الحداثة والتذويت – ألان تورين / ترجمة: عثمان لكعشمي

الحداثة والتذويت – ألان تورين / ترجمة: عثمان لكعشمي


العناصر الثلاثة للحداثة

   تكمن نقطة انطلاق تحليلنا في التعريف الذي صُغناه للمجتمعات الحديثة بوصفها خالقة للتاريخ، باعتبارها واهبة لتاريخانيتها. مرد ذلك إلى كونها عملت على توفير جزء كبير مما تراكم من مواد أولية في ابتكار تقنيات أكثر نجاعة وفعالية، بدل أنْ تستهلك جميع مواردها المُنتَجة. إنها خلقت وحولت ذاتها علاوةً على هدمها أيضاً، كما بين لنا ذلك بعض علماء الاقتصاد مثل جوزيف شومبيتر Joseph Schumpeter، الذي تكلم عن “الهدم الخلاق” destruction créatrice.

   لا تُعرف المجتمعات الحديثة من خلال النظام ولا البنية؛ وإنما تعرف من خلال التغير.

   لعل فحصاً دقيقاً من شأنه أنْ يكشف لنا أن هذا التعريف العام للمجتمعات الحديثة يقتضي بالضرورة حضور ثلاثة أسس مركزية فعالة وإجرائية.

   يكمن الأس الأول في أن كل مجتمع حديث يُعرف عبر حضارته المادية، أيْ بنمط إنتاجه، بمعنى بقدرته على خلق واستعمال موارده، وبالتالي بتعديل بيئته أيضاً. أُفضل الحديث عن تجربة أنثروبولوجية مركزية. لهذا أتحدث بكل بساطة عن الحضارة بكونها نمط إنتاج.

   يتمثل الأس الثاني في الوعي بهذه التاريخانية، التي تُعرف على نحو أفضل بوصفها تأويلاً ثقافياً للفاعلية البشرية، بمعنى تأويلاً لهذه القدرة على خلق التاريخ بما هو تعريف أعم للحداثة. إن هذا التعالق المتبادل interdépendance بين كل من الممارسات والشغل- على اعتبار أن هذا التحول للبيئة والذات نفسها هو في نهاية المطاف تعريف للشغل- والتأويل الثقافي- بما هو أكثر بكثير من مجرد تمثل لكونه يحيل إلى نمط اجتماعي للفعل، للتنظيم الاقتصادي والمؤسسات-، ومن ثمة بين تجربة مُمَارسَة وشكل اجتماعي للفعل والتنظيم، قلنا إن هذا التعالق المتبادل هو تعريف للمجتمع في حد ذاته، باعتباره اقتصاداً وثقافة من جهة، وحياة مادية وخَلْقاً ثقافياً واجتماعياً من جهة أخرى. ملاحظة من شأنها أنْ تخلصنا من كل تلك النقاشات العقيمة التي تُعارض ما بين “الماديين” و”المثاليين”.

   وأما الأس الثالث فهو ليس ثقافياً بل اجتماعياً بالضرورة. كما قلت سابقاً، ليس هناك مجتمع حديث من دون توفير، بلا تراكم واستثمار، أو بعبارة أخرى بلا انفصال بين هؤلاء الذين يُديرون الاستثمار)ونتائجه( وأولئك الذين يُسهمون بشغلهم، مادياً كان أم ثقافياً، الضروري للمُعالِج processeur الذي نُسميه اليوم برأس المال.

   من أجل فهم معمق لفكرة التعالق المتبادل بين هذه الأسس الثلاثة الرئيسية، التي لا غنى عنها لوجود المجتمع الحديث، يجب الاعتراف بأن العلاقة بين المُتغلِّبِين والمُتغلَّبِين تتغير بتغير نمط الحضارة، بمعنى بتحول البيئة والذات نفسها. لقد تعلمنا من الحضارة الصناعية الحديثة عن الطبقات وصراع الطبقات، ولكن لوصف الحضارة السابقة على التصنيع، التي كانت فيها التجارة الكبرى هي الممارسة الأساسية الخلاقة للتاريخانية، لاسيما في عصر الاكتشافات الكبرى بحراً وبراً، حَرِيٌّ بنا الحديث عن حالات أو “أنظمة” أكثر من طبقات.

   لكيلا تكون الحركة الاجتماعية- بمقتضى التحليل الذي عززته وطورته لمدة طويلة جداً- مجرد فاعل في صراع بين مجموعات متضاربة المصالح؛ فإنها لا يمكنها أنْ توجد إلا إذا كان الخصوم المعنيين ينتمون إلى الحضارة عينها، بمعنى التفكير والتصرف بُمساعدة الفئات نفسها.

اللحظات الثلاث للأزمنة الحديثة

   ينبغي إكمال هذه اللوحة على عجالة. لا تعيش الحضارات الحديثة في حاضر أزلي؛ وإنما تجيء من الماضي وتُعِدُّ للمستقبل. كلمات قد تبدو مبتذلة ولكن من اليُسر فهم مدى أهميتها. الحديث عن كون المجتمعات الحديثة لها ماض تجيء منه معناه أن الحداثة لم تكتمل أبداً، إلا أننا نعترف، كما أعترف، بفكرة أننا بصدد الدخول في مجتمع فائق الحداثة une société hypermoderne، أيْ بصدد الدخول في مجتمع يعي قدرته على خلق نفسه وتحويلها، فضلاً عن هدمها الذاتي بدون حدود.

   يتعين على جميع المجتمعات الحديثة إذاً أنْ تُدِير الكثير من مشاكلها الداخلية، كما هو حال صراعاتها الاجتماعية، أو مسائل ذات طبيعة أخرى، والتي تتعلق بالعلاقة بين الحداثة ونقيضها، أيْ مجتمعات النظام، ما قبل التاريخية، التي تتسم بمستوى “طبيعي” من الأداء، المُنشغلة بمشاكل إعادة الإنتاج أكثر من الإنتاج. لعل ثيمة أمد الحياة حاضرة بوعي مكثف في جميع المجتمعات الحديثة، من خلال الاعتراف بالمكانة المهمة لكل من الأطفال والشيوخ.

    مع الأخذ بعين الاعتبار المكانة الخاصة والهامة للعلاقة بين الرجال والنساء والحالة هذه. إننا نعي تمام الوعي أن هؤلاء النساء كن يكفلن الجزء الكبير من الأنشطة التي تربطنا بماضينا وبمستقبلنا. نظراً إلى طبيعة العلاقات بين الرجال والنساء وأهميتها في المجتمعات الحديثة بعامة وفي المجتمعات فائقة الحداثة بخاصة، لاسيما وأنها مازالت بعيدة كل البعد عن كونها محط اعتراف صريح، فإني أتساءل عما ينبغي أنْ تكون عليه أولوياتنا “السياسية” بهذا الصدد.

وهم الوحدة

   ما الباثولوجية الأساسية للفكر والفعل الاجتماعييْن؟ إننا نَعرفها جيداً، إلى درجة أن تجلياتها متعددة وقوية، لكننا لا نعرف دائماً السبيل إلى تحديد مفعولاتها المدمرة والتحقق منها. الأمر الذي يقتضي كشفها على مستوى الفكر أولاً. ذلك الفكر الذي يقوم على تفضيل كلي وحصر تام لأحد العناصر الثلاثة التي أسلفتُ ذكرها. بالنسبة للبعض، ليست الحياة الاجتماعية، قبل كل شيء، أكثر من مجموع مفعولات لنمط من الهيمنة الاقتصادية. إنني أتفهم جيداً، ذلك الهَمّ الذي يشغل عُلماء الاجتماع، بمن فيهم أنا، والمؤرخين أوالفلاسفة حول هذا الزيغ، الذي قد يؤدي إلى نفي فكرة الفاعل الاجتماعي عينها، فضلاً عن نفي فكرة حقوق الإنسان التي طالما كانت في قلب النقاشات السياسية والفلسفية الحديثة الكبرى. ذلك أن هذه الباثولوجية من شأنها أنْ تفتح الطريق أمام كل أشكال السلطة الشمولية. أريد أنْ يُقرأ هذا المقال والحالة هذه كدفاع فعال عن الديموقراطية. ومن ثم، مِن الملاحَظ أن المُعادِيِين للديموقراطية les antidémocrates كانوا في المقام الأول قوميِين، الأمر الذي يمكننا من رصد هذه الباثولوجية أيضاً: تكمن أشكال القومية المتطرفة في الجماعات المتعصبة والإيديولوجيات الهُوياتية. يمكن القول إن هذا الفكر، الذي يُبعَث من طرف العديد من الحركات السياسية والأنظمة السلطوية، هو فكر “يميني”، بمعنى أنه يُرجع المجتمع وتنوع فاعليه إلى وحدة الدولة واحتكارها للسلطة. هذا هو التعريف نفسه، المقترح من حنة أرندت Hannah Arendt، للأنظمة الشمولية، حول هدم المجتمع الحديث الذي يُختزل في دولة الجماهير l’état de masse، مما يفسح المجال أمام احتكار الشرعية في أيدي مُنشئي الحركات الشمولية وقائديها، بغض النظر عن طبيعة هذه الحركات، سواء كانت نازية أم لينينية أم عسكرية، أكانت في اليابان أم تعلقت بالنخب الحاكمة القديمة في إيطاليا موسوليني Mussolini. لم تكن هذه القوميات تخدم الطبقات الحاكمة كما اعتقد بعض المؤرخين، في البداية، الذين عارضهم لاحقاً مجمل زملائهم)الذين بينوا على العكس من ذلك أن زعماء الاقتصاد- وكذلك العِلم- هم الذين اندمجوا عن طواعية في المنطق الشمولي(.  وأخيراً يكمن الشكل الثالث من هدم “الفكر الحديث”، بما هو فكر تاريخاني وخلاق دائماً، في تمجيد الروحانية. إنها كلمة تقتضي استعمالاً حذراً، كما سبق لي الوعي بذلك وتفسيره.

   انطلاقاً من عبارات الفعل أكثر من الفكر، يمكن القول إن معاداة الحداثة l’antimodernité  تتجلى قبل كل شيء في بروز مبدأ أعلى للوحدة، من خلال قمع الأقليات أو المناضلين الذين يرفضونها بمختلف مشاربهم.

الذات، المجتمع والدولة

   لقد كان الارتياب من اعتبارية السلطة المَلَكية، خاصة في أوروبا القرنين السابع والثامن عشر، بمثابة مبدأ مركزي للفعل السياسي. لقد كان الحد من السلط والفصل بينها في قلب فكر الديموقراطيين الليبراليين، من مونتيسكيو Montesquieu إلى توكفيل Tocqueville ، وهو أمر ليس بغريب عن بلد كفرنسا، التي شهدت، إبَّان عهد لويس الرابع عشر، الشكل الأكثر تطرفاً للمَلَكية المطلقة. غير أن هذه الوضعية كانت محط صراع، سواء من خلال نضال الحركات العُمالية التي أحلت صراع الطبقات في قلب آلية الفعل، أو من خلال نضال القوميات ما بعد الاستعمارية التي أحلت في هذه المكانة رفض وكره نموذج المُستعْمِرين، أو بالأحرى مساءلته. لذلك يجب علينا اليوم استبدال دعوة هذه النظرية الديموقراطية الضيقة، بالأخذ بعين الاعتبار قوتيْن متضادتيْن ومتكاملتْين يُجابهان “السلطة الشاملة”، في ظل عصر المجتمعات فائقة الحداثة.

   تجيء الأولى، والتي تجسد المقاومة الأقوى لكل أشكال السلطة الشاملة، من الدفاع عن الذات البشرية وحقوق الإنسان الأساسية.

   لعل الدعوة إلى الذات، أو على نحو أدق إلى التذويت la subjectivation، وكذا إلى الصراع ضد السيرورة الهادمة للتذويت la désubjectivation الملازم لها، هي قبل كل شيء عبارة عن رفض لكل مبدأ وحدة واندماج في فكر المجتمعات الحديثة وفعلها. يطيب لخصوم هذه الدعوة أنْ يروا فيها مُحاولة أخيرة لإنقاذ حضور المقدس في المجتمعات فائقة الحادثة، في الوقت الذي غدت فيه الأديان التوحيدية ضعيفة بواسط علمنة المجتمع la laïcisation de la société ، يبدو أن القوى السياسية قد تغلبت على الإسلام وشلَّته، كما أن الكنيسة الكاثوليكية مُهدَّدة بالهدم نظراً لعدم قدرتها على التحرر من معاداتها المُمَأْسَسَة للنسوية ورفضها الأخذ في الحُسبان كل من الجسد والجنسانية في المجال الروحي المتعلق بها، ألا وهو الميراث الثقيل للخطيئة الأصلية.

    إلا أن هذه الانتقادات تُهاجم على نحو مغلوط ثقافات الحداثة، كما رأينا.

   لكن لا ينبغي علينا أنْ نفسح المجال لتذكر المشاكل البائدة كي تُلهينا عن المشاكل العائشة.

   يلزمنا التعريف الذي أعطيناه للحداثة العُدول عن أي مبدأ اجتماعي أو سياسي لتوحيد الفكر والفعل. بل أسعى إلى أنْ يكون هذا العُدول، من حيث هو رفض في الواقع، هو التعريف الحديث للعَلْمانية.

   إن كل دعوة إلى ما وراء الاجتماعي au- delà du social، تُسند إليه مسؤولية مَدّ المجتمعات السجينة لنفعيتها ب “المعنى”، هي دعوة باطلة وخطيرة. مما يفرض علينا أنْ ننظر إلى جميع أشكال المعنى المبني من طرف المجتمعات الحديثة كمبادئ كونية، وفقاً لروح الأنوار. من خلال رفض أي مبدأ اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي)العولمة( لتكامل الحداثة ومجاوزتها ما دام لم يتمكن من تحديدها بالتغير، وبمعنى أدق تحديدها بالتعالق المتبادل بين العناصر الثلاثة التي أَعَدْتُ صياغتها في بداية هذا المقال.

   يكمن التعبير الأهم لرفض أي مبدأ وحدة ثقافي وروحي في المجتمع الحديث، في اختزال الدولة إلى دور تدبيري لعلاقات دائمة التعقيد بين الممارسة الاقتصادية والتأويل الثقافي، بين التاريخانية والصراع الاجتماعي، علاوة على التأويلات الثقافية والصراعات الاجتماعية.

   لقد تَطرقَت الفلسفات السياسية، خاصة النسوية منها، والتي تلح على الفصل بين السلطة والسياسة، تطرقت إلى نقطة بالغة الأهمية. إذا كانت السياسة هي تدبير للعلاقات بين الفاعلين وأهدافهم؛ فإن السلطة تعرف على العكس من ذلك بالسيادة واحتكار العنف المشروع، على حد تعبير ماكس فيبر الذي صار كلاسيكياً. وبالتالي، يجب على دور الدولة أنْ يكون ضيقاً كما يحلو لليبراليين، على أنْ لا يُقَدم أي فاعل خدمته لسلطة مطلقة، أو يجعل من ذلك هدفاً له.

   انطلاقاً من ملاحظة المجتمعات فائقة الحداثة سارية التشكل، يتبين لنا خلافاً لما سلف ذكره أن تشكلها يفترض أنْ يحظى الفاعلين وأهدافهم المركزية بنفوذ سياسي، وهو ما ينبغي أنْ ينالوه بالديموقراطية البرلمانية التمثيلية، والتي نستشف بقلق بالغ ترديها، إنْ لم نقل إهدار تمثيليتها أو بالأحرى اندثارها.

   لنلخص والحالة هذه مجموع التحليلات المباشرة لفكرة المجتمع الحديث، كما عرفتها في البداية. لا ترتكن المجتمعات الحديثة إلى أي قدسية خارج الفعل البشري. وإنما تقوم على طبيعة تحولها، سواء من خلال شغلها، أو تنظيمها، أو من خلال استثماراتها التي تُحرض على الفصل المتصاعد بين الفئات المُتغلِّبة  والمُتغلَّبة، إذ لا يمكن إجبار إحداهما على الدفاع عن مصالحها وتأويلاتها اعتماداً على مصدر خارجي للشرعية.

   تكتسب مجتمعات من هذا القبيل دائماً القدرة على تبصر ذاتها بذاتها، فضلاً عن الوعي بفاعليتها، علاوة عن رؤيتها لتشرب ساكنتها بالتدرج أخلاقاً نفعية تستند على تمثل مُعَلْمَن للحياة الاجتماعية. غير أن المجتمع الحديث، الذي يختزل نفسه إلى تلكما النفعية والعلمنة، لن يخسر آلهته وأبطاله وتقاليده فحسب، أيْ ما قد يُنظر إليه باعتباره تحراراً، وإنما سيخسر حداثيته في حد ذاتها.  بمعنى أنه سيخسر وعيه بذاته بوصفها خالقة ومحولة لذاتها، أيْ بوصفها حاملة لحقوق إنسانية أساسية، والتي يعي تملكها أولئك الذي تعلموا الاعتبار في أنفسهم باعتبارهم خالقين لذواتهم ومحولين لها.


Touraine, Alain. Défense de la modernité. Paris: Seuil, octobre 2018. P. 201-209.