهود.[119] قد تمثل حركة المحافظين الجدد العلامات الأولى لهذا الاتجاه للجالية اليهودية، على الرغم من أنها، كما يتم بناؤها حاليًا، لا تزال معارضة للمصالح العرقية للأمريكيين الأوروبيين.

المصدر


ملاحظة:

نُشر المقال لأول مرة في كتاب: “العرق والتوقعات الأمريكية: مقالات عن الحقائق العنصرية لأمتنا وزمننا“، أد. صموئيل فرانسيس (مونت آري، ماريلاند Mount Airy, Maryland: المطبعة الأجنبية 2006)، هذا هو الفصل السابع من كتاب: كيفن ماكدونالد، التمردات الثقافية: مقالات عن الحضارة الغربية والتأثير اليهودي ومعاداة السامية (آتلانتا: المطبعة الأجنبية، 2007)، نفذت الآن.

[1] –  See A People that Shall Dwell Alone and ch. 2 above “Background Traits for Jewish Activism.”

[2] – Goldberg 1996, 5.

[3] – Herrnstein and Murray 1994, 321–22, 488–92.

[4]A People that Shall Dwell Alone, ch. 7.

[5] – Cruse 1967.

[6] – Friedman 1995, 45.

[7] – Levering-Lewis 1984, 85

[8] – Levering-Lewis 1984, 85

[9] – Friedman 1995, 106.

[10] – http://www.maldef.org/about/founding.htm

[11] – Friedman 1995, 48, 106

[12] – Friedman 1995, 183.

[13] – See Friedman 1995, 182.

[14] – Friedman 1995, 135.

[15] – Greenberg 1998, 140.

[16] – Kaufman 1997, 110

[17] – Svonkin 1997, 79–112.

[18] – Levering-Lewis 1984, 94.

[19] – Friedman 1995, 133; Greenberg 1998, 136.

[20]he Culture of Critique, ch. 3 and ch. 4 above “Zionism and the Internal Dynamics of the Jewish Community.”

[21] – Svonkin 1997, 166.

[22] – Svonkin 1997, 132.

[23] – See Friedman 1995, 110–11, 117.

[24] – Hollinger 1996, 4.

[25] – Higham 1984, 209

[26] – See discussion in Williams 1998.

[27]The Culture of Critique, ch. 2

[28] – Svonkin 1997, 63, 64

[29]The Culture of Critique, chs. 3, 4.

[30] – Friedman 1995, 144.

[31] – Ackerman and Jahoda 1950

[32] – See Svonkin 1997.

[33] – Friedman 1995, 140.

[34] – In Friedman 1995, 140.

[35]Separation and its Discontents, ch. 6.

[36] – Svonkin 1997, 45, 51, 65, 71–72.

[37] – Svonkin 1997, 30, 59.

[38] – Svonkin 1997, 5.

[39] – Svonkin 1997, 75.

[40] – Svonkin 1997, 7, 20.

[41] – Svonkin 1997.

[42] – Smith 1988; see The Culture of Critique, ch. 8.

[43] – Svonkin 1997, 69.

[44]-. http://www.adl.org/education/.

[45] –  Cruse 1987, 122.

[46] –  See The Culture of Critique, ch. 7.

[47] – Salter 1998; see also ch. 2 above on “Background Traits for Jewish Activism.”

[48] – Salter 1998.

[49] – See Graham 1990, 194–96.

[50] – Lipset and Raab 1995; Friedman 2002.

[51] – Friedman 1995, 351.

[52] – See Chanes 1997; discussed below.

[53]The Culture of Critique, ch. 7.

[54] – Chanes 1997, 307.

[55]Separation and its Discontents, Preface to the paperback edition.

[56] – Davies 1981, 444; see also Subtelny 1988, 124.

[57]The Culture of Critique, ch. 3.

[58] – Friedman 1995, ch. 1.

[59] – Greenberg 1998.

[60] – Greenberg 1998, 153.

[61]The Culture of Critique, ch. 3.

[62] – In Greenberg 1998, 126.

[63] – In Greenberg 1998, 128.

[64] – In Greenberg 1998, 129.

[65] – Greenberg 1998, 134.

ومع ذلك، وجدت دراسة مسحية سنة 1965 عن اليهود الجنوبيين أنهم كانوا أكثر عرضة بمرتين من البروتستانت البيض في الجنوب للاعتقاد بأن إنهاء التمييز أمر لا مفر منه ومرغوب فيه. لا يظهر جرينبيرج Greenberg النسب المئوية الفعلية.. و لا يوضح ما هي النسب المئوية الفعلية. (كيفين ماكدونالد)

[66] – Shimoni 2003, 58.

[67] – Shimoni 2003, 58.

[68] – Shimoni 2003, 60, 61, 62.

[69] – Shimoni 2003, 82–94

معظم جالية يهود الجنوب الإفريقي أتت من شرق أوروبا، لكن من منطقة معينة انفصلت فيها الصهيونية عن الراديكالية السياسية. لم تكن هذا من سمات معظم أوروبا الشرقية، أين يكون لدى كل من الإيديولوجيتين نفوذ قوي. يلاحظ شيموني Shimoni (p. 94) بشكل عام أن الالتزام الصهيوني القوي ليهود جنوب إفريقيا لم يتجلى في معارضة التمييز العنصري، غير أنه لاحظ أن بعض الراديكاليين المعادين للتميز العنصري ربما قد يكونون متأثرين بالأفكار الاشتراكية الشائعة بين حركة الشباب الصهيونية. (كيفين ماكدونالد)

[70] – Friedman 1995, 220, 222, 346. Muhammad made his statement in 1994 at Howard University.

[71] – In Friedman 1995, 92.

[72] – Friedman 1995, 102; see also McDowell 1998; Trotter 1998.

[73] – In Friedman 1995, 103.

[74] – Friedman 1995, 214.

[75] – Diner 1977/1995, xiii.

[76] – Greenberg 1998, 162.

[77] – E.g., Greenberg 1998, 143.

[78]A People that Shall Dwell Alone, ch. 6; The Culture of Critique, Preface to the first paperback edition.

[79] – See ch. 4 above on “Zionism and the Internal Dynamics of the Jewish Community.”

[80] – Greenberg 1998, 158–59.

[81] – In Friedman 1995, 72.

[82] – See Friedman 1995, 257ff.

[83] – Friedman 1995, 72.

[84] – Chanes 1997, 307.

[85] – Chanes 1997, 301.

[86] – American Jewish Committee 2003.

[87] – Anti-Defamation League 2003.

[88] – Friedman 1995, 230.

[89] – Liebman 1979, 561; The Culture of Critique, ch. 3.

[90] – Friedman 1995, 319ff.; Anti-Defamation League 1998.

[91] – Cruse 1967/1992, 121–22; italics in text.

[92] – Svonkin 1997, 10.

[93]The Culture of Critique, ch. 7; Graham 2002, 56–57.

[94] – See The Culture of Critique, ch. 7.

[95] – In Cattan 2002

[96] – Amann 2000.

[97]http://www.ffeu.org/index.htm.

[98] – See Separation and its Discontents, ch. 5.

[99] – See ch. 4 above on “Zionism and the Internal Dynamics of the Jewish Community” for a more complete discussion.

[100] – Vital 1975, 314.

[101] – See Frankel 1981.

[102] – Alderman 1983, 47ff.; The Culture of Critique, ch. 3

[103]The Culture of Critique, passim; chs. 2 and 4 above “Background Traits for Jewish Activism,” “Zionism and the Internal Dynamics of the Jewish Community.”

[104] – Cuddihy 1974, 68.

[105] – See The Culture of Critique, Preface to the first paperback edition and chapter 7.

[106] – Diner 1998, 33.

[107]Separation and its Discontents, ch. 6; 2003a.

[108] – Walzer 1994, 6–7.

[109] – Friedman 1995, 180–81, 232.

[110] – Walzer 1997, 402–403.

بعد أن أمضيت الكثير من الوقت مع المتطرفين اليهود في الستينيات، يمكنني أن أشهد على الكراهية الشديدة للناشطين اليهود تجاه العزل ومظاهر أخرى من قوة البيض خلال هذه الفترة. ناقشت تجربتي بين الراديكاليين اليهود في الحاشية 83 من كتاب ثقافة النقد. Endnote 83 of The Culture of Critique. (كيفين ماكدونالد)

[111]The Culture of Critique, 79–96.

[112] – Lipset 1988, 393.

[113] – Cohen 1980, 208.

[114] – Cohen 1980, 208.

[115] – Rothman and Lichter 1982, 118.

[116] – Liebman 1973, 158.

[117] – Diner 1977/1995, 100.

[118] – See Separation and its Discontents, ch. 1.

[119] – Steinlight (2001) makes this argument. However, to date Jewish organizations have not changed their pro-immigration policies.