الحركة النسوية والحرية – صبا محمود / ترجمة: عبير العبيداء

الحركة النسوية والحرية – صبا محمود / ترجمة: عبير العبيداء

الحركة النسوية والحرية

غلاف الكتاب


حتى نسبر أغوار مفهوم الحرية – الذي يشكِّل أساس الدراسات النسويِّة – بعمق أكثر، أجد أنه من المفيد أن نفكر في التفريق الرئيسي لدى المنظِّرين الليبراليين بين الحرية السلبية والإيجابية[1]. يقصد بالحرية السلبية غياب العوائق الخارجية في تقرير المصير اختيارًا وعملًا، سواء طرحت من قبل الدولة أو الشركات أو الأفراد[2]. تُفهم «الحرية الإيجابية»، من ناحية أخرى، على أنها القدرة على تحقيق إرادة ذاتية مستقلة، يجري تصميمها عمومًا وفقًا لما يمليه «العقل الكوني» أو «المصلحة الشخصية»، وبالتالي لا يعيقها تأثير العرف، أو الإرادة المتعالية والتقاليد. باختصار، الحرية الإيجابية يمكن وصفها بأنها أفضل قدرة لسيادة النفس وتقرير المصير، والحرية السلبية على أنها غياب القيود من أنواع مختلفة على قدرة الفرد على التصرف كما يشاء. من المهم أن نلاحظ أن فكرة تحقيق الذات في حدِّ ذاتها ليست من ابتكارات التقاليد الليبرالية، ولكن كانت موجودة تاريخيًا بأشكال متنوعة كالمفهوم الأفلاطوني لسيادة النفس على الشهوات، أو المفهوم الديني لتحقيق الذات من خلال تحوُّل الذات، كما يتجلى ذلك في البوذية ومجموعة متنوعة من التقاليد الصوفية، بما فيها الإسلام والمسيحية. مساهمة الليبرالية الفريدة هي ربط مفهوم تحقيق الذات مع تحقيق استقلالية الفرد، حيث تتساوى عملية تحقيق الذات مع القدرة على تحقيق رغبات «الإرادة الحقيقية»[3].

على الرغم من أنه لا يزال هناك جدال كبير حول تشابك مفاهيم الحرية السلبية والإيجابية[4] أريد التأكيد على مفهوم استقلالية الفرد الذي يعتبر أساسيًا لكليهما، وما يصاحب ذلك من إكراه وموافقة، بما هي عناصر بالغة الأهمية لطبوغرافيا الحرية. حتى يكون الفرد حرًّا (المرأة)، يجب أن تكون تصرفاتها نتيجة «لإرادتها الخاصّة» بدلًا من العرف والتقاليد، أو الإكراه الاجتماعي. وبقدر ما يكون الحكم الذاتي في هذا التقليد من النظرية السياسية الليبرالية مبدأ إجرائيًا، وليس ميِّزة وجودية أو موضوعية لهذا الموضوع، فإنه يحدِّد الشرط الضروري من أجل سن أخلاقيات الحرية. وهكذا، فحتى الأعمال اللاليبرالية، يمكن جدلًا أن تغتفر إذا ثبت أنها أُنجزت من قبل امرأة حرة تعمل وفق مشيئتها.

على سبيل المثال، فالمُنظِّر السياسي جون كريستمان، يحترم الموقف للإهتمام حيث يختار العبد أن يستمر في أن يكون عبدًا حتى عندما تتم إزالة العقبات والمعوقات الخارجية[5]. فمن أجل أن يُعتبر مثلُ هذا الشخص حرًّا؛ يقول كريستمان إن ذلك يتطلب حساب العملية التي اكتسب بها هذا الشخص رغبته في العبودية. يؤكد كريستمان أنه مادامت هذه الرغبات والقيم «وُلِدَت وفقًا للشروط الإجرائية لتشكيل تفضيل الحكم الذاتي الذي ينشئ الحرية؛ فعندها، بغض النظر عن «محتوى» تلك الرغبات، فإن التصرفات التي تثيرها ستكون حرّة (إيجابيًا)»[6]. بعبارة أخرى، ليس جوهر الرغبة ولكن «أصلها هو الذي يهم في الحُكْمِ على الاستقلال الذاتي»[7]، والحرية بهذه الصيغة تتمثل في القدرة على «اختيار» رغبات المرء إراديًا بغض النظر عمّا إذا كانت رجعية [غير ليبرالية][8].

تمثل مفاهيم الحرية الإيجابية والسلبية، مع ما يتطلبه ذلك من الحكم الإجرائي المستقل، الأساس لكثير من نقاشات النسويين. فعلى سبيل المثال، يبدو أن المفهوم الإيجابي للحرية يهيمن على مشاريع التأريخ النسوي (يشار إليها أحيانًا بـ «قصتها») التي تسعى لرصد مواقف اتخذتها المرأة ذاتيًا عبر التاريخ والثقافة، دون أن تعيقها قواعد السلطة الأبوية أو إرادة الآخرين[9]. ويبدو أن المفهوم السلبي للحرية يسود في الدراسات الجنسانية التي تستكشف تلك المساحات في حياة المرأة المستقلة عن نفوذ الرجل، وربما الوجود القسري، والتعامل مع مثل هذه المساحات بما هي حافلة أو مثقلة بإمكانيات الإنجاز أو لتحقق المرأة ذاتها. هكذا سعى الكثير من مؤرخي النسويّة وعلماء الأنتروبولوجيا من العالم العربي والإسلامي لتحديد تلك الظروف والحالات التي يبدو أن النساء سعين فيها لصياغة خطاب «خاص بهن» وبملء إرادتهن (مثل الشعر والنسيج، وحرية العبادة، وما شابه ذلك)، في بعض الأحيان تصبغ صبغة تحررية هائلة ممارسات الفصل بين الجنسين ـ التي كانت تقليديًا تفهم على أنها إقصاء للمرأة من المجال العام للسياسة التقليدية[10].

ليست نيتي التشكيك في التحول العميق الذي أحدثه خطاب الحرية والاستقلالية الليبرالي في حياة المرأة في كافة أرجاء العالم، ولكن للفت النظر للطرق التي مكَّنت هذه الافتراضات من أن تصبح معتادة في الدراسات حول الجنسانية. من الواضح أن مفهومي الحرية الإيجابية والسلبية – في آن معًا – ظلا يستعملان بشكل مثمر لتوسيع آفاق ما يمثِّل مجال الممارسات والنقاشات النسويّة الشرعية. ففي السبعينيّات على سبيل المثال وكردة فعل على دعوات نسويي الطبقة الوسطى من البيض بحل مؤسسة العائلة النووية(*) – التي اعتبروها مصدرًا أساسيًا لقمع المرأة – استدلَّ النسويون الأميركيون ومن أصول أفريقية أن الحرية لديهم إنما تتمثل في القدرة على تكوين الأُسَرِ بما أن التاريخ الطويل للعبودية والإبادة الجماعية والعنصرية قد أدير تحديدًا عن طريق تحطيم مجتمعاتهم وروابطهم الاجتماعية[11]. عمقت مثل هذه الحجج فهم النسويين لـ «تحقيق الذات/نجاح الذات» بجعل تصورات الطبقة والعنصر والانتماء العرقي مركزية، وبالتالي إجبار النسويين على إعادة النظر في مفهوم الاستقلال الذاتي للفرد على ضوء مسائل أخرى.

منذ ذلك الحين أطلق عدد من النسويين حملة نقد لاذع ضد تصور الليبرالية للاستقلالية من زوايا نظر مختلفة[12]. إذ كان النقَّاد القدامى قد لفتوا النظر للتصورات الذكورية المؤسِسَة لقيمة الاستقلالية[13] فإن العلماء المحدثين قد عابوها من حيث تركيزها على الخصائص الجزئية، الفردانية والقطعية للذات على حساب خصائصها العلائقية، التي تكونت عبر التفاعلات الاجتماعية داخل أنماط الاجتماع البشري[14]. وبالتالي كانت هناك محاولات متعددة لإعادة تعريف الاستقلال الذاتي من أجل التقاط الطابع العاطفي والتضامني والاجتماعي للناس، وبخاصة النساء[15].

ركَّز أصحاب النظرية ما بعد البنيوية – وهم الأكثر راديكالية – نقدهم للاستقلال الذاتي في إطار تحدٍّ أشمل للطبيعة الخدَّاعة لذاك الموضوع العقلي والمتعالي، الذي لا سلطان عليه، والذي يفترضه فكر الأنوار بصفة عامة، والتقاليد الليبرالية على وجه الخصوص. يقول هؤلاء النقَّاد بأن الفكر العقلاني يؤمِّن نطاقه وسلطته العالمية من خلال الإقصاء الضروري لكل ما هو جسدي، أنثوي، عاطفي، لا عقلاني، وغير موضوعي[16]. ومع ذلك لا يمكن لهذا الإقصاء أن يكون جوهريًا أو مفهوميًا من خلال اللجوء إلى تجربة أنثوية غير إشكالية، جسدًا أو تخيلًا (على وتيرة بوفوار وإيرغاري)، ولكن يجب التفكير في هذا الإقصاء من خلال شروط الخطاب المتعالي الميتافيزيقي نفسه، الذي يسنُّ هذه الإقصاءات[17].

فيما يلي، أود مواصلة الدفع في الاتجاه الذي افتتحته المناقشات ما بعد البنيوية. على وجه الخصوص، حجتي في فك ارتباط مفهوم تحقيق الذات عن إرادة الاستقلال أدين بها لنقَّاد ما بعد البنيوية لموضوع التعالي والطوعية، ونماذج السلطة القمعية. ومع ذلك، وكما سيتضح، فإن تحليلي ينحرف أيضًا عن هذه الأطر إلى درجة أني أشك في الميل الهائل داخل البحوث النسوية ما بعد البنيوية إلى وضع تصور للقوة باعتبار أنها تقويض أو إعادة وضع الأعراف الاجتماعية، لتحديد موقع القوة داخل تلك العمليات التي تقاوم الهيمنة ونماذج السلطة المهيمنة والمشخصنة. بعبارة أخرى سأستدل على أن الموضوع السياسي المعياري للنظرية النسوية ما بعد البنيوية يرتكز مفهوميًا في الغالب على ثنائية التبعية والتقويض. هكذا تستبعد هذه الدراسات أبعادًا من العمل الإنساني الذي لا ترتقي حالته الأخلاقية والسياسية إلى منطق القمع والمقاومة. ولكي يتسنى فهم أنماط العمل هذه المثقلة بأسباب وتواريخ أخرى، سأقترح أنه من الأجدر فصل مفهوم القوَّة agency عن أهداف السياسة التقدمية.

من الواضح تمامًا أن فكرة الحرية والتحرر، باعتبارها المثل الأعلى السياسي؛ هي جديدة نسبيًا في التاريخ المعاصر. فقد ازدهرت العديد من المجتمعات، بما فيها الغربية، مع تطلعات أخرى غير هذه. ولهذا السبب، لم تستنفد سردياتُ الحرية الفردية والجماعية الرغباتِ التي يعيش بها الناس في المجتمعات الليبرالية. وإذا كان لنا أن ندرك أن الرغبة في التحرر من المعايير أو تقويضها، ليست رغبة فطرية تحفز جميع الكائنات في جميع الأوقات، ولكن أيضًا تتم بوساطة الظروف الثقافية والتاريخية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف نحلِّل عمليات القوة التي تبني أنواعًا مختلفة من الأجهزة، والمعارف، والقيم الذاتية التي لا تتبع إنجاز السياسات التحررية؟

ببساطة، وجهة نظري هي هذه: إذا كانت القدرة على إحداث تغيير في العالم، وفي النفس؛ محدَّدة تاريخيًا وثقافيًا (من حيث ما يمثل «التغيير» والوسائل التي يتم بها تنفيذ ذلك في آن معًا)؛ فإنه لا يمكن تحديد مفهوم القوة ومعناها بشكل مسبق، ولكن يجب أن ينبثق من خلال تحليل مفاهيم معينة، تمكِّن وسائل محددة من الوجود، والمسؤولية، والفعالية. إذا نظرنا بهذه الطريقة، فإن ما قد يبدو أنه حالة من السلبية المؤسفة والانقياد من وجهة نظر التقدميين، قد يكون حقًا شكلًا من أشكال القوة، ولكن ذلك لا يمكن فهمه إلا من داخل خطابات وهياكل التبعية التي تهيئ الظروف لتفعيلها. بهذا المعنى، لا تتجلى سعة القوة فقط في تلك الأعمال التي تقاوم المعايير، ولكن أيضًا في تلك الوسائل المتعددة التي من خلالها نعيش المعايير. قد يُجادَل بأن هذا النوع من التحدي للوضع الطبيعي الممنوح للرغبة في الحرية في تحليلات الجنسانية ينطوي على خطر إضفاء الطابع الاستشراقي على المرأة العربية والمسلمة في جميع الأنحاء مرة أخرى – معيدًا أخطاء دراسات الاستشراق فيما قبل السبعينيّات التي عرَّفت المرأة الشرق الأوسطية على أنها آخر سلبي ومنقاد ومجرد من الوعي المستنير الذي لدى «أخواتها الغربيات»، وبالتالي محكوم عليها بحياة التبعية والذلّ للرجل. ومع ذلك سأؤكد أن دراسة الظروف الخطابية والعملية التي توصَّلت المرأة من خلالها لصقل أشكال مختلفة من الرغبة في العمل الأخلاقي والقدرة عليه، هي مشروع مختلف جذريًا عن الاستشراق الذي يُرجع الرغبة في الخضوع إلى جوهر فطري ثقافي لا تاريخي. في الواقع، إذا قبلنا بفكرة أنّ كل أشكال الرغبة منظَّمة خطابيًا (مثل ما تدَّعي كثير من البحوث النسوية الأخيرة)، فمن المهم أن نستنطق الظروف العملية والمفاهيمية التي بموجبها تطفو مختلف أشكال الرغبة، بما في ذلك الرغبة في الخضوع لسلطة معترف بها. ولا يمكننا فقط التعامل مع تلك الرغبات على أنها طبيعية، ونقتصر على تلك الرغبات التي تضمن ظهور السياسة النسوية.

لنتمعن، على سبيل المثال، نساء الحركة المسجدية اللاتي عملت معهن. فمهمة تحقيق التقوى وضعت هؤلاء النسوة في صراع مع مختلف هياكل السلطة. وبعض هذه الهياكل تموضعت في معايير العقيدة الإسلامية المؤسساتية، والبعض الآخر في قواعد الخطاب الليبرالي، والبعض في سلطة الآباء والأمهات والأقارب من الذكور، والبعض الآخر في مؤسسات الدولة. ومع ذلك، فإن الأساس المنطقي وراء هذه الصراعات كان بلا سند، وبالتالي لا يمكن فهمه إلا بالرجوع للمساواة بين الجنسين، أو لمقاومة سلطة الرجل. ولا يمكن لممارسات هؤلاء النسوة أن تُقرأ على أنها إعادة تكريس لتلك الأدوار التقليدية، بما أنّ حركة النساء المسجديات قد أعادت تكريس الممارسات الجنسانية للبيداغوجيا الإسلامية، ودور المساجد كمؤسسة اجتماعية بشكل كبير[18]. وردًّا على ذلك يمكن للمرء، وبطبيعة الحال، أن يقول: إنّه – بغض النظر عن قصد هؤلاء النساء، يمكن تحليل الآثار الفعلية لممارساتهن من حيث دورها في إعادة تعزيز أو تقويض هياكل هيمنة الذكور. طالما سلَّمنا بأن مثل هذا التحليل ممكن وكان مفيدًا في بعض الأحيان، أود أن أقول رغمًا عن ذلك إنه: لا يزال مرهونًا بشروط ثنائية المقاومة والتبعية، ويتجاهل المشاريع والخطابات والرغبات التي لم تأسرها هذه الشروط (مثل تلك المتبعة من قبل النساء اللاتي عملت معهن).

تقدم الدراسات حول الشعبية المتجددة للحجاب في مصر الحضرية منذ السبعينيّات أمثلة ممتازة عن هذه القضايا. انتشار مثل هذه الدراسات[19] يعكس تفاجؤ الباحثين لأنه، خلافًا لتوقعاتهم، فقد عاد العديد من «النساء المصريات الحداثيات» لارتداء الحجاب. بعض هذه الدراسات تقدم تفسيرات وظيفية، وتذكر مجموعة متنوعة من الأسباب التي تجعل المرأة ترتدي الحجاب طواعية (على سبيل المثال، الحجاب يجعل من السهل على النساء تفادي التحرش الجنسي في وسائل النقل العام، ويخفِّض تكلفة الملابس للمرأة العاملة… وهلم جرا). دراسات أخرى عرَّفت الحجاب باعتباره رمزًا لمقاومة تسليع جسد المرأة في وسائل الإعلام، وبشكل عام لهيمنة القيم الغربية. رغم أنّ هذه الدراسات قدَّمت إسهامات هامة، فمن المستغرب أنّ مؤلِّفيها لم يعيروا الاهتمام الكافي للفضائل الإسلامية من تواضع الإناث أو التقوى، وخاصة بالنظر إلى أن العديد من النساء اللاتي ارتدين الحجاب يعللن قراراتهن على وجه التحديد ضمن هذه الشروط[20].

بدلًا من ذلك، في كثير من الأحيان يشرح المحللون دوافع النساء المحجبات من حيث النماذج المعيارية للسببية الاجتماعية (مثل الاحتجاج الاجتماعي، الضرورة الاقتصادية، الشذوذ، أو الاستراتيجية النفعية)، في حين تُمنح مصطلحات مثل: «الأخلاق»، «الألوهية»، والفضيلة؛ موقع التصورات الوهمية للمُهَيمَن عليهم[21]. هذا لا يعني، بالطبع، الإيحاء بأنه علينا أن نحصر تحليلاتنا في الفئات الشعبية. بدلًا من ذلك، أريد أن أدعو ليقظة حاسمة ضد القيم الخطابية السائدة التي تستتبع أي عملية ترجمة، خاصة عندما تدَّعي لغة العلوم الاجتماعية لنفسها أنها كونية شفَّافة بينما تُصوَّر اللغة المستخدمة من قبل «الناس العاديين» كتقريب هزيل لواقعهم[22].

ينبغي أن تكون حجتي مألوفة لدى علماء الأنتروبولوجيا الذين لطالما أقروا بأنّ المصطلحات التي يستخدمها الناس لتنظيم حياتهم ليست مجرد مظهر لتصورات مشتركة عمومًا حول الكون ومكانة الفرد فيه، ولكنها في الواقع مكوِّنة لأشكال مختلفة للشخصية، والمعرفة، والتجربة[23]. لهذا السبب لقد وجدت أنه من الضروري، في الفصول التالية، أن ننتبه بعناية للمنطق الخاص لخطاب التقوى: المنطق الذي لا يلازم قصد الفاعلين، ولكن في العلاقات التي يجري التعبير عنها بين الكلمات والمفاهيم والممارسات التي تشكل على وجه الخصوص تقليدًا خطابيًا[24]. أود أن أؤكد، مع ذلك على أنّ السعي لفهم تماسك التقليد الخطابي ليس تبريرًا لهذا التقليد، ولا للقول ببعض الجوهرية غير القابلة للاختزال أو بالنسبية الثقافية. بدلًا من ذلك، هو لاتخاذ خطوة ضرورية نحو تفسير القوة التي يصدر عنها الخطاب.


[1]     برلين 1969م؛ 1جرين 1986م؛ سيمهوني 1993م؛ تايلور 1985م ج.

[2]     في الفلسفة السياسية الكلاسيكية، نجد أن تطبيقات هذه الفكرة (التي تم تحديدها مع فكر بنثام وهوبز) الأكثر شيوعًا هي في المناقشات حول الدور المناسب لتدخل الدولة في الحياة الخاصة للأفراد. وهذا هو أيضًا الذي ارتكزت عليه النسويات في مناقشة مقترحات للتشريع ضد الدعارة. انظر: على سبيل المثال، (برتقي 1990م ماكينون 1993م؛ روبين 1984م؛ سامويس كولاكتف 1987م).

[3]     (غراي 1991م) الصبغة الغامضة للإرادة البشرية التي تشكَّلت وفقًا للعقل والمصلحة الشخصية في حدِّ ذاتها أسالت الكثير من الحبر بين مجموعة من المفكرين الليبراليين مثل: هوبز، سبينوزا، هيغل، وروسو (هيلر، سوسنا، وويلبري م1986، تايلور 1989م). في المجتمعات الغربية الليبرالية اللاحقة، لعبت تخصصات التحليل النفسي وعلم النفس دورًا حاسمًا في تحديد الماهية الحقيقية للـ«أنا الداخلي الحقيقي»، وما يصاحب ذلك من تحديد ما ينبغي أن تكون طبيعة احتياجاته، ورغباته. (انظر: على سبيل المثال. هاكنغ 1995م؛ روز 1998م).

[4]     انظر: هانت1991م؛ ماكالوم 1967م؛ سيمهوني 1993؛ واست 1993م.

[5]     كريستمان 1991م.

[6]     هذه المقاربة «الإجرائية» أو «المحتوى المحايد» للاستقلال الذاتي دُعِيَ إليها بشدة من قبل المنظرين المعاصرين مثل راولز، هابرماس، ودوركين (رغم خلافاتهم). وهو يتناقض مع المقاربة «الواقعية» للاستقلال الذاتي حيث ينظر لأفعال الشخص على أنها لا تتطلب فقط أن تكون نتيجة لاختياره، ولكن أيضًا يجب أن تلتزم، في مضمونها، بالمعايير والقيم التي تحدد مسبقًا والتي تعرف قيمة الاستقلال الذاتي. في النسخة الأخيرة، الشخص الذي يختار طوعًا أن يصبح عبدًا لن يعتبر حرًا. ورغم ذلك، تجدر الإشارة إلى أنّ المقاربة الواقعية ليست سوى نسخة أشدّ، وأقوى من المقاربة الإجرائية للاستقلال الذاتي. حول هذا الموضوع والقضايا ذات الصلة، انظر: فريدمان عام م2003، خصوصًا الصفحات 19 – 29.

[7]     كريستمان م1991، ص 359.

[8]     لقد ولد هذا المبدأ الليبرالي الثابت عددًا من المفارقات في التاريخ. فعلى سبيل المثال، القوانين البريطانية في السماح بممارسة ساتي (حرق الأرملة) في مستعمرة الهند، على الرغم من المعارضة الرسمية لهذه الممارسة، في الحالات التي يمكن فيها للمسؤولين تحديد أن الأرملة كانت غير مكرهة، بل ذهبت «عن طيب خاطر للمحرقة». (لمناقشة ممتازة لهذا الجدل، انظر: ماني م1998). وبالمثل، فإن بعض نقاد السادو مازوشية في الولايات المتحدة يقولون: إنه يمكن إجازة الممارسة شرط أن يقوم بها البالغون بالتراضي الذين لهم «الاختيار»، في هذه المسألة، ولا تكون نتيجة «الإكراه».

[9]     لمناقشة مستنيرة للمشروع التأريخي «لها، قصة،» انظر: (جوان سكوت 1998م. ص 15 – 27).

[10]    أحمد 1982م؛ بودي 1989م؛ ويكان 1991م.

(*)   يطلق مصطلح الأسرة النووية أو الأسرة النواة على الأسرة المتكونة من الزوجين وأبنائهما فقط؛ فهي لا تشمل أي أقارب آخرين. (أحمد زكي بدوي، معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، (ط2) بيروت: مكتبة لبنان).

[11]    انظر: على سبيل المثال (برانت 1984م؛ كولينز 1991م؛ أ. دافيس 1983م؛ لورد 1984م) بالمثل «بيان النسوية الأسود» الذي أصدرته جماعة نهر كامباهي الذي رفض طلب انفصال لنسويات البيض المثليات على أساس أن تاريخ الاضطهاد العنصري، يطلب من النساء السود الدخول في تحالفات مع الأفراد الذكور في مجتمعاتهم المحلية، حتى يتسنَّى لهن مواصلة القتال ضد العنصرية المؤسسية. (هال، بال، سكوت، وسميث 1982م).

[12]    لمناقشة مثيرة للاهتمام عن التناقضات الناتجة عن المكانة المتميزة الممنوحة لمفهوم الحكم الذاتي في نظرية الحركة النسوية ، انظر: (آدمز ومنسن 1978م).

[13]    تشودراو 1978م؛ دجيليغان 1982م.

[14]    بن حبيب 1992م؛ يونغ 1990م.

[15]    فريدمان 1997م، 2003م؛ جوزيف 1999م؛ نيدلسكي 1989م.

[16]    بتلر 1999م؛ غاتنز 1996م؛ غروز 1994م.

[17]    لمناقشة ممتازة هذه النقطة في دراسات حول الأخلاق النسوية، انظر: (كولبروك 1997).

[18]    انظر: الفصول 3 و5.

[19]    الجندي 1981م؛ هوفمان – لاد 1987م، ماكلويد 1991م؛ رضوان 1982م؛ زهور 1992م.

[20]    انظر، في المقابل: مناقشة ليلى أبو لغد المثيرة للاهتمام لمسألة الحجاب باعتباره جانبًا هامًا من مفهوم الحياء (الحشمة) بين البدو المصريات. (أبو لغد 1986م، ص 159 – 167).

[21]    على سبيل المثال، في دراسة استقصائية أجريت بين طالبات الجامعات المحجبات في القاهرة، فإن غالبية المستجوبات نقلن أن «التقوى» هي دافعهن الأساسي لارتداء الحجاب. وفي معرض تعليقها على نتائج هذا الاستطلاع، أشارت عالمة الاجتماع شريفة زهور إلى أنه: «بدلًا من التقوى المكتشفة حديثًا» ادَّعى مخبروها أنّ الدوافع الحقيقية للحجاب تتلخص في الحوافز الاقتصادية والاجتماعية، وفي الفوائد التي تعود على النساء المحجبات في المجتمع المصري. (زهور 1992م، ص 83).

[22]    للاطِّلاع على مناقشة معمقة للمشاكل المترتبة عن ترجمة المفاهيم المتعالية والميتافيزيقية إلى لغة عصر العلمانية وتاريخها، انظر: (شاكرابارتي 2000م؛ رانسيير 1994م).

[23]    لاستكشاف ممتاز لاستخدام اللغة في البناء الثقافي للشخصية، انظر: (كاتون 1990م؛ كين 1997م؛ روزالدو 1982م)؛ وانظر أيضًا: نقد مارلين ستراثارن لمفاهيم الغرب «للمجتمع والثقافة» التي يوظفها نهج الحركة النسوية التفكيكية في تحليل العلاقات بين الجنسين في المجتمعات الغربية. (ستراثان 1992م، ب).

[24]    مفهوم «التقليد الخطابي» هو من طلال الأسد 1986م. انظر: مناقشتي لأهمية هذا المفهوم في حُجّتي الشاملة في الفصل الثالث.

error: