مجلة حكمة
المنطق عند أرسطو

المنطق والعلم والجدل عند أرسطو – كريستوفر شيلدز


المنطق عند أرسطو

  • مقدمة

إن اعتماد أرسطو على المسلّمات يكتسب أهمّية إضافية إذا أخذنا بعين الاعتبار ما تؤدّيه من دور في الجدل (الديالكتيك).، والذي يعتبره أرسـطو شكلًا مهمًّا من أشكال الاستدلال غير العلمي. فالجدل، كما هو العلم (epistêmê) يتعامل بالاستنتاج المنطقي،. لكنّ العلم يتطلّب مقدّمات منطقية تتجاوز نطاق الاستدلال الجدلي المعتاد؛. فبينما يعتمد العلم على مقدّمات ضرورية ومن المعلوم أنّها ضرورية،. يمكن للنقاش الجدلي أن ينطلق بالاعتماد على المسلّمات، فلا يمكنه أن يزعم بموثوقيته إلّا وفقًا لمدى موثوقية المسلّمات التي يعتمد عليها. ويرى أرسطو بأنّ هذا الأمر ليس من المشكلات، وذلك لأنّنا في كثير من الحالات نمارس الاستدلال على نحو مثمر جيّد في ظروف لا يمكننا أن نزعم فيها بوصولنا إلى فهم علمي. لكن يمكن القول على أدنى التقادير بأنّ كلّ أنواع الاستدلال، سواء كانت علمية أم جدلية، لا بدّ لها أن تحترم مبادئ المنطق والاستنتاج.

  • المنطق عند أرسطو

من بين الإنجازات العظيمة التي يمكن لأرسطو أن يدّعيها: أوّل معالجة منهجية لمبادئ الاستدلال الصحيح (المنطق الأوّل). وعلى الرغم من أنّنا نعترف اليوم بأشكال عديدة للمنطق غير ما جاء به أرسطو،. فإنّ هذا لا يمنع القول بأنّه لم يطوّر نظرية للاستنباط (ندعوها بالقياس حاليًا) وحسب،. بل إنّه أضاف إليها أيضًا شكلًا من أشكال القياس الصوري، وقطع شوطًا واسعًا في إثبات بعض الميتامبرهنات (meta-theorem) المتعلّقة بهذه المنظومات. ولا شكّ في أنّ من سبق أرسطو من الفلاسفة مارسوا الاستدلال، فمنهم من أحسن في ذلك ومنهم من أساء، ومن أظهر الكفاءة في عمله هذا أحكم قبضته على مبدأي الإنتاجية (validity) والصحة (soundness) في المحاججة؛. لكن لم يسبق أرسطو سابق في تطويره لمعالجة منهجية للمبادئ الحاكمة للاستنتاج الصائب،. ولم يحاول أحد قبله أن يضع صيغة منظّمة للمبادئ الصورية والنحوية التي تفعل فعلها في هذا الاستنتاج. ولقد لفت أرسطو الانتباه إلى هذه الحقيقة، على غير عادته، في نهاية مناقشته للاستنتاج المنطقي والمغالطات المنطقية، فقال:.

«بعد أن تكملوا مراجعة عملكم، فإذا بدا لكم أنّ منظومتنا قد تطوّرت بما فيه الكفاية عند المقارنة مع المعالجات الأخرى المعتادة حتّى يومنا هذا، آخذين بعين الاعتبار ما كانت عليه الأمور في أوّل البحث، فإنّ عليكم التساهل مع أيّ شائبة تشوب هذه المنظومة التي جئنا بها، وأن تشعروا بقدر عالٍ من الامتنان لما تحتويه من اكتشافات» (Soph. Ref. 184b2–8).

وحتّى وإن كنّا في أيّامنا هذه نعتبر من المتعارف عليه أنّ منطق أرسطو ليس سوى جزء ضئيل من المنطق الذي نعرفه ونستخدمه،. فإنّ إنجاز أرسطو كان شاملًا إلى الحدّ الذي جعل عالمًا بارزًا مثل إيمانويل كانت،. وبعد ألفي عام من ظهور رسالة أرسطو في المنطق، لا يجد صعوبة في أن يقيّمه بما يستحقّه من المدح:.

«لقد سار المنطق منذ أقدم العصور بخطى واثقة، ويستدلّ على ذلك من أنّه لم يتقهقر إلى الخلف خطوة واحدة منذ أيّام أرسطو […] وما يثير الانتباه أكثر في شأن المنطق أنّه لم يستطع أن يخطو أيّ خطوة إلى الأمام حتّى أيّامنا هذه، ولذلك يبدو جليًا أنّه تامّ كامل» (Critique of Pure Reason B vii).

إنّ المكوّنات الرئيسية للاستدلال في منطق أرسطو تأخذ مصطلحي التضمين (inclusion) والاستبعاد (exclusion)،. وهو الاستدلال الذي تمّ تلخيصه، بعد أعوام كثيرة، بواسطة مخطّط (ڤن). ويبدأ أرسطو عمله هنا بفكرة عن نوع من المحاججة يتمتّع بكونه واضح الصواب،. حتّى إنّ مقبوليته الواضحة التي لا يستطيع أحد أن ينكرها تدفع أرسطو للإشارة إليها باعتبارها “استنباطًا مثاليًا” (APr. 24b22–25). ويمكن القول بشكل عامّ: إنّ الاستنباط (القياس)، وفقًا لأرسطو، هو حجّة منتجة (valid) أو مقبولة. ويمكن القول بشكل أدقّ: إنّ الاستنباط

«حجّة يؤدّي فيها عرض أشياء بعينها إلى أن يتلوها شيء آخر بالضرورة بسبب ما هي عليه» (APr. 24b18–20).

إذن فرؤية أرسطو عن الاستنباط قريبة من فكرة الإنتاجية، وإن كان هنالك بعض الفوارق الصغيرة بين الاثنين؛ وعلى سبيل المثال:. يؤكّد أرسطو على أنّ المقدّمات غير ذات العلاقة تفسد الاستنباط، بينما لا تعبأ الإنتاجية بعدم العلاقة بين المقدّمات،. بل إنّها لا تعبأ أيضًا بإضافة أيّ مقدّمة مهما كانت إلى الحجّة التي ثبت أنّها منتجة. وعلاوة على ما سبق، يصرّ أرسطو على أنّ الاستنباطات تؤدّي إلى التقدّم، بينما لا يكون لكلّ الاستنتاجات من القضية (أ) إلى القضية (أ) سوى إنتاجية ضئيلة الأهمّية. ومع ذلك فإنّ المفهوم العام لأرسطو عن الاستنباط قريب من مفهوم الإنتاجية على نحو يكفي للقبول باستخدام مصطلح (البنى المنتجة) عند الحديث عن خصائص بنى القياس لديه. وبشكل عام، يحاجج أرسطو بأنّ الاستنباط هو نوع من الحجج (بنيته) تضمن إنتاجيته، بغضّ النظر عن صدق أو كذب مقدّماتها. ويصدق هذا الأمر، حدسيًا، على البنى التالية:

  1. كل (س) هو (ع).

  2. كل (ع) هو (ص).

  3. إذن، كل (س) هو (ص).

وبموجب ذلك، فإنّ كلّ ما يأخذ هذه الصورة سيكون استنباطًا بالمعنى الأرسطي. فليكن (س) و(ع) و(ص) أيّ شيء على الإطلاق،. فإذا كان كلّ (س) هو (ع) حقًّا، وإذا كان كلّ (ع) هو (ص) حقًّا، إذن: فإنّ كلّ (س) هو (ص) بالضرورة. وهذا النوع الخاصّ من الاستنباط يعتبر (كاملًا) لأنّ (إنتاجيته) لا تحتاج إلى برهان،. وربّما يقرّ هذا الاستنباط بأنّه لا يمكن برهنته: فأيّ برهان يساق يبدو أنّه يعتمد في نهاية المطاف على الإنتاجية الحدسية لهذه الحجّة.

ويسعى أرسطو لاستغلال الإنتاجية الحدسية للاستنباطات الكاملة على نحو جريء مفاجئ،. وذلك عندما نأخذ حداثة سنّ مادّته البحثية بعين الاعتبار:. إذ يعتقد بأنّه قادر على تأسيس مبادئ للتحويل في ما يخصّ (كلّ) استنباط (أو بعبارة أدقّ: كلّ استنباط لاجهوي. non-modal deduction) يمكن ترجمته إلى استنباط كامل. ويحاجج أرسطو بأنّ استخدام هذه التحويلات يمكّننا من وضع كلّ الاستنباطات على قدم راسخة.

وإذا قصرنا تركيزنا على أبسط أنواع الاستنباط وحسب، فإنّ عملية أرسطو ستطلّ برأسها سريعًا؛. فالاستنباط الكامل المقدّم فعلًا هو مثال لإثبات كلّي: كل (س) هو (ع)، وكل (ع) هو (ص)، إذن: كل (س) هو (ص). وهنا يحاجج أرسطو بأنّ من الممكن أن نتصفّح كلّ تركيبات المقدّمات البسيطة وأن نعرض بناها الاستدلالية الرئيسية. ثمّ نعيد ربطها بهذه الاستنباطات المشابهة لها في الكمال. وعلى هذا الأساس، فإذا قمنا بتغيير (كمّ) موضوع القضية (“كلّ” الشاملة مقابل “بعض” غير المحدّدة). مع تغيير (كيف) أو نوع الحمل (الإثبات مقابل النفي) فسنتوصّل لكل التراكيب الممكنة لأبسط أنواع الحجج المنطقية.

ويتبيّن أنّ بعض هذه الحجج استنباطات، أو قياسات منتجة، وبعضها ليس كذلك. وهذه التي ليست كذلك تعتبر أمثلة مناقضة، أمّا الحجج الأخرى فليست أمثلة مناقضة بالطبع. وعلى سبيل المثال: هنالك أمثلة مناقضة للحجج التي تعاني ممّا أصبح يدعى (الحدود الوسطى غير الموزّعة)،. كما في: كل (س) هو (ع)، وبعض (ع) هو (ص)، إذن: كل (س) هو (ص)، ومثاله: (كلّ الطلبة الجامعيين متعلّمون،. وبعض المتعلّمين يقرؤون الشعر، إذن: كلّ الطلبة الجامعيين يقرؤون الشعر). وليس هنالك مثال مناقض للاستنتاج الكامل على صورة إيجاب كلّي:. إذا كان كلّ (س) هو (ع)، وكلّ (ع) هو (ص)، فليس هنالك مفرّ من الحقيقة التي تقول بأنّ كلّ (س) هو (ص). وعليه، إذا كانت كلّ أنواع الاستنباطات يمكن اختزالها إلى أنواع منتجة حدسيًا، فعندها يمكن القول بإنتاجيتها جميعًا.

وفي سبيل إقرار هذا الاختزال، يعتمد أرسطو على سلسلة من الميتامبرهنات (meta-theorems)، يبرهن بعضها ويكتفي بتقرير البعض الآخر. (وإن كان يتبيّن في نهاية المطاف أنّها جميعًا تقبل البرهان فعلًا). وإنّ مبادئ أرسطو يقال عنها بأنّها ميتامبرهنات بمعنى أنّه ليس هنالك حجّة تستطيع التملّص منها وتحافظ في الوقت نفسه على ما يؤهّلها لتكون استنباطًا أصيلًا. وهذه الميتامبرهنات تتضمّن مبرهنات من أمثال: (أ) لا استنباط يحتوي مقدّمتين منفيّتين؛. (ب) الاستنباط ذو النتيجة المنفيّة يجب أن يكون له مقدّمة منفيّة؛. (ج) الاستنباط ذو النتيجة الكلّية يتطلّب مقدّمتين كلّيتين؛ (د) الاستنباط ذو النتيجة المنفيّة يتطلّب تحديدًا مقدّمة منفيّة واحدة. ويقدّم أرسطو، في الواقع، أدلّة على أهمّ هذه الميتامبرهنات، وذلك كي نتيقّن من أنّ كلّ الاستنباطات في منظومته منتجة، حتّى إن كانت إنتاجيتها يصعب إدراكها فورًا.

وفي سبيل تطوير هذه الميتامبرهنات المنطقية وإثباتها، يقوم أرسطو باستكشاف حقل لم تطأه أقدام أسلافه،. ولم يطوّره أحد ممّن خلفه طوال قرون عديدة بعد وفاته.

ولمن يرغب بمناقشة أشمل لما أنجزه أرسطو في مجال المنطق، يمكن الرجوع إلى المدخل المعنون (منطق أرسطو) في هذه الموسوعة.

  • العلم ودور المنطق عند أرسطو

لا يقارب أرسطو دراسة المنطق باعتبارها غاية في ذاتها، بل وفقًا لرؤية تنظر إلى دور المنطق في البحث والتفسير عند البشر؛. فهو يعتقد بأنّ المنطق أداة تقدّم مساهمة مهمّة، ولكنّها غير مكتملة، في العلم والجدل؛. وهي غير مكتملة لأنّ العلم (epistêmê) يوظّف محاججات تتّصف بأنّها أكثر من مجرّد استنباطات. فالاستنباط قياس منتج في حدّه الأدنى، ولا شكّ في أنّ العلم يتوجّب عليه أن يوظّف حججًا تتخطّى هذه العتبة؛. بل إنّ العلم يحتاج ما هو أكثر من ذلك، فهو يتقدّم من خلال (تنظيم) البيانات التي في نطاقه ضمن مجموعة من الحجج التي، وبعيدًا عن أن تكون استنباطات، تبرز مقدّمات تتّصف بأنّها ضرورية، وبأنّها وفقًا لعبارة أرسطو:. “معروفة أكثر بطبيعتها” أو “معقولة أكثر بطبيعتها” (gnôrimôteron phusei) (APo. 71b33–72a25; Top. 141b3–14; Phys. 184A16–23). وهو يعني بعبارته أنّ حجج العلم يجب أن تكشف ما للأشياء من طبائع أصيلة مستقلّة عن الذهن.

ويصرّ أرسطو، علاوة على ما سبق، بأنّ العلم (العلم لدى أرسطو مصطلح أوسع بالمقارنة مع الاستخدام الشائع،. لأنّه يمتدّ إلى حقول بحثية كالرياضيات والميتافيزيقا دون الاقتصار على العلوم التجريبية). لا ينقل الحقائق وحسب بل هو يشرحها أيضًا بإظهار علاقات الأولوية فيها (APo. 78A22–28)، أي: إنّ العلم يشرح ما نعرفه أقلّ بالاعتماد على ما نعرفه بشكل أفضل وأكثر أساسية، ويشرح ما يفتقر إلى الشرح بالاعتماد على ما يتوفّر فيه الشرح.

وعلى سبيل المثال: ربّما نرغب بمعرفة علّة تساقط أوراق الشجر في فصل الخريف، فنقول حينها، ونحن محقّون، بأنّ ذلك يعود لهبوب الرياح خلالها،. لكنّ هذا القول ليس تفسيرًا عميقًا أو عامًّا، لأنّ الرياح تهبّ بالشدّة نفسها في أوقات أخرى من العام دون أن تؤدّي إلى النتيجة ذاتها. والتفسير الأعمق أعمّ، وهو أيضًا أكثر علّية بطبيعته (لم يتوفّر هذا التفسير لأرسطو في حينه لكنّه يمثّل رؤيته بشكل جيد):. إنّ الأشجار تلقي بأوراقها لأنّ انخفاض شدّة أشعّة الشمس في فصل الخريف يثبّط إنتاج الكلوروفيل اللازم للتمثيل الضوئي،. ومن دون التمثيل الضوئي تدخل الأشجار في حالة من السبات. فمن المهمّ أن لا يكتفي العلم بتسجيل هذه الحقائق، بل أن يقوم أيضًا بعرضها ضمن ترتيبها التفسيري الصحيح؛. أي: على الرغم من أنّ الشجرة التي تسقط أوراقها موسميًا، والتي تعجز عن القيام بالتركيب الضوئي،. هي أيضًا شجرة لا تنتج الكلوروفيل، فإنّ عجزها عن إنتاج الكلوروفيل يفسّر عجزها عن التمثيل الضوئي، وليس العكس. فعلى التفسير العلمي أن يلتقط هذا النوع من اللاتناظر، وإن منهج أرسطو في التفسير العلمي مصمّم خصوصًا لتأدية هذا المطلب.

إن العلم يسعى لما هو أكثر من مجرّد التقاط اللاتناظر العلّي في الطبيعة، فهو يشمل أيضًا التقاط ما فيها من أنماط ثابتة عميقة؛. ويستتبع ذلك أنّ المقدّمة الأولى ضرورية في الاستنباط العلمي، إضافةً إلى موقعها كأساس في التفسير. ولذلك يقول أرسطو:

«إنّنا نظنّ بأنّنا نفهم شيئًا من الأشياء بلا شرط، بغضّ النظر عن الطريقة السفسطية العرَضية، عندما نظنّ بأنّنا نعرف العلّة على ضوء ما يكونه الشيء (أي: علّة الشيء لا غيره)، ونعرف أيضًا بأنّه لا يمكن أن يكون على العكس من ذلك. ومن الواضح أنّ المعرفة (epistêmê) هي أمر يشبه ما ذكرناه. وفي نهاية المطاف: إنّ من يمتلك المعرفة ومن لا يمتلكها كلاهما يفترضان بأنّ المعرفة على ما ذكرناه، وذلك على الرغم من أنّ من يمتلك المعرفة هو وحده في الحقيقة من على هذه الحال. وعليه، فإنّ كلّ ما يُعرف بلا شرط لا يمكن أن يكون على العكس من ذلك» (APo 71b9–16; cf. APo 71b33–72a5; Top. 141b3–14, Phys. 184a10–23; Met. 1029b3–13).

ولهذا السبب يتطلّب العلم أكثر من مجرّد الاستنباط؛ ويمكن القول إجمالًا بأنّ العملة التي يتعامل بها العلم هي البرهان (apodeixis)،. وهو استنباط تكشف مقدّماته البنية العلّية للعالم، والتي تُعرَض أمامنا من أجل التقاط ما هو ضروري وكشف ما يُعرَف بشكل أفضل وما هو معقول أكثر بواسطة الطبيعة (APo 71b33–72a5, Phys. 184a16–23, EN 1095b2–4).

إنّ مقاربة أرسطو في ما يخصّ الشكل المناسب للتفسير العلمي تستثير التفكير بشأن سؤال إپستيمولوجي مقلق: كيف لنا أن نبدأ ببرهان ذلك؟. فإذا كنّا نبتغي تقديم برهان يكون فيه ما نعرفه بشكل أقلّ مستدَلًّا عليه بواسطة الاستنباط ممّا نعرفه بشكل أفضل،. فعندها، وما لم نكن قد بلغنا الحضيض في المعرفة، سينتهي بنا المطاف إلى أن نكون مجبرين على أحد أمرين:. إمّا الاستمرار بالتقهقر الذي لا ينتهي نحو أمور يزداد مستوى معرفتنا بها مع استمرار التقهقر،. وهو أمر يبدو بلا نهاية من الناحية العملية، وإمّا أن ندخل إلى شيء أشبه بالاستدلال الدائري، وهو أمر لا يبدو مستساغًا. ويبدو أنّ البديل هو الجهل المستمرّ؛ إذ يقول أرسطو:

«يعتقد البعض بأنّه ما دامت المعرفة المستحصلة عن طريق البرهان تتطلّب المعرفة بالأمور الرئيسية، فليس هنالك معرفة حينها. ويعتقد آخرون بأنّ هنالك معرفة وأنّ كل المعرفة قابلة للبرهنة. وكلا الرؤيتين ليس مصيبًا ولا ضروريًا. فالمجموعة الأولى، أي: من يفترضون بأنّه ليس هنالك معرفة على الإطلاق، يحاججون بأنّنا نواجه حركة متقهقرة لا نهاية لها. إنّهم يحاججون بأنّنا نعجز عن معرفة الأمور اللاحقة بالاعتماد على الأمور السابقة إذا لم يكن في الأمور السابقة ما هو رئيسي. والصحيح في حجّتهم هو: إنّ من المستحيل حقًّا الخروج من سلسلة لانهائية. لكنّهم يصرّون، مع ذلك، على أنّ التقهقر إذا توقّف عند نقطة ما، وكانت هنالك مبادئ أولى، فإنّ هذه المبادئ ستكون عصية على المعرفة، لأنّه لا شكّ في أنّه لا برهان للمبادئ الأولى، انطلاقًا من أنّ ما يمكن معرفته هو ما يمكن برهنته كما يؤكّدون. لكن إذا لم يكن ممكنًا معرفة الأمور الرئيسية، فحينها لن يكون بإمكاننا معرفة ما يشتقّ منها بغياب ما يؤهّلنا لذلك وبغياب أيّة طريقة مناسبة. وعوضًا عن ذلك، لا يمكننا معرفتها إلّا على أساس فرضية ما، أي: العلم بأنّه (إذا) كانت الأمور الرئيسية (صالحة)، فكذلك ستكون أيضًا الأمور المشتقّة منها. أمّا المجموعة الثانية فتتّفق على أنّ المعرفة لا يمكن أن تنتج إلّا من طريق البرهان، لكنّهم يعتقدون بأنّه لا شيء يقف في طريق البرهان، وذلك لأنّهم يعترفون بإمكانية الاستدلال الدائري البدائلي» (APo. 72b5–21).

ويطرح أرسطو بديله المفضّل الواضح:

«إننّا نحاجج بأنّه ليست كلّ المعرفة برهانية: فالمعرفة بالمقدّمات المباشرة غير قابلة للبرهان. ولا شكّ في أنّ ضرورة هذا الأمر واضحة للعيان؛ لأنّه إذا كان من الضروري معرفة الأمور السابقة، أي: الأمور التي يشتقّ منها البرهان، وإذا كنّا نصل بالتقهقر في نهاية المطاف إلى طريق مسدود، فمن الضروري حينها أن تكون هذه المقدّمات المباشرة غير قابلة للبرهنة» (APo. 72B21–23).

وبالمحصّلة: إذا كانت المعرفة تتطلّب البرهان، وكلّ البراهين تنتقل من ما هو أكثر معقولية بطبعه إلى ما هو أقلّ معقولية،. فعندها ما يحصل هو إمّا أن تستمرّ العملية دون حدّ، وإمّا أن تتوقّف عند مبادئ أولى غير مبرهنة،. وهي مبادئ معروفة، وهي معروفة على نحو محكم. ويصرف أرسطو النظر عن الإمكانية الوحيدة المتبقّية، وهي أنّ البرهان قد يكون دائريًا، وليس محكمًا، مع الملاحظة بأنّ هذا الأمر يصل إلى حدّ «القول ببساطة بأنّ أيّ أمر هو على ما هو عليه إذا كان ما هو عليه»، وهي أداة «تسهّل برهنة كلّ شيء» (APo. 72b32–73a6).

ولقد أدّى ثاني البدائل التي يفضّلها أرسطو (أنّ هنالك مبادئ أولى للعلوم يمكن أن يفهمها من يبدي الاستعداد للانخراط بالدراسة المتواصلة) إلى ترويع الكثير من قرّائه. وهو يشرح في كتابه (البرهان) (Posterior Analytics ii 19) عملية انتقال العارف من الإدراك الحسّي إلى الذاكرة،. ومن الذاكرة إلى الخبرة (empeiria: مصطلح تقني شديد التخصّص في هذا السياق،. وهو يشير إلى النقطة التي يحدث فيها تجذّر الكلّي في الذهن)، وفي النهاية: من الخبرة إلى فهم المبادئ الأولى؛. وهذه الحالة الفكرية الأخيرة يميّزها أرسطو باعتبارها نوعًا من أنواع الإدراك الفكري دون وساطة (nous) للمبادئ الأولى (APo. 100a10–b6).

ولقد بحث العلماء على نحو واعٍ في ما يبدو أنّه انتقال تؤكّد عليه العلّية من الممكن (الذي تمليه الخبرة الحسّية) إلى الضروري،. وذلك وفقًا لمقتضيات المبادئ الأولى للعلم. لكن ربّما كان أرسطو لا يتصوّر سوى نوع من الضرورة البعدية للعلوم، بما فيها العلوم الطبيعية. ومهما يكن من أمر، فإنّ أرسطو يعتقد بأنّه يمكن لنا امتلاك المعرفة، وأنّنا نمتلك المعرفة،. ولذلك نبدأ أوّلًا، بطريقة ما، بالإدراك الحسّي ثم يتراكم الأمر ليصل إلى فهم الملامح الضرورية الثابتة للعالم. وهذه هي المعرفة التي يهتمّ بها العلم الأصيل (epistêmê). ولقد درس بعض المحلّلين التقدّم الذي يتصوّره أرسطو، فاتّهموه بأنّه يعتنق تفاؤلًا إپستيمولوجيًا يصل إلى حدّ السذاجة؛. ودافع آخرون بأنّ تهمة السذاجة هي نفسها تهمة ساذجة تكشف فعلًا عن موازاة بين الضروري والقبلي تفتقر إلى الحجج الكافية والدفاع المتين.[i]

  • الجدل عند ارسطو

لا يمكن القول بأنّ كل برهان دقيق يمتلك من المؤهّلات ما يكفي لاعتباره علميًا،. والواقع يرينا أنّ القليل من ما بقي من كتابات أرسطو يتوافق مع متطلّبات التقديم العلمي التي وردت في كتابه (البرهان). وكما يلاحظ أرسطو، فإنّنا غالبًا ما نجد أنفسنا ونحن نبرهن انطلاقًا من مقدّمات تتمتّع بحالة المسلّمات،. أي: الآراء التي يشيع الاعتقاد بها أو يؤيّدها الحكماء حتّى وإن كانت لا تعرف بكونها من الضروريات. لكنّنا نبرهن، في عدد أقلّ من الحالات، بالاعتماد، وقبل كلّ شيء، على تأمين المبادئ الأولى لمجال بحثنا. وهذا يجعلنا نحتاج إلى «منهج نتمكّن بواسطته من البرهان الاستنباطي في أيّة مسألة تطرح أمامنا،. وذلك على أساس المسلّمات، وأن نقدّم تفسيرًا لما نقوم به [حين التعرّض لامتحان الحوار] دون الوقوع في التناقض» (Top. 100a18–20). وهذا المنهج يُميّز عن غيره باسم (الجدل).

إن الاقتراح بأنّنا نستخدم الجدل غالبًا عندما ننخرط في نقاش فلسفي هو اقتراح يعكس افتراض أرسطو بأنّ هنالك نوعين من الجدل:. الأوّل سلبي (أو هدّام)، والثاني إيجابي (أو بنّاء). وفي الحقيقة، إن أرسطو يحدّد ثلاثة أدوار للجدل في البحث الفكري ضمن كتابه المخصّص له والذي يحمل الاسم ذاته (الجدل). وأوّل هذه الأدوار هو في الأساس دور تحضيري: «إنّ الجدل نافع لغايات ثلاثة: التمرين، والمناظرة، والعلوم ذات الطبيعة الفلسفية. وأمّا نفعه في التمرين فهو واضح بشكل مباشر على أساس الاعتبارات التالية:. إنّنا ما إن نمتلك وجهة للبحث فسنكون أكثر جاهزية للتمكّن من الانخراط في الموضوع المطروح. وأمّا نفعه في المناظرة فيأتي من أنّنا عندما نعدّد معتقدات الكثير من الناس فإنّنا لن ننخرط في نقاشها على أساس. ما يعتقد غيرهم بها بل على أساس اعتقاداتهم هم، ثم ينبغي إعادة توجيهها أينما بدا لنا أنّهم يقولون شيئًا يجانب الصواب في نظرنا. وأمّا النفع من ناحية العلوم ذات الطبيعة الفلسفية فهو يأتي من أنّنا عندما نتمكّن من الخوض في الغوامض. على كلا جانبي المسألة المطروحة فإنّنا سنكون حينها أكثر جاهزية لإدراك ما هو حقّ وما هو باطل. ويضاف إلى ذلك أنّ الجدل مفيد لكشف الغطاء عن مبادئ علوم متعدّدة،. وذلك لأنّه يستحيل قول أيّ شيء حول المبادئ الأولى لأيّ علم بالاعتماد على المبادئ الأولى المناسبة للعلم نفسه الذي يخضع للنقاش،. وذلك لأنّ المبادئ الأولى هي عناصر ابتدائية في أي شيء غيرها، لكنّ يمكن مناقشتها، عوضًا عن ذلك، من خلال المسلّمات المتعلّقة بها. وهو أمر يلائم الجدل، وربّما يلائمه أكثر من غيره؛. وذلك لأنّ الجدل يتحقّق من المبادئ، فهو يحتوي السبيل للتعامل معها دون الأساليب البحثية الأخرى جميعها» (Top. 101a26–b4).

 إن أوّل اثنين من الأشكال الثلاثة للجدل التي حدّدها أرسطو يتّصفان بضيق نطاقهما؛ أما الثالث فهو يتمتّع بأهمّية فلسفية عظيمة خلافًا لهما. وهذا الشكل الثالث يوكل الجدل بدور في «العلم الذي يمارس على نحو فلسفي» (‘pros tas kata philosphian epistêmas‘; Top. 101a27–28, 101a34)، وذلك حيث يتضمّن هذا النوع من العلم ما نجد أرسطو يسعى إليه في رسائله الفلسفية الكبرى. إنّ الجدل يساعد، في هذه السياقات، على فرز المسلّمات وإحالة بعضها لمنزلة خلافية وإعلاء منزلة البعض الآخر؛. وهو يرسل المسلّمات إلى عملية تحقّق لفحص قدرتها على الاستمرار؛. ويرى أرسطو بأنّ الجدل يؤدّي أمرًا يثير الانتباه أكثر من غيره،. وهو أنّه يضعنا على الطريق المؤدّي إلى المبادئ الأولى (Top. 100a18–b4). وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ الجدل يؤدّي دورًا مهمًّا في نظام الاكتشاف الفلسفي:. فجزء من عملنا للتوصّل إلى تأسيس المبادئ الأولى يكمن في تحديد أيّ من أوائل المسلّمات يستطيع الصمود في وجه التدقيق المستمرّ. وفي هذا الموضع يبدي أرسطو، كما هو دأبه في كلّ مجالات فلسفته، ثقة تسترعي الانتباه بعقل الإنسان وقدرته على البحث.


[i]   ثمّة تقديم رائع للخلافات المحيطة بعقيدة العقل العياني (nous). في كتاب البرهان (APo. ii 19) يمكن الاطلاع عليها في (Barnes 1994) عند مناقشته للمسألة نفسها. ولمن يبتغي مناقشة أعمق، ويفضّل التفسير التقليدي الذي يعتمد الحدس الفكري، فليراجع (Biondi 2004).