الهوية والحميمية على شبكات التواصل الاجتماعي – الحسين بوتبغة

الهوية والحميمية على شبكات التواصل الاجتماعي – الحسين بوتبغة


الهوية والحميمية على شبكات التواصل الاجتماعي

         شكل ظهور واتساع مدى شبكات التواصل الاجتماعي تحولا نوعيا في مجال التواصل الإنساني . فقد اكتسحت هذه الشبكات في زمن وجيز يكاد لا يتجاوز عقدين المساحات التقليدية للتواصل، وأحدثت تغيرا مهما في الذهنيات تعكس بعضا من ملامحه أنماط جديدة من السلوك التواصلي لدى الأفراد و داخل الجماعات.

     وقد صاحب التغير الذي لحق جميع مناحي الحياة الإنسانية على الأرض خلال الربع الأول من السنة الجارية بسبب جائحة كوفيد 19 ، ارتفاع كبير في كمية النشاط الرقمي للناس ، خاصة في البلدان التي عرفت حجرا صحيا صارما و ممتدا، وسجل ارتفاع ملحوظ في النشاط على شبكات التواصل الاجتماعي.

      ففي” التقرير الرقمي أبريل 2020 ” الذي نشرته مؤسسة   WE ARE SOCIAL (وكالة عالمية للدراسات والمشورة الرقمية)  في موقعها الرسمي على شبكة الانترنيت ، بلغ عدد مستخدمي الأنترنيت 4.75 مليار من أصل 7.75 مليار التي تشكل مجموع سكان الأرض، وبلغ عدد مستعملي شبكات التواصل الاجتماعي  3.81 مليار أي بنسبة 49 %من سكان الأرض . وقد استحوذ من هذا العدد على 2.5 مليار مستعملا خلال أبريل 2020 .

      ويمكن دون تردد الجزم، بناء على المعطيات و الأرقام المتوفرة الآن، أنه لم يحدث في تاريخ البشرية أن بلغت عملية التواصل و نسج الروابط بين البشر ما هي عليه في القرن الحالي بفضل الأنترنيت و شبكات التواصل الاجتماعي التي تناسلت بشكل كبير خلال العقدين الأخيرين فارضة أنماطا وصيغا للتواصل غير مسبوقة في تنوعها و سرعتها و ما تتيحه من إمكانات. بل ذهب مفكرون معاصرون إلى اعتبار أننا أمام ولادة إنسان جديد ” إن كل نظام اجتماعي يولد نوعا جديدا من البشر. و النظام الرقمي لا يشذ عن هذه القاعدة .”1 )

      ومثلما طرحت أخلاقيات الحياة ( البيوإطيقا ) مجموعة من الأسئلة حول انعكاسات التقدم العلمي والتكنولوجي في مجال الطب والبيولوجيا على الانسان ، جسده وهويته وحريته ، فإن الثورة الرقمية وما تمخض عنها من تحولات في الذهنيات  والسلوكات تطرح هي كذلك أسئلة أخلاقية تتعلق بالهوية الشخصية و بالحميمية و بالحرية الإنسانية .

1 – تقدم شبكات التواصل الاجتماعي لمستعمليها أرضية و فرصا للتبادل الفكري و الوجداني بسرعة قياسية ودون أية قيود تتعلق بالزمان أو بالمكان وبتنوع كبير يمزج الصوت والصورة والألوان والحركة، مما لا تتيحه أية وسيلة أخرى من الوسائل التقليدية المعروفة حتى تسعينيات القرن الماضي مثل التراسل بالبريد والندوات الفكرية و التجمعات والجرائد والكتب . ومعلوم أن شساعة و تنوع إمكانات التبادل الفكري و التبادل العاطفي الوجداني عاملان أساسان في التخفيف من الانغلاق الدوغمائي ومن حدة الصراعات الفكرية والعقائدية ، بفضل ما يتيحانه من فرص الحوار  المشجع على التعامل الإيجابي مع الاختلاف.

     و إذا كان هذا هو الجانب الإيجابي في مسألة الولوج إلى شبكات التواصل الاجتماعي والاستفادة مما تتيحه من معطيات ، فإن للمسألة جوانب أخرى : أولها صعوبة التحقق من تطابق المضامين المتنوعة التي تروج (نصوص ، صور ، فيديوهات الخ…) مع الوقائع ، أو صدورها عن سلطات مرجعية في المجالات التي تحيل عليها تلك المضامين. صحيح أن محركات البحث على الشبكة تتيح إمكانات التحقق ، غير أن طبيعة التواصل الاجتماعي  على شبكات التواصل الاجتماعي المتسم بالفورية وبالتدفق المستمر والسريع تحول دون ذلك. و ثانيها ، أن هذا النمط من التواصل يدفع بطبيعته نحو استنساخ المضامين وتقاسمها ، ولا يسمح بالتروي والفحص أو بمزج القراءة و التأمل. ولا أدل على كل ما تقدم من ردود الأفعال التي أصبحت قريبة جدا من ردود الأفعال المنعكسة الشرطية عند التعامل مع المضامين بتقاسمها الفوري ، وكذا من حجم المعطيات و الأخبار الزائفة التي انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي وتقاسمها الناس منذ انتقال كوفيد 19 إلى مستوى الجائحة العالمية ، لو أردنا الحديث عن مثال حي.

2 – إن لمما يثير الاهتمام في علاقة شبكات التواصل الاجتماعي بملايير المستخدمين هو مصير كل المعطيات المتنوعة التي يتم تجميعها عنهم. فبغض النظر عن الانعكاسات الإيجابية على حياتنا، فإن هذه الشبكات تقوم بتجميع وتخزين كثير من المعطيات التي كانت إلى وقت قريب تدخل في إطار الحياة الخاصة للأفراد، أي تشكل جزءا من حميميتهم مثل الانتماء السياسي و التفضيلات الجمالية و الميول العاطفية و اللحظات المشكلة للحياة الأسرية وتجارب الألم عند المرض أو بعد وفاة عزيز و التفضيلات الغذائية ، وغيرها.

     لقد استطاعت النضالات الجماعية والتطورات الطبيعية للمجتمعات الإنسانية في إطار عالمي، أن تفرض شرعة بعضها كوني وبعضها وطني ، يتمحور كثير منها حول الحقوق الأساس وحماية الخصوصية وتجريم انتهاك الكرامة ، وتجريم التشهير ، ومنع استعمال المعطيات الشخصية للأفراد إلا وفق قوانين إلخ.. وكان من صميم النضال في إطار التنظيمات السياسية و الجمعيات المحلية والدولية ، الدفاع عن هذه الحقوق وصيانتها والعمل على توسيعها.وفي مقابل ّذلك ،يلاحظ اليوم ميل جماعي طوعي للتخلي عن حميمية الحياة الشخصية. فلم يعد سرا أن الحواسيب العملاقة للشركات الكبرى المتحكمة في شبكات التواصل الاجتماعي تخزن و تصنف وتحلل المعطيات الضخمة ( ) المتجمعة لديها عن المستخدمين ’لأغراض يجهلها بطبيعة الحال من  يقدمون هذه المعطيات عن طيب خاطر.  وهنا يطرح السؤال : ما الذي يجعلنا على استعداد دائم لإفشاء كثير من المعطيات الشخصية على نطاق واسع ، وبشكل لم يسبق له مثيل ؟ يقول عالم الاجتماع الفرنسي البلجيكي أرمان ماتيلار : ” تولد لدى الناس نوع من الإدمان عمل على توسيع عتبات التقبل، وجعل كثيرين يوافقون ، حتى دون أن يشعروا بذلك، على التخلي بشكل كبير عن مجالهم الحميمي ، وعن حقوقهم الأساس.” (2)

       ثم إن البرمجيات التي تتحكم في اشتغال المواقع والشبكات ومحركات البحث على الانترنيت لا تعرف النسيان. فجميع ما نتبادله من معطيات ، و تعليقاتنا ،و تدويناتنا ، و  التواريخ الخاصة بما نقوم به من أبحاث تترك آثارا لا تنمحي ، ويتم تخزينها ، وتوظف لتشكل “بروفايل” كل واحد منا، ويمكن أن يتم اللجوء إليها باعتبارها أدلة في أي وقت .”إن حماية الحياة الخاصة (مما تشهره شبكات التواصل  الاجتماعي )هو إلى حد كبير مجرد وهم.ولا يمكن نسيان أن مساراتنا أثناء الإبحار تحلل ، و ان اتصالاتنا مع الآخرين يمكن أن توضع تحت المجهر لأغراض تجارية أو غيرها.ومع كل مرور ، نخلف وراءنا نوعا من الأثر (…) نحن تحت رحمة استغلال تلك”المعطيات الكبيرة”من طرف شركات خاصة ، أو مشغلين ،أو موظفين ،أو من طرف دول.” ( 3)

