السببية عند أرسطو – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: فهد راشد المطيري

السببية عند أرسطو – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: فهد راشد المطيري


مدخل حول السببية عند أرسطو (السببية و الأسباب الأربع والعلم الطبيعي، و السبية الغائية، و السببية في تفسير خسوف القمر)؛ نص مترجم للـد. آندريا فالكون، والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


يتمثّل كل علم أرسطيّ في استكشاف سببيّ لميدان محدّد من ميادين الواقع، وإذا كُتب له النجاح، فإنّ من شأن مثل هذالاستكشاف أن يُفضي إلى معرفة مُسبّبة، أي إلى معرفة بالأسباب الملائمة أو ذوات الصلة. يقف هذا التركيز على مفهوم “السبب” وراء بناء أرسطو لنظرية حول السببية تُعرف عموما باسم مذهب الأسباب الأربعة. بالنسبة إلى أرسطو، من الضروري لإجراء استكشاف ناجح للعالم من حولنا الإحاطة المُحكمة بما يشير إليه مفهوم “السبب” ومعرفة عدد أنواع الأسباب المتاحة.

كما سيبدو واضحا في حينه، كان أرسطو ملتزما بتبنّي شكل من السببية المتعددة (Stein 2011: 121–147)، فهناك، بحسب أرسطو، أربعة أنواع أولية ومختلفة للأسباب، وسينصبّ التركيز في هذا المدخل على الترابط المنتظم بين تلك الأنواع الأربعة من الأسباب.   

 

  1. مقدمة في السببية عند أرسطو

  2. الأسباب الأربعة

  3. الأسباب الأربعة والعلم الطبيعي

  4. الدفاع عن الأسباب الغائية

  5. الأولوية التفسيرية للأسباب الغائية

  6. تفسير خسوف القمر

  7. خاتمة في السببية عند أرسطو

  8. قائمة بالمصطلحات الأرسطية

  • مراجع

  • أدوات أكاديمية

  • مصادر أخرى على الإنترنت

  • مداخل ذوات صلة


  1. مقدّمة في السببية عند أرسطو

لم يكن أرسطو المفكر الوحيد الذي خاض في البحث عن أسباب نشأة العالم من حولنا، فمنذ بدايته، وباستقلالية تامة عن أرسطو، كان سبر أغوار العالم الطبيعي قائما على البحث عن الأسباب المتعلقة بظواهر طبيعية متعددة. في حوار “فيدون”، مثلا، نجد أنّ ما يُسمّى “التحرّي حول الطبيعة” كان يقوم على بحث في “أسباب كل شيء؛ أسباب متعلقة بظهور الأشياء إلى الوجود واختفائها منه، إلى جانب السبب في وجودها ذاته” (96 أ 6-10). ضمن هذا التقليد البحثي، كان البحث عن أسباب بحثا عن إجابات لسؤال يبدأ بـ “لماذا؟”، وفي كلا كتابيه “الطبيعة” و”ما وراء الطبيعة” كان أرسطو يضع نفسه في اتصال مباشر مع هذا التقليد. يقدّم أرسطو في كتابه “ما وراء الطبيعة” عرضا موجزا للنتائج التي توصّل إليها مَن سبقوه من المفكرين (ما وراء الطبيعة، المقالة الأولى، الفصول من 3 إلى 7)، حيث نجد في هذا التلخيص الموجز أنّ جميع السابقين عليه كانوا منشغلين في البحث عن نوع واحد أو أكثر من الأسباب الأربعة التالية: السبب المادّي، والسبب الصوري، والسبب الفعّال، والسبب الغائي، لكن أرسطو يؤكد أيضا على اكتفاء جميع أولئك المفكرين بمجرّد الإشارة إلى تلك الأسباب (ما وراء الطبيعة، 988 أ 22-23؛ لكن انظر أيضا 985 أ 10-14 و 993 أ 13-15). بمعنى آخر، لم يكن أولئك المفكرين في بحثهم عن العلّة متمكّنين من الإحاطة المُحكَمة بطبيعة تلك الأسباب، فلقد كانوا يفتقدون إلى إدراك تام لنطاق من الأسباب المحتملة وتداخلاتها المنهجية. بصياغة أخرى، وبجرأة أكبر، لم يكن استخدامهم لمبدأ السببية مدعوما بنظرية مناسبة حول هذا المبدأ، وهذا يفسّر، بالنسبة إلى أرسطو، عدم نجاحهم نجاحا تامّا بالرغم ممّا نتج عن تناولهم لهذا الموضوع من أفكار قيّمة.

 

في هذا الإصرار على مبدأ الأسباب الأربعة، بوصفها أداة ضرورية للقيام باستكشاف ناجح للعالم من حولنا، تفسيرٌ لحرص أرسطو على تقديم عرض موجز لقرائه حول تلك الأسباب. نجد هذا العرض، بألفاظ تكاد تكون متطابقة، في الفصل الثالث من المقالة الثانية من كتاب “الطبيعة”، وفي الفصل الثاني من المقالة الخامسة من كتاب “ما وراء الطبيعة”. 

  1. الأسباب الأربعة

في كتابه “البرهان”، يضع أرسطو الشرط الجوهري التالي للحصول على معرفة حقيقية: لا نعتقد أنّ لدينا معرفة بشيء ما إلّا حين ندرك سببا له (البرهان، 71 ب 9-11، قارن مع البرهان، 94 أ 20). يكرر أرسطو في “الطبيعة” تأكيده على أن المعرفة الحقيقية هي معرفة السبب: إنّنا نعتقد أننا لا نفهم شيئا إلا بعد أن ندرك علّته، أي أن نجد سببا له (الطبيعة، 194 ب 17-20). نظرا إلى أنّ من الواضح أنّ أرسطو يتصوّر البحث عن العلّة بوصفه بحثا عن إجابة لسؤال يبدأ بـ “لماذا؟”، ومثل هذا السؤال هو بمنزلة طلب لتفسير، لعلّ من المفيد هنا أنّ نتصوّر السببية بوصفها نوعا محددا من التفسير.

 

غنيّ عن القول أنّ الأسئلة التي تبدأ بـ “لماذا” ليست جميعها أسئلة تنشد تفسيرا من شأنه تحديد سبب ما، ناهيك عن أن يكون سببا بالشكل المحدد الذي تصوّره أرسطو، ومع ذلك، من الواضح أن أرسطو ملتزم بوجهة نظر تشير إلى أن تقديم سبب (أو أسباب) ذي صلة يُعدّ أمرا ضروريا وكافيا لتقديم تفسير علميّ. هناك مكوّنان للتصوّر الأرسطي حول مفهوم السببية ، مكوّن ميتافيزيقي ومكوّن إبستمولوجي، وجزء من التحدّي الذي يواجهنا هنا هو في أنْ نوفيَ كلا المكونّين حقّهما من العناية. بإمكاننا القول، امتثالا باقتراح حديث، إنّ “الأسباب ليست طُرقا نفسّر بواسطتها الأشياء، عدا أن يكون التفسير اشتقاقيا، وذلك بناء على حقيقة أنّ الأسباب طرق تقوم من خلالها عناصر من العالم الطبيعي في تفسير عناصر أخرى (Stein 2012a: 705).

 

في الفصل الثالث من المقالة الثانية من “الطبيعة”، وكذلك في الفصل الثاني من المقالة الخامسة من “ما وراء الطبيعة”، يقدّم أرسطو وصفه العام للأسباب الأربعة. يعدّ هذا الوصف عامّا من حيث أنّه يختصّ بكل شيء يتطلّب تفسيرا، بما في ذلك الإنتاج الفنّي والسلوك الإنساني. فيما يلي، يحدّد أرسطو أربعة أنواع من الأشياء التي يُمكن تقديمها في جواب عن سؤال يبدأ بـ “لماذا”:

 

  • السبب المادي: “ما يُصنع بواسطته”، كمثل معدن البرونز بالنسبة لتمثال.

  • السبب الصوري: “الصورة،” “الهيئة لما ستكون عليه المادة”، كمثل الشكل الذي سيكون عليه التمثال.

  • السبب الفعّال: “المصدر الأولي للتغيّر والسكون”، كمثل النحّات، أو فنّ النحت، أو الشخص الذي يُسدي نصيحة، أو الأب بالنسبة إلى ولادة طفله.

  • السبب الغائي: “الغاية، ما من أجله يُفعل الشيء”، كمثل أن تكون الصحة غاية المشي، أو فقدان الوزن، أو التنظيف، أو العقاقير، أو المعدّات الجراحية.

 

قد تدخل كل هذه الأسباب (أو الأنواع) الأربعة ضمن تفسير شيء ما، ولنأخذ كمثال على ذلك إنتاج تحفة فنية مثل تمثال مصنوع من البرونز. يدخل معدن البرونز في تفسير إنتاح التمثال بوصفه السبب المادي. لاحظ أنّ معدن البرونز لا يُعدّ فقط المادة التي صُنع بواستطها التمثال؛ إنّه أيضا موضوع التغيّر، أي أنّه الشيء الذي خضع لعمليّة التغيّر ونتج التمثال عنه. يُذاب معدن البرونز ثم يُسكب من أجل أن يكتسب شكلا جديدا، أي شكل التمثال. يدخل هذا الشكل ضمن تفسير إنتاج التمثال بوصفه السبب الصوري. التفسير الملائم لإنتاج التمثال، مع ذلك، يحتاج أيضا إشارة إلى السبب الفعّال أو المبدأ الذي يُنتج التمثال. هذا المبدأ، بالنسبة إلى أرسطو، هو فنّ نحت التماثيل (الطبيعة، 195 أ 6-8. قارن مع ما وراء الطبيعة، 1013 ب 6-9).

 

هذه النتيجة مفاجئة نوعا ما وتتطلّب مزيدا من الإيضاح. لا شك في أن فن نحت التماثيل يمارسه نحات مسؤول عن إنتاج التمثال، لكن – بالنسبة إلى أرسطو – كل ما يفعله النحّات في إنتاج التمثال هو تعبير عن معرفة محدّدة. هذه المعرفة، وليس النحّات الذي أجاد اكتسابها، هي العامل التفسيري الضمني الذي علينا اختياره بوصفه أدقّ تعبير عن السبب الفعّال (الطبيعة، 195 ب 21-25). من خلال اختيار الصّنعة، لا الصّانع، لا يحاول أرسطو فقط أن يقدّم تفسيرا لإنتاج التمثال بحيث يبدو تفسيرا غير معتمد على رغبات النحّات واعتقاداته ونواياه، بل إنّ أرسطو يحاول أيضا تقديم نوع مختلف تماما من التفسير، تفسير لا يُحيل (تلميحا أو تصريحا) إلى تلك الرغبات والاعتقادات والنوايا. بعبارة أخرى أكثر مباشرة، يدخل فن نحت التماثيل ضمن التفسير بوصفه السبب الفعّال لأنه يساعدنا على فهم ما يتطلّبه إنتاج التمثال، أي أنّه يحدد ما هي الخطوات التي ينبغي اتّباعها لإنتاج التمثال، لكن هل يكفي تقديم تفسير من هذا النوع من دون الإشارة إلى النتيجة النهائية لعملية الإنتاج، وهي التمثال ذاته؟ إنّ الإجابة هي بكل تأكيد: “لا”. هناك أُنموذج تمّ إعداده وقالب تمّ تجهيزه لإنتاج التمثال، كما أن معدن البرونز أُذيب وسُكِب لإنتاج التمثال. كلا المرحلتين السابقة واللاحقة هما من أجل غاية محددة: إنتاج التمثال. يبدو واضحا أن التمثال ذاته يدخل ضمن تفسير كل خطوة من خطوات الإنتاج بوصفه السبب الغائي، أي بوصفه ذلك الذي من أجله إنّما تمّ إنجاز كل شيء في عملية الإنتاج.

 

من خلال التأمّل في الأسباب الأربعة، استطعنا الوصول إلى فهم مفاده أنّ أرسطو يقدّم تفسيرا غائيا لعملية إنتاج تمثال البرونز، بمعنى أنّه تفسير يقوم بإحالة إلى غاية أو هدف من تلك العملية. يُضاف إلى ذلك أنّ التفسير الغائي من هذا النوع المشار إليه سالفا لا يعتمد بشكل جذري على استخدام مفاهيم ذهنية مثل الرغبات والاعتقادات والنوايا. إنّ هذه النقطة في غاية الأهمية، ذلك أنّ الإنتاج الفني يتيح لأرسطو أُنموذجا غائيا لدراسة العمليات الطبيعية، تلك التي لا يتضمّن تفسيرها اعتقادت أو رغبات أو نوايا أو أي شيء من هذا القبيل. لقد اعترض البعض على أرسطو لأنّه يفسّر العمليات الطبيعية اعتمادا على أنموذج غائيّ-ذهنيّ غير ملائم؛ بمعنى أنّه أنموذج غائيّ يتضمّن فاعلا غرضيّا ومُدركا بطريقة ما للغرض أو الغاية. بالإمكان تجاوز هذا الاعتراض إذا فهمنا المثال الفني من منظور لاذهنيّ. بعبارة أخرى،  لا يُذهنن أرسطو الطبيعة لأنّ دراسته للعالم الطبيعي تقوم على أنموذج غائيّ خالٍ عن وعي من عوامل ذهنية. (للمزيد من المعلومات حول الدور الذي يقوم به الإنتاج الفني في تطوير أنموذج تفسيري لدراسة الطبيعة، انظر Broadie 1987: 35-50).

 

من المناسب هنا نقطة إيضاحية أخيرة. حين يصرّ أرسطو على فن نحت التماثيل بوصفه السبب الفعّال الأدقّ وراء إنتاج التمثال، فإنّه لا يقصد من وراء ذلك حجب الإشارة إلى اعتقادات النحّات ورغباته، بل على العكس من ذلك، فهناك حالات تدل بوضوح على دخول مهارة الفرد الفنية كطرف في تفسير إنتاج تمثال البرونز. على سبيل المثال، قد يُبدي أحدنا اهتماما بتمثال محدد لأنه تحفة فنية من صُنع نحّات لم يتقن هذا الفن فحسب، بل إنّه قام أيضا بتطبيقه بطريقة تنمّ عن أسلوب مميّز، وفي مثل هذه الحالة، من الملائم جدا الإشارة إلى اعتقادات النحّات ورغباته. يبدو أن أرسطو قد ترك مساحة لاحتواء هذه الحالة حين كتب يقول إنّ علينا البحث “عن أسباب عامّة لأشياء عامّة، وعن أسباب محددة لأشياء محددة” (الطبيعة، 195 أ 25-26). لاحظ، مع ذلك، أن الخصوصيات التي تبدو جوهرية في دراسة تمثال معين من البرونز بوصفه إنجازا عظيما لنحّات معيّن قد تبدو غير جوهرية من منظور أكثر أهمية (وأشدّ فضولا). لمعرفة السبب، دعنا نركّز انتباهنا على دراسة الطبيعة. حين يهتم طالب العلم الطبيعي بتفسير ظاهرة طبيعية كمثل تشكّل أسنان حادة في مقدمة الفم وتشكّل أضراس واسعة في مؤخرة الفم، فإنّ مثل هذا الطالب يهتمّ بما هو نمطيّ حول هذه الظاهرة. بمعنى آخر، إنّنا نتوقع من طالب الطبيعة هذا أن يقدّم تفسيرا لحقيقة أن بعض الحيوانات تتميّز بأنّ لديها ترتيبا محدّدا لأسنانها. سنعود مجددا إلى هذا المثال لاحقا، وأمّا هنا فمن الضروري التأكيد على أهمية هذه الخاصية في مشروع أرسطو التفسيري؛ إذ ينبغي أن نحتفظ بهذه الخاصية في الذاكرة في محاولتنا لفهم نظريته حول مبدأ السببية . في واقع الأمر، لقد طوّر أرسطو هذه النظرية أساسا ( لكن ليس حصرا) من أجل دراسة الطبيعة.

 

  1. الأسباب الأربعة والعلم الطبيعي

في كتابه الطبيعة، يتّخذ أرسطو من وصفه العام للأسباب الأربعة أساسا لِيُقيم عليه مبادئ تفسيرية تختصّ بدراسة الطبيعة، وهنا يؤكّد أرسطو على أن تفسير الظواهر الطبيعية يتضمّن جميع الأسباب الأربعة، وأنّ “وظيفة طالب العلم الطبيعي تكمن في استدعاء السؤال الذي يبدأ بـ “لماذا” عند استحضار كل تلك الأسباب بطريقة تتلاءم والعلم الطبيعي” (الطبيعة، 198 أ 21-23). أفضل طريقة لفهم هذه التوصية المنهجية هي التالي: يختص العلم الطبيعي بدراسة الأجسام الطبيعية من حيث أنّها خاضعة للصيرورة أو التغيّر، ووظيفة طالب هذا العلم هي في تقديم تفسير لصيرورتها الطبيعية، وأما العوامل التي يحتوي عليها تفسير التغيّر الطبيعي فقد تبيّن أنها المادة، والصورة، وما يُنتج التغيّر، والغاية من التغيّر ذاته. لاحظ أنّ أرسطو لا يقول إنّ جميع العوامل التفسيرية الأربعة متضمَّنة في تفسير كل مظاهر التغيّر الطبيعي أو في أيّ منها، بل إنه يقول إنّ التفسير الملائم للتغيّر الطبيعي قد يتضمّن إشارة إلى جميع تلك العوامل.

 

يواصل أرسطو بناءه من خلال إضافة تفصيل إلى مذهبه حول الأسباب الأربعة: فالصورة والمادة غالبا ما تتطابقان، وكلاهما يتشابه شكليا مع السبب المنتج لظاهرة التغيّر (الطبيعة، 198 أ 23-26). هذه هي واحدة من المرات العديدة التي يشير فيها أرسطو إلى الشعار “يتطلّب الأمر كائنا بشريّا لتكوين كائن بشريّ” (انظر، على سبيل المثال، الطبيعة، 194 ب 13؛ ما وراء الطبيعة، 1032 أ 25، 1033 ب 32، 1049 ب 25، 1070 أ 8، 1092 أ 16). لقد صيغ هذا الشعار للإشارة إلى حقيقة جوهرية مفادها أنّ الفهم لطبيعة تكوين كائن بشريّ لا يستقيم إلّا في ظلّ الهدف من عملية التكوين ذاتها، وهو هدف يشير إلى كائن بشريّ مكتمل النمو. يؤطّر أرسطو إجابته بواسطة الصورة الإنسانية، مؤكّدا على أنّ هذه الصورة هي ما يتمّ إنجازه في آخر عملية التكوين، غير أنّ هذا لا يفسّر لماذا يتطلّب الأمر كائنا بشريّا لتكوين كائن بشريّ. لاحظ، مع ذلك، أنّ الكائن البشريّ مكتمل النمو لا يمثّل نهاية عملية التكوين فحسب، بل إنّه أيضا المُبدِئ للعملية برمّتها. بالنسبة إلى أرسطو، المبدأ المحرّك الأسمى والمسؤول عن تكوين كائن بشريّ هو كائن حيّ مكتمل النمو ومن النوع ذاته، بمعنى أنه كائن بشريّ يشبه في صورته الغاية من عملية التكوين. (من المناسب هنا إيضاح أخير: إنّ أرسطو هنا ملتزم بتفسير مادّي-صوري للتكوين الحيواني، فمنظوره الذي نحن بصدده يشير إلى أن الأب يتيح الصورة، في حين تتيح الأم المادة).

 

على ضوء ما تقدّم، غالبا ما ينتهي المطاف بطالب العلم الطبيعي إلى ثلاثة أنواع من الأسباب: السبب المادي-الصوري، والسبب الفعّأل، والسبب الغائي. بالرغم من ذلك، كان محلّ جدل منذ القدم هذا المنظور الذي يشير إلى أنّ هناك أسباب في الطبيعة إلى جانب السبب المادي والسبب الفعّال، وبحسب ما يقوله أرسطو، كان أغلب مَن سبقوه يعترفون بالسببين المادي والفعّال فقط، وهذا ما يفسّر عدم اكتفاء أرسطو بالقول إنّ السببين الصوري والغائي غالبا ما يتطابقان، بل نراه أيضا مجبرا على الدفاع عن أطروحته ضد أولئك الذين ينكرون أن السببية الغائية نوع أصيل من أنواع السببية .  

 

  1. الدفاع عن الأسباب الغائية

يضمّ الفصل الثامن من المقالة الثانية من كتاب الطبيعة دفاع أرسطو الأكثر شمولية عن مبدأ الغائية السببية ، فهنا يعزّز أرسطو ما ذهب إليه من أنّ تفسير الطبيعة يتطلّب غائية سببية، وذلك من خلال مناقشته لمسألة قد يدفع بها معارض يُنكر وجود أسباب غائية في الطبيعة. يبيّن أرسطو أنّ المعارض الذي يدّعي أنّ السببين المادي والفعّال فقط يكفيان لتفسير التغير الطبيعي يُخفق في تبرير الانتظام الذي يميز العلاقة بين هذين السببين من جهة والسبب الغائي من جهة أخرى. قبل تبيان كيفية دفاع أرسطو عن وجهة نظره، ينبغي التوضيح لحقيقة أن هذا الدفاع لا يقوم بوظيفة البرهان، فمن خلال تدليله على أن المقاربة التي تهدف إلى دراسة الطبيعة وتغفل النظر في الوقت نفسه عن مبدأ السببية الغائية هي مقاربة غير قادرة على تبرير مظهر جوهري من مظاهر الطبيعة، فإنّ أرسطو لا يكون بناء على ذلك قد نجح في إثبات وجود أسباب غائية في الطبيعة. بالمعنى الدقيق للكلمة، الطريقة الوحيدة لإثبات أنّ الطبيعة تنطوي على سببية غائية هي من خلال إثبات يقوم على أسس مستقلّة، وهذا تحديدا ما لا يفعله أرسطو في الفصل الثامن من المقالة الثانية من كتاب الطبيعة، حيث نجد هنا أنّ السببية الغائية تُقدّم بوصفها أفضل تفسير لمظهر ما من مظاهر الطبيعة، تفسيرٌ لولاه لبقيَ هذا المظهر من دون تفسير. 

 

نأتي الآن إلى المسألة التي يناقشها أرسطو والتي يقدّمها من خلال تأمّل ظاهرة المطر. يكمن السبب وراء هذه الظاهرة في عمليات مادية يُمكن تحديدها على النحو التالي: حين يتعرّض الهواء الدافئ بعد سحبه إلى أعلى للتبريد ثم يتحوّل إلى ماء، فإنّ هذا الماء يهبط إلى أسفل بوصفه مطرا (الطبيعة، 198 ب 19-21). قد يحدث أنْ تنمو الذُرة في الحقل وقد يحدث العكس فيفسد الحرث جرّاء هطول المطر، ولكن السماء لا تُمطر من أجل تحقيق أي نتيجة، جيدة كانت أم سيئة، ذلك أنّ أيّا من النتيجتين ليس سوى مصادفة (الطبيعة، 198 ب 21-23). إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا تعمل كل مظاهر التغيّر الطبيعي بالطريقة نفسها؟ على سبيل المثال، لماذا لا تكون مجرّد مصادفة أنْ تنمو الأسنان الأمامية متخّذة شكلا حادّا ومناسبا لتمزيق الطعام، وأنْ تنمو الضروس متخذة أشكالا مسطّحة ومفيدة لطحن الطعام (الطبيعة، 198 ب 23-27)؟ حين تنمو الأسنان بهذا الشكل على وجه التحديد، فإنّ الكائن الحيواني يبقى على قيد الحياة، وحين لا يكون نمو الأسنان على هذا النحو، فإنّ الموت هو مصير هذا الكائن. بعبارة أخرى أكثر مباشرة وأشد تصريحا، لا تتمّ طريقة نمو الأسنان بهذا الشكل من أجل الكائن الحيواني، كما أن بقاءه أو فناءه ليس أكثر من كونه مجرّد مصادفة (الطبيعة، 198 ب 29-32).

 

يجيب أرسطو بقوله إنّنا نتوقع من المعارض لرأينا أن يفسّر السبب وراء حقيقة أنّ الأسنان تنمو بانتظام على النحو التالي: أسنان حادة في مقدمة الفم، وضروس واسعة في مؤخرة الفم. يضاف إلى ذلك أنّه لمّا كان هذا الترتيب الأسناني ملائما لقضم الطعام ومضغه من قِبل الكائن الحيواني، فإننا نتوقع من المعارض أن يفسّر الترابط المنتظم بين حاجات الكائن الحيواني وتشكّل أسنانه. إمّا أن يكون هناك ترابط سببيّ بين تشكّل الأسنان وحاجات الكائن الحيواني، وإمّا لا وجود لمثل هذا الترابط ولا يعدو الأمر عن كونه مجرّد مصادفة أفضت إلى أنْ تنمو الأسنان بطريقة تصبّ في صالح الكائن الحيواني. غير أنّ هذا لا يفسّر الانتظام في هذا الترابط، وحيثما وُجِد الانتظام، وُجِدت أيضا الحاجة إلى تفسير، والمصادفة ليست تفسيرا على الإطلاق. بعبارة أخرى، الزعم بأنّ نمو الأسنان بهذه الطريقة يخضع لضرورة مادية وأنّ هذا النمو جيد للكائن الحيواني هو بمنزلة زعم يترك الترابط المنتظم بين نمو الأسنان وحاجات الكائن الحيواني من دون تفسير. يقدّم أرسطو مبدأ السببية الغائية بوصفه تفسيرا لهذا الترابط المنتظم: تنمو الأسنان بهذه الطريقة تحديدا لقضم الطعام ومضغه وفي ذلك فائدة للكائن الحيواني (انظر Code 1997: 127-134). 

 

هناك نقطة تنبغي إدراكها في إجابة أرسطو، وهي أنّ تفسير تشكّل أجزاء كائن حي مثل الحيوان يتضمّن السبب الغائي بوصفه شيئا مفيدا إمّا لوجود هذا الكائن وإمّا لِنموّه، ففي الحالة الأولى، هذا الشيء مفيد للكائن الحيواني لأنه لا يستطيع البقاء على قيد الحياة من دونه؛ وفي الحالة الثانية، هذا الشيء مفيد للكائن الحيواني لأنه سيكون بوضع أفضل مع وجود هذا الشيء. إنّ من شأن هذه النقطة مساعدتنا على فهم السبب وراء إصرار أرسطو على المنفعة في مفهوم “الغاية” الذي يقدّمه في معرض حديثه حول دراسة العمليات الطبيعية: “ليس كلّ ما يأتي في الأخير يستحقّ أن يكون غاية، بل إنّ الأفضل فحسْب هو الغاية” (الطبيعة، 194 أ 32-33).

 

ما إنْ يؤمّن دفاعه عن استخدام الأسباب الغائية، يستطيع أرسطو أن يخطو خطوة إضافية من خلال تركيزه على الدور الذي تقوم به المادة في مشروعه التفسيري. لنعُد إلى المثال الذي اختاره أرسطو والذي يشير إلى النمو المنتظم للأسنان الحادة في مقدمة الفم وللضروس الواسعة في مؤخرة الفم. ما الدور التفسيري الذي تبقّى للعمليات المادية التي تتضمّنها هذه العملية الطبيعية؟ لا يبدو أرسطو هنا قادرا على تحديد ماهية العمليات المادية التي يتضمّنها نمو الأسنان، لكنّه على استعداد للاعتراف بأنّ هناك بعض العمليات المادية التي ينبغي توافرها لتمكين الأسنان من النمو بالطريقة المشار إليها. بعبارة أخرى، لا تقتصر عملية تشكّل الأسنان على تلك العمليات المادية، غير أنّ هذا التشكّل لا يحدث إلّا في ظل توافر العمليات المادية ذوات الصلة. بالنسبة إلى أرسطو، هذه العمليات المادية هي تلك التي تكون ضرورية لتحقيق هدف محدد؛ أي هي بمنزلة ما هو ضروري في ظل فرضية تجعل من الوصول إلى الغاية واجبا.

غالبا ما تُساوى الضرورة الافتراضية مع الضرورة الشرطية، لكن هذا التساوي لا يذهب إلى أبعد من كونه تقديرا تقريبيا في أفضل الحالات، ذلك أنّ الإفصاح عن الشروط التي بموجبها يتحقّق شيء ما لا يرقى إلى تقديم تفسير ناجح. بعبارة أخرى، الضرورة الشرطية مفهوم أوسع، بل هو أيضا أضعف، من مفهوم الضرورة الافتراضية (لتأمّل عميق حول هذه النقطة، انظر Stein 2016: 353-382).

 

في المقالة الثانية من كتاب الطبيعة، خُصّص الفصل الثامن برمّته لتقديم مفهوم الضرورة الافتراضية وعلاقتها بالطموح التفسيري للعلم الطبيعي الأرسطي، ففي هذا الفصل، أُعيد صياغة المادة كي تبدو ضرورة افتراضية. إنّ في لجوء أرسطو إلى ذلك اعترافا منه بالصلة التفسيرية للعمليات المادية، في حين أنّه يؤكّد في الوقت نفسه على اعتمادها على بلوغ غاية محددة. 

 

  1. الأولوية التفسيرية للأسباب الغائية

في كتاب الطبيعة، يُكمل أرسطو وصفه العام حول الأسباب الأربعة كي يتيح لدارسي الطبيعة أدوات تفسيرية لا غنى عنها لإجراء استكشاف ناجح للعالم الطبيعي. بالرغم من ذلك، لا يتبح كتاب الطبيعة كل الأدوات التفسيرية لجميع الاستكشافات الطبيعية، غير أنّ أرسطو يعود إلى موضوع السببية في المقالة الأولى من كتابه أجزاء الحيوان، وهو كتاب بمثابة أُطروحة مستقلة نسبيا وقائمة بذاتها، كما أنّها تختصّ كليّا بتطوير أدوات تفسيرية تتطلّبها الدراسة الناجحة للحيوانات والحياة الحيوانية. هنا تحديدا يُكمل أرسطو نظريته السببية من خلال دفاعه عن الأولوية التفسيرية للسبب الغائي بالقياس إلى السبب الفعّال.

 

الجدير بالذكر هو أننا لا نجد في المقالة الأولى من كتاب أجزاء الحيوان أي محاولة للدفاع عن وجود الأنواع الجوهرية الأربعة لمبدأ السببية . بطبيعة الحال، يتوقّع أرسطو من قارئه أن يكون مُلمّا بوصفه العام للأسباب الأربعة إلى جانب دفاعه عن السببية الغائية، وأمّا المعضلة التي تحظى باهتمام أرسطو هنا فهي على النحو التالي: نظرًا إلى أنّ تفسير التكوين الطبيعي يتضمّن السببين الغائي والفعّال، ينبغي لنا تقرير أيهما يأتي أولا وأيهما يأتي ثانيا (أجزاء الحيوان، 639 ب 12-13). يجادل أرسطو بقوله ألّا سبيل إلى تفسير التكوين الطبيعي إلّا من خلال الإحالة إلى ما يكمن في آخر هذه العملية، ولهذا المبدأ أولوية تفسيرية على المبدأ المسؤول عن بدء عملية التكوين، وأرسطو هنا يعتمد على التشابه بين الإنتاج الفني والتكوين الطبيعي، إلى جانب اعتماده على الأنموذج الغائي الذي قام بتطويره لتفسير الإنتاج الفني. لنتأمّل، على سبيل المثال، عملية بناء المنازل. لا توجد طريقة لتفسير كيف بُنِي منزلٌ ما، أو كيف يُبنى، إلّا من خلال الإحالة إلى آخر نتيجة لعملية البناء، أي المنزل. بشكل أكثر مباشرة، يوضع الطوب والعوارض معًا بطريقة محددة يُراد من ورائها الحصول على نتيجة معينة: إنتاج المنزل. ينبطق الأمر نفسه على حالة التكوين الطبيعي، وفي هذا السياق شعار أرسطو هو “التكوين من أجل الجوهر، لا الجوهر من أجل التكوين” (أجزاء الحيوان، 640 أ 18-19). هذا يعني أن الطريقة السليمة لتفسير تكوين كائن ما مثل أي حيوان، أو تشكيل أجزائه، تكون من خلال الإحالة إلى المنتوج الكامن في آخر العملية، أي إلى جوهر من نوع معيّن.

 

يخبرنا أرسطو أنّ إمبيدوكليس فسّر تشكّل العمود الفقري البشري على هيئة فِقرات بأنّه نتيجة لالتواء الجنين وانعطافه في رحم أمه، وهو تفسير لا يجده أرسطو مقبولا (أجزاء الحيوان، 640 أ 19-26). أولا، لا بدّ للجنين من القدرة على الالتواء والانعطاف، وإمبيدوكليس لا يقدّم تفسيرا لهذه الحقيقة. ثانيا، وأكثر أهمية، لقد غابت عن إمبيدوكليس حقيقة أنّ تكوين كائن بشريّ يتطلّب كائنا بشريّا. بمعنى أخر، المبدأ الأصلي للتكوين هو كائن بشريّ مكتمل النمو ومشابه شكليّا للنتيجة النهائية لعملية التكوين، ولا سبيل أمامنا لفهم السبب وراء تشكّل عمودنا الفقري على هيئة فِقرات وترتيبها بهذا الشكل المحدد إلّا من خلال النظر إلى الكائن البشري مكتمل النمو، وهذا بمثابة البحث عن الدور الذي يقوم به العمود الفقري في حياة كائن بشريّ مكتمل النمو (للمزيد من المعلومات حول الأولوية التفسيرية للسبب الغائي بالقياس إلى السبب الفعّال، انظر Code 1997: 127-143).

لعلنا الآن في مقام يتيح لنا أن نفهم كيف يجمع أرسطو بين دفاعه عن وجود أربعة أنواع من الأسباب وزعمه في الوقت نفسه بأنّ المعرفة الحقيقية هي معرفة السبب أو معرفة ما يكمن وراء “لماذا” (البرهان، 71 ب 10-12، 94 أ 20؛ الطبيعة، 194 ب 17-20؛ ما وراء الطبيعة، 981 أ 28-30). ينبغي الاعتراف بأنّنا أمام نقطة تبدو ملتبسة من الوهلة الأولى، غير أنّ الالتباس يزول حين ندرك أنّ أرسطو يمنح الأولوية التفسيرية للسبب الغائي\الصوري على حساب السببين المادي والفعّال. لا يعني هذا بالطبع استبعاد الأسباب الأخرى، بل على العكس من ذلك تماما: فأرسطو يصرّ على ضرورة الاستعانة بجميع الأسباب الأربعة من أجل تقديم تفسير للحالات التي تشكّل مجموعة كاملة. بعبارة أخرى أكثر تصريحا، عند التعامل مع مثل هذه الحالات، فإنّ التفسير الذي يُخفق في استدعاء جميع الأسباب الأربعة ليس تفسيرا على الإطلاق، لكن في الوقت نفسه، يظلّ السبب الغائي\الصوري هو السبب الأوّلي، ومعرفة هذا السبب ترقى إلى معرفة ما يكمن خلف السؤال الذي يبدأ بـ “لماذا”. 

 

  1. تفسير خسوف القمر

سبق أن رأينا أن أرسطو غير ملتزم بوجهة النظر التي تشير إلى أنّ كل شيء يحتاج لتفسيره جميع الأنواع الأربعة من الأسباب، بل إنّ وجهة نظره هي أنّ التفسير العلمي يقتضي أربعة أنواع من الأسباب كحدّ أقصى. لعلّنا نوضّح هذه النقطة من خلال الاستعانة بمثال، وليكن المثال تحديدا هو ظاهرة خسوف القمر، ففي كتابه ما وراء الطبيعة، يقول أرسطو إنّ خسوف القمر ليس له سبب غائيّ (ما وراء الطبيعة، 1044 ب 12). يضيف أرسطو أيضا أنّ خسوف القمر ليس له مادّة بالمعنى الدقيق للكلمة، بل إنّ له سببا يقوم بدور مشابه للمادّة. يُمكن الاستدلال على هذا الزعم الأخير ممّا يذكره أرسطو حول الأشياء التي توجد في طبيعتها ولكنّها لا تشكّل جوهرا، فبالنسبة إلى هذه الأشياء، يقول أرسطو إنها أشياء ليس لها مادة، بل إنّ لها شيئا هو بمثابة الأساس (ما وراء الطبيعة، 1044 ب 8-9). في حالة خسوف القمر، يشير هذا الشيء الذي هو بمثابة الأساس إلى المتأثّر بعملية الخسوف، وهو القمر، فإذا أردنا الدقة، ليس القمر مادةّ الخسوف، بل إنّه العنصر الذي تعرّض للخسوف بعد أن احتلّت الأرض موقعا في المنتصف بين الشمس والقمر. هل نعتبر الأرض السبب الفعّال في خسوف القمر؟ علينا أن نكون حذرين هنا، فحين نقول أن خسوف القمر هو سلْبٌ للضوء بسبب الأرض، فإننا نميّز هنا نوعا محددا من سلْب الضوء عن أنواع أخرى من سلْب الضوء، ولكنّنا، مع ذلك، حين ننظر إلى الأرض بوصفها السبب الفعّال لظاهرة الخسوف، فإننا لا نقدّم أدقّ وصف للسبب الفعّال، أو، بعبارة أخرى أكثر مباشرة، لا نبيّن ما تقوم به الأرض لتكون مُسبّبا لخسوف القمر. هذا الخسوف هو سلْب للضوء ناتجٌ عن توسّط الأرض بين الشمس والقمر، ومن خلال هذا التوسّط تحجب الأرض الضوء فتُسبّب خسوف القمر، وبذلك يكون هذا التوّسط هو السبب الفعّال المباشر لخسوف القمر، والإحالة إلى السبب الفعّال المباشر هي بمثابة تقديم أدقّ وصف، بل وأكمل تفسير، لظاهرة الخسوف (بالإمكان الاطلاع على مناقشة متعمّقة حول كيفية تفسير أرسطو لظواهر طبيعية كمثل خسوف القمر وظاهرة النوم في المصدر التالي، Code 2015: 11-45).   

 

يعود بنا هذا العرض الموجز لتفسير ظاهرة الخسوف إلى نقطة سبق أن أشرنا إليها في معرض حديثنا حول تفسير أرسطو لإنتاج تحفة فنية كتمثال البرونز، فهناك أيضا كنا ملزمين بالبحث عن أدق وصف للسبب الفعّال، حيث ذكرنا أنه سبب يشير إلى فنّ نحت التماثيل بدلا من النحّات نفسه. يُمكن لنا أن نخرج من هذين المثالين باستنتاج يفيد باهتمام أرسطو، ليس بالعثور على أنواع الأسباب ذوات الصلة فحسب، بل بتقديم أدق وصف لها أيضا. استنادا إلى وجهة نظر أرسطو، الوصف الأدق لكل الأسباب ذوات الصّلة هو الوحيد القادر على منحنا التفسير التامّ، وبالتالي، المعرفة العلمية حول شيء ما.

 

  1. خاتمة في السببية عند أرسطو

منذ ما قبل مجيء أرسطو وباستقلالية تامة عنه، كانت دراسة الطبيعة بحثا عن إجابات لسؤال يبدأ بـ “لماذا؟”، والفحص النقدي لاستخدام السابقين عليه لمفردات السببية ، إلى جانب دراسة متفحّصة لظواهر الطبيعة، ساهما في دفع أرسطو إلى العمل على نظرية لمبدأ السببية . هذه النظرية معروضة بصورتها الأكثر عمومية في الفصل الثالث من المقالة الثانية من كتاب الطبيعة وفي الفصل الثاني من المقالة الخامسة من كتاب ما وراء الطبيعة، وفي كلا النصّين يجادل أرسطو أنّ بالإمكان تقديم سبب غائي، أو صوري، أو فعّال، أو ماديّ لسؤال يبدأ بـ “لماذا”.

 

في بقيّة المقالة الثانية من كتاب الطبيعة وفي المقالة الأولى من كتاب أجزاء الحيوان، يتوسّع أرسطو بشكل أكبر في تناوله لمبدأ السببية ، مستكشفا أوجه الترابط المنتظم بين الأنواع الأربعة لـ السببية ومدافعا عن الأولوية التفسيرية للسبب الغائي، وأرسطو، إذ يقوم بذلك، لا يتوسّع في نظريته حول مبدأ السببية فحسب، بل إنّه يقوم أيضا بإقامة مبادئ تفسيرية تختصّ بدراسة الطبيعة. ينظر أرسطو إلى هذه المبادئ بوصفها إطارا نظريا لا غنى عنه للقيام باستكشاف ناجح للعالم الطبيعي، وكلا الكتابين، الطبيعة و أجزاء الحيوان، له خاصية تأسيسية. بعبارة أكثر مباشرة، يتوقّع أرسطو من طالب العلم الطبيعي أن يكون مُلمّا بتلك المبادئ قبل الانشغال في استكشاف أي مظهر من مظاهر العالم الطبيعي.

 

بالرغم من أن نظرية أرسطو حول مبدأ السببية قد شُيّدت في سياق بحثه حول الطبيعة، فإنّ تطبيقها يذهب إلى أبعد من حدود العلم الطبيعي، وهذا ما يبدو واضحا من العرض الأكثر عمومية للنظرية في الفصل الثالث من المقالة الثانية من كتاب الطبيعة وفي الفصل الثاني من المقالة الخامسة من كتاب ما وراء الطبيعة، حيث نلحظ هنا استخدام الأسباب الأربعة لتفسير السلوك الإنساني إلى جانب الإنتاج الفني. يضاف إلى ذلك أنّ أي استكشاف نظري، إذا قُدّر له أن يكون متوافرا إلى جانب العلم الطبيعي، سيلجأ إلى استخدام مبدأ الأسباب الأربعة.

 

لنتأمل، باختصار، كتاب ما وراء الطبيعة لأرسطو كمثال، فهنا نجده باحثا عن الحكمة، وقسم من المناقشة الدائرة في هذا الكتاب هو بمثابة محاولة لتوضيح أي نوع من الحكمة تلك التي ينشدها أرسطو، ويكفي هنا أن نشير إلى تصوّر أرسطو لهذه الحكمة بوصفها عِلم الجوهر الذي هو علم الوجود أو جزءًا منه (للمزيد من المعلومات حول هذه المناقشة، انظر في هذه الموسوعة المدخل المعنون ميتافيزيقا أرسطو، خاصة القسمين الأول والثالث). ما هو مهمّ أنّ هذا العلم يتمثّل في استكشاف سببيّ، أي في بحث عن الأسباب ذوات الصلة بموضوع البحث، وهذا يساعد على فهم السبب وراء تكرار أرسطو لعرضه الأكثر عمومية لنظريته حول مبدأ السببية بمفردات تكاد تكون متطابقة في الفصل الثالث من المقالة الثانية من كتاب الطبيعة وفي الفصل الثاني من المقالة الخامسة من كتاب ما وراء الطبيعة. بالرغم من أنّ هذين الكتابين ينتميان إلى مشروعين نظريين مختلفين، فإنّ من المنتظر منّا في الحالتين الشروع في استكشاف يُفضي إلى المعرفة السببية ، وهو أمر غير ممكن من دون إحاطة مُحكمة بالعلاقات المتبادلة بين (أنواع) الأسباب الأربعة.


  1. قائمة المصطلحات الأرسطية لمدخل (السببية عند أرسطو) 
  • casuality السببية
  • account: logos خطاب مسبّب
  • art: technêصنعة، فن
  • artisan: technitêsصنائعي، حِرَفيّ
  • cause: aitiaaition سبب
  • difficulty: aporia صعوبة، مسألة
  • end: telosغاية
  • essence: to ti ên einaiماهيّة
  • form: eidos صورة، شكل، هيئة
  • generation: genesis
  • goal: telos هدف، غاية
  • knowledge: episteme معرفة، علم
  • hypothesis: hypothesisفرضية
  • necessity: anankêضرورة
  • principle: archêمبدأ
  • substance:ousiaجوهر
  • why: dia ti, diotiعلة، “من أجل ذلك”، “لهذا السبب”
  • wisdom: Sophia حكمة

مراجع

General survey

  • Frede, M., 1980, “The Original Notion of Cause,” in J. Barnes, M. F. Burnyeat, M. Schofield (eds.), Doubt and Dogmatism: Studies in Hellenistic Epistemology, Oxford: Oxford University Press, 217–249; reprinted in M. Frede, Essays in Ancient Philosophy, Oxford: Oxford University Press, 1989, 125–150.
  • Hankinson, J. R., 1998, Cause and Explanation in Ancient Greek Thought, Oxford: Oxford University Press.
  • Natali, C., 2013, “Aitiain Plato and Aristotle. From Everyday Language to Technical Vocabulary,” in C. Viano, C. Natali, and M. Zingano (eds.), Aitia I: Les quatres causes: origines et interpretation, Leuven: Peeters, 39–73.
  • Shields, C., 2007, “Explaining Nature and Nature of Explanation”, in C. Shields, Aristotle, London/New York: Routledge, 36–97.

The Four Causes

  • Annas, J., 1982, “Inefficient Causes,” Philosophical Quarterly, 32: 311–322; reprinted in T. Irwin (ed.), Classical Philosophy. Collected Papers, New York/London: Routledge, 1995, 11–27.
  • Bogen, J., 1974, “Moravcsik on Explanation,” Synthese, 28: 19–25.
  • Code, A., 1987, “Soul as Efficient Cause in Aristotle’s Embryology,” Philosophical Topics, 15: 51–59.
  • –––, 1997, “The Priority of Final Causes over Efficient Causes in Aristotle’s Parts of Animals,” in W. Kullmann and S. Föllinger (eds.), Aristotelische Biologie, Stuttgart: Steiner, 127–143.
  • Freeland, C., 1991, “Accidental Causes and Real Explanations,” in L. Judson (ed.), Aristotle’s Physics: A Collection of Essays, Oxford: Oxford University Press, 49–72.
  • Gourinat, J.-B., 2013, “‘Origine du mouvement’ et ‘cause efficiente’ chez Aristote,” in C. Viano, C. Natali, and M. Zingano (eds.), Aitia I: Les quatres causes: origines et interpretation, Leuven: Peeters, 91–119.
  • Henning, B., 2009, “The Four Causes,”Journal of Philosophy, 106: 137–160.
  • Hocutt, M., 1974, “Aristotle’s Four Becauses,” Philosophy, 49: 385–399.
  • Matthen, M., 1989, “The Four Causes in Aristotle’s Embryology,” Apeiron(Special Issue, Nature, Knowledge and Virtue, R. Kraut and T. Penner, eds.), 22(4): 159–180.
  • Moravcsik, J. M., 1974, “Aristotle on Adequate Explanations,” Synthese, 28: 3–17.
  • –––, 1991, “What Makes Reality Intelligible? Reflections on Aristotle’s Theory of Aitia,” in L. Judson (ed.) Aristotle’s Physics: A Collection of Essays, Oxford: Oxford University Press, 31–48.
  • –––, 1995, “Philosophic Background of Aristotle’s Aitia,” in M. Sim (ed.), The Crossroads of Norm and Nature. Essays on Aristotle’s Ethics and Metaphysics, Lanham, MD: Rowman & Littlefield, 237–246.
  • Mure, G. R. G., 1975, “Cause and Because in Aristotle,” Philosophy, 50: 356–357.
  • Stein, N., 2011, “Aristotle’s Causal Pluralism,”Archiv für Geschichte der Philosophie, 93: 121–147.
  • –––, 2012a, “Causation and Explanation in Aristotle,” Philosophy Compass, 6(10): 699–707.
  • –––, 2012b, “Causal Necessity in Aristotle,” British Journal for the History of Philosophy, 20(5): 855–879.
  • –––, 2016, “Explanation and Hypothetical Necessity in Aristotle” Ancient Philosophy, 36: 353–382.
  • Schofield, M., 1991, “Explanatory Projects in Physics3 and 7,” Oxford Studies in Ancient Philosophy(Supplementary Volume), 9: 29–40.
  • Sprague, R. K., 1968, “The Four Causes: Aristotle’s Exposition and Ours,” Monist, 52: 298–300.
  • Todd, R. B., 1976, “The Four Causes: Aristotle’s Exposition and the Ancients,” Journal of the History of Ideas, 37: 319–322.
  • Tuozzo, Th. M., 2011, “How Dynamic is Aristotle’s Efficient Cause?” Epoché: A Journal for the History of Philosophy, 15: 447–464.
  • –––, 2014, “Aristotle and the Discovery of Efficient Causation,” in T. M. Schmaltz (ed.), Efficient Causation: A History, Oxford: Oxford University Press, 23–47.
  • van Fraassen, B., 1980, “A Re-examination of Aristotle’s Philosophy of Science,” Dialogue, 19: 20–45.

Art and Nature

  • Broadie, S., 1990, “Nature and Craft in Aristotelian Teleology,” in D. Devereux and P. Pellegrin (eds.), Biologie, Logique et Métaphysique chez Aristote, CNRS: Paris, 389–403; reprinted in S. Broadie, Aristotle and Beyond: Essays in Metaphysics and Ethics, Cambridge: Cambridge University Press 2010, 85–100. [This article is printed with the title “Nature, Craft, and Phronesisin Aristotle,” Philosophical Topics, 15 (1987): 35–50.]
  • La Croce, E., 1976/1977,“El concepto aristotelico de tecnica,” Ethos, 4: 253–265.
  • Jacobs, W., 1978, “Art and Biology in Aristotle,” in G. C. Simmons (ed.), Paideia(Special Aristotle Issue), Brockport/Buffalo: State University College, 16–29.
  • Solmsen, F., 1963, “Nature as Craftsman in Greek Thought,” Journal of the History of Ideas, 24: 473–496; reprinted in F. Solmsen, Kleine Schriften, Hildesheim: Olms, 332–351.

Teleology and Necessity

  • Balme, D., 1987, “Teleology and Necessity,” in A. Gotthelf and J. G. Lennox (eds.), Philosophical Issues in Aristotle Biology, Cambridge: Cambridge University Press, 275–286.
  • Bolton, R., 1997, “The Material Cause: Matter and Explanation in Aristotle’s Natural Science,” in W. Kullmann and S. Föllinger (eds.), Aristotelische Biologie, Stuttgart: Steiner, 97–126.
  • Boylan, M., 1981, “Mechanism and Teleology in Aristotle’s Biology,” Apeiron, 15: 96–102.
  • –––, 1984, “The Place of Nature in Aristotle’s Teleology,” Apeiron, 18: 126–140.
  • Bradie, M., Miller, 1984, F. D., “Teleology and Natural Necessity in Aristotle,” History of Philosophy Quarterly, 1: 133–146.
  • Byrne, C., 2002, “Aristotle on Physical Necessity and the Limits of Teleological Explanation,” Apeiron, 35: 20–46.
  • Cameron, R., 2002, “The Ontology of Aristotle’s Final Cause,” Apeiron, 35: 153–179.
  • Charles, D., 1988, “Aristotle on Hypothetical Necessity and Irreducibility,” Pacific Philosophical Quarterly, 69: 1–53; reprinted in T. Irwin (ed.), Classical Philosophy. Collected Papers, New York/London: Routledge, 27–80.
  • –––, 1991, “Teleological Causation in the Physics,” in L. Judson (ed.), Aristotle’s Physics: A Collection of Essays, Oxford: Oxford University Press, 101–128.
  • –––, 2012, “Teleological Causation,” in C. Shields (ed.), The Oxford Handbook of Aristotle, Oxford: Oxford University Press, 227–266.
  • Cooper, J. M., 1982, “Aristotle on Natural Teleology,” in M. Schofield and M. Nussbaum (eds.), Language and Logos, Cambridge: Cambridge University Press, 197–222; reprinted in J. M. Cooper, Knowledge, Nature and the Good: Essays on Ancient Philosophy, Princeton: Princeton University Press, 2004, 107–129.
  • –––, 1985, “Hypothetical Necessity,” in A. Gotthelf (ed.), Aristotle on Nature and Living Things, Pittsburgh: Mathesis Publications, pp. 150–167; reprinted in J. M. Cooper, Knowledge, Nature and the Good: Essays on Ancient Philosophy, Princeton: Princeton University Press, 2004, 130–147.
  • –––, 1987, “Hypothetical Necessity and Natural Teleology,” in A. Gotthelf and J. G. Lennox (eds.), Philosophical Issues in Aristotle Biology, Cambridge: Cambridge University Press, 243–274.
  • Friedman, R., 1983, “Matter and Necessity in PhysicsB 9, 200 a 15–30,” Ancient Philosophy, 1: 8–12.
  • Furley, D. J., 1999, “What Kind of Cause is Aristotle’ Final Cause?,” in M. Frede and G. Stricker (eds.), Rationality in Greek Thought, Oxford: Oxford University Press, 59–79.
  • Gotthelf, A., 1976/1977,“Aristotle Conception of Final Causality,” Review of Metaphysics, 30: 226–254; reprinted with additional notes and a Postscript in A. Gotthelf and J. G. Lennox (eds.), Philosophical Issues in Aristotle’s Biology, Cambridge: Cambridge University Press, 1987, 204–242. The original paper with the 1986 Postscript is reprinted in A. Gotthelf, Teleology, First Principles, and Scientific Method in Aristotle’s Biology, Oxford: Oxford University Press 2012, 1–44
  • –––, 1988, “The Place of the Good in Aristotle’s Teleology,” in J. J. Cleary and D. C. Shartin (eds.), Proceedings of the Boston Colloquium in Ancient Philosophy, 4: 113–39; reprinted in A. Gotthelf, Teleology, First Principles, and Scientific Method in Aristotle’s Biology, Oxford: Oxford University Press 2012, 45–66
  • –––, 1997, “Understanding Aristotle’s Teleology,” in R. Hassing (ed.), Final Causality in Nature and Human Affairs, Washington D.C.: Catholic University Press, 71–82. A revised, updated, and expanded version of this article is reprinted in A. Gotthelf, Teleology, First Principles, and Scientific Method in Aristotle’s Biology, Oxford: Oxford University Press, 2012, 67–89.
  • –––, 2012, “Teleology and Embryogenesis in Aristotle’s Generation of AnimalsII 6,” in A. Gotthelf, Teleology, First Principles, and Scientific Method in Aristotle’s Biology, Oxford: Oxford University Press 2012, 90–116.
  • Henry, D., 2013, “Optimality and Teleology in Aristotle’s Natural Science,” in Oxford Studies in Ancient Philosophy, 37: 225–261.
  • Johnson, M. R., 2005, Aristotle on Teleology, Oxford: Oxford University Press.
  • Judson, L., 2005, “Aristotelian Teleology,”, Oxford Studies in Ancient Philosophy, 29: 341–365.
  • Leunissen, M., 2010, Explanation and Teleology in Aristotle’s Science of Nature, Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 2010, “Nature as a Good Houskeeper. Secondary Teleology and Material Necessity in Aristotle’s Biology,” in Apeiron, 43: 117–142.
  • Leunissen, M., and A. Gotthelf, 2010, “What’s Teleology Got to Do with It? A Reinterpretation of Aristotle’s Generation of Animals,” Phronesis, 55: 325–356; reprinted in A. Gotthelf, Teleology, First Principles, and Scientific Method in Aristotle’s Biology, Oxford: Oxford University Press, 2012, 117–141.
  • Lewis, F., 1988, “Teleology and Material/Efficient Causes in Aristotle,” Pacific Philosophical Quarterly, 69: 54–98.
  • Nussbaum, M., 1978, “Aristotle on Teleological Explanation,” in M. Nussbaum, Aristotle’s De motu animalium, Princeton: Princeton University Press, 59–99.
  • Owens, J., 1968, “The Teleology of Nature,” Monist, 52: 159–173; reprinted J. R. Catan (ed.), Aristotle: The Collected Papers of J. Owens, Albany: State University of New York Press, 1981, 136–147.
  • Pellegrin, P., 2002, “Les ruses de la nature et l’eternité du mouvement. Encore quelques remarques sur la finalité chez Aristote,” in M. Canto-Sperber and P. Pellegrin (eds.), Le Style de la pensée. Recueil des textes en hommage à Jacques Brunschwig, Paris: Les Belles Lettres, 296–323.
  • Quarantotto, D., 2005, Causa finale, sostanza, essenza in Aristotele, Saggi sulla struttura dei processi teleologici naturali e sulla funzione dei telos, Napoli: Bibliopolis.
  • Sauvé Meyer, S., 1992, “Aristotle, Teleology, and Reduction,” Philosophical Review, 101, 791–825; reprinted in T. Irwin (ed.), Classical Philosophy. Collected Papers, New York/London: Routledge, 1995, 81–116.
  • Scharle, M., 2008, “Elemental Teleology in Aristotle’s PhysicsII 8,” Oxford Studies in Ancient Philosophy, 34: 147–184.
  • –––, 2008, “The Role of Material and Efficient Causes in Aristotle’s Natural Philosophy,” in Apeiron, 41 (Special Issue: Aristotle on Life, J. Mouracade, ed.): 27–46.
  • Sorabji, R., 1980, Necessity, Cause and Blame, Ithaca: Cornell University Press.
  • Wieland, W., 1975, “The Problem of Teleology,” in J. Barnes, M. Schofield, R. Sorabji (eds.), Articles on Aristotle, London: Duckworth, pp. 141–160; originally published as chapter 16, “Zum Teleologieproblem,” of Die aristotelische Physik, Göttingen: Vandenhoeck und Ruprecht, 1962.

Special Topics

  • Bodnár, I., 2005, “Teleology across Natures,” Rhizai, 2: 9–29.
  • Boeri, M. D., 1995, “Change and Teleology in Aristotle Physics,” International Philosophical Quarterly, 34: 87–96.
  • Code, A., 2015, “The Matter of Sleep,” in D. Ebrey, Theory and PRactice in Aristotle’s Natural Science, Cambrdige: Cambridge University Press, 11–45.
  • Fine, G., 1987, “Forms as Causes: Plato and Aristotle,” in A. Graeser (ed.), Mathematics and Metaphysics in Aristotle, Bern: Haupt, 69–112.
  • Furley, D. J., 1985,“The Rainfall Example in PhysicsII 8,” in A. Gotthelf (ed.), Aristotle on Nature and Living Things, Pittsburgh: Mathesis Publications, 177–182; reprinted in D. J. Furley, Cosmic Problems, Cambridge: Cambridge University Press, 1989, 115–120.
  • –––, 2004, “Aristotle and the Atomists on Forms and Final Causes,” in R. W. Sharples, Perspectives on Greek Philosophy, Aldershot: Ashgate, 70–84.
  • Gaiser, K., 1969, “Das zweifache Telos bei Aristoteles”, in I. Düring (ed.), Naturphilosophie bei Aristoteles und Theophrast(4th Simposium Aristotelicum), Heidelberg: Stiehm, 97–113.
  • Gotthelf, A., 1989, “Teleology and Spontaneous Generation: A Discussion,” Apeiron(Special Issue, Nature, Knowledge and Virtue, R. Kraut and T. Penner, eds.), 22 (4): 181–193; reprinted in A. Gotthelf, Teleology, First Principles, and Scientific Method in Aristotle’s Biology, Oxford: Oxford University Press 2012, 142–150.
  • Kullmann, W., 1985, “Different Concepts of the Final Cause in Aristotle,” in A. Gotthelf (ed.), Aristotle on Nature and Living Things, Pittsburgh: Mathesis Publications, 170–175.
  • Lennox, J. G., 1984, “Aristotle on Chance,” Archiv für Geschichte der Philosophie, 66: 52–60; reprinted in J. G. Lennox, Aristotle’s Philosophy of Biology, Cambridge: Cambridge University Press, 1999, 250–258.
  • –––, 1982, “Teleology, Chance, and Aristotle’s Theory of Spontaneous Generation,” The Journal of History of Philosophy, 20: 219–238; reprinted in J. G. Lennox, Aristotle’s Philosophy of Biology, Cambridge: Cambridge University Press, 1999, 229–249.
  • –––, 1999, “Material and Formal Natures in Aristotle’s De Partibus Animalium,” in J. G. Lennox, Aristotle’s Philosophy of Biology, Cambridge: Cambridge University Press, 1999, 182–204.
  • Pavlopoulos, M., 2003, “Aristotle’s Natural Teleology and Metaphysics of Life”, Oxford Studies in Ancient Philosophy, 24: 133–181.
  • Sedley, D., 1991, “Is Aristotle’s Teleology Anthropocentric?” Phronesis, 36: 179–197.
  • –––, 2010, “Teleology, Aristotle and Plato,” in R. Bolton and J. G. Lennox (eds.), Being, Nature, and Life. Essays in Honor of Allan Gotthelf, Cambridge: Cambridge University Press, 5–29.
  • Turnbull, R. G., 1958, “Aristotle’s Debt to the ‘Natural Philosophy’ of the Phaedo,” Philosophical Quarterly, 8: 131–143.
  • Wardy, R., 1993,“Aristotelian Rainfall or the Lore of Averages,” Phronesis, 38, 18–30.

أدوات أكاديمية

مصادر أخرى على الإنترنت

مداخل ذوات صلة

Aristotle, General Topics: logic | Aristotle, General Topics: metaphysics | Aristotle, General Topics: psychology | causation: medieval theories of | episteme and techne [= scientific knowledge and expertise]

شكر وتقدير

Thanks to Christopher Shields, Greg Salmieri, István Bodnár, and Mark Goodwin for commenting on drafts of this entry.


[1] Falcon, Andrea, “Aristotle on Causality”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Spring 2019 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/spr2019/entries/aristotle-causality/>.