إدوارد سعيد المُفكِّرُ الكونيُّ الإنسانيُّ – سعاد العنزي

إدوارد سعيد المُفكِّرُ الكونيُّ الإنسانيُّ – سعاد العنزي


مقدَّمــة:

يُعدُّ المفكِّر الفلسطينيُّ الأمريكيُّ إدوارد سعيد أحدَ أهمِّ المفكِّرين العالميّين، الذين ظهروا في القرن العشرين، وكان بين أحد العلامات الفارقة في الدِّراسات النَّقديَّة الثقافيَّة.

وُلِدَ المفكِّر الفلسطينيُّ الأمريكيُّ إدوارد سعيد في فلسطين عام 1935م، وقضى أغلب حياته في القاهرة، ومن ثمَّ في نيويورك، وعلى الرَّغم من أنَّه أَحبَّ بيروتَ وعدداً من الأماكن إلَّا أنَّه وجد نفسه مشتَّتاً بين أَمكنة عدَّة في نهاية المطاف.

شَغَل سعيد منصبَ أستاذ الأدب الإنجليزيّ المقارَن في جامعة كولومبيا، ويُعدُّ أحدَ المفكِّرين الرئيسين لنظريَّة «ما بعد الاستعمار»، وحِقبة ما بعد الاستعمار بإسهامه المهمِّ في كتابه «الاستشراق»، وغيره من الكتب المهمَّة التي تَصبُّ في الدِّفاع عن هُويَّة الأمم المستعمَرة، وذلك من خلال جهوده الفكريَّة المهمَّة، ومؤلَّفاته المميَّزة، ومحاضراته المتعدِّدة في الجامعات حول العالم.

 أسهم سعيد، على نحوٍ فعَّال، في تغيير الرأي العامّ حول قضايا مهمَّة تخصُّ العرب والمسلمين، ولا سيَّما القضيَّة الفلسطينيَّة، وقضايا العلاقات الدوليَّة، ودراسات الآخر، فيما يخصُّ قضيَّة “سوء التمثيلات”، مُبرِزاً إشكاليَّة ثنائيَّة الفوقيَّة والدونيَّة الَّتي تتحكَّم بالعلاقات الدوليَّة، ولا سيَّما إحساس الشرقيِّ بعقدة النقص تجاه الغرب.

والجدير ذكره أنَّ كثيراً من المفكِّرين الغربيين والشرقيين قد تحدَّثوا عن أثر سعيد المهمِّ في عدد من المجالات الثقافيَّة والسياسيَّة، ومن الممكن تقديم مَثَل على ذلك، المفكِّر الهنديّ هومي بابا الَّذي طوَّر مفهومَ إدوارد سعيد في الهُجْنة، والذي كتب عنه في كتابه «الثقافة والإمبرياليَّة»، و«الاستشراق».

 أمَّا المفكِّرة والنَّاقدة الهنديَّة سبيفاك، فقد أخذَتْ بعض الأفكار من كتاب «الاستشراق» لتكتشفَ هيمنة الآخر في مقالتها، الَّتي أصبحت عبارة شائعة في فكر دراسات الهامش “هل يستطيع التابع أنْ يَتحدَّث؟”.

كما أنَّ دراسات الجندر استفادت كثيراً من تطبيق سعيد الذَّكي لأطروحات فوكو، ومنهجه التاريخانيّ الجديد، ونظريَّته «السُّلطة والمعرفة في الاستشراق». باختصار، قدَّم إدوارد سعيد فهماً مختلفاً للهُويَّة الإنسانيَّة الكونيَّة، ونافحَ عنه بكثير من المشاركات، والجهود المهمَّة المتمثِّلة بالكتب والمقالات الأكاديميَّة، وبفهمه لهُويَّته وكينونتِه على نحوٍ شخصيّ.

في هذا البحث، سأبحث في تصوُّرِ إدوارد سعيد للهُويَّة الإنسانيَّة، الذي لا يقف عند بُعدٍ واحد؛ بل يرتبط بعدد من الأبعاد السياسيَّة والاجتماعيَّة العربيَّة والعالميَّة، التي شكَّلت تصوّراً فريداً للهُويَّة الكونيَّة، انطلاقاً من تجربته كمواطن فلسطينيٍّ يعيش بين وَضعين: فلسطينيٌّ، بلدُه لا يحظى باعتراف دوليّ؛ وأمريكيٌّ، يحظى بلدُه بكامل أشكال السُّلطة والتأثير العالميّ.

في الجزء الأوَّل من هذا البحث، سأعرض لأهمِّ الدِّراسات التي تناولت أطروحات سعيد المتعلِّقة بالهُويَّة، بأبعادها الفرديَّة والوطنيَّة والكونيَّة.

أمَّا الجزء الثاني، فسيعرض على نحو سريع لنظريَّة ما بعد الاستعمار، الَّتي كان سعيد أَحَدَ أقطابها، كما سيعرض لمجموعة من مفاهيم سعيد، وبعض تصوّراته المهمَّة لدَوْر المثقَّف والأكاديميّ.

أمَّا الجزء الثالث، فسيناقش تطوّراتِ وعي إدوارد سعيد بهُويَّته الفرديَّة، وتصوّره للهويَّة الإنسانيَّة الكونيَّة، النَّاتج عن مخاض من التَّجارب التي أسهمت في نضجِ تجربته وخصوبتها.

تلقِّي سعيد: الدراسات السابقة لجهود إدوارد سعيد

فيما يخصُّ الدراسات التي تناولت سعيداً، هي بلا شكٍّ متعدِّدة بالُّلغة الإنجليزيَّة، وقد توقَّفتْ عند أهمِّ ما كُتِبَ في موضوع الهُويَّتين، الفلسطينيَّة والعالميَّة.

 كتَبَتْ Clare Callaghan قائمةَ كتبٍ لمؤلَّفات سعيد، وكانت وفيَّةً له، إذ لم تكتفِ فقط بذكر كتبه المنشورة؛ لكنْ أيضاً المقالات والكتب والمراجعات الفكريَّة لأعماله، والأعمال التي تهتمُّ بالهُويَّة الذاتيَّة لسعيد. «Callagan, 2003».

كما أنَّ كلّاً من: Bill Ashcroft وPal Ahluwalia قدَّم دراسةً مُهمَّةً  بعنوان: «إدوارد سعيد» تقدم لأهمّ أعماله مثل «الاستشراق»، و «الثقافة والإمبرياليَّة»، مستخدمَين المقاربة الموضوعاتيَّة لإيضاح اهتمامات سعيد المتنوِّعة في الكتابة، وخلفيَّاته الفلسفيَّة المتنوِّعة. «Ashcroft & Ahluwalia, 2001».

 على الرَّغم من اشتغال الكُتَّاب على عدد من القضايا، لم أجد أيَّ فصل في هذا الكتاب مختصّاً بهُويَّة إدوارد سعيد الشخصيَّة ما عدا الفصل الخاصّ بفلسطين؛ إذ بيَّن الباحثان كيف تحوَّل إدوارد سعيد من مدرِّس جامعيٍّ إلى ناشط فلسطينيٍّ نتيجة لنكسة 1967م، الحَدَث الذي “هزَّ كلَّ أساس فكريٍّ قد عرفه” مسبقاً. «السابق، ص: 118»

أمَّا الدراسات التي اهتمَّت بهُويَّة سعيد الذاتيَّة، فثمَّة مقالة جوزيف مسعد «انتماء إدوارد سعيد»، في كتاب بعنوان: «إرث التحرُّر والتمثيل»، يُقدِّم اختباراً جيّداً لقضايا مهمَّة، وأهمّها كيف عَرَف سعيد. إذ قد تعرَّف مسعد إلى إدوارد سعيد في أثناء دراسته الأكاديميَّة؛ وكان سعيد مشرفاً على أطروحته.

ابتدأ مسعد بإيضاح أنَّ سعيداً قد أدَّى عدداً من الأدوار الثقافيَّة مجتمعةً، وبيَّن كيف استطاع ربطَ النظريَّة بالتَّطبيق في حياته الشخصيَّة، الجانب الذي ستحاول هذه الدراسةُ سَبْرَ العلاقة بَيْن الهويَّة الشخصيَّة وعلاقتها بتصوّراته العامَّة للهويَّة، ويكتشف مسعد تعريف سعيد المجازيّ للمنفَى، الذي عُرض بأنَّه ليس مسافةً فيزيائيَّة بين المثقَّف ووطنه؛ لكن بوصفه فضاءً يقع بين الذَّات ومجموعة من الأعراف والمسلَّمات المعطاة مسبقاً، التي يُمكن أن تمنع المثقَّفين من الارتباط بالقضايا المطروحة بطريقة موضوعيَّة. كما يلاحظ مسعد أنَّ سعيداً عندما طرح هذا التصوّرَ، فقد رأى في المنفَى أنَّه أمرٌ حيويٌّ لدى المثقَّف، «مسعد، 2010».

أمَّا نادية جندي، فقد عرفَتْ سعيداً على نحو شخصيٍّ كصديقة، وجارة له، وبيَّنت ذلك في مقالتها: «على هوامش المذكِّرات: قراءة شخصيَّة لكتاب إدوارد سعيد «خارج المكان»». سجَّلت نادية انطباعاتها عن شخصيَّته في هذه المقالة. في رأيي، تبدو أهميَّة مقالتها في العلاقة بَيْن ما يُقدِّمه سعيد بنفسه في هذه اليوميَّات، على أنَّها انعكاس لعالم سعيد السّيكولوجيّ الدَّاخليّ. بالنظر إليها، ترى نادية جندي أنَّ سيرة سعيد تجعل من أولئك الَّذين عرفوه على نحو شخصيٍّ، يؤكِّدون أنَّ «خارج المكان» نَقَلَ -بشفافيةٍ عاليةٍ ومصداقيَّةٍ كبيرةٍ- إدوارد سعيد بكلِّ حالاته، فهو: “قويٌّ وشديد وصريح بلا هَوادة، مع الوصول، في بعض الأحيان، إلى درجة من الفجَاجَة، وعدم الاستقرار، وكان أداؤه مسرحيّاً، ودائماً ما يكون مرحاً جدّاً”. «جندي، 2000، ص: 258»

تضع ملاحظاتُ نادية جندي القيّمة خطّاً تحت نقطتين أساسيَّتين:

 أوَّلاً: علاقة إدوارد سعيد بأبيه كانت علاقة مشحونة، على الرَّغم من أنَّ علاقته بوالدته شهدَتْ الكثير من المحبَّة والدلال.

 ثانياً: كان سعيد ولداً صغيراً، ظهرت لديه ازدواجيَّة في شخصيَّته، الأمر الَّذي تُلخِّصُه نادية جندي بقولها: “قليل الكلام ومنعزل؛ لكن له أيضاً صورة شخصيَّة وَدُود ومُبْتسِمة”، «السابق، ص: 290»، وهذا النَّوع من الازدواجيَّة، من الممكن أن يَشرح أو يُفسِّرَ على نحو مبكِّر هويَّته الهَجينة، وشعوره الدَّائم بأنَّه يَقع بَيْن مكانيْنِ، ويعيش بَيْنِيَّةً مستمرَّة.

يكشف يوسف يعقوبي، في مقالته «إدوارد سعيد، وإقبال أحمد، وسلمان رشدي: مقاومة تشوّه نظريَّة “ما بعد الاستعمار”»، ارتباطاتِ سعيد الشخصيَّة والفكريَّة والسياسيَّة مع إقبال أحمد، وسلمان رشدي. «يعقوبي، 2005»، ويُركِّز يعقوبي على كتاب «بعد السَّماء الأخيرة»، الَّذي يُسلِّط الضوء على تعقيدات الهُويَّة الفلسطينيَّة. جَسَّدَ سعيد حياةً شديدةَ المفارقةِ والتناقضِ. هو في الحقيقة، كما يوضِّح يعقوبي، جسَّدَ المفارقة كوجهة نظر، وهذه الوضعيَّة من المفارقة حدّدَتْ على نحو جيِّد في أوَّل صفحة من يوميَّاته التي تقول ببراعة: “كان هناك دائماً خطأ بالطريقة التي تمَّ اختراعي بها”. «سعيد، 2001، ص: ٥»  كان بحث يعقوبي يهتمُّ جيّداً بشأن المنفَى الفلسطينيّ، على وجه العموم، ولم يلتفت إلى تغطية أثر المنفَى في حياة سعيد وكتاباته على نحو خاصٍّ.

حقيقةً، المطَّلِع على الدراسات التي تناولت سعيداً، على نحو عامّ، يجدها ركَّزت على البُعد السياسيِّ في كتب إدوارد سعيد، الَّتي تصُبُّ أفكارها العامَّة في نقد الاستعمار، مثل «الاستشراق»، و«الثقافة والإمبرياليَّة»، و«القضيَّة الفلسطينيَّة»، والبُعد الآخر هو بُعد المنفَى، وتصوّره ما بَعْدَ الحداثيّ للمنفَى، الَّذي بدأ المثقَّفون العرب الالتفات إليه؛ لكن لا بُدَّ من ذكر أنَّ مؤلَّفات سعيد الأولى لم تجد التفاتاً كبيراً إليها إلَّا من قِبَل المختصِّين بقسم دراسات اللُّغة الإنجليزيَّة في الوطن العربيِّ، فالعرب اهتمُّوا بإدوارد سعيد النَّاقد السياسيّ الَّذي تحدَّث بالنيابة عنهم، وقال ما يريدون قوله، ولا ينطبق هذا القولُ فقط على الثَّقافة العربيَّة فحسب؛ بل أيضاً على الثقافة الفرنسيَّة، إذ جرى الاكتفاء بالكتابات السياسيَّة التي أحدثَتْ جدلاً فكريّاً في الغرب، في حين بقيت الكتب الأخرى طيَّ النسيان والإهمال؛ على الرَّغم من أنَّها مؤلَّفات لها أهميّتها الخاصَّة في النقد الأدبيِّ الغربيِّ، وليس من المبالغة القول: إنَّه لم يتمَّ تلقِّي جهود سعيد الفكريَّة والمعرفيَّة كافَّة على نحوٍ عميق في الوطن العربيِّ ودول العالم الغربيِّ غير النَّاطقة باللُّغة الإنجليزيَّة.

 إنَّ ما تمَّ تَلقِّيه بوفرةٍ، هو أعمال إدوارد سعيد المتعلِّقة بخطاب ما بعد الاستعمار، من مثل: «الاستشراق»، و«الثقافة والإمبرياليَّة»، و«القضيَّة الفلسطينيَّة»، ومن أهمِّ الأمثلة على ذلك كُتب سعيد الأُولى الخاصَّة بالنَّقد الأدبيِّ، إذ لم تُدرَس على نحوٍ جيِّد إلَّا في أقسام اللُّغة الإنجليزيَّة، أمَّا كتابات الهُويَّة المتأخِّرة، فحتَّى الآن لم تجد هذا الشيوعَ والتداولَ في الوطن العربيِّ، وكأنَّ العرب أرادوا تعرُّفَ إدوارد سعيد الكاتب السياسيّ فحسب، ومن المؤسف أنَّ هذه الحال لا تَنطبِق فقط على تَلقِّي إدوارد سعيد في العربيَّة؛ لكن أيضاً في الفرنسيَّة، وهي من أهمِّ الأماكن الثقافيَّة في تلقِّي المعرفة وتناولها. ويؤكِّدُ عمَّار قنديل، في مقالته «إدوارد سعيد، أو شروط النَّقد السياسيّ، قراءة في كتاب إيف كلفارون»، فيقول: “لا يزال إدوارد سعيد هشَّ التَّلقّي في فرنسا، وإيف كلفارون على صواب في طرح هذا التساؤل عن التَّلقِّي “المشبوه والضعيف لأعماله؟”. «عمّار قنديل، 2015، ص: 154»

مؤلَّفات إدوارد سعيد:

تُعَدُّ منجزات إدوارد سعيد الفكريَّة متنوِّعة، ومتعدِّدة، وتصبُّ في عددٍ من المسارات الفكريَّة، التي تُبيِّنُ تطورَ تجربتيه النَّقديَّة والفكريَّة، وتبيِّن كيف تحوَّل من ناقدٍ أدبيٍّ تقليديٍّ إلى ناقد أدبيٍّ يربط النصَّ بالعالم الذي أنتجه. ومن الممكن أن يتمَّ تقسيم أعمال إدوارد سعيد إلى مجموعة من الموضوعات المنقسمة ما بين الأدبيِّ والسياسيِّ والثقافيِّ المتنوّعة. كما نستطيع أنْ نُقسِّمَ كتاباتِه إلى عدد من الأنواع: نقده الأدبيّ والموسيقيّ، في حين يُوضَعُ نقدُه لسياسات ما بعد الاستعمار، وتخصُّصُه وكتاباتُه الممتدَّة في القضايا الفلسطينيَّة في القسم الآخر من كتاباته. كما نجده أيضاً قد كَتَبَ عن الهُويَّتين الفرديَّة والاجتماعيَّة على نحو مباشر، وغير مباشر في عدد من كتاباته، سواء في سياق ما طرحه في نظريَّة «ما بعد الاستعمار»، أم في سياق هُويَّته الفرديَّة الَّتي تَحدَّث عنها في عدد من المقالات والكتب مثل «خارج المكان» و «تأمُّلات في المنفَى».

من اللافت أنَّ كتابات إدوارد سعيد تطوَّرت على النحو التالي: بدأ بكتاباته للنقد الأدبيِّ المقارن، بالطرائق والمناهج والنظريَّات التي يتناولها النقَّاد في الغرب في زمنه، وربَّما من يقرأ له في تلك الحِقبة يعتقد بالفعل أنَّه ناقد خالص الانتماء إلى الثقافة الغربيَّة.

 أمَّا المرحلة الثانية، فهي مرحلة بدايات التأسيس لنظريَّة «ما بعد الاستعمار»، وأبعاد القضيَّة الفلسطينيَّة التي كانت شِبهَ مغيَّبةٍ عن وعيه وإدراكه، وأعاد اكتشافها بعد النكسة 1967م.

 والاتّجاه الثالث، أستطيع أن أسمِّيَه اتّجاه العودة إلى الذَّات، واكتشافها بعد عدد من الخبرات والتجارب السابقة في ضوء تجربة المنفى. يقول تزفيتان تودوروف، في مقالته المعنونة بـــ «إدوارد سعيد، الشاهد المنفِي»: “يُعدُّ إدوارد سعيد واحداً من المثقَّفين الأكثر شهرةً، والأكثر نفوذاً في العالم”.

 لقد عاش إدوارد، الذي ألَّف ما يقارب العشرين كتاباً، حياة متعدِّدة الاهتمامات؛ ناقد أدبيّ في بداية حياته، مُتشبِّعٌ بفكر جورج لوكاتش وإريخ أورباخ، أمَّا شهرتُه فتعود إلى الأعمال التي أنجزها بصدد الهُويَّات الثقافيَّة، وصدام الثقافات، والقوميَّات والنزعات الإمبرياليَّة”، «تودوروف، 2015، ص: 147».

بدأ سعيد دراساته العليا وأوّل سنوات عمله كأستاذ للأدب الإنجليزيِّ، ناقداً أدبيّاً، يكتب وفق الآليَّات الفكريَّة عينها التي يكتب بها في الثقافة الغربيَّة، الَّتي تتوزَّع بين النَّقد الأدبيِّ وقراءة الأدب في ضوء المفاهيم الفلسفيَّة الغربيَّة. كتب من خلال هذا الاتّجاه عدداً من الكتب الأولى «جوزيف كونراد ورواية السيرة الذاتيَّة»، «البدايات»، و«النصُّ والعالم والناقد»، وكانت انعطافة سعيد عن هذا الاتّجاه من النَّقد الأدبيِّ بعد إجازته السنويَّة التي قرَّرَ أن يقضيَها في بيروت عام 1972م؛ لِتَعَلُّمِ فقه اللُّغة العربيَّة، وكانت هذه الزيارة بمنزلة الصَّدمة الفكريَّة له، إذ غيَّرت من مساره النَّقديِّ، وحوَّلته إلى ناقد متابع عن كثب للأحداث السياسيَّة في الوطن العربيِّ، ولا سيَّما أنَّها كانت بَعْدَ النَّكسة وتبعاتها المأساويَّة على الشعب الفلسطينيِّ. مثلما يوضِّح توماس بريسون في مقالته المعنونة بــــ «النَّقد العربيّ للاستشراق في فرنسا والولايات المتّحدة، أمكنة وأزمنة، ونماذج لقراءة جديدة، أنور عبدالملك/ إدوارد سعيد»؛ إذ أوضحَ بدايةَ تحوّل سعيد نحو القضيَّة الفلسطينيَّة: “سيتعرَّف سعيد أيضاً كيف أنَّ عبارة غولدا مائير، القائلة، في عام 1969، إنَّ الفلسطينيين لا وجود لهم، وستلعب دوراً حاسماً في التَّوجُّه النَّقديِّ”، «بريسون، 2015، ص: 29».

بعد أنْ حدثَتْ هذه الهزَّةُ الفكريَّة الحقيقيَّة في حياة إدوارد سعيد، بدأ يظهر فيه الناقد السياسيّ المناهض لنظريَّة الاستعمار والقوى الإمبرياليَّة الغربيَّة. وكان هذا من خلال نظريَّة ما بعد الاستعمار، التي كان هو أحد مؤسِّسيها الكبار مع فرانز فانون، وألبرت ميمي، وهومي بابا، وغاياتري سبيفاك.

في الجزء الآتي، سأتحدَّث عن نظريَّة إدوارد ومنهجه، وأهمِّ المفاهيم النَّقديَّة التي طرحها في كتاباته النَّقديَّة والفكريَّة، ومن ثمَّ سأعرض لمؤلَّفاته وعلاقاتها المتداخلة لفهمه للهُويَّة الفرديَّة، والوطنيَّة، وصولاً إلى الفهم الكونيِّ.

التصوُّر والنظريَّة:

حقيقةً، بالإضافة إلى مفاهيم فوكو الأساسيَّة، مثل “السلطة والخطاب”، وقواعد الدراسات التاريخانيَّة الجديدة، التي اعتمد عليها سعيد في وضع النصِّ الأدبيِّ إلى جانب النصوص الأخرى، مقتفياً أثر فوكو في حفريَّاته، ومفهوم “المثقَّف العضويّ” لأنطونيو جرامشي، الذي بنى عليه أطروحة كتابه «صور المثقَّف». ولقد استفاد سعيد من عدد من النَّظريَّات والأطروحات الفكريَّة المميَّزة، التي من خلالها استطاع أن يُقدِّمَ رؤيةً شموليّةً لدور النَّقد في مساءلة الحقيقة، وظهر عددٌ من المفاهيم الأخرى لدى سعيد مثل «القراءة الطباقيَّة» Counterpointal Reading، و «الدنيويَّة»، و«النسق المضمر»، وفكرة الشاهد Bearing Witness، وغيرها من المفاهيم التي يتواتر استخدام سعيد لها في عدد من كتبه، ومن الجيّد الوقوف عند بعضٍ منها من أَجْلِ فَهمٍ أوسع لرؤية سعيد في العديد من أعماله.

إدوارد سعيد الشاهد: «Bearing Witness»

حين الالتفات إلى مصطلح «الشاهد» كان سعيد ينظر مثلما نظرت مجموعةٌ من المثقَّفين والمفكِّرين الفلسطينيين إلى وضعيَّتهم كشاهدين على الأزمة، وعليهم أن يبلِّغوا هذه الشهادة الإنسانيَّة في حقِّ ضحايا الحروب، والصراع الفلسطينيّ الإسرائيليّ. تُمثِّلُ فكرة الشهادة أحد موضوعات أدب المقاومة الفلسطينيَّة، وبينهم سعيد، الذي نظر إلى نفسه كشاهد، وحسب قول نيكولاس دوت بويار، فإنَّ سعيداً: “يُعرِّفُ نفسَه كشاهد: الشاهد هو المثقَّف الذي يَتحدَّث عن المعاناة؛ لكنَّه يربط هذه المعاناة بمعاناة الآخرين، وهذا المنفَى بأنواع أخرى من المنفَى. يُنصِّبُ المثقَّفُ نفسَه وسيطاً بين المحلّيِّ والعالميِّ، ويتحمَّل هذا الانتماء المزدوج”، «نيكولاس دوت بويار، 2015، ص: 122».

الدنيويَّة “Worldy“:

لقد دعا سعيد في مواضع عدَّة من مؤلَّفاته إلى مصطلح «الدنيويَّة»، مثلما ذكره في كتابه «الثقافة والإمبرياليَّة»، وهي بتبسيط شديد: أن ينتميَ المؤلِّف إلى الظروف والوقائع التي شكَّلت تاريخ المجتمع، لا إلى تاريخ اقتصاديٍّ، ولا أيديولوجيٍّ، أو طبقة معيَّنة؛ بل عليهم أن يكونوا أبناءَ زمانهم، والشروط والظروف الَّتي صنعتهم، وهنا يذهب سعيد إلى رفض كلِّ ما هو مصنوع على نحوٍ قَبْليٍّ مسبق، مثل الأحزاب والرؤى الأيديولوجيَّة، والتاريخ المصنوع بحركة الاقتصاد؛ حتَّى يكون الفرد ابنَ التّجربة الزمانيَّة المعيشة بكلِّ ظروفها وإملاءاتها. يُعرِّفُ سعيد «الدنيويَّة» Wordly في كتابه «الأنسنيَّة والنقد الديمقراطيّ»، فقال: “وأعني بالدنيويَّة مستوىً ثقافيّاً أكثر تحديداً، يقول: إنَّ كلَّ النَّصوص، وكلَّ التصوّرات كامنةٌ في هذا العالم، ومحكومة بوقائعه عديدة المتغايرات”. «سعيد، 2005، ص:70-71».

القراءة الطباقيَّة: “Counterpointal Reading

يظهر مصطلح «القراءة الطباقيَّة» من أهمِّ المصطلحات الَّتي طبَّقها سعيد في كثير من دراساته. يُعَدُّ مصطلحُ القراءة الطباقيَّة، الَّذي استعاره سعيد، من حقل الموسيقا، ويُعرِّفُها بقوله: “ينبغي أن تدخل القراءة الطباقيَّة في حسابها كلتا العمليَّتين: العمليَّة الإمبرياليَّة، والعمليَّة المقاومة لها، ويمكن أن يتمَّ ذلك بتوسيع قراءتنا للنصوص، لتشمل ما تمَّ ذات يوم إقصاؤه بالقوَّة”. «الثقافة والإمبرياليَّة، ص: 135»

في كتاب «الثقافة والإمبرياليَّة»، كان إدوارد سعيد قد أطلق، أوّل مرَّة، مصطلح «القراءة الطباقيَّة»، في أثناء تطبيقه على بعض النصوص الأدبيَّة الإنجليزيَّة والفرنسيَّة الأساسيَّة، التي يعدُّها سعيد أرشيفاً ثقافيّاً بين السرديَّات التي تقع في الأمم المهيمنة الاستعماريَّة مثل: بريطانيا، فرنسا، والمستعمرات التي تعتمد على قوَّتيهما، من خلال حسبان وجهتَي نظر المستعمِر والمستعمَر. لدى سعيد، حتَّى تقرأ رواية بطريقة طباقيَّة، فهذا يعني قراءات التاريخ المتداخل، ووجهات النظر المتشابكة.

كما يُبيِّن سعيد أنَّ القراءة الطباقيَّة تتألَّف من التاريخ الحضريِّ الّذي يُسرَد والتواريخ الأخرى التي تقف ضدَّ ما يعرضه الخطاب السائد، ومن اللافت أنَّ صفة طباقيَّة تأتي من حقل الموسيقا، وبناء على ما يوضِّحه كلٌّ من أشكروفت وبال أهواليا، فإنَّ ميلَ سعيد إلى قراءة الطباقيَّة أتى من العازف الكنديِّ غلين كلاود. مثلما يُوضِّح عبد النبي اصطيف أنَّ سعيداً تأثَّر بفكرة أنَّ الموسيقا هي الفنُّ الوحيدُ الذي يُمكِّنُه من قول شيئين في وقت واحد. لقد أعاد سعيد قراءة النصوص الأدبيَّة الأساسيَّة، ليس على نحو لا لَبْسَ فيه، بل على نحو طباقيٍّ.

إدوارد سعيد، ونظريَّة ما بعد الاستعمار

تُعَدُّ نظريَّةُ «ما بعد الاستعمار» واحدة من نظريَّات ما بعد الحداثة، التي تقوم بمراجعة خطابات الحداثة، ولعلَّ خطاب الاستعمار أحد الخطابات التي عمد مُنظِّرو ما بعد الاستعمار إلى تقويضها وتفكيك تناقضاتها. كَتَبَ إدوارد سعيد ثلاثةَ أعمال أساسيَّة، تتعامل مع الهُويَّات العربيَّة والإسلاميَّة والفلسطينيَّة، وتحديداً هي: «الاستشراق» Orientalism، و«تغطية الإسلام» Covering Islam، و«المسألة الفلسطينيَّة» The Question of Palestine.

يُعَدُّ كتاب «الاستشراق» أوَّل إسهامة من إسهامات سعيد الأساسيَّة في حقل الدراسات الاستشراقيَّة، وما بعد فترة الاستعمار. بهذا الكتاب يُقدِّمُ سعيدٌ نقداً جذريّاً للدراسات الغربيَّة للشرق، على وجه التَّحديد عبر باحثين في بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا. كان هدف سعيد في هذا الكتاب هو أن يعكس التمثيلات المغلوطة المنظّمة للشرق، الّتي تبقى تَحكُمُ التصوّرات الغربيَّة لأمم العالم المتطوّرة. تبعاً لسعيد، لا يملك الغربيّون قدرة على فهم صور الشرقيّين الحقيقيّين، وبدلاً من هذا كانوا يعتمدون التمثيلات غير الحقيقيَّة التي خلقها مفكِّرون آخرون، لهذا يميل الغرب إلى أن يرى الشرق من خلال عيون المستشرقين، الّذين، تبعاً لسعيد، نقلوا رؤية أيديولوجيَّة للشرق قد بنتها القوى الاستعماريَّة إبَّان مرحلة الاستعمار، «الاستشراق، 1978».

بالاعتماد على مفهوم الخطاب، وأكثر تحديداً على أفكار تهتمّ بنظريَّة ميشيل فوكو السلطة/ المعرفة «١٩٨٠»، يُطبِّق سعيد أطروحته على الخطاب الغربيِّ الاستشراقيِّ، ويناقش أنَّه من دون حسبان تطوّر الاستشراق كخطاب، ليس ممكناً أن نفهمَ كيف نجحت الثقافات الغربيَّة في الهيمنة على مناطق الشرق سياسيّاً، اجتماعيّاً، ثقافيّاً، علميّاً وعسكريّاً بعد عهد التنوير. كما يفترض فوكو أنَّ المعرفة شكل من أشكال القوَّة، سعيد أيضاً يختتم القوَّة الممارسة بوساطة الغربِ في توزيع المعرفة على نحو أيديولوجيّ؛ ليخدِمَ الطموحات الاستشراقيَّة.

إنَّ من المهمِّ أن نُسلِّطَ الضوء على الاستجابات المتنوّعة؛ لنشر الاستشراق في كلٍّ من العالمين الأكاديميّين، الغربيِّ والشرقيِّ. واحد من أكثر الآثار الإيجابيَّة للاستشراق هو إثارة انتباه المستشرقين إلى الحاجة لأن يكونوا واعين للمدى الذي فيه تمثيلات الآخرين الشرقيين، كانت في الحقيقة تمثيلات مغلوطة. يُشاد بكتاب «الاستشراق» على نحو واسع ككتاب صريح، ولديه أثر كبير في عدد من المفكِّرين الآخرين المهمِّين في مناهج أكاديميَّة متنوِّعة، وقد لوحظ مبكّراً أنَّ عمله أيضاً خلق جدلاً واسعَ الانتشار لدى بعض الباحثين الذين اتَّخذوا اتجاهاً نقديّاً على نحو عالٍ لرؤاه، من مثل صادق جلال العظم وآخرين، ممَّن شَنُّوا حملات مستمرَّة وشرسة ضدَّها، وكان أشدُّهم نقداً هو المستشرق والتاريخيّ بيرنارد لويس. كما وجَّه نقداً آخرَ إلى طريقة سعيد في تجاهله لأعمال الكاتبات من النساء. بَيَّنَ الباحثون الآخرون أنَّه ليست كلُّ الدراسات الاستشراقيَّة كانت موجَّهةً على نحو أيديولوجيٍّ، فدراسات المستشرقين الروس والألمان، على وجه الخصوص، لم تقارب دراسة الشرق من وجهة النَّظر المشابهة، وقد أوضح سعيد هذه النقاط في مقالة لاحقة معنونة «تعقيبات على الاستشراق»، وأيضاً في طبعات لاحقة للكتاب، وقد أضاف أوّلاً «خاتمة» في عام ١٩٩٥م، ولاحقاً «مقدّمة» في عام ٢٠٠٣م.

فيما يتعلَّقُ بمقاربة سعيد لتمثيل فكرة الهُويَّة في الاستشراق، ناقش في هذا الكتاب أنَّ هدفَه دَحْضُ التمثيلات المغلوطة للشرق، ولا سيَّما أن يكشف بعض الصور الإشكاليَّة التي قد أصبحت مرتبطة بصورة العالمين العربيِّ والإسلاميِّ. تبعاً لسعيد نفسِه، في «الاستشراق»، وفي كتابيْنِ لاحقيْنِ، «المسألة الفلسطينيَّة»، و«تغطية الإسلام»، حاول أن: “يعالج العلاقة الحديثة بين كلٍّ من عالم الإسلام والعرب والشرق في يد واحدة، ومن ناحية أخرى الغرب: فرنسا وبريطانيا، وعلى نحو خاصّ الولايات المتّحدة”، وحاول سعيد أن يفكِّك الأفكار الغربيَّة المغلوطة المهتمَّة بالعرب والإسلام.

الفصل الأوَّل: تحليل كتاب «الاستشراق» لإدوارد سعيد مع حسبان لمعناه، تقاسيمه، طبيعة النقد الذي وجّه إليه وأهميَّته السياسيَّة، والطريقة التي استجاب بها العرب لأطروحته باختصار. ويُعَدُّ كتاب «الاستشراق» لإدوارد سعيد، على نحو كبير، إسهامة مفصليَّة في نقاش نظريَّة «ما بعد الاستعمار»، ودراسات الهُويَّة، وهذا كان واضحاً من شهرته وإسهامه في موضوع التصوّرات السلبيَّة المقولبة المقيّدة «الملتصقة» بالعرب، التي رُسِمَت بدراسات الاستشراق.

استشراق سعيد مقاربةٌ فعَّالةٌ تجاه تأسيس مناقشة رئيسة واحدة، التي أعطت نظريَّة «ما بعد الاستعمار» أهميّتها القيّمة في مساءلة الطرائق الاستعماريَّة في حكم الشرق، وتَعَقُّب المنشورات المختلفة التي أسهمت في تدمير صورة العرب، كما تمَّ رسم هذا في الغرب على نحو مُتَعمَّد. ممارسة المستشرقين أثَّرت في حقل دراسة العلاقات بين الذات والآخر، ولا سيَّما بين الشرق والغرب.

كتاب «القضيَّة الفلسطينيَّة»:

تُشكِّل القضيَّة الفلسطينيَّة واحدة من آثار الاستعمار في الوطن العربيِّ، ويحدِّد سعيد في كتاب «القضيَّة الفلسطينيَّة» عدداً من العوامل المهمَّة المتعلِّقة بالقضيَّة الفلسطينيَّة، ويختار ثلاث قضايا أساسيَّة تتعلَّق بفهم القضيَّة الفلسطينيَّة والصهيونيَّة، وكانت خاتمة الكتاب تحملُ عدداً من الحلول الممكنة لتحقيق استقلاليَّة القرار الفلسطينيِّ.

 بدأ سعيد الفصلَ الأوَّل بسؤال مهمٍّ وهو: ما هي فلسطين؟، محدِّداً نشأتها من خلال عرض تاريخ فلسطين قبل التأسيس، أمَّا في الفصل الذي يليه فحاول فهم الحركة الصهيونيَّة، مُسلِّطاً الضوء على مشكلة اليهود، وتاريخ الضحيَّة، الذي أثَّر في اليهود في أوروبّا، وكان محفِّزاً لإنشاء بلد قوميٍّ لليهود في فلسطين. في حين، في الفصلين الثالث والرابع، تعقَّب سعيد تاريخَ الحركة السياسيَّة الفلسطينيَّة للاستقلال الفلسطينيِّ، والتطوّرات المحتمَلَة في مستقبل المنطقة.

 بدأ سعيد الفصل الأوَّل من الكتاب محاولاً تحديدَ المقصود بفلسطين، وما هي الظروف التي قادت الفلسطينيين إلى الخروج من فلسطين؟، وهذا بالطَّبع يتألَّف من محاولة فهم الصهاينة الإسرائيليّين، الذين اختار سعيد أنْ يراهم ضحايا للقوَّة الاستعماريَّة البريطانيَّة، التي قادتهم إلى خيار إنشاء وطن لليهود.

كما انتقد سعيد العبارة الشهيرة القائلة إنَّ “الصهيونيَّة عنصريَّة”، موضّحاً أنَّ “الصهيونيَّة هي الصهيونيَّة”، والصهيونيَّة في حاجة إلى فهم خاصٍّ لها من خلال تاريخها الخاصّ وظروف نشأتها الخاصَّة.

بعدما حلَّل سعيد الظروف التي قادت إلى نشأة القضيَّة الفلسطينيَّة، بدأ في النِّصف الثَّاني من كتابه بحث الحلول المقترحَة للقضيَّة الفلسطينيَّة، والصراع العربيّ الإسرائيليّ، وُيعَدُّ سرُّ نجاح هذا الكتاب وقوَّة أطروحته الفكريَّة في أنَّ سعيداً لم ينظر إلى القضيَّة من منظور التاريخ العربيِّ الإسلاميِّ فحسب؛ بل وضع في الحسبان تاريخ فلسطين، التي تعاقبت عليها حضارات وشعوب، الحضارة الإسلاميَّة والحضارة اليهوديَّة، فرأى المشكلة من الجانبين -من وجهة النظر المضاعفة- رأى سعيد الإسرائيليين ضحايا، وعدَّ الفلسطينيين ضحايا الضحايا Victims of Victims. من خلال تبنِّي هذه الرؤية ثنائيَّة الجانب، استطاع سعيد أن يرى طبيعة التَّعصُّب الموجَّه ضدَّ الفلسطينيين اليوم، وقد تأثَّر من قَبْل باليهود عبر التاريخ.

من هنا نلاحظ: اختبار سعيد أصول المشكلة تاريخيّاً وسياسيّاً واجتماعيّاً ودينيّاً، ومن ناحية إنسانيَّة، ما سمح له بأن يتجاوز تقديم رؤية أُحاديَّة الجانب للقضيَّة التي أثَّرت في أُمَّتيْن. وبهذه الطريقة كان سعيد قادراً على فهم احتلال الإسرائيليين لفلسطين، وأَسَّسَ أرضيَّةً للفهم المشترَك، يُشيْدُ يعقوبي برؤية سعيد التي تجاوزت الرؤية الأُحاديَّة التي اتَّضحت على نحو جيِّد في كتاب «القضيَّة الفلسطينيَّة»، وكتاب «سياسة نزع الملكيَّة».

من المهمِّ القول إنَّ هذا الكتاب قدَّم خيرَ تطبيقٍ لمفاهيم سعيد، وفهمه لطبيعة المثقَّف ودوره، وكيف يستطيع أن يَسبُر الثقافة، ويفهم القضيَّة المطروحة بكلِّ ظروفها وتاريخها وإملاءاتها. ومن الجدير قوله: إنَّ مثل هذا الكتاب المهمّ نفدت كميّته، ولم تُجدَّد طبعته، إلى درجة أنِّي اضطررت حين كتابة بحثي في مرحلة الدكتوراه إلى شراء نسخة مستعمَلَة منه.

كتاب «بعد السَّماء الأخيرة»:

يُعَدُّ كتاب «بعد السماء الأخيرة»، لإدوارد سعيد، الَّذي أخذ عنوانه من قصيدة لمحمود درويش، صدَّرها في بداية الكتاب، أشبه بمرثيَّة فلسطينيَّة تصوّر بالكلمات والصور أيضاً حالات الشَّتات والضياع والإزاحة متعدِّدة الأشكال للفلسطينيِّين.

 ويعدُّ الكتاب تحليلاً مفصّلاً لحياة الفلسطينيّين في الداخل الفلسطينيّ وكذلك في الخارج، ويعكس طبيعة حيواتهم داخل فلسطين وخارجها، الّتي تفتقر إلى أقلّ الظروف الإنسانيَّة، مستخدماً مقاربات اجتماعيَّة وسياسيَّة وجغرافيَّة ودينيَّة واقتصاديَّة متعدِّدة.

 لقد وثَّق إدوارد سعيد كتابة أوجاع الفلسطينيين وواقعهم المعاصر كتابة، في حين وثَّق صديقُه المصوِّر جين مور في كلِّ صورة معروضة في الكتاب ظروفاً محدَّدة عايشها الفلسطينيُّ في الداخل والخارج، تفتقر إلى الحياة الإنسانيَّة الكريمة. حاول سعيد وجين مور ربط الصورة بالكلمة لقول شيء بليغ عن الحياة الفلسطينيَّة لم يكن قد قِيل من قبلُ، ويشرح سعيد أنَّه يريد أن يُقدِّم توثيقاً مضاعفاً لأوضاع الفلسطينيِّين في الداخل والخارج تبعاً لليعقوبي.

 يقول سلمان رشدي: إنَّ صور جين مور المستخدَمة في الكتاب تُمثِّل عدداً من القصص، واحدة منها تُبيِّن كيف أنَّ صُنعَ الهُويَّة الفلسطينيَّة يجري بحركة مستمرَّة، وعمليَّات صُنْعِ الذات الفلسطينيَّة لا تَهدأ أبداً.

ثمَّة جانب آخر مهمّ في كتاب «بعد السَّماء الأخيرة»، هو أنَّه يُسلِّط الضوء على مشاعر الفلسطينيِّين، والمرتبطة غالباً بالجرح الذي استمرَّ الفلسطينيّون في معايشته في منفاهم الداخليِّ في فلسطين، وخارج فلسطين أيضاً. في مستوى محدَّد، قد يبدو الفلسطينيّون أنَّهم يعيشون حياةً طبيعيّة، ويعملون في وظائفَ متعدِّدة، ويؤدّون التزاماتهم الاجتماعيَّة، وعلاقاتهم الإنسانيَّة، سواء في مجتمعهم الفلسطينيِّ أم المجتمعات الـمُضيفة لهم. تعاني الهُويَّة الفلسطينيَّة معاناة مستمرَّة، وعلى نحو ملحوظ، كما يُبيِّنُ سعيد ببلاغته المعهودة: “منفيّون في الخارج، ومنفيّون في الداخل. لا زال الفلسطينيّون يسكنون مقاطعة فلسطينيَّة في السابق «إسرائيل، الضفَّة الغربيَّة، وفي غزَّة» في ظروف سيّئة ومؤسفة”. «سعيد» يُبيِّن كيفيَّة تعامل بقيَّة الدول العربيَّة معهم؛ إنَّهم، ما عدا الأردن، يحملون بطاقات مكتوب عليها أنَّهم لاجئون فلسطينيّون، على الرَّغم من حقيقة أنَّهم مهندسون ومعلِّمون وتقنيُّون ومحترمون، وهم يعلمون أنَّهم في أعين مُضيفيهِم يُعدُّون غرباء. مثلما يُوضِّحُ سلمان رشدي أنَّ “منفى الفلسطينيين ليس منفى أدبيّاً أو برجوازيّاً بل هو ظاهرة جماعيَّة”. «رشدي».

لقد وصف سعيد في هذا الكتاب الحياة اليوميَّة للفلسطينيِّين، مشجِّعاً القرَّاء نحو فهمٍ أكثر، وتعاطفٍ أكبر، مع هذا الوضع الإنسانيِّ غير الاعتياديّ. أيضاً توقَّف سعيد عند الدَّور المهمِّ للمثقَّفين والمفكِّرين الفلسطينيّين لخدمة قضايا مجتمعهم، مسجِّلاً أيضاً خيباتهم ومراراتهم، مسلّطاً الضوء على جهود حنان عشراوي، ومحمود درويش، وغسَّان كنفاني، مختصِراً إيَّاها ببضع كلمات مؤلمة تعبِّر عن الإحباط الذي شعروا به، وختم كتابه موضِّحاً أنَّ الصورة الحاليَّة لفلسطين هي المنفَى والفقد والذكريات غير الدقيقة لمكان واحد تنازعه ذاكرة الآخر، وملكيَّة الآخر له مجموعة من التغطيات المختلطة، والحضور السلبيّ المبنيِّ للمجهول والمشتَّت في الوطن العربيِّ.

باقتباس مقطع من قصيدة درويش يختصر سعيد خيبات الفلسطينيين المتوالية بين النكبة وما بعد النكبة، من أحداث سياسيَّة قاصمة لجسد التاريخ الفلسطينيِّ، الحافل بانكسارات وخسارات تجعل الفلسطينيين يعيشون في انسداد الأفق والتساؤل حول ما سيكون ما بعد السَّماء الأخيرة؟؛ إلّا أنَّ سعيداً لم يكن في يوم ما لا يطرح ولا يقترح الحلول، ففي نهاية الكتاب يقترح أنَّه لن يكون هناك حلٌّ من دون العودة إلى الماضي، ومراجعة كلّ الإخفاقات والنجاحات، مشيراً بصراحة إلى أنَّه من دون الاتِّحاد فلن يستطيع الفلسطينيّون إنجاز مكتسبات للقضيَّة الفلسطينيَّة.

الرؤية الفكريَّة الكونيَّة الإنسانيَّة:

إدوارد سعيد، الهويَّة والهجنة: مفارقات ونظائر

حظيت ثيمة الهُويَّة بحيِّز مهمٍّ في كتابات سعيد السياسيَّة والأخيرة. فَهِمَ سعيد مكوِّنات الهُويَّة الفرديَّة والعامَّة لأفراد المجتمع، وكان فهمه مقارباً جدّاً لمفهوم الهُجنة لدى هومي بابا، حيث لا تكون هناك هُويَّة نقيَّة خصبة. يحيل هومي بابا إلى الذَّات الَّتي تملك تنوُّعاً موروثاً من الأسلاف، ومثل هذه الوضعيَّة تضع الهُويَّة في وَضْعٍ بينيٍّ، يشتقّ له مصطلح «الفضاء الثالث».

يرى نيكولاس دوت بويار في مقالته «إدوارد سعيد: اللّقاء خارج المكان على خُطى مثقَّف ضدَّ التيَّار» أنَّ الثقافات هجينة، وغير متجانسة، فالثقافات لديه: “لها تاريخ طويل منسوج من التشابك والتلاقح والتَّهجين”. «نيكولاس دوت بويار، 2015، ص: 124»، وهذا يدفع إلى فهم تصوّر سعيد للهُويَّة الكونيَّة، الذي تأسَّس في ضوء تجربة المنفى. يلاحظ كلٌّ من أشكروفت وبال الهواليا، في كتابهما «الإمبراطوريَّة تردّ بالكتابة» أنَّ الثيمة المهيمنة في أدب نظريَّة «ما بعد الاستعمار»، كانت مشكلة المكان والإزاحة. يهتمُّ مفكِّرو نظريَّة «ما بعد الاستعمار» بتأثير الإزاحة القسريَّة، وما تسبِّبه من إشكالات للهُويَّة الإنسانيَّة، ملاحظين الأثر المباشر لإزاحة الفرد من وطنه. يُقدِّمM. E. Maxwell  فهماً ديناميكيّاً للهُويَّة الذاتيَّة تكون محدَّدة عادةً بعدم الانتماء الذي قد يكون ناتجاً عن الهجرة، أو الإزالة الطَّوعيَّة من أجل أغراض العمل بالسُّخرة. مثل هذا الاقتلاع يكون ناتجاً عن عمليَّة التدخُّل العسكريِّ في المستوطنات. في حين يبيِّن Andrew Gurr أنَّ من الضروريِّ توضيح الفرق بيْن المنفى exile الذي يكون إجباريّاً، والغربة diaspora التي هي طواعيَّة. كما يُبيِّنGurr  أنَّ المنفَيَّ يقترح أنَّه الشخص الذي لا يُمكِنُهُ أن يعودَ إلى بلد المنشأ، على الرَّغم من أنَّه يتمنَّى العودة، وسيكون المنفى حينها سمة لعدد من الشروط والظروف الاستعماريَّة.

نَظَر سعيد كمفكِّر وأكاديميٍّ إلى المنفى بطريقة مختلفة، وقيَّمه على نحو إيجابيٍّ، على الرَّغم من أنَّه لم يُجرِّب الإزاحة والتهجير من وطنه شخصيّاً، إذ كان في لبنان، وبعده في القاهرة، لكنَّه شعر بمرارة النفي والإزاحة، وقد مرَّ بهما مواطنوه، والأثرين الفيزيائيّ والسيكولوجيّ عليهم، إذ شكَّل ذلك جزءاً كبيراً من ذاكرتهم، وظهر في أعمالهم الكتابيَّة. تلاحظ Barbour  أنَّ سعيداً في مذكّراته «خارج المكان»، يكتب عن تَوْقِه وحنينِه المستمرّ إلى الانتماء إلى وطن محدَّد. وللمفارقة أنَّه يريد أن يعبر من مكان إلى مكان، جغرافيّاً ومجازيّاً. Barbour، كما توافق Ashcroft أنَّ سعيداً يريد أن يضعَ نفسه كشخص مُقتلَع ومسلوخ ومنفيٍّ من وطنه، «Ashcroft».

يُقِرُّ سعيد أنَّ من الصعب أنْ يكون المنفيُّ واعياً على نحو تامٍّ لهُويَّته في المنفَى؛ لأنَّها تحيل إلى شيء غير منطوق مرتبط بمن نحن، ومن أين أتينا؟ وما هي ماهيَّتنا؟ يشير سعيد بهذه الأسئلة الثلاثة إلى مشكلة تكوين أيِّ فهمٍ فعليٍّ للهويَّة في المنفى، على وجه الخصوص أولئك الذين فقدوا أراضيهم. يحيل سعيد إلى الهويَّة الجمعيَّة للفلسطينيّين الذين يعيشون في المنفى في ظروف مختلفة. في واحدة من قصائد محمود درويش الشهيرة «أغنية ساذجة للصليب الأحمر» يصف بها حال الفلسطينيين بين لاجئٍ ومهاجرٍ ونصف مواطن في بعض الدول:

فأجبني يا أبي، أنت أبي

أم تراني صرت ابناً للصليب الأحمر؟! «درويش»

بمثل هذه الوضعيَّة، يبدو الفلسطينيُّ في أحسن ظروفه نصفَ مواطن في مختلف البلدان التي تستضيفه، ويبقى يحتفظ ببعض الروابط الثقافيَّة والإثنيَّة مع فلسطين. لذلك، نجد سعيداً يصف هذا الأمر بمجاز بالغ الأثر: الفلسطينيّون أمَّة الرسائل، والرموز، والتلميحات؛ ولأنَّ أرضهم مستعمَرَة، هم يمثِّلون لغزاً محرجاً للمجتمع العالميِّ”. «سعيد، بعد السماء الأخيرة، ص:»  يشبه وصف سعيد وصف حنّة أرندنت للاجئين اليهود الذين كانوا مصدومين بالهولوكوست، إذ وجدوا من السهل عليهم أن يتجاهلوا هويَّتهم الحقيقيَّة ويكونوا شيئاً آخرَ: “مهما نفعل، مهما نتظاهر، نحن لا نكشف أكثر من رغبتنا في التغيير، لا لأن نكون يهوداً”، «أرندنت».

تُعَدُّ الهُجنة واحدة من المفاهيم الرئيسة لدى منظِّري «ما بعد الاستعمار»، على وجه الخصوص، إدوارد سعيد وهومي بابا الذي يُعزَى إليه المصطلح على نحو أساس في كتابه «موقع الثقافة». يعيش منظِّرو «ما بعد الاستعمار» كمثقَّفين مهاجرين، حالةً من الهُجنة، بعدما وجد سعيد وبابا نَفْسَيهما يعيشان بين ثقافتين، وانتمائين، ولغتين، وأوطان عدَّة. في كتابه «تمثيلات المثقَّف»، يصرِّح سعيد أنَّ المنفى يُعدُّ جوهر ووجود المثقَّف، وعلى نحو صريح يعرضه كتجربة إيجابيَّة في حياة المثقَّف.

أمَّا هومي بابا، فلقد قدَّم تصوّراً مختلفاً للهُويَّة، يُقوِّض المفهوم الرومانسيَّ القوميَّ للأمَّة بوصفها مكوّناً نقيّاً وأصيلاً، كفكرة تمَّ نقلها من التصوير الإمبرياليِّ للأمم الأخرى. مثل بقيَّة منظِّري «ما بعد الاستعمار»، يرفض بابا الفكرة الثابتة والضيّقة للانتماء إلى الأمَّة، مقدِّماً رؤيةً بديلة تتحقَّق من خلال مفهوم «الهويَّات الهجينة».

 تنطلق هذه الانتماءات المختلطة للمهاجرين والمقيمين الآخرين مع بعضهم بعضاً؛ ليؤسِّسوا مفهوماً فريداً لنوع جديد من الهويَّة التي بُنيت على فكرة الفضاء الثالث. تبعاً لهومي بابا، هذا الفضاء الثالث هو موقع مزدوج، حيث لا يوجد ثبات للمعاني الثقافيَّة، ولا وحدة بدائيَّة.

حينما نطبِّق المفهوم السابق على مجموعة من منظِّري ما بعد الاستعمار، فمن الواضح أنَّ سعيداً أحدُ هؤلاء المثقَّفين، الذي نستطيع تطبيق مفهوم الهُجنة على هُويَّته. لقد عاش في المنفَى لعقود طويلة من حياته حتَّى وفاته. هُويَّته موجودة فحسب في الفضاء الثالث، بينيَّة بين ثقافاتِ مدنٍ ولغات، ولا يستطيع أن يعدَّ نفسه فلسطينيّاً خالصاً ولا أمريكيّاً خالصاً، فهو فلسطينيٌّ أمريكيٌّ. وعلى الرَّغم من انتمائه العميق إلى فلسطين، وهذا لم يكن ليمنعه بأيِّ شكل من الأشكال لأن يكون أمريكيّاً. يلاحظ سعيد أنَّه لم يضع نفسه في أحد الجوانب. يضع سعيد نفسه بين مكانين، وبالنظر إليه يجد من الصعب جدّاً أن يقبضَ على فكرة واحدة للانتماء. لقد عبَّر محمود درويش عن هذا التصوّر الهجينيّ للهُويَّة في قصيدة رثائه لإدوارد سعيد، بعنوان «طباق لإدوارد سعيد»، ازدواجيَّة سعيد وبينيَّته الفلسطينيَّة الأمريكيَّة، بين اسمين ولغتين. السِّمة المميِّزة لصوت سعيد في هذه القصيدة، هو ككاتب شرح لدرويش أنَّ الهُويَّة متعدّدة الأبعاد، وأنَّه ينتمي إلى مكانين، ولغتين، وجسدين، وثقافتين تحملان تنوُّعاً وخصوبة.

 كتب الهُويَّة الذاتيَّة:

كتاب «خارج المكان»:

يُعَدُّ كتاب «خارج المكان» أحد أهمِّ كتب السِّيرة الذاتيَّة التي قيلت بصدق وشفافية، ومن أكثر كتب السيرة الذاتيَّة متعةً في القراءة. أحد أهمّ أسباب شهرة الكتاب أنَّه للمفكِّر الإنسانيِّ الكبير إدوارد سعيد، الذي ناضل ضدَّ قضايا كثيرة تستلب من الإنسان والأمم كرامتها وإنسانيَّتها.

 أمَّا السبب الثاني، فلأنَّه يعكس العالم الداخليَّ بشفافية وصدق لهذا المفكر الإنساني العظيم. في هذا الكتاب، كتب إدوارد سعيد عن حياته الشخصيَّة والأكاديميَّة، وكيفيَّة تداخل كلّ منهما في الأخرى، وكيف أثَّرت إحداهما في الأخرى بطريقة جعلته ينطلق كشاهد على الأزمة، ويسرد قصَّته وقصَّة الفلسطينيين معه بثقة كبيرة. حاول سعيد في هذا الكتاب أن يكشف بعض التفاصيل التي كانت مختبئة في ذاكرته، ليعيدَ اختبارها من جديد.

سَمَّى سعيد كتابه «مذكّرات»، ولم يطلق عليه مسمَّى «سيرة ذاتيَّة»، لأنَّه يعتقد، كما يُبيِّن McCaarthy أنَّ السِّيرة الذاتيَّة فيها توثيق يتطلَّب منه أن يكون موضوعيّاً ودقيقاً، في حين أنَّ اليوميَّات تعدُّ فنّاً أكثر تواضعاً، وانطباعات الوعي الذاتيّ من دون النزوع إلى الصرامة الأكاديميَّة، أو التَّوثيق التاريخيِّ، وهذا يتواءم جدّاً مع رغبة سعيد في طرح مقاربته لقصَّته الشخصيَّة ورغبته في تحرير نفسه من التعبير الرسميِّ عن ذاته، مختاراً أن يصطفيَ مجموعةً من الأحداث والأشخاص الذين كانوا مهمِّين لديه على نحو شخصيٍّ، بدلاً من الاهتمام بدلالة تأثيرهم الواسع في التاريخ، وهذا لم يكن بالطبع تجربة أكاديميَّة مشار إليها بدقَّة في اكتشاف الذات؛ لكنَّه مجرَّد مراجعة شخصيَّة لتأمُّل ذاتيٍّ للهويَّة. يُشدِّد McCarthy على أنَّ سعيداً بسخرية لاذعة حاول الابتعاد عن الدقَّة الأكاديميَّة، ما أعطى عمله هذا أصالته بحسبانه تذكُّراً شخصيّاً غيرَ رسميٍّ.

لقد كتب سعيد هذا الكتاب تحت ضغط المرض الّذي أصيب به في أواخر حياته «اللوكيميا»، فحاول أن يترك شيئاً يوثِّق حياته.

هذا الإحساس بالكينونة خارج الزمان قد انعكس في عدد من طبعات الكتاب المتعاقبِة، وصورة سعيد طفلاً صغيراً يرتدي ملابس المدرسة، وهو الذي لم يقع في مركز الصورة في غلاف الكتاب، مثلما يفترض بكتابات السيرة الذاتيَّة أن يتوقَّع المرء وجود تصميم كلاسيكيّ لكتب السيرة الذاتيَّة.

تبدأ بينيَّة سعيد وهُجنته في الوضوح من خلال أشياء عدَّة تتعلَّق بحياته الشخصيَّة، والظروف الإنسانيَّة التي يعيشها، شيء منها اختاره، وشيء منها لم يختَره. تبدأ إشكاليَّة البينيَّة من اسمه المزدوج الذي يحمل اسمين، شرقيّ وغربيّ، اسمه إدوارد، ووالده وديع سعيد، الذي يُحيل إلى ازدواجيَّته الثقافيَّة بين مكوِّنين، غربيّ وشرقيّ. حتَّى عنوان سيرته الذاتيَّة «خارج المكان» يحمل هذه الدلالة والفضاء البينيّ، فالعنوان يُبيّن على نحو مجازيٍّ أنَّه لا يستطيع في النهاية الوصول إلى انتماء محدَّد، وأن ينتمي إلى مكان ما، وما قدَّمه في تجربته الأكاديميَّة ما هو إلَّا جزء من تجربته الشخصيَّة. واضح هذا التقاطع بين عالمين اثنين، العالم العربيّ الفلسطينيّ، والناطق بالإنجليزيَّة الأمريكيَّة. يُسلِّط سعيد الضوءَ على هذه الهُويَّة الهجينة، والازدواجيَّة في اسمه، في الفقرة الافتتاحيَّة من كتابه «خارج المكان»:

“هكذا كان يلزمُني قرابة خمسين سنةً كي أعتاد على “إدوارد”، وأخفِّف من الحرج الذي يسبِّبه لي هذا الاسم الإنكليزيّ الأخرق، الذي وضع كالنير على عاتق “سعيد” اسم العائلة القح…، وخلال سنوات من محاولتي المزاوجة بين اسمي الإنكليزيّ المفخَّم وشريكه العربيّ، كنت أتجاوز “إدوارد” وأؤكِّد على “سعيد” تبعاً للظروف، وأحياناً أفعل العكس، أو كنت أعمد إلى لفظ الاسمين معاً بسرعة فائقة، بحيث يختلط الأمر على السامع”، «سعيد، 2000، ص: 25».

   بتعليقه على الرابط بين الأسماء الخاصَّة والهُويَّة، يناقش Windt-Val الطريقة التي نستخدم بها أسماءنا، وهي تتألَّف من جزء من الانطباع الّذي يشكِّله الآخرون عن أسمائنا، ويتَّضح ذلك في مقطع آخر من إدوارد سعيد، إذ يُبيِّن كيف يستخدم اسمه الكامل؛ ليبيِّن جوانب مختلفة من هويَّته. كما يُبيِّن سعيد أنَّ والده غَيَّر اسمه من وديع إلى ويليام؛ لأنَّه كان يعتقد أنَّ ذلك يتلاءم على نحو جيّد مع هُويَّته كمواطن أمريكيٍّ. بالطبع، نحن اليوم لا نلوم والد إدوارد على هذا السلوك في الماضي، فلم تشهد الهُويَّات والمكوّنات المختلفة للهُويَّة اعترافاً متبادَلاً بين الثقافات، مثلما كان يشهده عالَمُ إدوارد سعيد الغربيُّ، ما بعد الاستعماريّ المتعدِّد، في الماضي كانت الهويَّة المختلفة موضوع مساءلة وتشكيك في انتماء الفرد إلى الفضاء الجديد. أمَّا ما يفترضه الغرب في زمن سعيد فهو الاحتفاء بهذا الغنى والتنوُّع. كتب سعيد تحليلاً واسع المدى في يوميَّاته عن توجّهه وفهمه لتعقيدات اسمه ذي الانتمائين إلى الخليط الثقافيِّ- اللُّغويِّ في البيئة الأسريَّة، حسب الطريقة التي رُبِّي وفقها. يُناقش رولاند بورنوف هذا الإحساس بالاختلاف في مقالته: «إدوارد سعيد، أو الوعي النقديّ»، قائلاً: “ليس من قَبيلِ المصادفة أنْ يُعنون إدوارد سعيد سيرته الذاتيَّة «خارج المكان». بَحَثَ إدوارد سعيد طوال حياته عن مكانه وانتمائه بشعور من الضيق لازمه منذ طفولته. ما كان ممكناً أنْ يُصبِحَ عجزاً وشلَلاً، استطاع سعيد أنْ يُحوِّله إلى ثراءٍ مفارق”، «رولاند بونوف، 2015، ص: 79».

بالنظر إلى المذكِّرات نفسها، يُركِّز سعيد بنفسه على طفولته المبكرة مُناقِشاً توجّهاته الشخصيَّة تجاه نظام والده الصارم جدّاً، الذي يَظنُّ أنَّه أثَّر في شخصيَّته على نحو سلبيٍّ جدّاً، وبخلاف طريقة والده غير المرنة في تربيتهم، كانت والدة سعيد عنصراً داعِماً ومؤيِّداً له بقوَّة، ومن خلال فهم الدَّور الذي قام به كلٌّ من والديه، يزوِّدنا هذا برؤية مهمَّة لفهم الحُضْن الأُسَريِّ، الذي يُشكِّل العوامل المسهمة في تشكيل هويَّته. يلاحظ سعيد كيف ساعد والداه في تشكيل هويَّته من خلال ممارسة قوَّتيهما على سلوك أبنائهما، ومن خلال توضيح منظومة القيم والخير والشرِّ من وجهة نظريهما، معتمدين على رؤية محدَّدة للحياة.

 في مواضع كثيرة في الكتاب، يُبيِّن سعيد طريقة أُمِّه في تربيته، شارحاً بطرائق كثيرة طريقتها الذكيَّة في توجيهه وجعله يتصرَّف وفق الطريقة التي تريدها. أيضاً يُسلِّط سعيدٌ الضوءَ على علاقة والديه، أحدهما بالآخر، بخطوات تكشف سلبيَّة والدته تجاه زوجها، على الرَّغم من شخصيَّتها القويَّة، وهذا يَعكِس وضعيَّةَ النِّساء كتابعات للرجال في المجتمع الشرقيِّ، وفي الوقت عينه يُصوِّر الوضعيَّة الدُّونيَّة للمرأة العربيَّة في الثقافة العربيَّة.

بإخبار قصَّته الذاتيَّة، يذكر سعيدٌ كلّاً من الأثرين السلبيِّ والإيجابيِّ في حياته، مثلما يذكر تلك التي أثَّرت في تاريخ أسرته وتاريخ أمَّته. لا يرسم سعيدٌ خطّاً فاصلاً بين تلك الأحداث الَّتي وقعت في الشأن الخاصّ، وتلك التي أخذت موضعاً في تاريخ وطنه. وفي مناسبات عدَّة، نجد سعيداً يَعكِسُ التغيُّرات التي حدثت للقضيَّة الفلسطينيَّة، محلِّلاً المواقفَ المهمَّة التي تُدعِّم أو تؤخِّر مسار القضيَّة الفلسطينيَّة، كما يوضِّح أيضاً بداية وعيه تجاه هذه القضيَّة، ومواقفه الداعمة لها، فتتحرَّك أفكاره على نحو حرٍّ بين الناس والأشخاص، وبحياته الشخصيَّة يقفز من شخصيَّة إلى أخرى محاولاً إحضار كلّ هذه الذكريات إلى عقله، التي كانت قد انتشرت عبر الزمان والمكان، ومحاولاً إعادة تصوير بعض منها، التي قد ضلَّت، فاشلاً في استحضار بعضها الآخر.

وصف سعيدٌ الأماكنَ التي يتذكَّرها على أنَّها مواقع جغرافيَّة حقيقيَّة، لذا من الممكن تعرُّف الملامح المميِّزة لكلٍّ من القاهرة ونيويورك، لأنَّه ينتمي إلى كلِّ هذه الأماكن عاطفيّاً، وكان متأثِّراً بتصوُّره للأماكن، وللذكريات السعيدة أو الحزينة، وللأماكن التي يتحدَّث عنها، إذ كان يتعامل سيكولوجيّاً مع هذه الأمكنة.

باختصار، لقد كان كتاب «خارج المكان» أكثر من كتاب ذكريات شخصيَّة لمفكِّر، وكانت تأمُّلاته واستدعاءاته انعكاساً حقيقيّاً للأزمنة والأمكنة التي تنقَّل بينَها، واستدعاءاته للشخصيَّات من الأقارب والأصدقاء الذين تأثَّر بهم.

من خلال التوقُّف أمام كُتُب سعيد السَّابقة وسيرته الذاتيَّة، يتبيَّن أنَّ سعيداً لم يختبر انتماءه الوطنيَّ إلَّا بعد نكبة فلسطين، وبعدها بدأ يُعلن عن انتمائه إلى فلسطينَ والولايات المتّحدة الأمريكيَّة. بالنظر إلى الانتماء الوطنيِّ، يَنصُّ كلٌّ من بال وأشكروفت على أنَّه لا يمكن الفصل بين انتماء سعيد إلى القضيَّة الفلسطينيَّة، وانتمائه الشخصيّ إلى الهويَّة الفلسطينيَّة. نحن لا نستطيع أن نفصل بين الاهتمام السياسيِّ بالدولة الفلسطينيَّة وهُويَّته وهُويَّة الفلسطينيين على نحو عامّ، من التحليلين النظريِّ والأدبيِّ للنصوص، والطريقة التي تقع فيها هذه النصوص في العالم.

 في الحقيقة، تشكَّلت هُويَّة سعيد الوطنيَّة عبر تجربة فقد الوطن، نتيجة لقوَّة الاستعمار في الغرب. في سيرته الذاتيَّة وعدد من أعماله يبيِّن الرابط الأساس بين فقده للوطن وتمثيله للهويَّة في أعماله. تنقُّله في مناطقَ متعدِّدة في طفولته، ومِنْ ثَمَّ استقراره في أمريكا، وبحثه المضني عن انتماء محدَّد لا يتحصَّل عليه، فتجربة المنفى وضعته أمام قضيَّة أخرى، هي الوحدة والعزلة، وقد بقيت آثارهما في لا وعيه، وتجلَّتا خلال حياته.

توفِّي كلٌّ من سعيد ودرويش في أمريكا؛ درويش ربط منفاه بمنفى شعبه، لكنَّ سعيداً دائماً ما أراد أن يكون في “مكان قائم بين عالمين”. «نيكولاس دوت بويار، ص 144»، وهذا ما سأتتبعه أكثر في الجزء اللاحق.

الهويَّة والكونيَّة

يبدو المظهر الأخير من الهويَّة لدى إدوارد سعيد هو العالميَّة، أو بمعنى أدقّ الكونيَّة. يفضِّل سعيدٌ أنْ يستخدمَ مصطلح «الكونيَّة» Cosmopolitanism بدلاً من العالميَّة؛ لأنَّه يؤمن أنَّ مصطلح «الكونيَّة» يحمل أيديولوجيَّة أقلّ من المصطلح الأوّل، بالمعنى السياسيّ والاقتصاديّ والثقافيّ. تبعاً لــ Delanty، الكونيّ بأبسط فهم له مواطن العالم، الذي يتبنَّى هُويَّة تشير إلى معنى من الرفض لعالم مغلق، أو ارتباطات محدَّدة. يقول الباحث الأنثربولوجيّ البرازيليّ Lin’s Ribeiro   إنَّ هذه الفكرة تمَّ شقّها والإتيان بها من بلاد الإغريق القديمة، وعرَّف الكونيَّة بأنَّها:

“فكرة غربيَّة تخلُص إلى حاجة الفاعلين الاجتماعيين إلى تصوّر كيان سياسيٍّ وثقافيٍّ أكبر ممَّا يملكونه في وطنهم، من شأنها أن تشمل جميع البشر على نطاق عالميٍّ”. « Ribeiro , 2001, p.19 »

يميِّز   Delantyبين ثلاثة أنواع من الكونيَّة؛ أوَّل هذه الأنواع هو كونيَّة أخلاقيَّة ترتكز على الأخلاق العالميَّة للبشر، مثلما اتَّضحت في فلسفة أفلاطون. يُحيل النوع الثاني إلى الكونيَّة السياسيَّة التي تشير إلى أنَّ عمليَّات تفعيل الديمقراطيَّة يمكن تحقيقها في ضوء العولمة، وعبور القارَّات والوطنيَّات. النوع الأخير هو الكونيَّة الثقافيَّة التي تهتمُّ بالعلاقة بين الثقافتين المحليَّة والعالميَّة، وتتخلَّص من التَّمييز الحادِّ بينهما. Delanty»»

لقد أدرك إدوارد سعيد مفهوم الكونيَّة على نحوٍ رائع في تجربته الخاصَّة، وقد تبنَّى فهماً مختلفاً للعالميَّة.

لا يؤمن سعيد بالعالميَّة الَّتي ترتبط بالعولمة الَّتي يراها مفهوماً أمريكيّاً يخدم أجندة سياسيَّة محدَّدة، لكن بدلاً من ذلك يؤمن بالفهم الكونيِّ للهُويَّة. مفهوم مثل العالميَّة يبدأ من مستوى الهُويَّة الوطنيَّة، ويتطوّر وصولاً إلى ثيمات عالميَّة للهُويَّة الإنسانيَّة، مع الأخذ في الحسبان وجهتي النظر المحليَّة والعالميَّة. لهذا، الكونيَّة لا تتجاهل ثقافة الفرد، لكنَّها تتفاعل مع ثقافات أخرى، في حين بإمكان الفرد المحافظة على مظاهر فريدة لهويَّته الوطنيَّة. احتفل سعيد كثيراً بمفاهيمَ مهمَّة، من مثل التَّعايش مع الأمم الأخرى، والثقافات الأخرى.

بالإضافة إلى هذا، ثمَّة مفاهيم مهمَّة من مثل: التسامح والتعايش، والتسامح وقبول الآخر. عاش سعيدٌ في أمم وثقافات متعدِّدة يبحث عن نقاط الالتقاء أكثر من نقاط الاختلاف، وعن انسجام التَّفاعل بين الثقافات بدلاً من الثنائيَّات الضديَّة المتصارعة. لذلك، نجد سعيداً دوماً يضع نفسه في وضعيَّة الآخر؛ ليفهم موقفه والظروف التي أنتجت موقفاً من مواقفه، مثل مصطلحه الشهير «ضحيَّة الضحيَّة»، الذي مكَّنه من فهم مشكلة اليهود قبل أن يكونوا هم مشكلة للفلسطينيين. توضِّح أخت إداورد سعيد، جين سعيد مقدسي، في مذكّراتها «ماما، تيتا، وأنا»، أنَّ أخاها لم يكن يُدعِّم القضيَّة بفهم ضيِّق وانتماء وطنيٍّ ضيِّق جدّاً، إنَّما بفهم واسع كوجهة نظر كلِّ البشر الذين يعانون: “إنَّ احتضان القضيَّة الفلسطينيَّة يعني أن تحتضن كلَّ المواضع التي تعاني في العالم من انعدام العدالة، وإعلان إيمان المرء في ردِّ الحقِّ في نهاية المطاف”. صرَّحت جين أنَّ سعيداً أحال إلى العالميَّة كونها الحلَّ الأنسب للمعاناة الفلسطينيَّة، ما يعني تحقيق دولة ديمقراطيَّة عالميَّة لكلِّ المواطنين في العالم بطريقة تتعايش بها الإثنيَّات الدينيَّة المختلفة: المسيحيَّة واليهوديَّة والمسلمة بعضها مع بعض.

الهويَّة الهجينة والوقوع بين ثقافتين:

يُقدِّم كتاب «تأمُّلات في المنفى» تصوّر سعيد للمنفى وانعكاسه على هُويَّته الخاصَّة. يتألَّف الكتاب من مجموعة مقالات تتألَّف من 22 مقالة كتبها سعيد في موضوعات متنوِّعة، وأغلبها تدور حول الشأن العربيِّ على الصعيدين السياسيّ والأدبيّ، أو حتَّى الأمكنة، مثل القطعة التي كتبها عن القاهرة. مع هذا، نجد أنَّ أغلب مقالات المجموعة تناقش فكرة الهُويَّة.

 المقالة الأولى، وهي: مقالة أكاديميَّة معنوَنة بـــ «تأمُّلات في المنفى»، التي تحمل عنوان المجموعة نفسها، وتناقش مفهوم المنفى والأدب الذي كتبه أدباء عايشوا فترة المنفى. تبدو في المقابل هناك مقالة تأخذ طابع التعبير الشخصيِّ عن المنفى، كتبها سعيد عن المنفى، وهي تعدُّ تأمُّلاً ذاتيّاً للهُويَّة الذاتيَّة من منظور تجربة المنفى. تشرح مقالة «تأمُّلات في المنفى» للقرَّاء لماذا تحوَّل سعيدٌ من الحديث عن أزمة شخصيَّة إلى مناقشة قضيَّة عامَّة تتناول تجربة المنفى بالفهم الواسع. تنظر المقالة إلى مفهوم المنفى مبتدئةً بتعريف المنفى، ومن ثمَّ مناقشة أهمّ مظاهره وأشكاله. بالإضافة إلى هذا، تحاول هذه المقالةُ تمييزَ فروقٍ واضحةٍ بين المنفيّين، مثل المنفيّين أنفسهم، والمهاجرين، واللاجئين، والمشرَّدين. كما هو معروف، في كتابة سعيد، يُحيل إلى مجموعة من المفكِّرين والكُتَّاب مثل أدورنو ومحمود درويش. بالإضافة إلى هذا، يُقدِّم سعيدٌ رؤيةً عميقةً لمشاعر المنفيين.

يبيِّن أورازيو إيريرا في مقالة «النزعة الإنسانيَّة في منظور إدوارد سعيد، الرهانات الأخلاقيَّة والسياسيَّة للترجمة»، فيقول: “إنَّ المنفيَّ يعيش في حالة وسطيَّة، لا ينسجم تماماً مع المحيط الجديد، ولا يتخلَّص كليّاً من عبء البيئة الماضية”، «إيريرا، 2015م، ص: ٥٨- ٥٩».

بالنظر إلى سعيد، ينظر المنفيّون إلى السكَّان الأصليّين، وغير المنفيّين، بأحاسيس من الاستياء الكبير. ينتمي السكَّان الأصليّون إلى بيئاتهم ومحيطهم، في حين تشعر، أينما يكُن المنفيُّ دائماً يكُن خارج المكان. مثلما يكون المرء وُلِدَ في مكان ما ليبقى فيه وليعيش، لتدرك أنَّك خارجه، لوقت أكثر أو أقلّ، أو حتَّى إلى الأبد.

في هذه المقالة يُكرِّر سعيدٌ فكرة الكينونة خارج المكان، وعنوان سيرته، كما أوضحت أعلاه، يشير إلى أنَّ سعيداً نفسه كَفَردٍ، دائماً كان يُعِدُّ نفسه خارجيّاً وداخليّاً: خارج المكان وداخله.

في مقالة «النزعة الإنسانيَّة في منظور إدوارد سعيد، الرهانات الأخلاقيَّة والسياسيَّة للترجمة»، يُبيِّن أورازيو إيريرا: “ولأنَّ المنفيَّ يرى الأمور من حيث علاقتها بما خلَّفه وراءه، وبما هو أمامه الآن فعلاً على السواء، فإنَّ ثمَّة منظوراً مزدوجاً لا يَقدِرُ مطلقاً على رؤية الأشياء بمعزل عن بعضها، «أورازيو إيريرا، ص: ٦٩».

في كلِّ حال، في الواقع، مثلما تلاحظ Alissa Jones Nelson  أنَّ وضعيَّة سعيد، الخارجيَّة والداخليَّة، كانت موضوعاً للتغيُّر، وكان قادراً على أن يتحرَّك خلال الحدود القابلة للاختراق، التي تفصل الداخليَّ عن الخارجيِّ، الذي يبدو أنَّه يفصل الأماكن على نحو مستقلٍّ. في وقت محدَّد من حياته، كان أكاديميّاً وسياسيّاً داخليّاً.

مثلما لاحظت سابقاً؛ على الرَّغم من أنَّ سعيداً كان فلسطينيّاً بالميلاد، ولد في فلسطينَ، وقضى معظم مرحلة تكوينه ونشأته  في القاهرة حتَّى سنِّ السادسة عشرة، ثمَّ سافر إلى الولايات المتّحدة الأمريكيَّة ليكمل دراسته بعدما حصل على الدكتوراه في عام 1963م، السنة التي أعقبتها النكسة بعد أربع سنوات. عَمِلَ سعيد محاضراً في جامعة كولومبيا، وكان هذا فقط مع اندلاع حرب الأيَّام الستة، في عام 1967م، المتبوعة بالنكسة التي بدأ يصبح سعيد واعياً سياسيّاً لها، وهذا الوعي بدأ يؤثِّر في حياة عمله الأكاديميِّ. كان داعماً لمنظَّمة التحرير الفلسطينيَّة، وهذا ما جعل كثيراً من الأمريكيين ينظرون إليه كسياسيّ خارجيّ. بحلول عام 1980م، أصبح سعيدٌ ناشطاً سياسيّاً داخليّاً في المركز الفلسطينيِّ الوطنيِّ.

بعد نقده السياسيِّ اللاذع، والتَّشرذم الذي حصل في منظمة التحرير الفلسطينيَّة، وبعد توقيع اتفاقيَّة أوسلو، عاد سعيدٌ على نحو ما ليكون خارجيّاً، في تمثيل السياسة الفلسطينيَّة رسميّاً. أثار سعيدٌ غضبَ مواطنيه لدفعه الحدود بين الداخل والخارج. لأوقات عدَّة، صُنِّفَ سعيد بأنَّه أكاديميٌّ خارجيٌّ، وعدَّ نفسه كذلك، لكنَّه لم يشعر قطّ أنَّه يقع على نحو حصريٍّ في هذا التصنيف.

المقالة الثانية المهمَّة في كتاب «تأمُّلات في المنفى»، تحمل عنوان «بين عالمين»، في مرحلة متأخِّرة من حياته، بعدما اكتشف أنَّه أصيب بمرض خطير هو اللوكيميا. في هذه المرحلة، بدأ يعود إلى موضوع الدكتوراه، مقارناً بين منفاه الشخصيّ ومنفى الروائيِّ جوزيف كونراد.

كانت هذه الاكتشافات المتأخِّرة بين التشابهات، بين التجربتين، بين الكاتبين المنفيين، وكانت الدلالة الرئيسة لهذه المقالة. في حين كان جوزيف كونراد روائيّاً بولنديّاً مهاجراً، كان سعيد فلسطينيّاً أمريكيّاً لديه حقوق المواطنة الأمريكيَّة بسبب هجرة والده. بسبب موقف سعيد المعقَّد بين وطن كامل الحريَّة، ووطن مغتصَب، عايش سعيدٌ أحاسيسَ المرارة تجاه منفاه على نحو أعمقَ، وأكثر مرارةً ممَّا أحسَّ به جوزيف كونراد نفسه.

لقد كان يتطلَّب منك وضع الهامشيَّة: يقول في مقالة «المنفى الفكريّ»، يقول: “إنَّ وضع الهامشيَّة، الذي ربَّما يبدو معدومَ المسؤوليَّة أو مفتقراً إلى الجديَّة، يحرِّرك من وجوب التحرُّك دوماً بحذر، خائفاً من أن تفسد على أحد ما تدابيره، حريصاً على ألَّا تزعج زملاءَك في عضويَّة المؤسَّسة عينها”. «ص: ٧١»

ختاماً

بطرائق عدَّة، بدأ سعيدٌ حياته غريباً، وانتقل إلى وضعيَّة الداخليّ، ومِنْ ثَمَّ انتهى بالعودة إلى الخارجيِّ. في كتابته بقي سعيدٌ شخصيَّة داخليَّة وخارجيَّة إشكاليَّة؛ وعلى الرَّغم من هذا، كان يدعو إلى الانتماء إلى كلِّ العالم، مثلما ترى ليلى الداخلي أنَّه في سبيل التخلُّص من الهويَّات القاتلة، يدعونا سعيدٌ “إلى حبِّ العالم؛ أي الانتماء إلى “العالم الرَّحب ذي النوافذ المتعدِّدة، نوافذ الثقافة الإنسانيَّة”، « ليلى الداخلي، 2015، ص: 142».


المراجع:-

–     الجرطي، محمد، (٢٠١٥م)، ادوارد سعيد من تفكيك المركزية الغربية إلى فضاء الهجنة والاختلاف: (مجموعة من المؤلفين)، (ميلانو: منشورات المتوسط)

  • سعيد، ادوارد، (٢٠٠٤م)، تأملات في المنفى، ترجمة: ثائر ديب، (بيروت: دار الآداب).
  • سعيد، ادوارد، (١٩٩٣م)، صور المثقف، ترجمة: غسان غصن، مراجعة: منى أنيس، ( بيروت: دار النهار).


English References:

Works by Edward W. Said

)1986   (After the Last Sky: Palestinian Lives (photographs by Jean Mohr). (London: Faber & Faber),.

)1985 (Beginnings: Intention and Method, (New York: Columbia University Press), 3rdedn.

 (1981),  Covering Islam: How the Media and the Experts Determine how we See the Rest of the World, (New York: Vintage).

 (2004),  Freud and the Non-Europeans, (London and New York: Verso).

(1966), Joseph Conrad and the Fiction of Autobiography, (Massachusetts: Harvard

              University Press).

 (2006), On Late Style, (London: Bloomsbury).

(1978), Orientalism, (London: Routledge and Kegan Paul).

(1979), The Question of Palestine, (New York: Vintage).

(1983), The World, the Text, and the Critic, (Cambridge, MA: Harvard University Press).

(1985), “Orientalism Reconsidered”, Cultural Critique, 1, 89-107.

(1994), Culture and Imperialism, (London: Vintage).

(1994), “On Mahmoud Darwish”, Oblivion, 48, 112-115.

(1994), The Politics of Dispossession: The Struggle for Palestinian Self-Determination, 1969-1994, (New York: Pantheon Books).

(1996), Representations of the Intellectual, (New York: Vintage).

(1999), Out of Place: A Memoir, (London: Granta).

(2000), “Invention, Memory, and Place”: Critical Inquiry, 26 (2), 175-192.

(2000), The End of the Peace Process, Oslo and After, New York: Vintage.

(2000), “The Challenge of Israel: Fifty Years On” in The End of The Peace Process, Oslo and After, New York: Pantheon Books, 229- 233.

 (2001), Reflections on Exile and Other Literary Essays, London: Granta, 2001.

(2004), “Memory, inequality, and power: Palestine and the universality of human rights”, Alif: Journal of Comparative Poetics, 24, pp. 15-33.

Secondary Resources

Arendt, H. “We Refugees”, in The Jew as Pariah: Jewish Identity and Politics in the

Modern Age, (1978), (New York: Grove Press), pp. 55-66, p. 63.

Ashcroft, B. and Ahluwalia, P. Edward Said, (1999), 1st edn, (London; New York: Routledge).

Ashcroft, B. and Ahluwalia, P. Edward Said., (2001) 2nd edn, (London: Routledge(

Callaghan, C. (2003), “Selected Bibliography of Work about and of Edward Said’s Texts”, CLCWeb: Comparative Literature and Culture, 5 (4) 2003, 1-14. Available online at: http:///dx.doi.org/10.7771/1481-4374.1203 Accessed on 05/05/2015

Delanty, G., (2006) “The Cosmopolitan Imagination: Critical Cosmopolitanism and Social Theory”, British Journal of Sociology, 57 (1), 2006, pp. 25-47.

Massad, J. “Affiliating with Edward Said,” in Edward Said: A legacy of

emancipation and representation, edited by A. Iskander and H.Rustom, Berkeley: University of California Press, pp.23-49.

 Yacoubi, Y., (2005), “Edward Said, Eqbal Ahmad, and Salman Rushdie: Resisting the Ambivalence of Post-Colonial Theory Author(s)”, Alif: Journal of Comparative Poetics, 25, 2005, 193-218.