فمجانية بعض شبكات التواصل الاجتماعي مثل “فيسبوك” تخفي نشاطا تجاريا ضخما يدر على أصحابه ملايير الدولارات أرباحا صافية ، بفضل الإعلانات التجارية وبفضل تسويق المعطيات الشخصية المجمعة عن المستخدمين. يقول الفيلسوف بيونغ شول هان أستاذ الفلسفة بجامعة الفنون ببرلين : “يتم تشجيعنا بدون انقطاع على تقاسم معطياتنا وتفضيلاتنا وحاجاتنا ، وعلى نشر تفاصيل حياتنا. وفي مرحلة لاحقة  يتم تحليل المعطيات المجمعة عن طريق منصات رقمية متخصصة في التحكم في السلوكات وتوجيهها، وبعد ذلك يتم استغلالها تجاريا.إننا نعيش في إطار إقطاع رقمي .والإقطاعيون أمثال فيسبوك ينعمون علينا بقطعة أرضية صغيرة ويقولون لنا : هده مجانية ، فاحرثوها.ونحن ، مثل الحمقى، نحرثها.” (4)

3 – لشبكات التواصل الاجتماعي قدرات هائلة على تعبئة وحشد الجمهور حول أفكار أو قضايا محددة. وربما أن الشعور القوي بالانتماء إلى جماعة يتقاسم أفرادها  قيما أو أهدافا مشتركة ، هذا الشعور الذي تمنحه هذه الشبكات لمستخدميها، من العوامل التي تجعل قدرتها على الحشد تتسم بهذه القوة والسرعة والفعالية ، مثلما لوحظ في الحركات الجماهيرية التي عرفتها بلدان مثل مصر وتونس في بداية العقد الحالي ، وعرفتها فرنسا في نهايته مع حركة “السترات الصفراء”.

إن لهذه القدرة على الحشد والتعبئة انعكاسات هامة على تنظيم الناس لأنفسهم لأجل اهداف مشتركة ، اقتصادية أو فكرية أو قيمية : فهي ، من جهة أولى تشي بتراجع أساليب التنظيم والنضال الجماهيريين  التقليديين اللذين كانا من الوظائف الرئيسة للأحزاب السياسية والتنظيمات النقابية وبروز أشكال من الالتزام السياسي لا ترتكز على الانخراط في تنظيم قائم، بل على تجميع أشخاص من أصول  اجتماعية مختلفة و ذوي خلفيات متنوعة.” ومن هذه الناحية ، ، فإن شبكات التواصل الاجتماعي  لا تشكل فقط شكلا للتواصل، بل شكل للممارسة السياسية ،لأنه بغض النظر عن كونها تعزز التفاعل بين الافراد ومرور الأفكار و الآراء بكل حرية، فإنها تشجع أيضا على التعبير عن  اتجاهات الرأي العام ، ومن ثمة تصبح فضاء لرصد ما يجري في العالم وتقييمه . غير أن هذه الشبكات ، من جهة ثانية ، تفتح المجال امام إمكان التلاعب بمثل هذه الحركات  الاجتماعية وتوجيهها نحو اهداف أخرى غير تلك المعلنة. وهذا الخطر وارد بالنظر إلى طابع الغفلية (L’anonymat )الذي يميز النشاط داخل شبكات التواصل الاجتماعي . فمن غير المستبعد أن تقوم  خوارزميات أو برمجيات أو روبوتات أو حتى موظفون متخصصون بالتلاعب بتحركات جماعية و توجيهها عن بعد.

4 – يشرع الوعي بالهوية  في التشكل بشكل تدريجي لدى الشخص منذ اللحظة التي يدرك فيها صورته في المرآة ، ويشرع في استعمال ضمير المتكلم “أنا “. وسوف تتمركز جميع الأنشطة ، منذ تلك اللحظة ، حول الأنا الذي يصبح  مركز العالم. إن هذه النرجسية الأولى التي كان الإغريق- في ما يبدو – أول من كشفوا عنها في اسطورة “نرجس” المتيم بصورته المنعكسة على صفحة الماء فضل يحدق فيها حتى قضى نحبه ، تضل ملازمة لنا و إن بصور مختلفة وبأشكال أقل حدة مما يكون عليه الأمر في مراحل الطفولة الأولى.

     و إذا كان الهوس بالأنا جزءا من التركيبة النفسية للكائن البشري ، فإن ذلك يدفعه ، في جميع مراحل الحياة ، إلى البحث عن الاعتراف والتقدير، ولعل أحد مجالات إشباع الحاجة إلى الاعتراف هو الصداقة التي رفعت عند الفلاسفة الاغريق إلى مرتبة الفضيلة. ويبدو أن إحدى أبرز وظائف شبكات التواصل الاجتماعي هي بالضبط تقديم فضاءات شاسعة لإقامة علاقات إيجابية مع الآخرين بشكل يتيح إمكانات التعبير عن الذات دون قيود، ومن تمة إحراز الاعتراف والتقدير. وهذا ما يظهر في تفاعل دائرة الأصدقاء في الفضاء الأزرق وتفضيلاتنا الجمالية والفكرية وما ننشره من  صور و نصوص. وهذا الأمر كذلك هو ما يمكن أن يبرر  الوقت الذي نقضيه يوميا في التفاعل مع الآخرين على واتساب أو أنستغرام أو مسنجر أو فيسبوك ، هذا الذي يمكن ترجمته حرفيا “سفر الوجه ” ، وهو ما يجعله قريبا جدا من المرآة أو من صفحة الماء التي  كانت سببا في هيام “نرجس ” بصورته ، فكانت سبب موته.

      إن شبكات التواصل الاجتماعي تعزز لدى الإنسان  ما يسميه عالم النفس الفرنسي SERGE TISSERON  ” الرغبة في عرض الذات (EXTIMITE وهي نقيض INTIMITE)(5)التي هي عملية يتم بمقتضاها عرض أجزاء من ذات الفرد لنظرة الآخرين، من أجل المصادقة عليها . “لكن تخيل لو أصبح هذا النمط من الإفصاح الذاتي هو القاعدة. فقد يصبح من الصعب على نحو متزايد حماية ” الذات الحقيقية” ، مع كل ما يعتريها من نقص أو ضعف ، من أن يعاد تشكيلها وتعويضها بذات مثالية (…) مثل تلك المعروضة لجمهور مؤلف من مئات “الأصدقاء “والمتابعين.ما الذي يمكن ، إذن ، أن يحدث إذا ما بدأت هذه الشخصية التي جرى تلميعها افتراضيا في الكشف عن ذاتك الحقيقية ؟ “(6)

5 – على سبيل الختم : من غير المناسب  البحث ،أثناء الحديث عن ما يتغير بسرعة هائلة ، عن خلاصات .مع ذلك ، فهناك أمر يبدو مؤكدا هو أن الثورة الرقمية ، وما صاحبها من اتساع في زخم الاتصال و من تنوع في أدواته، هو أن هذه الثورة تغير عالمنا بشكل سريع جدا ، و أنها تغيرنا معه . وسيبقى ملحا السعي نحو الإمساك بهذا التغير وفهمه، والتفكير في الأسئلة الأخلاقية والقانونية التي يثيرها. فكما بدأ الحديث منذ أمد غير بعيد عن مخاطر التلاعب بالجينات وانعكاساته الأخلاقية والقانونية، يتعين كذلك الحديث بصراحة عن المخاوف مما أسماه أحد أكبر الباحثين في وادي السليكون  و أحد رواد الحقيقة الافتراضية هو جارون لانيي Jaron Lanier” تأسيس نظام التلاعب بالتصرفات ” (7). “إن عالم التكنولوجيا الرقمية يشكل وسيلة للتحرر والهيمنة في الوقت نفسه. وفي كل الأحوال ، فإنه لا يزال في الوقت الراهن وعدا وتحديا.”(8)


المصادر والمراجع :

  • Byung-Chul Han : « L’homme numérique a abolit l’autre. » Entrtien avec L’Express-Propos receuillis par PascalCeaux-08-12-2015 .
  • Armand Mattelart, « La globalisation de la surveillance » –la Decouverte -2007 –page: 236

    3- ريمي ريفيل ، “الثورة الرابعة ، ثورة ثقافية ؟” ترجمة:  سعيد بلمبخوت – سلسلة عالم المعرفة عدد سنة – ص ص: 75 -76 ).

4 – Byung –Chul Han « Vers un féodalisme digital ? »-Traduction :Dominique Delpiron –Site de Medipart -10-05-2020.
5 – ريمي ريفيل : نفس المصدر ، ص :   74

 6 – سوزان غرينفيلد : تغير العقل ، كيف تترك التقنيات الرقمية بصماتها على أدمغتنا – ترجمة : إيهاب عبد الرحيم علي – سلسلة عالم المعرفة ، عدد 445 – فبراير 2017 ، ص : 130 .

7 – ريمي ريفيل : نفس المصدر ، ص : 178 .

8 – ريمي ريفيل : نفس المصدر ، ص : 180 .