آلان تورين وجوهر الديموقراطية – محمد لمعمر

آلان تورين وجوهر الديموقراطية – محمد لمعمر


” فـ الديموقراطية، لا يقتصر تعريفها على مجموعة من الضمانات القانونية فقط أو على سيادة الأغلبية، بل، هي قبل كل شيء احترام التطلعات الفردية والجماعية”.   آلان تورين

 

ومضة استهلال:

   يمثل السوسيولوجي الفرنسي ألان تورين امتدادا نوعيا للفلاسفة، وعلماء الاجتماع الذين عملوا على القيام بنقد جينيالوجي للحداثة الغربية عامة، والديمقراطية خاصة، بحيث عمل على تفكيك  الديمقراطية، واصلا إياها بالحرية والوعي السياسي والقانوني، فأنشأ قولا فعليا حول أصول الفكر الديمقراطي، ومبادئ الفعل السياسي، حيث ربط بين التقدم الاجتماعي والثقافة الديمقراطية والحداثة السياسية؛ ربط تجادل، لا ربط  استضافة، فالدعوة عنده إلى إرساء ثقافة ديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية الشاملة، شأن واحد لا يقبل التجزئة، وتلك نظيمة فكره، وأنسوجة نظره السياسي، حيث الرؤية  المتزنة في الطرح والمعالجة، مائلا إلى التريث و عدم التسرع في فهما، منبها إلى كون الديمقراطية ليست مجرد حلم للأكثرية، ولا تهميشا لدور الأقلية، لأن فعل ذلك، معناه، اختلال التوازن السياسي داخل المجتمع.

    فتورين يتقمص دور الرائي  الذي يتنبأ بمسار وصيرورة الديمقراطية كنظام سياسي، فهي سهلة الإنعطاب، خصوصا عندما يشوبها خلل جذري، نتيجة حضور اللاتسامح الديني أو الطائفي أو القومي، لذلك، فالديمقراطية من وجهة نظره لا تتأسس على القوانين الصارمة فقط، ولا على التعاقدات  التوافقية، بل، يجب إرساء دعائمها عن طريق بناء ثقافة  ديمقراطية سياسية ، تؤمن بالتعددية السياسية، وتنهل من فكر التسامح، الأسس والمبادئ،  فتحقيق ذلك يجعل الديمقراطية قوة تجميع بين العناصر المتنافرة في المجتمع، وأداة توسط بين الأفراد والسلطة الحاكمة. لقد أسس تورين نظرية سياسية حول الفعل الديمقراطي، منفتحا على روافد معرفية متعددة، كعلم السياسية، والفكر الفلسفي النقدي، والمقاربات الاجتماعية، حيث أجال النظر في عمق الديمقراطية كمفهوم مركزي في أطروحته، مستحضرا المفاهيم المجاورة لها، كالمجتمع الصناعي، والاستبداد السياسي، والقلق حيال القوة الجديدة المتمثلة في الاقتصاد، وهيمنة الآلة على كينونة الإنسان.

      فما أحوجنا نحن العرب إلى رؤية تورين للديمقراطية، خصوصا في زمن التوترات السياسية، والتباس مفاهيمها، ولا عيب في ذلك مادامت الديمقراطية تدخل ضمن مجال المتاح للإنسانية جمعاء بلغة العروي بدون تفاضل، ولأننا لسنا بدعا من الأمم، فالديمقراطية فضلا على كونها مسار كوني، فإنها نظيمة أفكار ومبادئ تكشف عن ماهية الفعل السياسي للحاكم والمحكوم.

الومضة الأولى: ماذا عن الكتاب؟

   إن الناظر الممعن لكتاب “ماهي الديمقراطية” [1] يلف نفسه أمام كنز سياسي من (384) صفحة، مقسم إلى أربعة أقسام كبري، خصصت بالكامل، لتفكيك منطوق ومضمون الفعل الديمقراطي، خصوصا الفصل الأول، الذي تمحور بكامله حول مسألة “الديمقراطية كمبادئ وأسس وقواعد لممارسة الفعل السياسي” البناء. حيث الحرية والتحرر، والوعي السياسي، فأهمية الدراسة التي قام بها “تورين”، تكمن في كونه فكك وأعاد بناء الديمقراطية من جديد، وعلى أسس فلسفية وسوسيولوجية عز نظيرها، ولا شك في ذلك، مادامت الديمقراطية من جهة مفهوما منفلتا حاضرا في جميع المجالات، ومن جهة ثانية كونها حلم الشعوب التواقة إلى الانعتاق من الظلم والاستبداد، والراغبة في تدبير الواقع وشؤون الدولة الحديثة بشكل جماعي لا إقصاء فيه ولا تهميش. فأفكار الكتاب تتسم بالواقعية، والبعد عن الرؤى الميتافيزيقية المجردة، فكثرة الشواهد التاريخية، دليل على ارتباط “تورين” بالعالم المعيش، وأنه يحلل الظواهر السياسية من داخل المجتمع، هدفه تأسيس  مقاربة فلسفة سياسية إجتماعية جديدة، لا مجال فيها للرؤية الأحادية الجانب، تاركا للقارئ مساحة واسعة للتفكير وإعمال العقل لتحليل الديموقراطية، ولهذه الحيثيات يمكن القول، أن “تورين” يسعى إلى معالجة القضايا الآتية:

– الديمقراطية؛ أمال الشعوب المتطلعة للحرية،[2] والكرامة الإنسانية والانفلات من ظلم الاستبداد، غير أنه حنين مشوب بالقلق والتوجس.

– الديمقراطية؛ ليست أحلاما طوباوية، ولكنها فعل اجتماعي وثقافة يجب أن تترسخ في الوعي والوجدان أولا. ثم الحاجة إلى قواعد قانونية لتحقيق العدل والمساواة.

– الديمقراطية؛ مسار وعي إنساني، وسيرورة تفاعلية، وصيرورة متغيرة في الزمان والمكان، فمن ديمقراطية المبادلة والمساومة، إلى الديمقراطية التحررية. مرورا بالديموقراطية التمثيلية على الطريقة الأمريكية.

– الديمقراطية؛ هي ضمانة “التنوع الثقافي”، ومأوى الأفراد لنيل الحقوق الطبيعية والوضعية في ظل دولة الحق والقانون، وأساس ذلك ضرورة بناء ثقافة ديمقراطية صلبة تفضي إلى التنمية الشاملة.

   وعليه، فالدارس لكتاب “ماهي الديمقراطية لتورين” يستشف أطروحة مركزية مفادها، أن الديمقراطية ليست فقط نظاما سياسيا مؤطرا بالضمانات القانونية، ولكنها أيضا فعل ذاتي مسؤول، ومقاومة  تشي بتشكل وعي سياسي للأفراد والجماعات ، مقاومة الأفراد ضمن إطار قانوني ومؤسساتي وثقافي،[3] ضد جميع أنواع الاستبداد والتسلط، وهو دليل أخر على الجهد التفكيكي، والحفر الجينيالوجي الذي بذله تورين في سبيل كشف المستور السياسي، وفضح  طبيعة السلطة السياسية التي تدعي أنها ديمقراطية، خصوصا وأن العقل السياسي الناضج دائما يعيد النظر في التشكيلات المفاهيمية، وهو ما فعله تورين، مبينا أن  شرط القول الديمقراطي يحتاج إلى  وعي الأفراد، وانوجاد الثقافة السياسية  الرصينة ليغذوا المواطن كائنا اجتماعيا وسياسيا بامتياز، مشاركا في تدبير قضايا الشأن العام.

الومضة الثانية: أهمية المنهج، والاستشكالات

   لا شك أن المقاربة المنهجية ضرورية لفهم المحتوى الفكري والمضمون المعرفي لرؤية الباحث، وكذا، الكشف عن المسالك المنطقية التي اتبعها، ومن يقرأ أفكار الكتاب بحكمة وتبصر يلف نفسه أمام كتابة شديدة الاتساق، عظيمة التنسيق، تفكيكها يتطلب التوسل بمناهج معرفية، حيث الاستدلال العقلي والبرهان المنطقي الحاضر والشواهد الاجتماعية والتاريخية حاضرة بقوة في متن نصه، ولا شك في ذلك، لأن قضية الديمقراطية مشوبة بشوائب التبدل والتغير، توسيما واعتبارا واستشكال. وتتطلب سياقات تاريخية اجتماعية وفلسفية.  معنى ذلك أن تفكيك تورين لمفهوم الديمقراطية، استدعى حضور مناهج فلسفية واجتماعية، بل، أكثر من ذلك، لا نجازف إن قلنا أنه نهل من العلوم الرياضية بعض المناهج وعمل على تطبيقها سواء بشكل مباشر أو غير مباشر ، مثل الاستنباط الفرضي الرياضي  الذي يتجلى في انتقاله من العام إلى الخاص، فهو يحلل الديمقراطية كمفهوم كلي، وصولا إلى إثبات  فكرة جديدة متمثلة في ضرورة بناء ثقافة ديمقراطية ،[4] أو نفي أخري مناقضة، مثل مواجهة الاستبداد والظلم، وعليه، فالرؤية المنهجية يمكن تقسيمها إلى عدة أبعاد :

– البعد الفلسفي – الاجتماعي، يتمثل في الحضور المكثف للمفاهيم الفلسفية والاجتماعية، كالحرية، والعقل والوعي والمجتمع والأفراد، والهدف هو الكشف عن الشبكة المفاهيمية التي تربط الديمقراطية بمفاهيم/ مجالات أخرى تنتمي إلى حقول معرفية مجاورة تصريحا أو تلميحا، مفندا مزاعم تلك المجتمعات التي تدعي أنها تتبني الديمقراطية كنظام سياسي يحترم الأخر، ونضيف هنا، أن المعالجة الاستقرائية كانت حاضرة، حيث يستقرئ فكرة جزئية رابطا إياها بأجزاء أخرى مكملة، فميلاد فكرة كلية كنتيجة.

– البعد النقدي ( الهدم والتقويض )، يتجلى ذلك مثلا؛ في نقده للمجتمع الصناعي [5] ذو الطبيعة ألآلية، حيث التحكم في الأفراد وتحويلهم إلى أشياء، خصوصا عندما يتحالف الاستبداد الطائفي والاقتصاد المتوحش، فللديمقراطية أعداء كثر، إنها الروح الفلسفية النقدية، المتبدية في حبكة المقولات السياسية، وكيفية التعاطي معها، وفق رؤية يسعى من خلالها تورين إلى الرفع من منسوب الموضوعية، وإن كانت هذه الأخيرة صعبة التحقق في مجال العلوم الإنسانية .

– حاول تورين أن يصف تناقضات الفعل الديمقراطي الوصف المكين، متوسلا بآليات منطقية، كالمقارنة والمقايسة بين بعض الشعوب الإفريقية والأسيوية والأوروبية، اعتقادا منه، بأن مشكل الديمقراطية كوني وليس محلي يخص مجتمعا بعينه. مع مقايسته بين الواقع السياسي من جهة، وانعكاس ذلك على مستوى وعي الأفراد.

      فما طرحه تورين يشكل في حد ذاته صدمة سياسية للإنسان العربي والإسلامي ، فما أحوجنا نحن العرب إلى مثل هذه الدراسات  السياسية الجادة، لنتحدث عن طبيعة ومصير ومآل الديمقراطية في أوطاننا العربية، فتفكيك الديمقراطية،  لحظة متميزة في تاريخنا المعاصر، لنشخص أوضاعنا السياسية والاجتماعية بعمق وهدوء، ونبرز ميكانيزمات واليات اشتغال السلطة الحاكمة في علاقاتها مع المجتمع المدني،  فمشكلتنا أن تشخيصنا في بعض الأحيان أحادي الجانب، ويدعي الإحاطة بكل الجوانب، بما في ذلك  الجوانب المهمشة في المجتمع والسياسة،  كتلك التي تتعلق بثنائية الديمقراطية والشورى،  والحداثة والتراث، والديمقراطية والتنمية، الحرية والسياسة، التحديث والعولمة. وهنا تبرز أمامنا الإشكالات الأتية: هل الديمقراطية رغبة وخلاص وتحرر من الظلم والاستبداد أم أنها نظام هش سريع الانعطاب يتحول بسرعة إلى وسيلة في يد سلطة استبدادية قمعية؟ وما ضمانة تحقق الفعل الديمقراطي في الفضاء العمومي؟ القانون والتعاقدات التوافقية أم أن المسألة تتطلب بناء ثقافة سياسية؟ وما علاقة الديمقراطية بالتنمية؟ وكيف نرسخ شروط الممارسة الديمقراطية في وطننا العربي؟

الومضة الثالثة: الديمقراطية، أمل وتوجس

   إن الديمقراطية في حلتها الاجتماعية، فكرة جديدة على مستوى الممارسة السياسية  والاجتماعية [6]، أفضت من حيث المبدأ إلى تحقيق انتصارات، دالة على قوة العقل وجرأته، تجل ذلك  سياسيا في نشأة العقد الاجتماعي، وبروز ثقافة السوق الحرة، وصعود قوى اقتصادية، يرى فيها تورين  العنصر الأخطر على الديمقراطية، كما أن العولمة كرؤية جديدة دليل تاريخي أخر على انهيار المنظومة السياسية التقليدية، تلك الانتصارات عمل تورين على نقدها وتبيان عيوبها، وتوظيفها السلبي للديمقراطية، ويؤكد تورين بنوع من التوجس والقلق، أن الثقافة الاقتصادية الاستهلاكية الجديدة لا تتخذ كمعيار وحيد  للحكم على الديمقراطية، ولا وسيلة لترسيخ مبادئ الديمقراطية، بل، الأمر يتطلب قواعد قانونية وإدارة عامة قوية. [7] ولا شك في ذلك، لأن من شروط الممارسة الديمقراطية، إرساء قواعد ضرورية كضمانات، هذه الضمانات القانونية هي بدورها لا تف بالغرض، فالمسألة بحاجة إلى بناء ثقافة سياسية جديدة، وحصول الوعي لدى الأفراد.

   لقد أوضح تورين أن الديمقراطية نظام سياسي سهل الانعطاب، فيمكن أن تتحول إلى لعبة في يد القوى الاقتصادية التي ترى فيها مجرد وسيلة سياسية لتحقيق المنفعة، وتوظف من طرف سلطة حاكمة لممارسة أفعال لا ديمقراطية كالاستبداد والتحكم في الأفراد، والهيمنة على الفضاء العمومي، هذا ما يلاحظ حتى في الدول العريقة ديمقراطيا، حيث تسخر جميع الوسائل لإضفاء المشروعية على الخطاب السياسي، والانحياز للأفعال السالبة للحرية، والمبررة اللجوء إلى العنف اللامشروع، كالقتل والتعذيب والاختطاف، فعن طريق الديمقراطية يمكن إضعافها وقتلها. والنتيجة، ميلاد أزمات سياسية واجتماعية، تفضي إلى فقدان الثقة في السياسة كتدبير، والديمقراطية كنظام، ولا نجازف إن قلنا إن رؤية تورين موشومة بالتشاؤم السياسي حيال الديمقراطية، وكأن الديمقراطية أصلا نظام سياسي ضعيف وهش، سرعان ما تؤثر فيه عوادي السياسية، والأحداث الاقتصادية، فهي محتاجة بين الفينة والأخرى إلى دعائم جديدة.

    إن العالم يتطور، ولا أحد بمكنته أن ينكر أن للاقتصاد دورا مركزيا في تاريخنا المعاصر، وعلى الديمقراطية أن تجدد ذاتها بذاتها ومن داخلها، لتساير التحولات التي يفرضها منطق العصر الجديد. لذا، فالديمقراطية وسيلة وليست غاية في حد ذاتها، مادامت ماهيتها تنحصر في كونها، مبادئ أولية أساسية،[8] لخلق النظام، والتدافع الخلاق بين العناصر الاجتماعية (سلطة، أفراد، أحزاب …)، وأنها مشاركة في تدبير الواقع المعيش، وممارسة اجتماعية واقعية. والحال هنا، أن الديمقراطية لم تعد مجرد عرف اجتماعي، ولكنها تجسدت في شرعة قانونية، هي الشرعية العالمية لحقوق الإنسان، ودسترتها في الدساتير بالفعل.

    وبناء عليه، يمكن القول، أن الديمقراطية تتطلب قواعد للفعل، وشروطا للممارسة، وخلق تعاقدات اجتماعية وسياسية، فالسلطة هنا لم تعد حكرا على فئة أكثرية ولا انصياعا لرأي أقلية تدع أنها مهضومة الحقوق، ولكنها أصبحت خاضعة لمرجعية أساسها العقد الاجتماعي، والانفتاح على المجتمع المدني كقوة اقتراحيه لا تتحيز إلا إلى منطوق القانون، بغية تفعيل الضمانات الدستورية المتفق عليها، إنها الديمقراطية التشاركية،[9] كحدث سياسي، وكفلسفة وكمبادئ وقوانين تؤسس علاقات اجتماعية وسياسية، وفي ذلك، مؤشر على أن نمط السلطة لم يعد تقليديا أو حلما طوباويا، ولا شعارا ميتافيزيقيا، ولكنها أصبحت ملتصقة بالعالم المعيش، حيث الرغبة في الحرية والتحرر من القوى الهدامة في المجتمع . فماذا عن الديمقراطية في عالمنا العربي والإسلامي؟

الومضة الرابعة: الديمقراطية العربية، تيه ووعي شقي

    إن واقع الديمقراطية في الوطن العربي، هش وكئيب ومليء بالتناقضات، والأسباب كثيرة ومتعددة، فهناك القوة المتوحشة للأنظمة العربية الاستبدادية التي لا تترك الفرصة للأفراد للنضال الحر والواع من أجل تحقيق الحرية والكرامة الإنسانية، ومن ثم حيازة الأهداف الديمقراطية. فالعربي يتلقى الصدمات، بدءا من صدمة اكتشاف الأخر المتفوق في جميع المجالات؛ مرورا بصدمة الاستعمار ومخلفاته، فصدمة الحداثة السياسية والنظام الديمقراطي. والأمر يزداد التباسا على الإنسان العربي عندما يجد نفسه في مفترق الطرق، تائها بين ماضيه الذي مضى وانقضى، ولازال يحن إليه بقوة، وبين حاضر عربي متخلف، وحاضر غربي متقدم، الديمقراطية فيه متوطنة، والقانون منوجد حقيقة لا وهما، فيزداد التيه تيها، وتشتد قوة الضياع.

   إنه الانفصام بين واقع متخلف معاش، وواقع مأمول مرجو. والمشكل عندنا نحن العرب، أننا لم نبذل جهدا سياسيا حقيقيا في سبيل التأصيل للمفاهيم السياسية البرانية والجوانية، وهو الأمر الذي جعلنا خارج ركب الدول العريقة ديمقراطيا. فديمقراطيتنا، – إن كانت لنا ديمقراطية -، معطوبة على المستوى السياسي، ممسوخة فكريا، مريضة تئن في صمت اجتماعيا، ولا ننكر أن هناك مجهودات بذلت لكنها مجرد أحلام ورغبات، غالبا ما تتخذ صبغة فردية، رغبات تدفعنا مع درس “تورين” حول الديمقراطية إلى التأكيد، بأن المجتمعات العربية يمكن أن تتجاوز وضعياتها السياسية، شريطة إعادة النظر في المنتوج السياسي كما فعل ألان تورين، وتوفر الإرادة السياسية للسلطة الحاكمة، وبناء ثقافة ديمقراطية واضحة المعالم لا مكان فيها للطائفية والانتهازية.

    فالعقبات كثيرة، والعوارض الأيديولوجية والأمراض الاجتماعية مستفحلة إلى أقصى درجة، والأخطر من ذلك عندما يتحول ثقل الأعطاب إلى عوائق النهضة السياسية، فتصبح البنية مهترئة، مساعدة سلبا على تكبيل المجتمعات العربية، ومحاطة بجدار سميك، أعمدته، الجهل والتخلف والانحطاط الفكري والثقافي والسياسي، إنه الوعي الشقي حسب هيغل، حيث الانتماء واقعيا إلى مجتمع مكبل، والتطلع خياليا إلى مجتمع متحرر ومتنور نظريا، [10] تلك هي مفارقة العالم العربي.

    وهكذا، فغياب الديمقراطية الحقة في الوطن العربي جعل مفكرا مثل برهان غليون ينجز دراسة حول الديمقراطية العربية مفادها: ” أن اليأس بدأ يدب في أوساط الجمهور الذي يتحمل بصعوبة بطء الإصلاحات والتحولات في مجتمع يعيش أكبر أزمته التاريخية. فهناك يأس من جدية الانفتاح الذي حصل نحو بعض الفئات السياسية باسم التعددية والديمقراطية؛ وهناك يأس كذلك من التقدم في الإصلاحات الاقتصادية والإدارية والاجتماعية، لدرجة أصبح حديث الشعوب العربية في مجموعها، حديث الغلاء والجوع والفقر”.[11] فالإنسان العربي مقهور، وعندما انتفض ليعبر عن حقه في الوجود والحياة والحرية والكرامة، أجهضت أحلامه في المهد، وظاهرة الربيع العربي مثال ذلك. إننا بحاجة إلى أطروحة تورين، لعلها تساعدنا على تفكيك واقعنا الديمقراطي البئيس، فمكمن الضعف أيضا راجع إلى المفاهيم السائدة في البيئة العربية، والتي لم نتعاطي معها بالشكل العلمي المطلوب، مثل قيم الحداثة السياسية والديمقراطية (= أعنى الذاتية والحرية والعقلانية) التي هي في العمق، قيم الحداثة السياسية بامتياز، وأين هي الحداثة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؟

    فعوض أن نستشكل ذلك انطلاقا من واقعنا العربي، انجرفنا إلى استهلاك منتجات الحداثة، فحققنا التحديث المعطوب، ولم نهتم بالحداثة كفكر وثقافة، علما أن خلف الأواني (المنتجات) تكمن المعاني (الأفكار والمفاهيم والتصورات). والنتيجة، أن المفاهيم الحقيقية تحولت إلى شعارات للاستهلاك الإعلامي والسياسي، ونتساءل مرة أخرى، أين نحن من الديمقراطية وحقوق الإنسان، والإقلاع الاقتصادي، والسيادة للشعب؟ وما هو الموقع الذي يحتله وطننا العربي في إطار ما سماه تورين، بمجال الحرية والوفرة والسعادة؟ قطعا، لن نعثر على مكان في هذا المجال، وكأن مصيرنا التهميش، نتيجة غياب مقومات الوجود الإنساني، ورافعات الحداثة السياسية، كالتنظيم العقلاني، وسيادة القانون والحق والواجب، وتغليف الديمقراطية، بغلاف الهوية والأصالة / التراث والمحافظة، فلا يسعنا إلا أن نقول بأنه:” لا يمكن للمجتمع أن يصبح حرا، إذا كان نصفه مستعبدا أو مشلولا”. [12]

الومضة الخامسة: الديمقراطية التحررية

    يرى تورين أن بعض المفكرين تبنو فكرة تحرير الأفراد عن طريق الاستيلاء على السلطة الممثلة، وهو نداء ثوري أدى إلى ميلاد حكومات اشتراكية أكثر قسوة من سابقتها، [13] بحيث ترسخ الظلم في التربة الاجتماعية بمنطق جديد، نداء جابهه تورين بالرفض معتبرا أنه لتحرير الفرد لابد من العودة إلى ثقافة حقوق الإنسان، لأن فكرة الحقوق يمكن أن تؤدي إلى إزالة جميع أشكال التمييز بين الناس، وأن نأخذ بعين الاعتبار مبادئ الحقوق المدنية التي ناضل من أجلها العقل ألانواري، بحيث تمت محاربة سياسة التفرقة العنصرية. وتشكل فكر حقوق الإنسان ليساهم في إرساء الديمقراطية في المجال السياسي. فحوى ذلك بصيغة أخرى، أن الديمقراطية تستمد وجودها ليس من الفوضى والثورات وانقلاب الأقلية على الأكثرية، ولكن، عن طريق أولئك الذين ناضلوا من أجل الحرية ليعيش الناس أحرارا في العالم،[14] أولئك الذين واجهوا بالفكر والعقل قوة الحديد والنار، فرفضوا أنظمة الحكم المطلق، فمن رحم المعاناة والشقاء نشأت الحرية والديمقراطية.

     وهكذا، فقد استطاع العقل السياسي الحر، المتشبع بفكر حقوق الإنسان أن يعيد تشكيل الديمقراطية، انطلاقا من أرض المعارك والحروب والصراعات، والنضالات والتضحيات، وكأن عقل التاريخ يقول: وحدها العقول المتنورة والمكافحة قادرة على صنع الأحداث التاريخية، بما في ذلك حدث الديمقراطية، فلولا ذلك، لكانت الديمقراطية مجرد حلم بشري، كما يسعى إلى ذلك أعداؤها الدائمون، يقال هذا الكلام السياسي لفئة لازالت تناصر ثقافة الظلم والاستبداد، منتصرة للحكم المطلق والحاكم المتغلب، أولئك الذين يأخذهم الشوق والحنين لزمن العبودية والطاعة العمياء، فالديمقراطية كفاح من أجل التحرر، كفاح قديم عائد في زمن التعاسة بثوب جديد، لهذا، فالشعوب التواقة إلى الحرية لم تعد تفكر في ديمقراطية المبادلة والمساهمة (= ديمقراطية التمثيل )، لأن السلطة قد تحقق ذلك بأساليب قمة في الدهاء والمكر، ولكنها أصبحت تنشد ديمقراطية التحرر،[15] تحرير العقل من الوصاية، وانتزاع الخوف من الوجدان، وإخراج الذات من صمت العزلة الاجتماعية الذي تفرضه سلطة  القمع إلى ضجيج العمل والشغل والحركة والاندماج في المجتمع، ألم يقل إيمانويل كانط :” أيها الإنسان لتكن لك الجرأة والشجاعة على إعمال عقلك وفهمك الخاص”، ليتم استنشاق نسيم الحرية وعبق التعبير عن الذات، فهذا النوع من الديمقراطية يحتاج في الحقيقة إلى تأسيس المبادئ السياسية والاجتماعية على قاعدة المساواة، إذ ذاك، يحضر الفعل الديمقراطي في المجتمع ويترسخ في الوعي، ويغذوا المجتمع صالحا، لا يفرض سلوكا وتصرفا أو ممارسة جاهزة، تتماهى ومعتقدا وقيما أخلاقية معينة، كما أن الحكومة الممثلة ديمقراطيا لا يجب عليها أن  تفرض مفهوما معينا للخير والشر، بل، تعمل على تهيء الشروط الديمقراطية المناسبة التي تجعل كل ذات قادرة على التعبير عن أرائها دون خوف أو قلق، والأمر أيضا ينسحب على الدولة ككائن عاقل، وظيفتها تحرير الفرد  من نزعة الخوف التي أوجدها الاستبداد، بحيث لا تفرض على مواطنيها معتقدا ولا أخلاقا معينة، لأن فعل ذلك يتناقض، والأسس الديمقراطية التحررية. فحرية الرأي والاجتماع والتنظيم من صميم الديمقراطية، وهكذا نلمس أن تورين يسعى إلى القول بأن مفهوم الحرية ألإجرائي لا الميتافيزيقي، يتأسس وفقا لقواعد قانونية عقلية إلزامية، تنظم الفضاء الاجتماعي، وتضمن الحقوق والحريات، بما في ذلك الحق في الحياة والملكية.

     ما كان للفرد أن يمتلك حريته السياسية، وللديمقراطية أن تتجلى في أرض البشر، لولا الوعي السياسي والديموقراطي الحاصل، فسرعان ما سيصبح الاهتجاس بالديمقراطية ضمانة النظام، حيث التطلع إلى احترام القرارات الفردية، والمراهنة على دور الفرد  والجماعة، وخلق التوازنات التكاملية  بين الحرية الشخصية والتماهي مع جماعة اجتماعية أو قومية،[16] فالعقل هنا يستنبط قاعدة مفادها، أن الديمقراطية لا تستند إلى القانون فقط، بل، إلى الثقافة السياسة المرتبطة بمفاهيم أخرى، كالوعي الفردي والجمعي، في علاقته بمفهوم المساواة، لذا، وجب هدم النظام التراتبي كرؤية ونظام مفروضين واستبداله بنظام المساواة، حيث خضوع الكل لسلطة القانون. فالملاحظ هنا، أن تورين يؤكد على دور ديمقراطية المساواة في الحقوق والواجبات، فكل فرد له الحق في أن يختار وجوده وماهيته ويدبر شؤونه، بعيدا عن جميع أشكال الضغوطات التي يمكن أن تمارس لصالح نظام أخلاقي معين قد يمهد لعودة الاستبداد من جديد.

      وعليه، يمكن القول إن تورين متوجس من الطابع السلبي للسلطة خصوصا عندما تصبح شعبية، إذ يمكن أن تدمر الانتماءات الثقافية، وتهدم أسس الديمقراطية التي قام الإجماع حولها، فالحذر واجب، فلا يجب التماهي مع حق الأقليات بشكل مطلق إلى درجة نسيان دور الأغلبية، ففعل ذلك معناه انتفاء شرط الفعل الديموقراطي الذي أفرز أغلبية بموجب منطوق القانون.

     وألانكى من ذلك، أن التمادي المطلق في المطالبة بحق الجميع في كل شيء قد يفضي إلى المطالبة بتشكيل حكومات طائفية، معادية للديمقراطية  كاتفاق وإجماع، بحيث يتحول العالم السياسي إلى سوق للتفاوض والمساومة بين طوائف منغلقة على ذاتها، فيحصل التفتت الاجتماعي، وتتشظى الدولة السيادية إلى دويلات متمركزة على مصالحها القومية الضيقة، كل طائفة فرحة بما لديها، والمخرج من ذلك هو ضرورة  إعمال العقل والتوسل بالوسائل الحوارية العقلانية المؤطرة بالاستدلالات العلمية، والقيام بفحص ومحص للمطالب السياسية، والاحتكام إلى القواعد الشمولية المنصوص عليها في العقد الاجتماعي،[17]

   دون إهمال دور المعرفة وابتكار الحلول السياسية الناجعة التي تق المجتمع فتنة الانشطارات الطائفية، واحتوائها بالفعل، وتحويلها إلى قوى اندماجية منفتحة فكريا وسياسيا واجتماعيا. فالحلول السالفة الذكر تشكل في العمق المبدأ الديمقراطي ألأكثر حداثة، حيث الحوار والإنصات والتسامح والإيمان بأهمية الاختلاف، فلا نبذ ولا إقصاء ولا تهميش، إضافة إلى ذلك، لا بد من إعادة تعريف الثقافة السياسية، ليس بالاستناد إلى الوسائل المعروفة فقط كالعقل والحرية، وإنما بإعادة الاعتبار إلى النزعة التوفيقية بين العناصر المتباعدة والمتنافرة، فكل عنصر/ طائفة عندما ينعزل عن بقية العناصر الأخرى، يتقوى لوحده وبشكل سلبي، ليشكل هويته الخاصة به، هوية قد تتضخم أكثر من اللازم لتتحول إلى حكومة استبدادية، وهنا تنزلق الدولة / الأمة المتحررة ذات السيادة إلى طوائف منغلقة، ويتحول  العقل الناقد للظلم والاستبداد إلى اشتراكية عمياء، وتغذوا الفردانية الملازمة للحرية إلى نزعة استهلاكية سياسية تشي بضياع حقيقة الديمقراطية في معمعة الخلافات السياسية والطائفية .

     إذا كانت الديمقراطية سلوكا سياسيا واعيا، وممارسة عقلانية تعاقدية، فإن ثمراتها تنعكس إيجابا على المجتمع، وتتحقق التنمية المنشودة، تنمية الإنسان ببنائه، ثقافيا ومعرفيا وسياسيا واجتماعيا، أي أن هناك علاقة قربة ومجاورة ما بين الديمقراطية والتنمية، ولعل هذا ما يفسر تقدم المجتمعات التي انتصر أفرادها مبكرا للعمل الديمقراطي، حيث تحققت التنمية في الأوطان، وتفنن العقل في إبداع جميع أشكال الأنظمة التي حولت الواقع إلى مرآة تعكس نضج العقل، ورقي الإنسان، فتم تجاوز جميع المشاكل الداخلية بالاعتماد على الطاقات والكفاءات المجتمعية، فللعوامل الداخلية دورا رياديا في تحقيق التنمية، ولأنها مجتمعات خلقت قواعد الموازنة بين الرغبة في التحديث الاقتصادي، وحرية الأفراد، فنشأ الأمن والاستقرار. إن النزعات الطائفية والانقلابات السياسية، هي التي تقتل الديمقراطية وتعيدها إلى وضعية جد حرجة.

ومضة ختام:

    لقد أصبح من اللازم في زمن العولمة وسيادة العلم والتقنية، بناء ثقافة ديمقراطية رصينة وصلبة تحمي الإنسان من عسف القوى الهدامة والسلط الاستبدادية التي تسعى إلى تحويل الفضاء العمومي إلى مستنقع للفوضى واللامعقول السياسي. هنا بالذات يجب على العقل الإنساني الحر والمسؤول أن يتدخل للمساهمة في بناء الثقافة الديمقراطية، وترسيخ حقوق الإنسان كمبادئ، والإيمان بالتسامح، ومناكفة جميع أشكال العنف، بدءا من عنف الدولة اللامشروع، مرورا بعنف الجماعات والأحزاب، وصولا إلى عنف الأفراد، وكذلك مناهضة سياسة الميز العنصري ورفض التطرف، سواء أكان باسم الدين أو ألآمه أو الطائفة أو الايديولوجيا، وتكريس الحق في الاختلاف كأساس للحوار العقلاني الجاد والمسؤول. فالمجتمعات عامة والعربية خاصة مطالبة بتوفير أجواء الممارسة الديمقراطية، وذلك بجعل الفضاء العمومي عالما للتداول في قضايا الدولة والمجتمع، شريطة الإنصات لصوت العقل والنقد والشك البناء، والانتقال من مبدأ الشرعية السياسة إلى الشرعية العقلانية؛ معنى ذلك أن الثقافة الديمقراطية تتطلب تنمية الحس النقدي لدى الشخص، والاعتراف به كذات فاعلة ومبدعة داخل المجتمع، قادرة على الانفتاح على الغير لا الانكفاء على ذاتها، فبناء الإنسان قبل بناء الأوطان، خصوصا في تاريخنا المعاصر حيث أصبح هناك تلازم منطقي بين الديمقراطية والحق في التعبير والاجتماع واحترام الحقوق الجوهرية للمواطن، ففعل ذلك معناه ميلاد المواطنة الديمقراطية، وتحويل الحياة السياسية والاجتماعية إلى شبكة تشاورية تؤثث الفضاء العمومي .


   الهوامش:

  [1] الان تورين، ماهي الديمقراطية، ترجمة عبود كاسوحة، سلسلة دراسات فلسفية (57)، دمشق: منشورات وزارة الثقافة السورية. 200.

  [2] نفسه، ص 03.

 [3] نفسه، ص21-109.

 [4] نفسه، ص 22.

 [5] نفسه، ص 11.

 [6] نفسه، ص 11-46.

 [7] نفسه، ص 12.

 [8] نفسه، ص14.

 [9] نفسه، ص 18.

 [10] د. هشام شرابي، البنية البطريكية، بحث في المجتمع العربي المعاصر، دار الطليعة، بيروت، لبنان، 1978، ص 140.

 [11] برهان غليون، (الديمقراطية العربية، جذور الأزمة وأفاق النمو)، ضمن مؤلف جماعي حول الخيار الديمقراطي، دراسة نقدية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان 1994، ص 163.

 [12] هشام شرابي، البنية البطريكية، مرجع مذكور. ص 10.

 [13] ألان تورين، ماهي الديمقراطية، ص24.

 [14] نفسه، ص 26- 115- 76.

 [15] نفسه، ص 31-100-101.

 [16] نفسه، ص 33.

 [17] نفسه، ص 34.