مسلمو أمريكا المُبكرة: التاريخ المنسي – سام هاسلبي / ترجمة: أحمد ياسين بكاري

مسلمو أمريكا المُبكرة: التاريخ المنسي – سام هاسلبي / ترجمة: أحمد ياسين بكاري


مسلمو أمريكا المبكرة

عمر بن سعيد 1850م.  تلوين رقمي.  السيرة الذاتية لعمر بن سعيد هي السيرة الذاتية الوحيدة المعروفة لعبد مكتوب بالعربية في أمريكا.  لم يتم تحريرها من قبل صاحبه ، كما كان من قبل عبيد آخرين سيرهم مكتوبة باللغة الإنجليزية ، وبالتالي يُعتقد أنه أكثر أصالة.  كما تشهد على المستوى العالي من التعليم الذي كان موجودًا في أفريقيا في ذلك الوقت وتكشف أيضًا أن العديد من الأفارقة الذين تم إحضارهم إلى الولايات المتحدة كعبيد كانوا مسلمين. المصدر: مكتبة جامعة ييل.

الكلمات الأولى التي عبرت بين الأوروبيين والأمريكان (كانت من طرف واحد ومركبة كما يجب أن تكون) تمت باللغة المقدسة للمسلمين ، كريستوف كولومبوس كان يأمل أن يبحر إلى آسيا واستعد للإتصال بالمحاكم الكبرى بإحدى اللغات الرئيسية لتجارة أوراسيا. مترجم كولومبوس وهو يهودي إسباني عندما تكلم بالعربية إلى التانيو في هسبانيولا أبلى بلاءا حسنا .ليس لأنها لغة الإسلام فحسب،بل لأن الدين وصل على الأرجح إلى أمريكا 1492 أي قبل 20سنة من تسمير لوثر لأطروحاته بالباب واشعاله للإصلاح البروتستانتي.

فتح المغاربة -المسلمون الأفارقة والعرب-معظم شبه الجزيرة الإيبيرية 711م وأسسوا ثقافة إسلامية استمرت لما يقرب من ثمانية قرون، وبحلول عام 1492 أكمل وليي العهد فرديناند وإيزابيلا حروب الإسترداد وهزموا آخر ممالك المسلمين-غرناطة- وبحلول نهاية القرن أجبرت محاكم التفتيش-والتي بدأت قبل قرن من الزمن-

ما يقرب من 300 ألف و 800 ألف مسلم ( وربما 70ألف يهودي) على اعتناق المسيحية، وغالبا ما ارتاب الإسبان الكاثوليك في هؤلاء الموريسكيين أو المتحولين من الإسلام أو اليهودية سرا ولاحقوهم واضطهدوهم عبر هذه المحاكم .بعضهم أبحر فعلا مع طاقم كولومبوس حاملين الإسلام في قلوبهم وعقولهم .

ثمانية قرون من حكم الإسلام خلف إرث ثقافي عميق بإسبانيا، يتجلى أحدها بشكل واضح وبطريقة مفاجئة إبان الفتح الإسباني لأمريكا(شمالية وجنوبية) فهذا المؤرخ بيرنال دياز ديل كاسترو-مؤرخ تاريخ غزو هي نان كورتيس لأمريكا الوسطى-ينبهر بأزياء الراقصات من السكان الأصليين عن طريق الكتابة “يرتدين ملابس أنيقة للغاية بطريقتهم الخاصة،يبدو أنهن مثل النساء المغربيات”. يستعمل الإسبان وبشكل روتيني “مسكتا” وتعني مسجد للإشارة إلى المواقع الدينية الأمريكية الأصلية. وأفاد كورتيس أنه رأى أثناء رحلاته عبر أناهوك (تكساس اليوم) أكثر من 400 مسجد.

كان الإسلام بمثابة مخطط أو خوارزمية للإسبان في العالم الجديد.عندما صادفوا شعوب وأشياء جديدة عنهم لجؤوا إلى الإسلام لمحاولة فهم ما يرون وما يحدث،حتى أن إسم كاليفورنيا قد يكون لها نسب عربي فالإسبان أطلقوا الإسم عام 1535 مستوحاة من أعمال إس بالنديان 1510 وهي رواية رومانسية شعبية لدى الغزاة،تحكي قصة جزيرة غنية -كاليفورنيا- يحكمها سكان الأمازون السود وملكتهم كالافيا، هذه الرواية نشرت في إشبيلية المدينة التي كانت ولقرون جزء من الخلافة الأموية(كاليفورنيا،كاليف،خليفة).

كلما وصل الغزاة الإسبان أراضي جديدة أو صادفوا شعوبا أصلية عبر نصف الكرة الغربي،إلا وقرأواعليهم “المطلب”وهو تصريح قانوني منمق في جوهره إعلان عن حالة جديدة للمجتمع؛تقديم فرصة للأمريكيين الأصليين للتحول إلى المسيحية والخضوع للحكم الإسباني وإلا تحمل مسؤولية التبعات”الوفيات والخسائر” فهو بمثابة إعلان رسمي وعلني بنية الغزو ويتضمن عرض لغير المؤمنين بفرصة الخضوع ويكونوا مؤمنين، وهكذا تبنى الإسبان مطلب الجهاد الرسمي وأصبغوه بالنصرانية وأطلقوا عليه “المطلب”،ربما يعتقد المسيحيون الإيبيريون أن الإسلام خاطئ أو شيطاني لكنهم يعرفونه جيدا، وإذا اعتبروه غريبا فهو من قبيل الغريب المألوف.

نحن نعلم أنه بحلول عام 1503 كان مسلمي غرب إفريقيا في العالم الجديد، في هذا العام كتب الحاكم الملكي في إسبانيولا إلى إيزابيلا طالبا منها الحد من الإستيراد، فقد كتب بأنهم كانوا بمثابة “مصدر الفضيحة بالنسبة للهنود” وأنهم “فروا من أسيادهم” مرارا وتكرار، وفي صباح عيد الميلاد من عام 1522 صعد 20 من عبيد هيسبانيولا سو غارميل وبدأوا بذبح الإسبان في أول تمرد للعبيد في العالم الجديد،لاحظ الحاكم أن المتمردين في الغالب من “الولوف” وهم شعب سينجامبي وأكثرهم مسلمون منذ القرن 11، كان المسلمون في الغالب متعلمين أكثر من الأفارقة المستعبدين ونادرا ما يتم تفضيلهم من أصحاب المزارع، وفي العقود الخمسة التي تلت تمرد 1522،أصدرت إسبانيا خمسة مراسيم تحظر إستيراد العبيد المسلمين. وهكذا وصل المسلمون إلى أمريكا قبل أكثر من قرن من تأسيس شركة فرجينيا لمستعمرة جيمس تاون عام 1607،فقد وطأت أقدامهم أمريكا قبل قرن من تأسيس البروتستانت لولاية ماساتشوستس 1630و عاشوا فيها ليس فقط قبل دخولهم إليها ، بل قبل أن توجد البروتستانتية،فالإسلام كان الدين التوحيدي الثاني بعد الكاثوليكية في أمريكا(الجنوبية و الشمالية).

إن سوء الفهم الشائع- حتى لدى الطبقة المثقفة -بأن الإسلام والمسلمين وافد طارئ أو حديث بأمريكا ينبهنا إلى أمر في غاية الأهمية؛كيفية كتابة التاريخ الأمريكي وبالتحديد تكشف كيف أن المؤرخين برروا واحتفوا بإنبثاق الدولة القومية الحديثة. إحدى طرق تعزيز الولايات المتحدة الأمريكية التقليل من عدم التجانس والنطاق إلى أقصى حد ممكن-الكونية والتنوع والتعايش المتبادل بين الشعوب-إبان السنوات الثلاثمائة الأولى من التواجد الأوروبي.

الماضي هو أجزاء و نتف التاريخ التي ينتقيها المجتمع ليعاقب نفسه

هيمنة المؤسسات البروتستانتية على كتابة التاريخ الأمريكي قد لا يكون صحيحا تماما- كما اشتكى المؤرخ يو بي فيليبس قبل أكثر من 100عام من أن بوسطن كتبت تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية بشكل خاطئ إلى حد كبير- ولكن عندما يتعلق الأمر بتاريخ الدين، فإن عواقب هيمنة المؤسسات المتشددة الرائدة في بوسطن (جامعة هارفارد) ونيوهافن(جامعة ييل) تظل هائلة، مما يظفي هذا التأثير البروتستانتي على رؤية وفهم الدين في أمريكا البكر(أصول الولايات المتحدة) تشويها حقيقيا؛تماما لو نسبنا التاريخ السياسي لأوروبا في القرن العشرين إلى التروتسكيين.

إن النظر للتاريخ بإعتباره عمق وإتساع التجربة البشرية-كما حدث بالفعل- يحقق للعالم والشعوب والبقاع ماهيتها، وعلى النقيض  التفكير بالماضي على أنه قظع و أحزاء منتقات من أجل أن يعاقب المجتمع أفراده، وتأكيد أشكال حكومته ومؤسساته وأخلاقه الغالبة.

إن نسيان المسلمين الأوائل في أمريكا هو أكثر من مجرد قلق غامض، لأن تداعياته تؤثر بشكل مباشر في قضية الإنتماء السياسي اليوم ، الأمم ليست أضرحة أو مستودعات لحفظ الموتى أو الجماد، لطالما كان المسلمون جزء منها، ويجب أن يكون متجدد بإستمرار، أو التلاشي والموت.

لقد طمس الإحتكار الأنجلو بروتستانتي لتاريخ أمريكا الوجود المسلم، وجعل من الصعب رؤية إجابات واضحة حول الإنتماء، من هو الأمريكي، وبأي معايير، ومن سيقرر. وماذا يجب أن تعني “أمريكا” أو “الأمريكان”؟. يشير معهد أومهندرو، وهو منظمة علمية رائدة في التاريخ الأمريكي المبكر ومن خلال برنامجه الضخم إلى إجابة واحدة ممكنة “أمريكا المبكرة” “أمريكي” مصطلح كبير وعام لكن ليس لدرجة أن يكون بلا معنى .

من الناحية التاريخية يفهم بشكل أفضل على أنه الاصطدام العظيم، إختلاط وغزو شعوب وحضارات (والحيوانات والميكروبات) أوروبا و إفريقيا مع شعوب مجتمعات نصف الكرة الغربي، من منطقة بحر الكاريبي الكبرى إلى كندا والذي بدأ من عام 1492، إلى حدود 1800 تقريبا، أمريكا ببساطة هي أمريكا الكبرى أو أمريكا الشمالية المبكرة.كان المسلمون جزءا منها من البداية، بما في ذلك الأجزاء التي ستصبح الولايات المتحدة، في عام 1527 قدم من الساحل الغربي رجل عربي مسلم اسمه مصطفى زموري كعبد

إلى فلوريدا ضمن حملة إسبانية كارثية بقيادة بانفيلو دي نافاريس، وبالرغم من الأهوال نجا زموري وسق طريقه ، حيث سافر من سواحل خليج المكسيك نحو الجنوب الغربي للولايات المتحدة الأمريكية و أمريكا الوسطى… لقد كافح العبودية المفروضة على الشعوب الأصلية ثم أصبح رجل طب معروف ومحترم.

في عام 1542 نشر كابيزا دي فاكا (رأس البقرة بالإسبانية)-أحد الناجين الأربعة من حملة نافاريس- أول كتاب أوروبي عرف لاحقا بإسم “مغامرات في مجاهل أمريكا” مخصص لأمريكا الشمالية، دي فاكا يخبرنا عن الكوارث التي أصابت الغزات وعن السنوات الثماني التي أمضاها الناجون في التجول بأمريكا الشمالية و الوسطى،واعترف بأن زموري أصبح لا غنى عنه “الزنجي الذي تحدث معهم طوال الوقت”، وكان لتسهيلات زموري اللغات المحلية فضل في الحفاظ عليهم على قيد الحياة، وحتى سمح لهم بنوع من الإزدهار.

لقد عاين الزموري شعوب وأراضي أمريكا أكثر من الأباء المؤسسين لها ، بل أكثر منهم مجتمعين، ليلى لعلامي صورت كل هذا وأكثر في روايتها الرائعة “حكاية المغربي” 2014، حيث تتبعت طفولة زموري بالمغرب ثم أسره بإسبانيا وصولا إلى نهايته الغامضة بالجنوب الغربي لأمريكا. إذا وجدت أفضل نسخة للرواد الأمريكية وللروح المحتدة، أو تجربة رنانة في التكيف وإعادة الإكتشاف و بإمكانها أن تطبع ذاتها تصطبغ بها الأمة والشعوب فمن الصعب أن نجد من يقدم هذا الأمر أفضل من الزموري.

خريطة ماريلاند، فرجينيا، و خليج تشيسابيك 1719

بين أعوام 1675 و 1700-بداية مجتمع المزارعين في تشيسابيك- سمح لملاك العبيد جلب أكثر من 6000 إفريقي إلى فرجينيا وماريلاند، هذه الطفرة أحدثت تغيير هام في الحياة الأمريكية، ففي عام 1668 كان عدد الخدم البيض يفوق العبيد السود بنسبة خمسة إلى واحد، وبحلول 1700م انقلبت هذه النسبة، على مدى العقود الأربعة الأولى من القرن 18 جاء المزيد من الأفارقة إلى تشيسابيك . وما بين 1700 و 1710 تزايدت ثروة المزارعين مما دفعهم إلى إستيراد 8000 أفريقي كعبيد وبحلول 1730 وصل ألفي عبد إضافي سنويا على الأقل إلى تشيسابيك فتحول من مجتمع به عبيد (معظم المجتمعات في تاريخ البشرية كان فيه عبيد) إلى مجتمع عبيد حرفيا. وهو أمر غريب جدا، في مجتمع العبيد الرق هو أساس الحياة الإقتصادية والعلاقة بين السيد والعبد علاقة نموذجية للآخرين.

الأجيال الأولى من الأفارقة الذين تم إحضارهم إلى أمريكا الشمالية كانت تعمل في الحقول جنبا إلى جنب وينامون تحت سقف واحد لأسيادهم ، ولاحظ المؤرخ إيرا برلين في كتابه”آلاف الذين ذهبوا” 1998م، بأنهم كانوا متحمسين لإعتناق المسيحية ويأملون أن يساعدهم التحول في الحفاظ وتأمين هذه المكانة الاجتماعية.

أواخر القرن 17 و أوائل القرن18  جلب الأفارقة الغربيين للعمل كعبيد إلى فرجينيا وماريلاند وكارولينا جاءوا من أجزاء مختلفة من إفريقيا ومن جزر الهند الغربية (الأنديز) كمستأجرين كما هو عليه الحال مع سابقيهم ، وكانوا في الأغلب مسلمين وأقل احتمالا أن يكونوا من أصول مختلفة ، اشتكى المزارعون و المبشرون المسيحيون في القرن 18 بأن هؤلاء العبيد أظهروا القليل من الإهتمام بالمسيحية، وانتقدوا ما اعتبروه ممارسة العبيد الطقوس الوثنية، فالإسلام يمكن أن يتوسع ويستمر داخل مجتمع العبيد والمزارعين الأمريكيين.

وبالمثل بين عامي 1719 و 1731 إستغل الفرنسيون الحرب الأهلية في غرب إفريقيا لإستعباد الألاف وجلبوا ما يقرب من 6000 إفريقي مستعبد مباشرة إلى لويزيانا ، معظمهم جاء من فوتا تورو وهي منطقة حول نهر السنغال الممتد حاليا بين موريتانيا والسنغال، الإسلام وصل فوتا في القرن 11. منذ ذلك الحين عرفت فوتا بعلمائها و جيوش الجهاد والثيوقراطيات بما في ذلك إمامة فوتا تورو ، وهي دولة ثيوقراطية استمرت من 1776 إلى 1861، في أواخر القرن 18 و أوائل القرن 19 كانت أصداء الصراعات الإفريقية في خليج الذهب (غانا) وهاوزلاند(معظمها في نيجيريا) يتردد صداها في الأمريكيتين . في السابق هزم أسانتي تحالف الأفارقة المسلمين وفي نهاية المطاف كانت الغلبة للجهاديين وفي خضم هذه العملية خسروا العديد  من الأفراد في تجارة الرقيق.

أغنية سولومون كانت أيضا (ربما هي الأولى) أغنية سليمان .

أيوبا سليمان ديالو هو أشهر مسلم في أمريكا الشمالية خلال القرن 18 كان من الفولبي، وهو شعب مسلم في غرب إفريقيا؛ في وقت مبكر من القرن 16 استعبد التجار الأوروبيين العديد من الفولب وأرسلوهم للبيع في أمريكا، ديالو ولد في بوندو وهي منطقة بين السنغال ونعر غامبيا كانت تحت حكم ثيوقراطي إسلامي تم القبض عليه من قبل تاجر رقيق بريطاني عام 1731، وتم بيعه في ماريلاند، اكتشف المبشر  أن ديالو يكتب باللغة العربية وعرض عليه النبيذ كنوع من الإختبار فامتنع، في وقت لاحق قام محامي بريطاني-كتب قصة عن استعباد ديالو وانتقاله إلى ماريلاند- بتدوين اسمه الأول أيوبا بدل أيوب ولقبه سولومون بدل سليمان، وبهذه الطريقة أصبح أيوبا سولومون ، وهكذا شهدت الإسترقاق والمرور إلى أمريكا العديد من الأسماء العربية ، وهكذا تحولت الأسماء القرآنية إلى شيء مألوف : موسى أصبح موزس، إبراهيم أبراهام، أيوب أصبح جاكوب أو جوب، داود أصبح ديفيد، سليمان سولومون وهكذا دواليك.

مصحف أيوبا سليمان ديالو ، مجموعة دار النمر بيروت.

استوحت توني موريسون تاريخ تداول التسميات الإسلامية في أمريكا في روايتها (صوت سليمان)1977،من أغنية شعبية تحمل أدلة على تاريخ بطل الرواية ملكمان داد وعائلته . يبدأ البيت الرابع من الأغنية” سليمان، بلالي، شالوت،ياروبا،والمدينة،ومحمد أيضا” جاءت هذه الأسماء من مسلمين أفارقة مستعبدين بفرجينيا، وماريلاند،كنتاكي،وكارولينا، وأماكن أخرى بأمريكا .

أغنية سولومون وبعبارة أخرى كانت (وربما من البداية هكذا) “أغنية سليمان” .

إعادة تسمية العبيد أحيانا تكون إهانة أو سخرية بطريقة أخرى، وكانت وسيلة مهمة لدى سلطة المزارعين ونادرا ما يهملونها.ومع ذلك بقيت الأسماء العربية جزء من ذاكرة تاريخ شمال أمريكا، أظهرت محاضر محكمة لويزيانا في القرن 18 و 19 دعاوى متعلقة ب:

المنصور، سرمان، أماديت، فاطمة، ياسين ، موسى ، بكاري، ماماري وآخرين. سجلات محكمة جورجيا في القرن 19 تحوي تفاصيل دعاوى متعلقة ب:سليم، بيلالي، فاطمة، إسماعيل، أليك، موسى وآخرين.

أمضى بيوبيل بوكيت عالم الاجتماع في القرن العشرين،حياته في جمع المواد الإثنوغرافية(وصف الأجناس البشرية) حول الحياة الثقافية الأفروأمريكية في كتابه ” الأسماء السوداء في أمريكا، الأصول والإستعمال” بوكيت وثق أكثر من 150 إسم عربي شائع بين الأصل الإفريقي، أحيانا الشخص يحمل إسمين أحدهما أنجلو وهو إسم عبودية وخدمة في حين لديه إسم عربي سائد عمليا .

من الصعب معرفة إلى أي مدى استمر حضور الأسماء العربية المرتبط بالممارسة أو الهوية الدينية، ولكن يبدو من غير المحتمل أن نفصله تماما …في عام 1791 أعلنت صحيفة جورجيا عن عبد آبق “زنجي جديد يدعى حيفراوي …أو إبراهيم” بناءا على التسلط المحكم الذي يمارسه ملاك العبيد؛ربما يكون كثير من الرجال يدعون “حيفري”هم في الحقيقة”إبراهيم” وكثير من النساء يدعون”ماسي” وهم في الحقيقة”معصومة” وهكذا دواليك.

قام لورينزو داو تورنر، الباحث في منتصف القرن 20 في “جوالا” (وهي لغة كريول يتحدث بها أهالي جزر البحر قبالة الساحل الجنوبي الشرقي لأمريكا) بتوثيق حوالي 150 إسم شائع من أصل عربي في جزر البحر وحدها من بينها: أكبر، علي، أمينة، حامد، وآخرين… في مزارع كارولينا (القرن19) كان إسم مصطفى شائعا، وبالرغم من أن الإسم العربي لا يقترن ضرورة بالإسلام ، في المغرب والشام هناك عرب مسيحيين ويهود، لكن انتشار الإسلام هو الذي جلب العربية إلى غرب إفريقيا، لذا فهؤلاء الأفارقة والأفروأمريكان أميناس وأكبارس مثلا على الأقل آباؤهم وأجدادهم كانوا بالتأكيد مسلمين .

بسبب الخوف ، حاولت السلطات الإسبانية منع العبيد المسلمين من المستوطنات الأمريكية، وفي هذا المجتمع الأكثر ثباتا وتأمينا فضل بعض المزارعين المسلمين على غيرهم ، في كلتا الحالتين كان المنطق نفسه :

بقي المسلمين منفصلين، امتلكوا السلطة ومارسوا النفوذ.

نص أحد المنشورات-القواعد العملية للإدارة والعلاج الطبي للعبيد الزنوج في مستعمرات السكر 1803المرتكزة في جزر الأنديز- نصيحة بأن “المسلمين أفضل من غيرهم في رعاية الماشية والخيول، والخدمة المنزلية، لكن القليل منهم مؤهل لأعمال السخرة في الحقل، والتي لا يجب أن تشملهم” وأشار الكاتب بأن “الكثير منهم يتحدث العربية “في المزارع.

في أوائل القرن التاسع عشر دعا أحد مالكي الرقيق الجورجيين -يدعي بأنه يمثل نهجا مستنيرا للعبودية- إلى إتخاذ”أساتذة الدين المحمدي” كسائقين أو مؤثرين في المزارع، وادعى أنهم يظهرون “النزاهة لمالكيهم”، واستشهد هو وآخرون إلى انحياز العبيد المسلمين إلى جانب الأمريكيين ضد البريطانيين فى حرب عام 1812م .

في القرن 19 كان الرقيق المسلمون في أمريكا أنفسهم مالكين(للعبيد) أو معلمين أو صباظ عسكريين في إفريقيا، إبراهيما عبد الرحمن كان عقيدا في جيش والده إبراهيما سوري (أمير وحاكم فوتا جالون غانا حاليا)،تم القبض عليه وهو في سن 26 عام 1788 أثناء الحرب وتم شراؤه من قبل التجار البريطانيين ونقل إلى أمريكا . أمضى الرحمان قرابة أربعين عاما في جني القطن بناتسيز ولاية ميسيسيبي ، كان مالكه توماس فوستر يلقبه “الأمير”، في عام 1826 ومن خلال سلسلة الأحداث الغير متوقعة لفت الرحمان انتباه جمعية الإستعمار الأمريكية ، هذه الجمعية التي تم تأسيسها بعرض ترحيل الأشخاص المنحدرين من أصل إفريقي في أمريكا إلى إفريقيا، وتضم لفيف من المحسنين البارزين في البلاد وأقوى السياسيين فيها(القومية البيضاء والعالمية المسيحية)، ولأكثر من عامين ضغطت على فوستر الذي وافق أخيرا على تحرير الرحمان لكنه رفض إطلاق سراح عائلته، وفي محاولة لجمع الأموال قصد شراء حرية عائلته ، اتجه الرحمان إلى المدن الحرة في شمال الولايات المتحدة قاصدا مناسبات جمع التبرعات والمسيرات مرتديا زي “مغربي” وكتب الفاتحة على قطع من الورق للمتبرعين (حتى يعتقدوا أنها صلاة الرب) كان الرحمان مسلما ويؤدي الصلاة وعندما إلتقى بقادة الرابطة قال لهم بأنه مسلم ، ومع ذلك قدّم توماس جالودي وهو ناشط إنجيلي وتربوي بارز بجامعة ييل إلى الرحمان إنجيل بالعربية و طلب من الرحمان أن يصلوا معا. آرثر تابان القائد والمحسن الأمريكي لوّح إلى إمكانية نقله إلى إفريقيا بغرض العمالة المربحة للضغط على الرحمان ليصبح مسيحيا ولمساعدة الإمبراطورية التجارية”لإخوانية تابان” داخل إفريقيا.

عبد الرحمن بن إبراهيم سوري 1762م-1829م

 وصفت مجلة”أفريكان ريبوزيتوري أند كولونيال جورنال” كيف سيصبح الرحمان الرائد الرئيسي لحضارة إفريقيا الغير مستنيرة “لقد رأوه يغرس صليب المفدى في أعالي جبال كونغ البعيدة”هكذا بشكل مختصر كان تأثير التزمت البروتستانتي في العمل، أولا هوية وديانة الرحمان مرفوضة،ثانيا مؤسسات ضخمة متخصصة في الكتابة والحفظ والنشر والتعليم (المهارات والتقنيات الأساسية لصياغة التاريخ في الماضي) عملت على تشويهه.

تفاصيل قصة الرحمان ربما تكون غير عادية ، لكن تجربته كمسلم أمريكي واجه الإحتكار الأنجلو بروتستانتي  الذي عزم على إنتاج بلد مسيحي ليست كذلك .

الإسلام تطور جزئيا ووجد في أتون اختلافات ثقافية ولغوية كبيرة في آسيا وإفريقيا، الرحمان تحدث بست لغات ، وعلى النقيض فإن البروتستانتية الأمريكية هي دين ضيق وفتي، تبلور في منطقة محاصرة ثقافيا بشمال الأطلسي مع علاقة ديناميكية مع الرأسمالية القومية، فهي لا تهدف إلى تجاوز عدم التجانس ولكن بالأحرى كما قال جالوديت وتابان محاولة التجانس مع الرحمان.

كم عدد الأشخاص الذين شاركوا تجربة الرحمان الأساسية؟ كم عدد المسلمين في أمريكا بين 1500و1900 مثلا؟ كم عددهم في أمريكا الشمالية؟… سليفان ضيوف مؤرخة عظيمة وهي شخصية محافظة على الأرجح كتبت في “عباد الله”1998، “كان هناك مئات الآلاف من المسلمين” وأضافت “قد يكون هذا كل ما يمكننا قوله عن الأرقام والتقديرات”  .

من بين 10ملايين إفريقي أو أكثر تم إرسالهم إلى العالم الجديد، ذهب أكثر من 80% إلى منطقة الكاريبي والبرازيل، ومع ذلك الكثير من المسلمين قدموا إلى أمريكا البكر أكثر من البريطانيين خلال ذروة الإستعمار البروتستانتي ، وشهد ارتفاع مستوطنة البروتستانت خلال “الهجرة الكبرى” بين 1620م و 1640م ، وصول 21000 بريطاني فقط إلى أمريكا الشمالية، وربما جاء 25% من هؤلاء كخدم فلا يمكن افتراض مشاعرهم البروتستانتية ، وبحلول 1760م كانت نيو إنجلاند وطنا لأكثر من 70.000 من أتباع الكنيسة (كنيسة نيو إنجلاند البروتستانتية) . وعلى الرغم من هذه الأعداد الضئيلة نسبيا فقد نجح البروتستانت أن يصبحوا أساتذة الأمة. لكن في بعض النواحي نستطيع القول بأن نيو إنجلاند هي خاسر أيضا من صعود الولايات المتحدة الأمريكية، التي بلغت ذروتها في التأثير الإقتصادي و السياسي في القرن 18 وعلى الرغم من دورها البارز في استقلال الولايات المتحدة، إلا أنها لم تكن يوماً مركزاً للقوة الإقتصادية أو السياسية سواء في المستعمرات البريطانية في أمريكا الشمالية ولا في أمريكا الكبرى ولا حتى في الولايات المتحدة.

كان ينظر ببساطة إلى نيو إنجلاند كواحدة من مستعمرات العالم الجديد ولها جوانب بارزة ملحوظة، موحدة ديمغرافيا(لإستيطانها من قبل العائلات)وموحدة طائفيا(دينيا) وشاذة سياسياً، ومن وجهة نظر أوروبا ثانويا إقتصاديا، حتى عبارة نيو إنجلاند البروتستانتية يمكن أن تكون مضللة، لأن تجارة الأسماك و الأخشاب والتجارة البحرية مع مزارع الهند هي من نفخ الحياة في نيو إنجلاند في القرنين 17و18 وليس الدين ،فلم يكن البروتستانت محبوبين ولا يمثلون بالضرورة مواطني نيوإنجلاند. في أوائل القرن 17 على سبيل المثال استمع أحدهم إلى وزير بروتستانتي في مستعمرة خليج ماساتشوستس فقطع خطبته قائلا” إنجازات نيو إنجلاند أوجدها سمك القد وليس الرب!”.

بعض من خصالهم المميزة جعلت من البروتستانت غير عاديين بالمرة، وساعدتهم في التفوق ضمن كتابة التاريخ، كانوا بارعين في محو الأمية والتعليم وتفسير النصوص وبناء المؤسسات، نفس المهارات مكنتهم من الإرتقاء بشكل واضح بين الأمريكيين إلى مستوى التحدي المتمثل في معالجة ما أطلق عليه عالم الإجتماع  روجر فريدلاند ” مشكلة التمثيل الجماعي” في العالم الحديث، قبل الأمم الحديثة كانت تواريخ الشعوب عبر الأنساب ، فالناس انحدروا من نسل إبراهيم أو أينيس، وبالتالي فالصلة ذات شكل طبيعي، أما مثل الأمة الحديثة فهي تطرح مشكلة حديدة،من المفترض أن تكون الأمة شعبًا واحدًا عامًا ، يتشارك في الصفات الأساسية ، بل وحتى المتأصلة – ولكن ليس سلالة ، ولا ملكًا أو ملكة.

في نهاية القرن 18 لا أحد في الغالب يعرف بالضبط كيف يمثل شعبا موحدا أو مشتركا، في أمريكا الشمالية البروتستانت لقد فكروا وكتبوا عن أنفسهم ليس كشعب مشترك ولكن كشعب مختار ، شعب لا يجمعهم نسب من الرب ولكن يتبعون الرب.من أجل تحويل تاريخ السكان غير المتجانسين إلى وحدة وطنية ، لم يكن الأمر مناسبًا بأي حال من الأحوال.  ولكن كان واجب فعله.

لقد استبعد تأثير البروتستانت الكثير، بما في ذلك الوجود الممتد والمستمر للمسلمين وللإسلام بأمريكا، بإضافة إلى الإلتزام و الحدة للتجربة البروتستانتية وشروطها الخاصة،بعيداً عن إسهامها في التاريخ الوطني للولايات المتحدة.

هيمنة المؤسسات البروتستانتية أعطت نيو إنجلاند الإستعمارية دوراً كبيراً،على مدى قرنين تغيرت الأعراف بشكل كبير،لكن المؤرخين العظماء في القرن التاسع عشر مثل فرانسيس باركمان وهنري آدامز يتشاركون مع خلفائهم في القرنين العشرين والحادي والعشرين بيري ميلر وبرنارد بايلين وجيل ليبور التزامًا بإيجاد أمريكا، والأصول الوطنية للولايات المتحدة في القرن الثامن عشر لنيو إنجلاند.

كان من أكثر المآثر الضارة في كتابة التاريخ البيوريتاني الادعاء بالحرية الدينية كما فعل بعضهم، في الواقع لطالما كان المتشددون والبروتستانت الإنجيليون في أمريكا يستحضرون ويضطهدون الأعداء الدينيين:الأمريكيون الأصليون والكاثوليك واليهود والشيوعيون والمثليون والمسلمون ، وأحيانًا البروتستانت الآخرون.لم يعاني جون وينثروب أو كوتون ماثر ولا أي جزء من المخملية البيوريتاني من الاضطهاد الديني الحقيقي.إن امتلاك القوة ، كما فعل الأنجلو بروتستانت في أمريكا ، غير متوافق تمامًا مع أساس بعض الادعاءات بالسلطة الأخلاقية للمسيحية.كما أنها لا تتوافق تمامًا مع فكرة أمريكا كأرض الحرية الدينية ، وملجأ للمضطهدين ، كما وضعها توم باين في عام 1776.إذا كان هناك أي جماعة دينية تمثل أفضل نسخة للحرية الدينية في أمريكا ، فإنهم مسلمون مثل زموري والرحمن.  لقد جاءوا إلى أمريكا في ظل ظروف القمع الحقيقي ، وكافحوا من أجل الاعتراف بدينهم وحرية ممارسته.على النقيض من البروتستانت الأنجلو ، اعترض المسلمون في أمريكا الدافع لاستبداد الآخرين ، بمن فيهم الأمريكيون الأصليون.

التبعات الأكثر استدامة لتأثير البروتستانت تكمن في استمرارية الإلتزام بإنتاج ماضي متركز حول: كيف أن التدابير أو الإجراءات ، وعادة الشجاعة والمبدئية من الأنجلوبروتستانت (دائما تقريبا في نيو إنجلاند وتشيزابيك) أدت إلى ظهور الولايات الأمريكية وحكومتها ومؤسساتها.

الحقيقة هي أن تاريخ أمريكا ليس في الأساس قصة أنجلو بروتستانتية ، وأكثر حتى من تاريخ الغرب على نطاق أوسع.  قد لا يكون الأمر واضحًا أو بديهيًا ماذا يشكل “الغرب”بالضبط.  لكن العصر الأكثر عالمية في التاريخ الذي افتتحه الاستعمار الأوروبي لنصف الكرة الغربي يجب أن يكون تاريخ أمريكا جزءًا مهمًا منه.

إذا كان الغرب يعني ، جزئيًا ، نصف الكرة الغربي أو أمريكا الشمالية ، فإن المسلمين كانوا جزءًا من مجتمعاته منذ البداية.إن الخلافات حول ماهية الأمة الأمريكية ومن ينتمي إليها مستدامة.  تبقى الإجابات مفتوحة لمجموعة من الاحتمالات وهي مهمة للغاية.  تاريخيا ، المسلمون هم أمريكيون ، مثلهم مثل الأنجلو بروتستانت.  من نواح عديدة ، يعتبر المسلمون الأوائل في أمريكا نموذجًا لأفضل الممارسات والمثل العليا للدين الأمريكي. و أي بيان أو اقتراح مخالف ، مهما كان حسن النية ، مستمد من الشوفينية المقصودة أو الموروثة.

المصدر

error: