العالم الوسطوي في فلسفة الدين – جون ڭرودان / ترجمة: قاسم شرف

العالم الوسطوي في فلسفة الدين – جون ڭرودان / ترجمة: قاسم شرف

تمهيد

اخترت إنجاز هذه الترجمة لفصلين من كتاب “فلسفة الدين” لجون ڭرودان Jean Grondin الصادر سنة في طبعته الثالثة سنة2017 عن دار Puf الفرنسية، لما يتميزان به من أهمية وراهنية. ذلك أن الفلسفة الغربية الحديثة اعتمدت في تأسيسها وبنائها على الفلسفة العربية في شخص كل من ابن رشد وابن سينا والفارابي وكذلك ابن ميمون. حاول هؤلاء الفلاسفة العرب ترجمة الفلسفة اليونانية إلى العربية. وقد انفتح الغربيون على الفلسفة العربية ومن خلالها على الفلسفة اليونانية فاطلعوا على المتنين بواسطة هؤلاء الفلاسفة.

قام سبينوزا مثلا بالتمييز بين نوعين من المعرفة تتمثل في المعرفة العقلانية والمعرفة المؤسسة على الوحي المعتمدة على الإيمان. لكن نجد ابن رشد قبله بقرون قام بنفس التمييز غير أنه لم يشكك في صحة الوحي. مع سبينوزا، سوف يصبح ذلك ممكنا. حاول الفلاسفة العرب إبراز اتفاق وتصالح الدين مع الفلسفة، وكان شغلهم الدفاع عن شرعية العلوم العقلانية وذلك باستخدام العقل الذي منحه الله للإنسان. وهذا ما يطرحه صاحب هذا الكتاب في الفصل السادس.


الفصل السادس: العالم الوسطوي

I-مصدران للمعرفة

أُطْلِق على العصور الوسطى اسم الحقبة الرديئة (وهو مفهوم مستوحى من عصر النهضة والحداثة)، الخاضعة للدين الكاثوليكي إلى درجة أنها تميزت بقمع جميع أشكال المعرفة المستقلة. كان الدين والفلسفة بالتأكيد في تلك الحقبة مندمجين، لكن هذا التعايش كان كارثة سواء بالنسبة للفلسفة وحتى بالنسبة للإنسان. فُهِمَت الحداثة إذن على أنها تحرر الإنسان من الرقابة الدينية. لكي يكون الوصف هزليا، فهذه الرؤية تكرم فلسفة الدين لأنها اعترفت على طول ألفية كاملة من تاريخ الإنسانية حيث استحقت ذلك لكونها قد حددت من خلال “فلسفة الدين”. يدعي الدين أنه يستجيب لجميع هموم الإنسان الحقيقية، لذلك يمكن للحداثة أن تقدم نفسها كإنجاز عظيم للتحرر من الدين ولهذه الحقبة المظلمة من التاريخ. ولكن هذا يعني أنه شرف آخر للنظام حيث أن الحداثة حددت دورها عبر “فلسفة الدين”، وكانت حرجة.

ينبغي أن تكون هذه الرؤية، على أي حال، لأحد الأوغسطينيين، لأن اندماج/مزج الفلسفة والدين، الذي نريد الإبلاغ  به، ملك لأوغسطين، حتى لو ادعى هذا الأخير أنه لأفلاطون (أو لبلوتان). لقد لعب بالفعل هذا البراديغم الأوغسيطيني دورا لا يستهان به في العصر الوسيط. لكن لن يكون وحده وخاصة أن المشهد الفلسفي لـ” العصر الوسيط”، لم يكن مسيحيا. بعيدا عن هذا، يجد المرء الشهادة الأكثر وضوحا في الحصيلة المثيرة للإعجاب لدى المفكرين المسلمين منهم الفارابي ( حوالي870-950) وابن سيبا (980-1037) وابن رشد (1126-1198) الذين تجاهلوا الكتاب المسيحيين مثل أوغسطين، وهذا ما ينطبق أيضًا على كتاب “دلائل الحائرين” للمفكر اليهودي ابن ميموني (1135-1204). ومع ذلك، كان جميع هؤلاء المؤلفين حريصين على إظهار أن دينهم، الإسلام أو اليهودية، يتفق مع الفلسفة، وموجود استنادا لتخصصاتهما الأساسية كالمنطق أو الأخلاق أو الميتافيزيقا، وهو نفسه تفكير ثيولوجي. وبالتالي، يبقى أفق الفكر هنا ثيولوجيا، لكنه خصب بالنسبة لـ فلسفة الدين لأن الشغل الرئيس لهؤلاء المفكرين يبقى ذلك التوفيق/التصالح المحتمل بين الفلسفة والدين. يفترض هذا مسبقا وجود مصدرين للمعرفة هما الوحي والعقل.

كان عمالقة العالم الإسلامي الثلاثة قراء متعطشين لأرسطو الذي تُرجم عمله بالكامل إلى العربية (بما في ذلك بعض النصوص التي لم تكن معترف بها اليوم باعتبارها لأرسطو، ككتاب “الأسباب”، على أنه للأفلاطونيين الجدد جدا)، في حين كانت وحدها كتاباتهم المنطقية معروفة لدى الغرب اللاتيني والمسيحي. كانوا كلهم منبهرين بدقة بالفلسفة العقلانية لأرسطو وتفسيره المادي للعالم. كان شغلهم الرئيس الدفاع عن شرعية ووجاهة العلوم العقلانية: إذا كان الله منحنا موهبة العقل، فعلينا أن نستخدمها وليس أن نختنق بها. لذلك اعتبروا أن دراسة العلوم الفلسفية لا ينبغي أن تكون فقط متسامحة مع الإسلام، ولكن تشجعها من خلاله أيضا.  سيعبر بعض الكتاب المسلمين مثل الغزالي (1058-1111) عن رفضهم لها، وأرادوا وضع حد لهذا التجميل الفلسفي. هاجم الغزالي صاحت كتاب “تهافت الفلاسفة” (1095، الذي ترجم إلى اللاتينية تحت عنوان (Destructio philosophorum) كل من أرسطو والفارابي ولاسيما ابن سينا. لم يكن الغزالي معاديا لجميع العلوم الفلسفية، لأنه يعتبر المنطق والرياضيات لا غنى عنهما، بل يُبدي استعداده للتسامح مع أخلاق وفيزياء الفلاسفة. لكنه ينتقد بحدة الميتافيزيقا لأنه يعتبرها تعالج وبطريقة غير متماسكة الأسئلة التي لا يمكن أن يجيب عنها إلا الدين.

II– فلسفة الدين من ابن رشد إلى ابن ميمون

رد ابن رشد في كتابه “تهافت التهافت” (1180، Destructio destructionis) كما في خطابه الحاسم المعروف حاليا بفضل ترجمة ميشال جوفروي (1996 , M. Geoffroy) والمحتفى به باعتباره تحفة للعقلانية الإسلامية. كان كتاب “فصل المقال” عبارة عن فتوى، وعن رأي متكافئ حول سؤال المعرفة «فإن الغرض من هذا القول أن نفحص، على جهة النظر الشرعي، هل النظر في الفلسفة وعلوم المنطق مباح شرعا؟ …أم محظور ؟؟… أم مأمور به، إما على جهة الندب، وإما على جهة الوُجوب؟؟[1]» بالنسبة لابن رشد، لا يتشكل الفعل الفلسفي من شيء آخر سوى «من الدراسة العقلانية للكائنات، وفي التفكير فيها باعتبارها تشكل الدليل على الوجود». وهكذا يختلط مشروع الفلاسفة مع مشروع الوحي. لذلك لن يكون هناك تناقض بين الاثنين. ببساطة، يمكن أن يكون هناك تضارب بين المعنى الحرفي للقرآن والتحليل البرهاني. وقد امتلكت قواعد التفسير مهمة إزالة هذا التناقض، وبما أن هناك إجماعا عند المسلمين، دعم ابن رشد وبجرأة أن «ملفوظات الوحي لا يجب أن تؤخذ جميعها بالمعنى الحرفي». لكن لماذا يتضمن الوحي ملفوظات/بيانات ينبغي فهم معناها بطريقة حرفية وأخرى يجب فهمها بطريقة مجازية؟ وبالتالي، يتميز الناس بمواقفهم الفطرية المتأصلة. لهذا كانت هناك مقولات متناقضة بالمعنى الحرفي «فمن أجل أن يشير الناس ذوي المعرفة العميقة إلى أن من الضروري تأويل ذلك». لكن لا يمكن للجميع فهم هذا المعنى الخفي: «يتضمن الوحي الظاهر والخفي، وليس من الضروري معرفة الخفي من قبل أولائك الذين لا يمتلكون العلم». اقترح ابن رشد تحليلا دقيقا لأنواع المقولات التي تخضع لمثل هذا التأويل، وهناك نوع من الناس القادرين على فهمها. وهذا يبين أن هناك فرقا بين «الأشخاص البرهانيين» وأولئك الذين يحتاجون لإرضاء تصوراتهم (الجمهور)، على الرغم من عدم الرغبة بشكل طبيعي في فهم البراهين.

ومع ذلك، فإن العظمة الوحيدة للنص الذي تم الكشف عنه كونه يتوجه في الوقت نفسه لجميع أنواع المؤمنين. إذا كان الوحي معنيًا بـ “أكبر عدد”، فهو لم يخفق في “إيصال الإشارات إلى النخبة”.

فالإرث الأول لـ فلسفة الدين هاته الذي سيمتد من ابن ميمون إلى سبينوزا، ينطوي على طرح أن هناك حقيقة مزدوجة للوحي بحكم الواقع. حقيقة للجماهير، وحقيقة أن الفلاسفة هم فقط القادرون على اختراقها، من خلال التحليل العقلاني (الذي يتم التأكيد أنه ليس في متناول الجميع). هذه الفكرة ستحاربها الأرثوذكسية الإسلامية التي ستحترم المعنى الحرفي للقرآن.

هناك الإرث الثاني العظيم الذي جمع بين الفارابي وابن سينا وابن رشد، يتمثل ليس في الاعتراف فقط بالشرعية، ولكن أيضًا باستقلالية علوم هذه الفلسفات وتفسيرها العقلاني للعالم. ينبغي أن يتوافق القرآن معها، وإذا كان هناك تعارض بين الاثنين، فإن النص المقدس هو الذي ينبغي تأويله نحو المعنى الذي يتوافق مع العقل. هنا تتمثل مهمة فلسفة الدين ، وهذا هو الجديد تمامًا (على الرغم من الإعداد بقرون للتأويل المجازي)، لإظهار كيف يمكن للدين أو النص المقدس أن يتوافق مع تعاليم عقل.

هناك أيضًا ابن رشد ومؤلفو العصور الوسطى الذين يَستندون بدرجات مختلفة وبشكل واضح إلى نوعين رئيسيين من المعرفة، من ناحية العلوم الفلسفية، القائمة على العقل الطبيعي، ومن الناحية الأخرى، الدين الموحى به عبر النصوص النبوية التي تتوجه بالمعنى الحرفي أكثر إلى الجماهير. ذلك أن الفلسفة تسمح لأولئك الذين هم أكثر تقدما لصناعة أفضل فكرة عن الجوهر الإلهي. لا شك أن هناك نخبوية معينة، فجميعها ليست لديها موهبة بالميتافيزيقيا، لكن ليس من الخطأ الثناء على التسامح الذي يمثل هذه الرؤية لتعايش محتمل بين طريقين تؤديان إلى الحقيقة، والتي لا يمكن أن تكون فريدة من نوعها.

ولكن هل يمكن أن تكون هناك طريقتان تؤديان إلى الحقيقة؟ هل يمكن للعقل الإنساني أن يتنافس مع الحكمة التي أوحاها الله مباشرة؟ هذا هو السؤال كله الذي سيكون في أصل “الصراع” بين العقل والعلم والدين الذي سيكون مسرحًا لكل المسائل الخلافية لـ فلسفة الدين ، وما بعده بكثير من العصر الوسط. وهذا ما يجعل التفكير فقط في كانط الذي أجهد نفسه وكد ليقترح فلسفة للدين ضمن حدود العقل المحض (1793)، لكنه سيفعل ذلك من خلال التقليل، في العقل الأنواري، من أهمية الوحي التاريخي حيث لا يوجد كاتب في العصور الوسطى يمكن بالطبع أن يسمح  لنفسه بذلك. إذا لم يتساءل المفكرون المسلمون الثلاثة العظماء ومعهم ابن ميمون بالنسبة لليهودية في الحقيقة أو في أصالتهم ووحيهم، فإنهم يقدمونها في صيغة نسخة متأثرة بشدة بالفلسفة وبالأخص بالميتافيزيقيا اليونانية التي جعلت من الله جوهرًا أبديًا وفعلًا خالصًا وهو في المقام الأول مسؤول عن الحركة الكاملة للأجرام السماوية.

افترض ابن ميمون هذا المفهوم، لكنه رفض عقيدة الخلود في العالم باسم فكرة الخلق اليهودية. وقد قاده مفهومه الميتافيزيقي عن الإلهي إلى تأويل معانٍ روحية بحتة لجميع مقاطع التوراة التي بدت أنها تعزو الخصائص أو الأفعال الحساسة إلى الله. إذا قال أحد عن الله، على سبيل المثال، إنه “جالس”، فهذا لا يعني أنه يمتلك جسدًا، وسيكون عديم الجدوى، ولكن للتعبير عن استقراره ودوامه، فالله غريب تماما عن كل ما هو جسدي. ولذلك، يربط الفناء المشترك مفهوم الوجود بالوجود الجسدي (دلائل الحائرين، 61، 100). يخبرنا  العقل أن ذلك سيكون تفسيرا خاطئا لله. وبالتالي، فإن أوج اللادينية أن تأخذ النصوص بالمعنى الحرفي التي تتحدث عن الله بطريقة ملموسة. ومع ذلك، تكمن الصعوبة في كون لغة الناس هي نفسها لغة مادية دائما. لذلك فمن غير اللائق للتعبير عن جوهر الله الذي يتميز وجوده تمامًا عن وجودنا.  لذلك ينبغي أن يكون المرء حريصا على عدم إعطاء أسماء أو صفات لله، التي سوف تحمل دائمًا طابع لغتنا المادية. لهذا فإن الوسيلة الوحيدة للحديث عنه هي أن تتحدث عنه بشكل سلبي: فالصفات الإلهية الحقيقية هي تلك التي يتم فيها الإسناد عن طريق النفي، عندما يقول المرء عن الله أنه ليس له جسد، ولا يمتلك شيئا مضاعفا فيه، وأنه لا يمتلك شبها بين نوع وجوده ووجودنا، إلخ. كلما ضاعف المرء الكلام عن الله، كلما اقترب من جوهره. اسم الرب [2]الوحيد، الذي أعطاه لنفسه من خلال الوحي لهذا الكائن الموهوب بإدراك متفوق الذي هو موسى، حمل أربعة أحرف (YHWH) التي عبرت عن “الكائن الضروري”. لاشك أن الفكرة الميتافيزيقية قد صاغها بالفعل مفكرون مثل الفارابي وابن سينا، لكن أثراها ابن ميمون بخصائص مستمدة من الوحي النبوي. هذا الأخير، علَّمنا أن الله كريم وعادل ومنصف، ليس فقط في التخطيط الحكيم للأجرام السماوية، ولكن أيضًا في النظام الذي “اندفق” من خلال ذكائه إلى الأرض والذي ساعدنا على معرفته. إن الدافع النيوأفلاطوني للتدفق(الفيض féidh، 275) فهو كلي الوجود: إنه بواسطة هذا التدفق/الفيض أن الله، كمصدر، أعطى ولادة الأجرام السماوية وعالمنا. ينبغي أن يُفهم الوحي لدى الأنبياء، من خلال طاعة الملائكة، وأنه فيض لعلمه. كل هذا الوحي يهدف فقط إلى جعل الإنسان يدرك كماله الحقيقي أو نهايته الأخيرة، أي تصور الله ومعرفة الحقائق المعقولة أو الميتافيزيقية التي حصل من خلالها على الخلود (633). هنا يلتقي أفلاطون بموسى(النبي).

فالأشخاص الضالون الذين خاطبهم دلائل ابن ميمون هم الرجال المتدينون المثاليون في دينهم وأعرافهم الذين درسوا بعمق العلوم الفلسفية وانجذابهم عبر العقل، لكن من الممكن أن يحيرهم المعنى الخارجي للقانون. هذا المعنى الحرفي يمكن أن يلقي بهم في الإثارة والاضطراب. ولذلك، فإن الغرض من رسالة ابن ميمون، (لأنه يدرك دائمًا حدود الذكاء البشري عندما يسعى لفهم الإلهي)، هو إزالة بأكبر قدر ممكن هذه الظلامية وضمان عدم تضليل الإنسان الديني بها.

III-فضيلة الدين حسب توما الأكويني

سرعان ما تم نسيان كل من الفارابي وابن سينا وابن رشد في العالم الإسلامي، قبل إعادة اكتشافهم بفضل النهضة الإسلامية في أواخر القرن التاسع عشر. إن ورثتهم المباشرين، إذا جاز التعبير، يتواجدون في العالم الغربي واللاتيني، الذي ظل حتى الآن صامدًا للغاية، في أعقاب الأوغسطينية تحديدا، في المعرفة العقلانية “الوثنية”، وبالإضافة إلى ذلك كانت غير معروفة. انطلاقا من القرن الثالث عشر، سيتشرف القراء المسيحيون العظماء بالترجمات الجديدة للمؤلفين العرب ولنصوص أرسطو (ألبرت لوغران وتوما أكويني ودانس سكوت وڭيوم أوكام والمعلم  إيكهارت[3]) بهذه المعرفة العقلانية. على غرار الكتاب العرب، لم يشككوا مطلقًا في حقيقة الوحي، لكنهم كانوا حريصين على إظهار أنه يتوافق مع العقل. كانت رؤيتهم الأكثر عقلانية للعالم، المستوحاة من أرسطو وبعض الأفلاطونيين الجدد الموروثة عن المفكرين المسلمين، ستسهم في ازدهار العلم الحديث، وبالتالي انتشار موقف فلسفي أكثر أهمية تجاه الدين.

من المستحيل أن ننصف هنا التنوع اللانهائي لـ فلسفة الدين لكتاب العصور الوسطى لأن كل الأسئلة التي تعاملوا معها في المجموعة الوفيرة، تمس “الدين” بشكل مباشر أو غير مباشر (الله و الإيمان والخطيئة والنعمة والملائكة ، إلخ.). يجب هنا  أن نتعامل مع دليل الراهب أنسيلم الأنطولوجية[4] والبراهين الخمسة لوجود الله وتصورنا الذي صنع جوهر الله وجبروته، لكن يمكن القول إن هذه الأسئلة هي أكثر من المسألة الميتافيزيقية نفسها[5]، وهذا يعني أن التفسير العقلاني للمبادئ الأولى هي التي تمكننا من التمييز بين “الدين” المفهوم على أنه العبادة المقدمة إلى القوة العليا التي  نسميها الإلهي.

بهذا المعنى، تحدث توما عن الدين في قسم بعيد عن خلاصته اللاهوتية، في المجلد الثاني من الجزء الثاني، حيث يتعلق الأمر بالفضائل العظيمة (2a, 2ae, q. 81-91) . تعامل توما مع الدين بعد فترة طويلة من الحديث عن الله وعن الإيمان نفسه (في الجزء الأول). لذلك، فإن مفهومه للدين، على سبيل المثال، أكثر عقلانية من مفهوم أوغسطين ولكنه أقرب إلى الدين باعتباره عقيدة مؤمنة. فالقول إن الدين “فضيلة” لن يعتبر أمراً مسلماً به من قِبل قراء اليوم. يتبع توما أرسطو في رؤيته للفضيلة أنها عادة، بمعنى تدبير أو ترتيب «الذي يُصْلِح الإنسان لكي يتصرف بشكل جيد» (la 2ae, q.58, art,.3). هناك ثلاث فضائل فكرية بالنسبة لتوما (الحكمة والعلم والعقل)، وأربع فضائل أخلاقية (الحكمة والعدالة والاعتدال والقوة) وثلاث فضائل لاهوتية (الصدقة والإيمان والأمل). رغم كل الصعاب، ليس الدين فضيلة لاهوتية، ولكنه فضيلة أخلاقية، لأنه يُفهم كفضيلة فرعية للعدالة. ذلك لأن الفضائل اللاهوتية باعتبار الله يتجاوز عقلنا. ومع ذلك، ليس للدين غرض مباشر من الله، ولكن عبادة الإنسان لله.

سيكون بالنسبة لتوما المرجع الأول التعريف الذي قدمه سيشرون الذي ينص على أن «الدين يقدم رعايته ومراسمه لطبيعة من نــــظام أعلـــى يســـمى الإلهـــــــي» (2a, 2ae, q.81). عرض توما بعد ذلك أصل ثلاثة مصطلحات التي يحكم ضروريًا على ذكاء فضيلة الدين:

  • إعادة القراءة. استعاد توما هذا الاشتقاق الأصلي من سيشرون: الرجل المتدين هو الشخص الذي اجتاز، وإذا جاز القول أعاد القراءة (retractat et tamquam relegit)، لما يتعلق بالعبادة الإلهية. إذا قَدِمَ الدين من “إعادة القراءة”، فهذا يرجع إلى أنه يجب العودة إليه في كثير من الأحيان في صميمه. ينبع الدين هنا من القراءة المتكررة (frequenti lectione) ؛

  • إعادة الانتخاب. إن أصل هذه الكلمة التي استعارها توما من مدينة الله لأوغسطين: باعتبار أن الله هو الصالح الأعلى الذي تم التخلي عنه بسبب إهمالنا، ينبغي إعادة انتخابه واختياره من جديد؛

  • إعادة الارتباط. عبر الدين أخيرًا عن «الارتباط بالإله الوحيد العلي القدير» (وفقًا لأصل الاشتقاق من لاكتانس Lactance[6] لم يذكر هنا).

يعبر الدين من خلال القراءة المتجددة والاختيار المتكرر لما فُقِدَ أو الارتباط العمودي عن المعنى الحقيقي لنظام الله (ordo ad Deum). لذلك فإن فضيلة الدين هي التي تأمر كل شيء بالتصرف اتجاهه، مما يدفعنا إلى إعادة قراءة كلمته، والاختيار بحرية والتشبث به. يتجلى ذلك في نوعين من الأفعال: ستكون أفعال الدين إما داخلية، وهذه رئيسية أو خارجية وثانوية. فالأعمال الداخلية هي تلك المتمثلة في التُّقى والصلاة، في حين أن الأعمال الخارجية تشمل العبادة والتضحيات والقربان والعشور، باختصار، كل ما نقدمه لله. من الواضح أن الله لا يحتاج إلى عطايانا أو صلواتنا. إذا شهدنا العزة والإجلال لله، فهذا ليس لنفسه لأنه مليء بالمجد الذي لا يضيف إليه المخلوق شيئًا. نحن نفعل ذلك بدلاً من ذلك من أجل أنفسنا، من أجل إخضاعه لعقلنا وإيجاد الكمال فيه لنا، لأن «كل الأشياء لا تجد الكمال إلا في الخضوع لما هو متفوق عليه». لكننا بحاجة إلى الاسترشاد بالمُدْرك. هذا هو السبب في أن العبادة الإلهية تتطلب استخدام الحقائق الجسدية مثل العديد من العلامات «القادرة على إيقاظ في الروح البشرية الأفعال الروحية التي توحدوا من خلالها مع الله» (q.81, art.7). هذه هي “فلسفة الدين”، بالمعنى الذاتي للصالح.

تمثل الفضيلة، بالنسبة لأرسطو، توازنا بين طرفي نقيضين. وينطبق الشيء نفسه على فضيلة الدين عند توما. فهي تجسد توازنا عادلا بين التجاوزين وهما الخرافة والإلحاد. فالخرافة هي إفراط لأنها تجعل العبادة الإلهية لما لا ينبغي أن تكون موضوعًا لها أو أنها تفعل ذلك بطريقة غير مشروعة. وقد عبر الإلحاد على أن هناك عيب في الدين: يظهر ذلك في عدم احترام الله الذي يتم عندما يحاول المرء إغراء الله أو إخضاعه للاختبار، وعندما يرتكب الحنث باليمين أو الذي يستخدم اسمه دون احترام. تجدر الإشارة إلى أن الإلحاد ليس أحد أشكال اللادينية التي درسها توما. ولن تصبح ممكنة إلا مع فلسفة دين الحداثة.


الهوامش

[1]– ابن رشد، فصل المقال ص. 22 ( عذنا للكتاب الأصل)

[2]– Yahvé

[3]– Albert le Grand, Thomas d’Aquin, Dan Scot, Guillaume d’Occam, Maître Eckhart

[4] – في نهاية القرن الحادي عشر، كان الراهب أنسيلم من كانتربري يعتزم وضع دليل على وجود الله على أساس العقل البشري الوحيد وليس على سلطة الكتاب المقدس. قدم هذا المسعى المذهل تقريبًا للتفكير الفلسفي مكانًا مناسبًا في الفضاء اللاهوتي في العصور الوسطى.

[5]-Voir  Grondin, Jean, introduction à la métaphysique, Editeur, Pu Montréal, 2004, pp.133-171.

[6] – اسمه الحقيقي لوسيوس كاوسيليوس فيرميانوس المعروف بلاكتانس من اللاتينية، من مواليد حوالي 250 بعد الميلاد  بسيفيطاس بُبْثينسيس (أحراي الحالية بالجزائر) الرومانية وتوفي حوالي 325. كان يطلق عليه اسم سيشرون المسيحي بسبب أناقة نثره اللاتيني. عمل مدرسا للبلاغة.

error: