| الكاتب | فدريكو لاوريا |
| ترجمة | لولوة سعد |
ملخص
للموسيقى تأثير عاطفي هائل؛ وهذا يثير العديد من الأسئلة. كيف يمكننا فهم الاستجابات الوجدانية للموسيقى؟ ما الذي تكشفه لنا الموسيقى عن العاطفة؟ ولماذا تُعد العواطف الموسيقية مهمة في حياتنا؟ وعلى الرغم من غنى الأدبيات في الفلسفة والعلوم التجريبية، إلا أن دمجهما لم يحظَ باهتمام يذكر. لذا، تهدف هذه المقالة الموسعة إلى تصحيح هذا الخلل، وبناء حوار متبادل بين الفلسفة والعلوم التجريبية حول موضوع العواطف الموسيقية، عن طريق عرض أهم الإشكالات الفلسفية من منظور علم الوجدان. وتتمثل الإشكالية الرئيسة في العدوى العاطفية؛ ففي بعض الأحيان يُدرِك المستمعون الموسيقى بوصفها تعبير عن عاطفة معينة، مما يُثير فيهم نفس العاطفة. وتُعد العدوى العاطفية قضية محيرة لأنها تتعارض مع النظرية السائدة التي ترى أن العواطف تجارب للقيم. وتتركز هذه المقالة، في معظمها، على عرض نقدي للحلول الفلسفية التي قدمت لهذه الإشكالية في ضوء التطورات الحديثة في نظرية العاطفة وعلم الوجدان. كما تسلط الضوء على قضايا عملية، خاصة دور العواطف الموسيقية في الرفاه والصحة، من خلال معالجة مفارقة الموسيقى الحزينة؛ أي سبب استمتاع الناس بالموسيقى الحزينة. وبذلك، تُسهم هذه المقالة في ردم فجوة واسعة بين القضايا النظرية وتلك المرتبطة بالحياة الواقعية، وكذلك بين البحث الفلسفي والاستقصاءات التجريبية حول الاستجابات الوجدانية للموسيقى.
يمكن للموسيقى أن تثير عواطف جياشة. فقد يشعر المرء بالبهجة عند الاستماع إلى مقطوعة “الفصول الأربعة” لفيفالدي، أو يشعر بالسعادة ويزداد نشاطه على أنغام موسيقى الفانك، أو بالمرح أثناء استماعه لأغنية “ماكارينا” لفرقة لوس دي ريو، أو تأسره الموسيقى الاتونالية [اللامقامية][2]، أو يعجب بموسيقى ماكس ريختر، أو تنتابه نشوة عارمة خلال حضور حفلة لموسيقى التكنو، أو يشعر بالتأثر العميق عند الاستماع لأداء أندريا بوتشيلي المؤثر لأغنية “Amazing Grace“، أو يشعر بالرهبة أمام عرض مهيب لموسيقى الباسا نوفا. قد تدفعنا الموسيقى أيضًا إلى البكاء، وتخطف أنفاسنا، أو تُشعل فينا الإثارة، وتُلهب الحماس، وتصيبنا بالقشعريرة. وبالتأكيد لا تقتصر الاستجابات الوجدانية للموسيقى على العواطف الإيجابية فقط. فقد يشعر المرء بالغم عند الاستماع إلى قطعة فلامنكو، أو بالغضب عند الاستماع لأغنية من موسيقى الهيفي ميتال، أو بالسخط من موسيقى عنيفة ومتطرفة، أو بالملل عند سماعه موسيقى الريغي، أو الشعور بالاشمئزاز تجاه موسيقى تحض على الكراهية. ومن المثير للاهتمام أن الموسيقى غالبًا ما تثير مشاعر مختلطة، كأن يساورنا الحنين بسبب أغنية تذكرنا بعزيز راحل، أو عندما نستسلم لشعوري الوجع والانفعال اللذين توقدهما فينا موسيقى الفادو. وكثيرًا ما تثير فينا الموسيقى الحزينة مزيجًا من الحزن والبهجة، وهو ما يفسر أحيانًا سبب استمتاعنا الشديد بها. وقد تثير الموسيقى لدى البعض شعور الخجل؛ مثل أن يخجل أحدهم من الإفصاح عن استمتاعه بموسيقى ما، كأن يقول أحدهم: أنا استمع إلى أغاني ليدي غاغا سرًا، وأشعر بالخجل من ذلك.
ومن المهم الإشارة إلى أن الاستماع إلى الموسيقى ليس أمرًا محببًا لدى جميع الناس؛ فالأشخاص الذين يعانون من انعدام التلذذ بالموسيقى musical anhedonia لا يجدون فيها متعة، ويصفها الأشخاص المصابون بـالعَمَه الموسيقي amusia أحيانًا بأنها ضوضاء مزعجة ومنفرة. مع ذلك، يُعتبر التأثير العاطفي للموسيقى هو الدافع الرئيسي وراء اهتمام الأفراد والثقافات بالانخراط في الأنشطة الموسيقية الجماعية. ولا يقتصر تأثير الموسيقى العاطفي على تلقيها فحسب، بل أيضًا بإنتاجها (كالتأليف والأداء)، رغم أن هذا الجانب لا يحظى باهتمام كبير في النقاشات الفلسفية. في هذه المقالة سأستخدم مصطلح “العواطف الموسيقية musical emotions” للإشارة إلى العواطف التي نشعر بها أثناء الاستماع إلى الموسيقى.
كيف يمكننا فهم الاستجابات الوجدانية للموسيقى؟ ما الذي تكشفه لنا الموسيقى عن العاطفة؟ ولماذا تُعد العواطف الموسيقية مهمة في حياتنا؟ هذه الأسئلة الرئيسية تفتح الباب أمام تساؤلات أخرى مثيرة للاهتمام، مثل: كيف تستحث الموسيقى العواطف؟ ما نوع العواطف التي تثيرها الموسيقى؟ هل لهذه العواطف علاقة بالتقدير الجمالي؟ وهل تثير الموسيقى حقًا مشاعر حقيقية؟
لقد شغلت العواطف الموسيقية اهتمام الفلاسفة منذ العصور القديمة. فقد لاحظ كل من أفلاطون وأرسطو أن الموسيقى تُشكل طابع أخلاقي -سواء إيجابيًا أو سلبيًا- من خلال ارتباطها بالعواطف. وقد وصل الجدل حول العواطف الموسيقية إلى ذروته خلال العصر الرومانسي؛ إذ اشتهر فاغنر بدفاعه عن أهمية العواطف لجوهر الموسيقى وطبيعتها، واعتبر أن الموسيقى -بصفتها لغة العواطف- تهدف إلى تمثيل العواطف وإيصالها. في المقابل، جادل سترافينسكي والشكلانيون formalists بأن العواطف، على الأقل المعتادة منها، تشتت انتباهنا عن تقدير جوهر الموسيقى. وفي العقود الأخيرة، شهدت الدراسات العصبية والنفسية حول العواطف الموسيقية ازدهارًا واسعًا، حتى أصبحت اليوم من القضايا البحثية الرائجة في علم النفس وعلوم الأعصاب. لكن، وعلى الرغم من غنى الأدبيات في الفلسفة والعلوم التجريبية، إلا أن دمجهما لم يحظَ باهتمام يذكر. إذ فشل الفلاسفة في دراسة ما توصلت إليه العلوم التجريبية دراسة معمقة، في حين لم يُولِ علماء النفس والأعصاب اهتمامًا كافيًا بالقضايا الفلسفية الرئيسية المتعلقة بالاستجابات الوجدانية للموسيقى. لذا، تهدف هذه المقالة إلى تصحيح هذا الخلل، وبناء حوار متبادل بين الفلسفة والعلوم التجريبية حول موضوع العواطف الموسيقية. كما تعرض أهم الإشكالات الفلسفية من منظور تخصصات عدة، مع الأخذ في الاعتبار التطورات الحديثة في نظرية العاطفة وعلم الوجدان.
إلى جانب ذلك، مال الفلاسفة إلى إهمال الجوانب التطبيقية المرتبطة بالموسيقى، مثل دور العواطف الموسيقية في تعزيز الرفاه، وتنظيم الانفعالات، والصحة. وبالنظر إلى الكم الكبير من الأدلة التجريبية التي تؤكد الأهمية التطبيقية للعواطف الموسيقية، فإن وجود دراسة فلسفية تتناول القضايا النظرية والتجريبية معًا سيسد فجوة واسعة في الأدبيات، وهذا هو الهدف الذي تسعى له هذه المقالة.
في الواقع، التأثير العاطفي للموسيقى يمتد ويتغلغل في حياتنا الاجتماعية. فالموسيقى حاضرة في العديد من الطقوس مثل الجنازات، وحفلات الزفاف، وغيرها من المناسبات، وتلعب العواطف التي تثيرها الموسيقى دورًا مهمًا، الأمر الذي يفسر سبب حضورها في هذه الطقوس الاجتماعية. فعلى سبيل المثال، أثناء جائحة كوفيد-19، وصف الناس كيف أثارت الأنشطة الموسيقية الجماعية شعورًا بالتضامن والمشاركة والأمل بين الناس، وهو ما يُعزى، جزئيًا، إلى العواطف التي تثيرها الموسيقى. كما تؤدي العواطف الموسيقية دورًا حاسمًا في الأنشطة السياسية، مثل استخدام موسيقى تعبر عن الغضب في الاحتجاجات السياسية، أو موسيقى تعكس روح الكراهية للترويج للأفكار العنصرية، أو الإثارة التي يبثها اللحن العسكري في الحروب، أو اللجوء إلى موسيقى الميتال والغناء القسري كأدوات للتعذيب. وقد أظهرت دراسات في مجال التسويق أن الموسيقى تؤثر على سلوك الشراء بطريقة غير مباشرة؛ فاختياراتك الاستهلاكية قد تتأثر بالوكزات nudges[3]العاطفية التي تثيرها الموسيقى. بل قد تمتد تأثيرات العواطف الموسيقية إلى الأحكام الأخلاقية وإلى الطريقة التي ندرك بها العالم. التأثير العاطفي للموسيقى بلا شك يشمل كل جوانب الحياة.
علاوة على ذلك، تلعب العواطف الموسيقية دورًا أساسيًا في الرفاه، إذ يستخدمها الناس غالبًا لتنظيم انفعالاتهم. فعندما يشعر المرء بالقلق، قد يبحث عن موسيقى هادئة للاسترخاء. وعندما يشعر بالحزن، قد يستمع إلى موسيقى مبهجة لتبعث في نفسه البهجة، أو يختار الاستماع إلى موسيقى حزينة؛ وهو ما يفضله كثيرون. وفي مجال الرعاية النفسية، توفر العواطف الموسيقية أساليب فعالة لعلاج الاضطرابات الوجدانية، مثل الاكتئاب، واضطرابات القلق، والتوحد. كما أن للعواطف الموسيقية أهمية في الصحة الجسدية. فبفضل العواطف التي تثيرها، تُستخدم الموسيقى في معالجة الآلام وعلاج أمراض القلب والأوعية الدموية. وبفضل ارتباطها الوثيق بالذاكرة والعواطف، يمكن للموسيقى أيضًا أن تُنعش ذاكرة مرضى الزهايمر. خلاصة القول، للعواطف الموسيقية تأثير بالغ، لذا فإن فهمها يُعد أمرًا مهمًا.
تُبنى هذه المقالة على أربعة محاور. في البداية، يقدم القسم الأول المشكلتين الفلسفيتين الرئيسيتين اللتين تثيرهما العواطف الموسيقية، واللتين ستكونان محور تركيزي الرئيس هنا، وهما العدوى العاطفية الموسيقية، وانجذاب الناس للموسيقى الحزينة. فيما يقدم القسم الثاني لمحة عن أبرز النتائج التجريبية ذات الصلة بمعالجة القضايا الفلسفية. واستنادًا إلى هذه المعطيات، يستكشف القسم الثالث ما يُعرف بالعدوى العاطفية الموسيقية وتداعياتها على طبيعة العاطفة. ثم يتناول القسم الرابع القضية العملية الرئيسية التي ناقشها الفلاسفة، وهي حبنا المحير للموسيقى الحزينة.
سأبدأ بعرض هذه الإشكالات بمزيد من التفصيل.
1. الاستجابات الوجدانية للموسيقى: المعضلتان الرئيسيتان
تتمثل القضية الفلسفية الأهم والأكثر نقاشًا في قدرة الموسيقى على إصابة المستمعين بعدوى عاطفية؛ كما قد ينقل إلينا الآخرون مشاعرهم، كأن نسمع صوت صديق قَلِق فينتقل لنا الشعور ذاته، يمكن للموسيقى أن تُثير العواطف عبر العدوى العاطفية. وكما نلتقط مشاعر الآخرين من خلال إدراك تعبيراتهم العاطفية كتعابير الوجه، أو نبرة الصوت، أو تعبيرات وضعية الجسد، تُصيبنا الموسيقى بالعدوى لأننا نُدركها بوصفها تعبيرًا عن عاطفة معينة.
في الواقع، لا يقتصر الأمر على إحساس الناس بشعور معين أثناء الاستماع إلى الموسيقى، بل إنهم يدركون أيضًا أن الموسيقى نفسها تعبّر عن عاطفة ما. على سبيل المثال قد يصف أحدهم مرثاة أيرلندية بأنها حزينة، وتُوصف مقطوعة “الربيع” لفيفالدي بأنها مبهجة. وغالبًا ما يجد المستمعون أن معزوفة “ليلة على الجبل الأصلع” لموديست موسورغسكي قَلِقة. كما تُعتبر الموسيقى المحيطة Ambient music موسيقى هادئة، في حين ينظر إلى موسيقى ديث ميتال Death Metal على أنها غاضبة. مع هذا، تبقى إمكانية وصف الموسيقى حرفيًا بأنها حزينة أو قَلِقة أو غاضبة، محل خلاف. فالموسيقى، في نهاية المطاف، ليست كائنًا واعيًا، وبالتالي فهي لا تشعر ولا تعبّر عن العواطف. ولعل الوصف الأدق هو أن المستمعين يدركون الموسيقى بوصفها تعبيرًا عن العاطفة؛ فالموسيقى الحزينة قد لا تكون حزينة فعليًا، لكنها تبدو حزينة؛ أي تعبّر عن الحزن. وهنا تكمن الإشكالية المرتبطة بالتعبير العاطفي.
حدسيًا، يختلف إدراكنا لوجود عواطف في الموسيقى عن العواطف التي نشعر بها. وكما لاحظ كل من تورمي، وماير، وخاصة كيفي، قد يُدرك المرء موسيقى ما بوصفها تعبير عن عواطف معينة دون أن يشعر بالضرورة بالمشاعر ذاتها أو حتى دون أن تثير أي شعور آخر. فعلى سبيل المثال، قد تُدرك موسيقى ما على أنها تعبّر عن الفرح، لكنها تفشل في إثارة هذا الشعور في النفس بسبب ضعف في تأليفها أو رداءة في أدائها، وقد لا تثير أيضًا أي انفعال، بل حتى قد تبعث على الملل. ومؤخرًا، في الأدبيات التجريبية، أطلقت دراسة غابريلسون الرائدة تقليدًا بحثيًا حول “موضع العاطفة” في التجربة الموسيقية، حيث يُشير الموضع الداخلي إلى العاطفة التي يشعر بها المستمع فعليًا، في حين يشير الموضع الخارجي إلى العاطفة التي يُدرك المستمع أن الموسيقى تعبّر عنها. وتماشيًا مع ملاحظة كيفي، تشير الدراسات إلى أن الموضع الداخلي للعاطفة لا يتزامن غالبًا مع الموضع الخارجي لها [بمعنى أن ما (تعبّر) عنه الموسيقى لا يتطابق بالضرورة مع ما (يشعر) به المستمع]، ومع ذلك، يمكن أن يحدث هذا التطابق في بعض الأحيان؛ حين تحدث العدوى العاطفية. فالمستمعون يدركون عاطفة معينة في الموسيقى، وهذا الإدراك يثير فيهم العاطفة ذاتها؛ أي أن الموسيقى تصيبهم بالعدوى العاطفية. فمثلاً، إدراك موسيقى القداس الجنائزي على أنها حزينة قد يملؤك بالحزن. وإدراك الموسيقى التصويرية للوني تونز على أنها مبهجة قد تجعلك تشعر بالبهجة. وموسيقى الرعب قد تثير فيك القلق، وهكذا.
لكن كيف تُصيبنا الموسيقى بهذه العدوى؟ وماذا يكشف هذا عن طبيعة العواطف؟ تُعد العدوى العاطفية لغزًا فلسفيًا لأنها لا تتوافق جيدًا مع السمات القياسية والمعترف بها للعواطف. ومن هذه الناحية، تُعد أكثر إشكالاً فلسفيًا مقارنةً بأنواع أخرى من العواطف الموسيقية. والأمر الأكثر تعقيدًا هو أنها تُهدد النظرية الرئيسية للعواطف، التي ترى أن العواطف في جوهرها، أو تتضمن، تقييمات معرفية[4] (انظر القسم 3.1). لذا، فإن هذه المقالة ستركز في غالبها على العدوى العاطفية وآثارها المتعددة على طبيعة العاطفة (في القسم 3). ونظرًا لأن العدوى العاطفية تثير الشكوك حول ما يُعتبر السمات التقليدية للعواطف، فإن هذا الجدل يُشبه إلى حد ما ما يُعرف بمفارقة الاستجابة الوجدانية للأدب المتخيَّل، وإن كان مختلفًا عنها (انظر القسم 3.2).
بالإضافة إلى هذه الإشكالية الفلسفية، تُثير العدوى العاطفية الموسيقية إشكالات تجريبية مهمة أيضًا. فمن المحير أن الموسيقى -الموسيقى الخالصة تحديدًا- يمكن أن تثير عاطفة المستمعين، وهذا ما يجعل التأثر العاطفي بالموسيقي يبدو أكثر تعقيدًا من استجاباتنا العاطفية لمشاعر الآخرين (العدوى العاطفية الاجتماعية)، أو تأثرنا العاطفي بالبيئة المحيطة (العدوى العاطفية الفيزيونومية[5]). ورغم أن العدوى العاطفية الاجتماعية تطرح قضايا مثيرة للاهتمام (انظر الأقسام 3.7 و3.8)، إلا أن هذا الظاهرة يمكن تفسيرها بسهولة، على الأقل جزئيًا، من خلال فهم تعبيرات الآخرين العاطفية (مثل نبرة الصوت القَلِقَة أو وضعية الجسد لشخص ما). لكن في حالة الموسيقى، ليس جليًا أن ثمة تفسيرًا مماثلًا يمكن تقديمه، نظرًا إلى أن الأعمال الموسيقية ليست أشخاصًا حقيقيون يعبّرون عن مشاعر (انظر القسم 2). وبالمثل يمكن تفسير العدوى العاطفية الفيزيونومية (على سبيل المثال، عندما يثير الطقس الغائم الشعور بالكآبة) ببساطة، على الأقل جزئيًا، من خلال الارتباطات والتغاير المشترك بين سمات البيئة المحيطة والحالات العاطفية؛ على سبيل المثال، عندما يكون الجو قاتمًا (سمات البيئة)، يشعر الشخص بالكآبة (حالة وجدانية). لكن يبقى تفسير العدوى العاطفية الموسيقية من خلال ارتباطات مماثلة بين البيئة المحيطة والحالة الوجدانية إشكالاً مفتوحًا ويعتمد إلى حد كبير على التحقق التجريبي. لذلك، حتى لو أمكن حل المعضلة الفلسفية الرئيسية أو تبديدها، فإن الآليات التي تُمكِّن الموسيقى من التأثير (العدوى) على المستمعين لا تزال تثير إشكالات مهمة لا يمكن معالجتها إلا من خلال دراسات تجريبية دقيقة. وسأعود إلى مناقشة هذه المسألة في القسمين (2 و3.4).
ستتناول هذه المقالة أيضًا بإيجاز النقاش الرئيسي الثاني المتعلق بالعواطف الموسيقية، موضحة تداعياته العملية. فباستثناء الحالات المرضية، عادةً ما يتجنب الناس المواقف الحزينة ويشعرون بالنفور من الحزن؛ فالحزن، في نهاية المطاف، شعور مؤلم، ينشأ نتيجة إدراك الفرد لموقف حزين أو خبر سيئ. لكن تكمن المشكلة في أن الموسيقى الحزينة تحظى غالبًا بإعجاب الناس؛ فهم يستمتعون بسماعها، ويبحثون عنها، ويقدرونها. وقد أظهرت الدراسات أن استماع الناس إلى الموسيقى الحزينة، خصوصًا عندما يشعرون بالحزن، يعمق من شعورهم بالحزن. فلماذا نستمتع بالموسيقى الحزينة؟ ولماذا نُثمن الحزن في سياق الموسيقى؟ هذا ما يعرف بـ “مفارقة الموسيقى الحزينة”. ونظرًا لأن الموسيقى الحزينة تعد مثالاً على ما يُسمى الفن السلبي (الفن الذي يجسد ويُثير المشاعر السلبية، كالتراجيديا والرعب والسوداوية) فإن هذه المسألة تحمل أوجه تشابه كبيرة مع مفارقة العواطف السلبية في الفن، رغم اختلافها عنها (انظر القسم 4). وتُعتبر مفارقة الموسيقى الحزينة أبرز مثال على أهمية العواطف الموسيقية في تنظيم الانفعالات، وبالتالي في تعزيز الرفاه النفسي والصحة.
سأختم هذا القسم بالإشارة إلى الأهمية الفلسفية البارزة لموضوع هذه المقالة؛ وهو أن فهم العواطف الموسيقية من المواضيع المركزية التي تناولها علم الجمال وفلسفة الفن، وذلك من خلال خمس نقاشات رئيسية:
أ. التجربة الموسيقية: تشكل العواطف الموسيقية جانبًا هامًا من التجربة الموسيقية والجمالية. بل قد يجادل البعض بأن التجربة الموسيقية، بصفتها تجربة جمالية، عاطفية في جوهرها. والأهم من ذلك أن التأثير العاطفي للموسيقى يمتد ليشمل أشكالاً من الفن متعدد الوسائط، مثل الفن السينمائي، والرقص، والشعر. ومن أحد الأمثلة التي يمكن الاستشهاد بها هو دور الموسيقى في تأثيرها علينا في الأفلام والمسلسلات؛ فمن خلال إثارة عواطف المتلقي، يمكن للموسيقى أن توجه التجربة الجمالية وتكثفها، وحتى على نحو غير واع. تأمل مثلاً كيف تضبط موسيقى هيرمان التصويرية لفيلم “سايكو Psycho” للمخرج هيتشكوك الجو العام للفيلم، أو كيف تُصعّد الموسيقى التصويرية لماكس ريختر لمسلسل “صديقتي المذهلة My Brilliant Friend” من حدة التشويق والإثارة. وينطبق الأمر ذاته على الرقص، الذي يتأثر غالبًا بالنبرات العاطفية لإيقاع الموسيقى، وكذلك على الشعر الذي يعتمد على العواطف التي يثيرها الإيقاع.
ب. التعبير الموسيقي: رغم أن العواطف الموسيقية [الشعور بها] تختلف عن إدراك العواطف في الموسيقى (ما تعبر عنه)، إلا أن بعض الفلاسفة حللوا العواطف المدركة من خلال العواطف التي تُثيرها الموسيقى. حيث يجادل أنصار نظرية الاستثارة أن إدراك الموسيقى بوصفها معبّرة عن العواطف ناشئ من استثارتها لأحاسيس جسدية أو عاطفية. من هذا المنظور، تُعد الاستجابات الوجدانية مركزية في فهم المعنى العاطفي للموسيقى.
جـ. الفهم الموسيقي والقيمة الموسيقية: هناك نقاشات تدور حول ما إذا كانت العواطف الموسيقية ضرورية و/أو ذات صلة بعملية فهم الموسيقى، وإن كانت كذلك، فما نوع العواطف المرتبطة بهذا الفهم. فمثلًا، قد يكون الشعور بالحزن أثناء الاستماع إلى قداسًا جنائزيًا استجابة مناسبة؛ لكونه شعورًا مرتبط بفهم هذا العمل الموسيقي. أما الشكليون مثل هانسليك فيعارضون هذا الرأي ويرون أن العواطف لا تؤدي أي دور في فهم الموسيقى. بالمقابل، يُقر شكليون آخرون مثل كيفي بأن لبعض أنواع العواطف دورًا في عملية الفهم، وتحديدًا تلك المرتبطة بتقدير “الموسيقى وحدها[6]” [كالدهشة والإثارة والنشوة] (انظر القسم 3.4). ومؤخرًا، قدّم رافاسيو معيارًا لبيان الصلة بين الخصائص الفنية للموسيقى والعواطف التي تثيرها الموسيقى. حيث يركز هذا المعيار، من بين أمور أخرى، على ثلاث شروط؛ العلاقة بين عاطفة المستمع والسمات الفنية للموسيقى، وخبرة المستمع وإلمامه بالنوع الموسيقي، والانتباه الواعي لكامل العمل (انظر أيضًا مقالة ليفنسون حول الثقافة الموسيقية). وفي الآونة الأخيرة، جادل كوكران بأن العواطف الناتجة عن العدوى العاطفية الموسيقية تتوافق مع التقدير السليم للموسيقى الخالصة (وهذا خلافًا لما يرى كيفي). وكل هذه القضايا تؤثر في الإشكالية المتعلقة بعلاقة العواطف في تحديد قيمة الموسيقى.
هـ. التجربة الجمالية، والتقدير الجمالي، والعواطف الجمالية: تتعلق هذه المسألة بالجدالات الدائرة حول طبيعة التجربة الجمالية، ومؤخرًا، حول كل من التقدير الجمالي والعواطف الجمالية. ذلك أن مجرد إمكانية وجود عواطف موسيقية تُعد إشكالية بالنسبة إلى التصورات التقليدية للتجربة الجمالية بوصفها خالية من المصلحة الذاتية (انظر القسم 3.2).
و. طبيعة الموسيقى: يؤثر دور العواطف الموسيقية في التجربة الجمالية على تعريف الموسيقى، وذلك استنادًا إلى افتراض أن طبيعة الموسيقى تكمن، جزئيًا على الأقل، في قدرتها على إثارة تجربة جمالية أو إحداث تقدير جمالي يُفهم بوصفه ظاهرة وجدانية بل حتى أن موسيقى موزاك Muzak، أو موسيقى المصاعد المصممة لإثارة حالات مزاجية معينة، تُعد أيضًا مؤثرة في تعريف الموسيقى في سياق التقدير الجمالي. وبالاستناد إلى تصورات تولستوي والحركة الرومانسية، يُنظر إلى الموسيقى بوصفها تعبير عن العواطف ووسيلة لنقلها. كما تُرجع النظريات الشائعة في علم النفس التطوري أصل الموسيقى إلى التعبيرات الصوتية عن العواطف.
أما في فلسفة العقل، ينصب الاهتمام الرئيسي على القضايا المتعلقة بفلسفة العواطف، مثل: طبيعة العاطفة (انظر الأقسام 3.1 و3.2)، ومضمون العاطفة، والعلاقة بين العواطف والحالات المزاجية (انظر القسم 3.3)، والطابع الظاهراتي للعواطف، ودور الخيال والصور الذهنية في العواطف (انظر القسم 3.5)، والقيمة المعرفية للعواطف، ودور العواطف في تحقيق الرفاه (انظر القسم4).
قبل التطرق للمقترحات الفلسفية، اسمحوا لي أن أبدأ بعرض موجز للنتائج التجريبية الأكثر صلة بالنقاشات الفلسفية. فهناك اليوم كم هائل من الأدلة التجريبية المتاحة يمكن الاستفادة منها لوضع النظريات الفلسفية في سياقها الصحيح وتحديد الإشكالية الفلسفية الأساسية.
2. النتائج التجريبية وأنواع العواطف الموسيقية
هناك أدلة قاطعة تؤكد أن الموسيقى تُثير العواطف. تتجلى هذه الأدلة في الإفادات الشخصية، سواء اللفظية أو غير اللفظية، إلى جانب القياسات الفسيولوجية مثل معدل ضربات القلب، ومعدلات التنفس، واستجابة التوصيل الجلدي skin conductance، والاستجابة الإجفالية startle response، وضغط الدم، والتوتر العضلي، وسواها. كما تمتد إلى التعبيرات الحركية للعواطف، مثل تعابير الوجه، والأصوات الإنفعالية، ولغة الجسد، إضافة إلى الميول السلوكية الظاهرة أو الكامنة، مثل الرقص، والغناء، والنقر بالأقدام، وسرعة المشي، وحتى سلوكيات المساعدة. وهكذا، تكون الموسيقى قادرة على التأثير في جميع مكونات الاستجابة العاطفية المعتادة. أما على المستوى العصبي-البيولوجي، تُثير الموسيقى نشاطًا في البنى الدماغية المعروفة بأهميتها الحيوية للعاطفة في مراحل مبكرة جدًا من العمر، في مناطق مثل اللوزة الدماغية، والنواة المتكئة، والوطاء (تحت المهاد)، والحُصين أو قرن آمون، والفص الجزيري، والقشرة الحزامية، والقشرة الجبهية الحجاجية، وسواها. وتتسم العواطف المستحثة بالموسيقى -مثل الحزن والفرح والغضب- بأنماط فسيولوجية وتعبيرية وعصبية يمكن تمييزها بوضوح؛ وهو ما سيكون له دور مهم نستعرضه لاحقًا (في القسم 3.4).
وقد وردت بعض العواطف بشكل متكرر في التقارير مثل الهدوء والاسترخاء، السعادة والفرح، الحنين والشوق، الاهتمام والترقب، اللذة والمتعة، والحزن والكآبة. ومؤخرًا، ظهر نهج جديد يهدف إلى دراسة العواطف التي تُثيرها الموسيقى من خلال تجاوز النماذج العامة للعواطف التي طُورت بمعزل عن الموسيقى، والتي تعتمد على العواطف المنفصلة[7](المتمايزة) كالأنواع المذكورة آنفًا. فمثل هذه النماذج تعجز عن الإحاطة بالتأثير العاطفي الغني للموسيقى، وتثير صعوبات نظرية كبيرة، خصوصًا لأن العواطف الموسيقية لا تنطوي على تقييمات معرفية -مثل إدراك التهديدات أو الخسائر- كما هو الحال في العواطف المتمايزة النموذجية. سأعود لاحقًا إلى هذه المسألة، نظرًا لأنها تمثل الإشكالية الفلسفية الأساسية (انظر القسمين 3.1 و3.2). لذلك، طور علماء النفس مقاييس جديدة قائمة على الموضوعات الوجدانية مثل: الدهشة، والتسامي، والحنان، والحنين، والسكينة، والقوة، والأنشطة المبهجة، والتوتر، والحزن. وتتوافق هذه الموضوعات الوجدانية بصورة أفضل مع العواطف التي تثيرها الموسيقى. ويتضح أن الموسيقى تُثير في أغلب الأحيان عواطف إيجابية، رغم أن مشاعر الحزن، والكآبة، والحنين الممزوج بالأسى شائعة أيضًا.
وتعتمد العواطف التي تُثيرها الموسيقى على ثلاثة عوامل رئيسية: الموسيقى (الخصائص الهيكلية والأدائية)، والمستمع، والسياق [البيئة أو الظروف المحيطة بتجربة الاستماع]. فعلى سبيل المثال، تتميز الموسيقى الحزينة بانخفاض في كل من طبقة ومستوى الصوت، وإيقاع بطيء، وطابع صوتي قاتم، ونطاق نغمي ضيق، وتنغيمات هابطة، والارتكاز على السلم الصغير Minor، وأداء متصل Legato، وغيرها من السمات. في المقابل، عادةً ما تتصف الموسيقى السعيدة بارتفاع في كل من طبقة ومستوى الصوت، وسرعة بالإيقاع، ونطاق نغمي واسع، وتنغيمات صاعدة، والارتكاز على السلم الكبير Major، وأداء متقطع Staccato، وغيرها من السمات. لذلك التأثر بالموسيقى الحزينة أو السعيدة يعتمد جزئيًا على هذه السمات الموسيقية. أيضًا تؤثر معلومات حول هوية المؤدي وقدراته (مثل المظهر الجسدي، والقدرة على التعبير) على العواطف التي يشعر بها المستمع. كما تلعب خبرة المستمع الموسيقية (كالخبرة، والتطلعات الموسيقية، والتدريب، وسواها)، وسماته الثابتة (كالسن، والجنس، والشخصية، والعوامل الاجتماعية والثقافية) دورًا مهمًا. وللسياق دور مهم أيضًا؛ فاختلاف المكان الذي يُستمع فيه إلى الموسيقى، سواء في قاعة حفلات، أو كنيسة، أو حفلة في الشارع، قد يفسر التباين بين العواطف المحسوسة.
والأكثر صلة بالنقاش الفلسفي الرئيسي هو الآليات التي تُثير بها الموسيقى العواطف. ويعد نموذج BRECVEMA أبرز نموذج مؤثر حيث يصف ثماني آليات لإثارة العواطف؛ أي أجهزة لمعالجة المعلومات تستند إلى وظائف مختلفة للدماغ تطورت تدريجيًا.
- منعكس جذع الدماغ[8] Brainstem Reflex: تُثار العواطف لأن جذع الدماغ يتعامل مع الخصائص الصوتية باعتبارها مؤشرًا على احتمال وقوع حدث مهم وطارئ. فعلى سبيل المثال، قد تؤدي الأصوات المفاجئة، أو العالية، أو المتنافرة إلى استجابات مفاجِئة مثل الخوف، والدهشة، أو مشاعر مزعجة. هذه عملية سريعة، وتلقائية، وغير مكتسبة. سأعود إلى هذه الآلية في الأقسام 3.5 و3.6.
- التزامن الإيقاعي Rhythmic Entrainment: تتزامن الإيقاعات الفسيولوجية الداخلية لجسم المستمع مع الإيقاع الموسيقي، مما يثير المشاعر عبر ردود فعل مستقبِل الحس العميق proprioceptive feedback. فعلى سبيل المثال، تهدئ التهويدة الوليد عندما تتزامن أنماط تنفسه مع الإيقاع، أو قد تشعر بالنشاط عندما يتزامن معدل ضربات قلبك مع إيقاع معين. هذه الآلية شائعة في موسيقى التكنو، والموسيقى العسكرية، والموسيقى التصويرية. وهي تفسير رئيسي لميلنا إلى الحركة؛ مثل تحريك الرأس أو الساقين بتزامن مع الإيقاع. سأعود إلى التزامن الإيقاعي في الأقسام 3.5 و3.6.
- التقييم الإشراطي[9] Evaluative Conditioning: ترتبط الموسيقى بمحفزات إيجابية أو سلبية تُثير العواطف. فعلى سبيل المثال، في اضطراب ما بعد الصدمة، قد تُسبب الموسيقى نوبات هلع نتيجة ارتباطها بأحداث مؤلمة. كما تعد الجملة اللحنية “لايتموتيف[10] Leitmotiv” لفاغنر مثال آخر لذلك.
- العدوى Contagion: تثير الموسيقى عاطفة معينة لدى المستمع لأنه يدرك نفس العاطفة في الموسيقى (التعبيرية الموسيقية). فعلى سبيل المثال، قد تدرك الحركة الثالثة من السيمفونية رقم 5 لشوستاكوفيتش على أنها تعبّر عن القلق، وهذا قد يُثير شعور القلق فيك. أو قد تشعر بالتوتر فتلجأ إلى الاستماع إلى موسيقى هادئة؛ وتحدث العدوى إذا شعرت بالهدوء بعد الاستماع إليها. سأستعرض موضوع العدوى العاطفية بالتفصيل في القسم التالي (القسم3).
- التصور الذهني Visual Imagery: تُثار العاطفة لدى المستمعين نتيجة استحضارهم وجمعهم صورًا ذهنية أثناء استماعهم إلى الموسيقى. تستغل هذه الآلية الترابط بين الموسيقى والمخططات الصورية image-schemata. فعلى سبيل المثال، تشعر بالرهبة أثناء الاستماع إلى موسيقى ما لأنها تُثير في خيالك صورة جبل ذهبي أو غابة سحرية. قد يثير ذلك إحساسًا بالمتعة أو استرخاءً عميقًا، وأنواعًا مختلفة من العواطف. سأعود إلى هذه الآلية في القسم 3.5.
- الذاكرة العَرَضية[11] Episodic Memory: تستحضر الموسيقى ذكرى محددة تؤدي إلى إثارة عاطفة. فعلى سبيل المثال، أشعر بالحنان لأنني أسمع الأغنية التي كانت تُبث في موعدي الأول مع شريكي؛ ظاهرة “هذه هي أغنيتنا”. وكما لوحظ، تُعد الموسيقى إحدى أقوى المحفزات لإحياء الذكريات العاطفية. الأمر الدي يفسر جزئيًا أهمية الموسيقى في الأحداث الاجتماعية، مثل حفلات الزفاف، والجنائز، والاحتفالات، وسواها.
- التوقع الموسيقي Musical Expectancy: يُستثار شعور ما لأن الموسيقى تخالف أو تؤجل أو تؤكد توقعات المستمع الموسيقية. وفي هذا السياق، أكدت نظرية ماير الرائدة على إثارة مشاعر مثل التوتر والارتياح في استجابة المستمع للموسيقى. والتوقعات غالبًا ما تثير مشاعر القلق، أو المفاجأة، أو الإحباط، كما أن هذه التوقعات تُعد المؤشر الرئيسي لحالة القشعريرة الموسيقية؛ إذ ترتبط هذه القشعريرة باستجابة انتصاب الشَعر piloerection الناتجة عن تغيرات موسيقية “غير متوقعة”. سأعود إلى هذه الآلية في القسم 3.6.
- التقييم المعرفي Cognitive Appraisal: يُقيّم المستمع الموسيقى بناء على أهدافه العملية، وهذا يُثير عاطفة لديه. فعلى سبيل المثال، تشعر بالانزعاج في حفلة لأنك تُقيّم الموسيقى على أنها مملة، أو تشعر بالرضا لأنك تجد الموسيقى جميلة.
هناك عدة عوامل تساهم في التمييز بين هذه الآليات، منها: االتسلسل التطوري لآلياتنا العاطفية، ومناطق الدماغ الرئيسية، والتأثير الثقافي والتعلم، والتطور الأنطوجيني، والعواطف المثارة، وسرعة الإثارة، ومدى تأثير الإرادة. تثير هذه العوامل قضايا كثيرة مثيرة للاهتمام، لكن ما يهمنا أكثر في هذا السياق هو آلية العدوى. فلنبحثها بمزيد من التفصيل.
3. العدوى الموسيقية
تحدث العدوى الموسيقية عندما تتطابق العاطفة المحسوسة مع العاطفة المُدركة في الموسيقى؛ حين يشعر المستمعون بذات العاطفة التي يدركونها في الموسيقى. أو يمكن القول إن الشعور المحسوس يتطابق مع العاطفة التي تعبّر عنها الموسيقى. أو –وهذه صياغة أخرى للفكرة نفسها– يشعر المستمعون بعاطفة ما لأنهم يدركون الموسيقى بوصفها معبرة عن هذه العاطفة.
ومن المهم أن نلاحظ أن العدوى العاطفية ليست مقتصرة على الموسيقى المصحوبة بالكلمات (مثل الأغاني) أو موسيقى البرنامج التصويري[12]. بل يمكن أن تحدث أيضًا مع الموسيقى المطلقة أو الخالصة؛ أي الموسيقى غير الإشارية[13]. وفي هذه الحالة، تكون هذا الظاهرة أكثر تعقيدًا. ففي حالة الأغاني، على سبيل المثال، غالبًا ما تعبّر الكلمات عن عواطف أو مواقف، على نحو يشبه ما نجده في القصص أو الحكايات. تأمل كم الأغاني الحزينة الاتي تدور حول الحزن أو الفراق. مثل هذه الكلمات تفسر بسهولة سبب إدراكنا للأغاني الحزينة بوصفها تعبيرًا عن الحزن، ولماذا يدفعنا ذلك إلى الشعور بالحزن أيضًا. فالحزن والفراق، على سبيل المثال، أمران حزينان ومأساويان. على النقيض من ذلك، يختلف الأمر في حالة الموسيقى الخالصة؛ فكيف يمكن للصوت المجرد أن يكون معبرًا عن الحزن ويجعلنا نشعر به؟ لماذا تجعلنا الموسيقى الخالصة -مجرد أصوات- نشعر بالحزن أو السعادة أو القلق؟ كيف ولماذا يمكن للموسيقى الخالصة أن تصيبنا بالعدوى العاطفية؟ لذلك، الإشكالية الكبرى التي تواجه ظاهرة العدوى العاطفية هي الموسيقى الخالصة، كما هو الحال في مسألة التعبيرية الموسيقية.
وكما لوحظ، تعتمد العدوى العاطفية على إدراك العاطفة أو التعبير العاطفي في الموسيقى. ورغم أن إدراك العواطف واستثارتها أمران مختلفان، فإن الدراسات التجريبية حول إدراك العاطفة في علم النفس وعلم الأعصاب تقدم رؤى مهمة لفهم ظاهرة العدوى العاطفية. ولتلخيص عدد من هذه التجارب بصورة تقريبية، تشير النتائج إلى وجود درجة كبيرة من الثبات في إدراك العواطف الموسيقية بين الأفراد باختلاف أعمارهم وخلفياتهم الثقافية، لا سيما فيما يخص العواطف الأساسية مثل الحزن، والفرح، والخوف، والغضب، والحنان. كما ظهر أن التعرف على العواطف الأساسية التي تثيرها الموسيقى عملية سهلة للغاية. فعلى سبيل المثال، يتمكن المستمعون البالغون من تمييز العواطف في الموسيقى في أقل من ربع ثانية، ولا تتأثر أحكامهم كثيرًا بخبرتهم الموسيقية. وفي مراحل نمو الأطفال، لوحظت بعض التعابير غير اللفظية لدى الرُضع في عمر 4 أشهر، والتي تدل على قدرتهم على التمييز بين الموسيقى السعيدة والحزينة. وفي عمر 4 سنوات، يُظهر الأطفال قدرة على التعبير عن أحكامهم بشأن العواطف الأساسية المدركة في الموسيقى. ورغم أن الدراسات العابرة للثقافات تثير تحديات وتفسيرات مثيرة للجدل، إلا أن بعض الدراسات المؤثرة تشير إلى وجود قدر من الثبات في القدرة التعبيرية عبر ثقافات موسيقية مختلفة. فأعضاء قبيلة المافا في شمال الكاميرون تعرفوا بدقة على عواطف مثل الفرح والحزن والخوف في الموسيقى الغربية التي لم يسمعوها من قبل. كما تعرف المستمعون الغربيون على عواطف كالفرح والحزن والغضب في مقاطع من موسيقى راجا الهندوستانية. وتعرف المستمعون اليابانيون على هذه العواطف في الموسيقى الهندوستانية بدقة توازي إدراكهم لها في الموسيقى اليابانية.
واقترح العديد من الباحثين أن هذه النتائج تُشير إلى وجود استعدادات بيولوجية للتعرف على العواطف في الموسيقى، ومن ثم التأثر بها (العدوى العاطفية). وتفسر إحدى أكثر النظريات تأثيرًا في هذا السياق البيانات هذه بالتطابق بين الموسيقى والتنغيم العاطفي prosody أو التعبير الصوتي vocalization؛ أي التعبير العاطفي غير اللفظي في الكلام. فعلى سبيل المثال، تتشابه السمات الصوتية للموسيقى الحزينة مع سمات الكلام الحزين، مثل الطبقة الصوتية المنخفضة، وانخفاض مستوى الصوت، وبطء الإيقاع، وطابع صوتي قاتم، ونطاق نغمي ضيق، وتنغيمات هابطة، والارتكاز على السلم الصغير Minor. وتختلف هذه الخصائص بدرجة كبيرة عن السمات الصوتية للموسيقى للموسيقى السعيدة ونغمة الكلام السعيدة التي تتسم بارتفاع طبقة ومستوى الصوت، وسرعة الإيقاع، ونطاق نغمي واسع، وتنغيمات صاعدة، والارتكاز على السلم الكبير Major، وأداء متقطع Staccato، وغيرها من السمات. وهكذا، تُدرك الموسيقى بطريقة ما كـ “موسيقى ذات طابع تعبيري مكثف”، كما لو كنا نستمع إلى شخص يعبر بصوته عن مشاعره. وفي الواقع، ينطوي التعرف على العواطف الصوتية والموسيقية على شفرة عصبية مشتركة. ونظرًا لأن العدوى العاطفية تعتمد على إدراك العاطفة في الموسيقى، فإنها تُفسَّر جزئيًا من خلال الربط بين الموسيقى والتعبيرات الصوتية للعواطف (انظر القسم 3.7).
وبالطبع، لا تقتصر العدوى العاطفية على الموسيقى. فأحيانًا تنتقل لنا عواطف الآخرين، كما يحدث عندما ينتقل لنا قلق ركاب آخرين على متن الطائرة، أو حين ينتقل لنا شعور البهجة في كرنفال ريو (العدوى الاجتماعية). حتى الطابع العاطفي للبيئة والكائنات غير الواعية قد تُصيبنا بالعدوى (وهي ظاهرة تُسمى العدوى الفيزيونومية physiognomic contagion). فقد يدرك الإنسان الحزن في شجرة صفصاف بأغصانها المتدلية الباكية، مما يجعله يشعر بالحزن. أو قد يرى المرء أن تصميم مبنى ما يوحي بالقلق -كما في المتحف اليهودي الذي صممه ليبسكيند في برلين- مما قد يُثير لديه شعورًا بالقلق. وكما هو الحال مع الأشخاص والبيئة، يمكن للموسيقى أن تُصيبنا بالعدوى العاطفية أيضًا. وسأتناول أمثلة أخرى على العدوى العاطفية في القسم 3.7.
العدوى العاطفية محورية في تجربتنا مع الموسيقى وفي استخداماتنا العملية لها من أجل الرفاه والصحة والغايات الاجتماعية السياسية. والأهم من ذلك، أنها تثير التساؤل الأساسي حول طبيعة العاطفة. والآن، سأنتقل إلى تناول هذه المسألة الرئيسية.
3.1. المذهب الإدراكي[14] Cognitivism
ما هي العواطف؟ تنطوي العواطف على مجموعة من السمات، مثل الأحاسيس الجسدية، والتغيرات الفسيولوجية، وتعابير الوجه، والميول السلوكية. ومع ذلك، ووفقًا للنظرية السائدة للعاطفة في الفلسفة والعلوم التجريبية، تعد العواطف في جوهرها تمثيلات وإدراكات للقيم، مثل التهديدات، والخسائر، والأخبار السيئة والأخبار السارة، والظلم، والجمال، واللطف، والمضحك، والسامي، وغير ذلك. ويُطلق على هذا التصور اسم المذهب الإدراكي cognitivism (ويشار إليه أحيانًا بالتقييمية evaluativism). تأمل مثلًا مشهدًا من فيلم الطيور The Birds لهيتشكوك، حين تخاف ميلاني من الغربان التي تلاحقها؛ يتسارع نبض قلبها، وتتقطع أنفاسها، وترتجف، ثم تصرخ وتركض مبتعدة. هي في الأساس خائفة لأنها تدرك الغربان بوصفها تهديدًا لحياتها. وبالمثل، فإن الشعور بالحزن بسبب الانفصال هو إدراك لهذا الحدث بوصفه حدثًا حزينًا.
وفقًا للمذهب الإدراكي، فإن البنية القَصدية للعواطف تتكون من جانبين: أولًا، للعواطف موضوعات أو مضامين قصدية: خوف ميلاني يتعلق بالغربان. ثانيًا، تنطوي العواطف على تقييمات لموضوعها أو لمضمونها: الغربان تُقيَّم على أنها مُهدِّدة. يقدم المذهب الإدراكي طريقة رصينة لتحديد موضوع أو مضمون العاطفة؛ فالموضوع أو المضمون الخاص بعاطفة ما هو الموقف الذي جرى تقييمه. فميلاني تخاف من الغربان لأنها تُقيّمها على أنها تهديد. مع ذلك، قد تكون هذه التقييمات الإدراكية خاطئة. فقد تخاف ميلاني من طائر غير مؤذ، وفي هذه الحالة يكون الشعور بالعاطفة غير ملائم. يقدم المذهب الإدراكي تفسيرًا واضحًا لذلك؛ حيث يمكن القول إن التقييمات المعرفية تُجسد أيضًا الجوانب الأخرى للعواطف: فتعابير الوجه، والتغيرات الفسيولوجية، والميول السلوكية، هي استجابات تكيفية لتمثيلات القيم.
المنافس الرئيسي للمذهب الإدراكي هو رؤية وليام جيمس التي ترى العواطف بوصفها أحاسيسًا جسدية، أو على الأقل، المنظور القائم على اعتبار العاطفة إحساسًا جسديًا محضًا، لا يتضمن أي تقييم. ومع ذلك، تتوافق الفكرة الأساسية للمذهب الإدراكي مع بعض الآراء التي تعتبر العواطف أحاسيسًا جسدية أو دوافع، شريطة أن تُقر تلك الآراء بأن العواطف تنطوي على تقييمات. في حين يختلف هذا المذهب مع التركيز الدارج حديثًا على التكافؤ valence والإستثارة arousal[15] بوصفهما سمتين أساسيتين للعاطفة، كما في نظرية الفعل التصوري conceptual act theory. فوفقًا لهذا التصور، تنطوي العاطفة أساسًا على التكافؤ والاستثارة؛ عواطف محددة ناتجة عن تصورات [مفاهيمية] يكوّنها الفرد تجاه أحاسيسه، دون أن تتضمن تقييمات معرفية. وعلى نحو أعم، تؤكد اللاإدراكية non-cognitivism أن العواطف لا تنطوي على تقييم، وربما لا تمتلك أي موضوعات قصدية. وحتى إن كانت لها موضوعات قصدية، فإن ذلك لا يُفسَّر من خلال تقييمات معرفية، لعدم وجود مثل هذه التقييمات من الأساس.
هناك وجهات نظر مختلفة داخل المذهب الإدراكي، من بينها النمط الاعتقادي doxastic، الذي يفهم العواطف بوصفها أحكامًا تقييمية، كما تجادل نوسباوم، متبعة بذلك خطى الرواقيين. في المقابل، يعتقد معظم الباحثين أن العاطفة هي “مماثلة لـ” إدراك القيم، بينما يجادل آخرون بأن العواطف هي مواقف تقييمية فريدة من نوعها. وعادةً ما يثار الجدل حول العدوى العاطفية ليستهدف النمط الاعتقادي، ويمتد ليشمل جميع وجات النظر داخل المذهب الإدراكي، بما فيها النمط الإدراكي perceptual والنمط السلوكي attitudinal. كما أن المذهب الإدراكي يشكل جوهر نظرية التقييم appraisal theory؛ وهي النظرية الرائدة للعواطف في علم النفس. فوفقًا لهذه النظرية، تثار العواطف وتتمايز بناءً على سلسلة من عمليات التقييم للمواقف في ضوء أهداف الفرد، مثل مدى جِدّة الموقف، وارتباط الموقف بالهدف، ومدى توافقه معه، وإمكانية التكيف، وغير ذلك. ويعبر علم الأعصاب عن نفس الفكرة حين تُصور اللوزة الدماغية بأنها “كاشف للملائمة” تقوم بترميز القيمة.
ينصف المذهب الإدراكي دور العواطف في حياتنا. فباعتبارها تجارب للقيم، تُشكل العواطف بُعدًا جوهريًا في الأخلاق، والحياة الاجتماعية، والرفاه. وقد تبرر العواطف حتى الأحكام التقييمية، وتشكل معرفة تقييمية أو فهمًا تقييميًا. لذا فإن التخلي عن المذهب الإدراكي له عواقبه.
3.2. التحدي الذي تطرحه الموسيقى على المذهب الإدراكي
يتسق المذهب الإدراكي مع جميع الآليات التي تُثير بها الموسيقى العواطف، كما ورد في نموذج BRECVEMA (انظر القسم 2)، باستثناء آلية واحدة. ويمكن للمذهب الإدراكي أن يفسر مشاعر مثل الخوف من صرخة عالية، أو الدهشة من مسافة موسيقية interval، أو الحزن عندما تستدعي الموسيقى ذكريات مؤلمة، أو الفرح عند تخيّل غابة سحرية، أو البهجة الناتجة عن انسجام إيقاع الموسيقى مع النشاط الذي يمارسه المرء. فهذه العواطف ترتبط بالموسيقى نفسها، وتنطوي على تقييم لها أو لشيء تستحضره مثل التخيلات أو الذكريات. ولا تعد هذه العواطف إشكالاً فلسفيًا؛ إذ تكمن المشكلة الحقيقية في مسألة العدوى العاطفية الموسيقية.
تخيل أنك تستمع إلى مقطوعة أداجيو الوتريات رقم 11 للموسيقار صامويل باربر لأول مرة. أثناء استماعك، تبدو لك الموسيقى حزينة، فينتابك شعور بالحزن؛ هنا تحدث العدوى العاطفية. وفقًا للمذهب الإدراكي، ينشأ حزنك نتيجة تقييمك للموسيقى بأنها محزنة أو شبيهة بوقع الخبر السيئ. ويرى هذا المذهب أن الحزن يتمثل في معايشة موقف أو موضوع ما على أنه حزين، أو كما لو كان خبرًا سيئًا. ويرى أتباع المذهب الإدراكي أن العواطف تُثار نتيجة تقييم المواقف بما يتوافق مع الأهداف العملية للفرد. غير أن هذا الطرح يبدو خاطئًا حين يتعلق الأمر بالعدوى العاطفية الموسيقية. فعند الاستماع لمقطوعة أداجيو الوتريات المشار إليها سابقًا، لا تُقيّم الموسيقى على أنها حزينة أو مؤلمة أو أي وصف سلبي؛ إذ لم يحدث شيء سيء فعليًا. وعندما يُصاب المستمعون بالعدوى العاطفية من الموسيقى، فإنهم لا يُقيّمونها وفقًا لأهدافهم العملية؛ فالموسيقى، في هذه الحالة، لا ترتبط بهذه الأهداف من الأصل. مع ذلك، يمكن أن تكون الموسيقى أحيانًا ذات صلة بأهدافنا العملية؛ فقد يشعر أحدهم بالفخر بأداء ابنته الموسيقي، أو يُعجب بأداء قارع الطبول، أو يشعر بالاشمئزاز من موسيقى النازيين الجدد. في مثل هذه الحالات، لا تمثل العواطف أي إشكالية، لأنها تنطوي على تقييم للموسيقى في ضوء أهداف الفرد العملية، سواء كانت شخصية أو فنية أو سياسية. كما تختلف هذه الحالة عن تلك التي تنشأ فيها العواطف نتيجة ارتباط شخصي خاص بين الموسيقى وأحداث معينة في حياة الفرد، كأن تملأك موسيقى ما بالحزن لأنها تُذكرك بأوقات عصيبة. أما في مثال المقطوعة سالفة الذكر، فإن الموسيقى لا تُذكرك بأي حدث حزين؛ فأنت تستمع إليها للمرة الأولى. وبما أن الموسيقى لا تقيّم بناء على أهدافك العملية، فلا يمكن اعتبارها موضوعًا للعاطفة التي شعرت بها. إذن، كيف يمكن للعدوى العاطفية الموسيقية أن تستحث حالات وجدانية لدى المستمعين؟
نظرًا لأن العدوى العاطفية لا تنطوي على تقييم الموسيقى في ضوء الأهداف العملية، فإنها تُعد مثالًا مضادًا للمذهب الإدراكي؛ ولنُسمي ذلك التحدي الموسيقي. لا يقتصر هذا التحدي على الموسيقى الحزينة، بل يشمل جميع حالات العدوى العاطفية الموسيقية [أي كل تجربة تُثار فيها العاطفة بالموسيقى]. فالموسيقى السعيدة تُشعرك بالفرح، رغم عدم وجود أي خبر سار. والموسيقى قد تجعلك تشعر بالقلق، بالرغم أنها لا تُنبئ بأي خطر. وقد تجعلك الموسيقى الغاضبة تشعر بالغضب، دون أن يكون هناك ظلم قد وقع. ببساطة، لا يوجد ما يدعو إلى الحزن أو الفرح أو القلق أو الغضب؛ فالموسيقى لا علاقة لها بتقييم مصير أهدافنا العملية.
يتكون التحدي الموسيقي من تحديين مترابطين ومنفصلين:
- تحدي الموضوع The Object Challenge: للعواطف موضوعات قصديّة. غير أن العواطف التي تُثار بسبب العدوى العاطفية لا تتعلق بالموسيقى نفسها.
- تحدي القيمة The Value Challenge: تنطوي العواطف على تقييمات لموضوعاتها. ومع ذلك، فإن العدوى العاطفية لا تتضمن تقييمًا للموسيقى.
نظرًا لأن موضوع بعض العواطف هو ما يخضع للتقييم، فإن تحدي الموضوع يعتمد على تحدي القيمة. لا تشعر بالحزن تجاه الموسيقى، لأنك لا تقيمها بأنها شيء حزين. على الأقل، هذا هو الحال وفقًا للتفسير الإدراكي لمضمون العاطفة أو موضوعها. وبالتالي، يبدو أن تحدي القيمة هو الأكثر جوهرية.
لكن المسألة أكثر تعقيدًا من ذلك، والفلاسفة لم يُولوا اهتمامًا كافيًا للعلاقة بين هذين التحديين. فعلى سبيل المثال، لا يلتزم أنصار اللاإدراكية بالادعاء القائل بأن مضمون بعض العواطف أو موضوعها هو ما يخضع للتقييم، لأنهم ينكرون أن العواطف تنطوي على تقييمات من الأساس. ومع ذلك، فإن النظر إلى العواطف بوصفها أحاسيس جسمية لا يتعارض مع كونها تملك موضوعات قصدية؛ ففي هذه الحالة، يصبح موضوع العاطفة هو موضوع الشعور. سأتجاوز هذه التفاصيل مؤقتًا، وسأعود إليها عند مناقشة الحلول الرئيسية للتحدي الموسيقي على أرض الواقع.
إليك صيغة تقريبية لفرضيات قياس الخلف[16] للمذهب الإدراكي
- العدوى العاطفية الموسيقية تُثير عواطف معتادة كالحزن، والقلق، والفرح، وسواها.
- يفترض المذهب الإدراكي أن للعواطف موضوعات قصدية، وتنطوي على تقييمات لموضوعاتها.
- وفقًا لـ (1) و(2)، فإن العواطف التي تُحدثها العدوى العاطفية تتعلق بالموسيقى وتنطوي على تقييم لها.
- تحدي الموضوع: العواطف التي تُثيرها العدوى العاطفيةلا تتعلق بالموسيقى.
- تحدي القيمة: العواطف التي تُثار بالعدوى العاطفية لا تنطوي على تقييم ملائم للموسيقى.
(ج) المذهب الإدراكي لا يُفسر ظاهرة العدوى العاطفية
يختلف التحدي الموسيقي عن مفارقة الأدب المتخيل Paradox of fiction أو عن مسألة لماذا نشعر بعواطف تجاه شخصيات خيالية لا نؤمن بوجودها؟ إذ ينشأ التحدي الموسيقي في سياق الموسيقى المطلقة، وبالتالي لا يتعلق بالأدب المتخيل أو السرديات. ومع ذلك، تنطبق تحديات مماثلة على الأشكال الفنية غير التصويرية الأخرى، مثل اللوحات التجريدية، والعمارة، والمنحوتات التجريدية، وكذلك على العدوى الفيزيونومية. لكن دعونا نركز على الموسيقى.
ماذا نفهم من التحدي الموسيقي؟ على وجه الدقة، فإن المذهب الإدراكي لا يفسر ظاهرة العدوى العاطفية (انظر القسمين 3.6 و3.7)؛ هذه النتيجة يتبناها معظم علماء النفس وعلماء الأعصاب. ووفقًا للنهج السائد في علم الأعصاب، ينتقل تأثير الموسيقى إلينا عن طريق المحاكاة التلقائية أو التعاطف، دون الحاجة إلى تقييم معرفي. وقد ينطوي هذا على تنشيط الخلايا العصبية المرآتية، رغم أن هذه الفرضية لم تُختبر بعد. تقوم أدمغة المستمعين تلقائيًا بتقليد حركات الموسيقيين المستخدمة في التعبير عن العاطفة، أو تُحاكي البُنى الحركية العاطفية. ومن المثير للاهتمام أن الموسيقى السعيدة تُنشط مناطق القشرة الأمام حركية premotor في الدماغ والمسؤولة عن إنتاج الأصوات، حتى عندما لا يغني المستمعون.
ومع ذلك، يدعو التحدي الموسيقي نحو الخروج باستنتاجات واسعة النطاق بشأن طبيعة العواطف. ويجادل شيرر بأن المذهب الإدراكي ينطبق على العواطف النفعية، لكنه لا ينطبق على العواطف الجمالية؛ فالعواطف الجمالية خالية من المصلحة الذاتية، ولا تنطوي على تقييمات تتوافق مع الأهداف العملية للفرد. أما روبنسون فقد تبنت رؤية متعددة المكونات؛ فالعواطف عمليات معقدة تتضمن التقييم المعرفي، والاستجابات غير الإدراكية، والتمثيلات الحركية، والمشاعر. وتنطوي بعض العواطف على جميع هذه العمليات -بما فيها التقييم المعرفي- في حين لا تنطوي عواطف أخرى على جميع هذه العمليات، مثل تلك الناتجة عن العدوى العاطفية. وتتوافق هذه الرؤى مع القول بوجود جزء من الصحة في المذهب الإدراكي. لكن يبرز هنا استنتاج مثير؛ إذا كان المذهب الإدراكي عاجز عن تفسير العدوى العاطفية، فهو إذًا نظرية خاطئة. ففي الواقع، تُعزز العدوى العاطفية موقف مذهب اللاإدراكية؛ إذ يمكن وصفها بأنها تثير أحاسيس جسدية بحتة، تمامًا كما تُصور العواطف عمومًا في إطار هذا المفهوم.
بالرغم من أن الفلاسفة قد اعترضوا على المذهب الإدراكي ودحضوه، كما في حالة العواطف العصية[17] recalcitrant emotions أو العواطف تجاه الشخصيات الخيالية، إلا أن أنصار هذا المذهب في علم العواطف لم يتعمقوا في دراسة حالة الموسيقى. وكانت أبرز الردود على هذا التحدي من قِبل فلاسفة الجماليات، وذلك قبل الثورة في دراسة العواطف ضمن فلسفة العقل. ونظرًا لأهمية هذه المسألة، يجدر التعامل معها بالاستعانة بالأدوات الحديثة التي توفرها نظرية العواطف وعلم الوجدان.
ولدى أنصار المذهب الإدراكي خياران: تبديد التحدي أو دحضه. ويعني تبديده إنكار وجوده من الأساس. يقوم هذا التحدي على الفرضية (1) التي ترى أن العدوى العاطفية تتسبب في إثارة عواطف معتادة مثل الحزن والفرح والقلق والغضب. رُفض هذا الافتراض، وبالتالي بَطُل التحدي (انظر القسمين 3.3 و3.4). أما الخيار الآخر المتمثل في دحض التحدي؛ أي التسليم بأن العدوى تتسبب في إثارة عواطف معتادة، يفشل التحدي لأن العدوى العاطفية تنطوي على تقييم (انظر القسم 3.5). لنستعرض الآن كل خيار على حدة.
3.3. تبديد التحدي: الحالات المزاجية
يفترض التحدي أن العدوى العاطفية تتسبب بإثارة عواطف حقيقية مثل الحزن والقلق. إحدى طرق نفي هذه الفرضية هو الرأي القائل بأن العدوى العاطفية لا تستحث عواطف حقيقية بقدر ما تُثير حالات مزاجية.
وتعد الحالات المزاجية، مثل العواطف، حالات وجدانية؛ فهناك شعور يلازم المرء عندما يكون في مزاج كئيب، يختلف عما يشعر به وهو منتشٍ أو غضوب. وهذا يؤكد أن الموسيقى قادرة على إثارة حالات مزاجية. تُعد الموسيقى من أهم محفزات الحالة المزاجية. ولهذا السبب، غالبًا ما تُستخدم لتنظيم الانفعالات. لذا، فإن تصور العدوى العاطفية على أنها قادرة على إثارة حالات مزاجية أمرًا معقولاً. فإذا كانت العدوى العاطفية تثير حالات مزاجية بدلاً من العواطف، فإن التحدي لا ينجح؛ إذ يقوم التحدي على افتراض أن العدوى تثير عاطفة حقيقية، الأمر الذي قد يناقض المذهب الإدراكي. يمكن أن يعزز هذا الطرح التمييز الذي اتفق عليه معظم الباحثين بين العواطف والحالات المزاجية.
غالبًا ما يُميز بين العواطف والحالات المزاجية بالاستناد إلى مضمونها أو موضوعاتها القصدية. حيث تتسم العواطف بامتلاكها موضوعات قصدية محددة؛ مثلًا، ميلاني تخاف من الغربان. في حين لا تمتلك الحالات المزاجية موضوعات قصدية، أو على الأقل لا تمتلك موضوعات قصدية محددة. تخيّل أنك في مزاج مكتئب؛ فإن حالتك المزاجية ليست مرتبطة بشيء معين. وإذا كانت مرتبطة بشيء ما، فهي مرتبطة بالعالم حولك، حيث يبدو لك العالم مظلمًا وثقيلًا وكئيبا. أما عندما نكون في مزاج مبهج، فيبدو العالم متفائلاً، خفيفًا، ورائعًا. رغم أن الحالات المزاجية قد تكون ناتجة عن سبب معين، مثل ولادة طفل، إلا أنها لا تتعلق بتلك الأحداث مباشرة. وإن ارتبطت بها، فهو ارتباط عام بعالم الشخص وليس به تحديدًا؛ فالحالات المزاجية عمومًا، على عكس العواطف، تتميز بظاهراتية مشتتة؛ فهي شعور عائم وغير مرتبط مباشرة بمسبب محدد.
إذا كانت العدوى العاطفية الموسيقية تثير حالات مزاجية، وهذه الحالات المزاجية لا تملك موضوعات محددة، فهذا يعني أن المزاجات التي تستحثها الموسيقى ليست عن الموسيقى نفسها. وعلى الرغم من أن الموسيقى تثير حالات مزاجية، إلا أن هذه الحالات ليست موجهة إليها، تمامًا كما تثير المخدرات المشاعر دون أن تكون هذه المشاعر مرتبطة بها. وباعتبارها حالة مزاجية، فإن الاستجابة الوجدانية للعدوى هي تجربة عائمة غير محددة السبب. وبالتالي، يفشل تحدي الموضوع؛ فإذا لم تكن الحالة المزاجية المثارة من العدوى العاطفية ليست مرتبطة بالموسيقى، فإن الموسيقى لا تُقيَّم. وهذا بدوره يؤدي إلى تبديد تحدي القيمة أيضًا. وهكذا تسير الحجة.
دعوني أبدأ بإثارة مسألة حول هذا المقترح والتي لعبت دورًا هامًا في النقاش الجدلي والمتعلقة بتحدي الموضوع؛ وهي مسألة قصدية الحالات المزاجية. فبينما جادل بعض الباحثين بأن الحالات المزاجية لا تمتلك موضوعات قصدية على الإطلاق، فإن الرأي الأكثر شيوعًا هو أن الحالات المزاجية ببساطة لا تمتلك موضوعات قصدية محددة. الحالات المزاجية تتعلق عمومًا بالبيئة المحيطة. وهذا يعني أن الحالات المزاجية التي تثيرها العدوى العاطفية تكون مرتبط بالعالم حولنا. ومع ذلك، يبدو هذا غير محتمل. فعندما تثير الموسيقى الحزينة شعورًا بالحزن، فإن هذا الحزن لا يكون مرتبط بالعالم عمومًا. وإن كان مرتبطًا -بالرغم من إشكالية الفكرة- فإن الشعور الذي تستحثه الموسيقى يبدو أنه موجه نحو الموسيقى نفسها. هذا الارتباط الوثيق بين العاطفة والموسيقى هو وحده الذي يفسر أهمية العدوى العاطفية في التجربة الجمالية الموسيقية. وعليه، تظهر مجددًا إشكاليات حول الموضوعات القصدية؛ فإحلال الحالات المزاجية محل العواطف يُجرد الشعور الذي تثيره الموسيقى من أي موضوع قصدي، أو يمنحه موضوعًا قصديًا خاطئًا. وكلا الأمرين يشكلان إشكالية.
ردًا على ذلك، تجادل روبنسون أن الحالات المزاجية التي تثيرها الموسيقى ليست موجهة نحوها قطعًا، بل هي مجرد مشاعر لاإدراكية تُثار فقط بواسطة الموسيقى، والنظرية القصدية الرئيسية للحالات المزاجية ببساطة لا تنطبق على الموسيقى. إلا أن هذا الرد يعني تبني موقف لاإدراكي تجاه العدوى العاطفية (في الواقع، وجهة نظر روبنسون هي لاإدراكية، انظر القسم 3.6). وبالتالي، فإن الرد غير مقنع إذا كان الهدف هو استخدام الحالات المزاجية لتبرير المذهب الإدراكي.
وعلى الرغم من أن النقاش ركز على تحدي الموضوع، فإن هناك اتجاهًا بحثيًا مهمًا يمكن دراسته مستقبلًا، يتمثل في دراسة كيفية تعامل هذا المقترح مع تحدي القيمة. وفي سياق الاهتمام المتزايد مؤخرًا بمسألة قصدية الحالات المزاجية، أكد الفلاسفة على أن الحالات المزاجية تنطوي على تقييمات شاملة أو على الأقل تقييمات غير محددة. على سبيل المثال، يجادل تابوليه بأن الحالات المزاجية تمثل إمكانات تقييمية؛ أي أنها تُعنى بالتحقق المحتمل للخصائص التقييمية. على سبيل المثال، في حالة المزاج القلِق يشعر المرء بإحتمالية وجود تهديد. ويجادل كريغل أن الحالات المزاجية تمثل العالم في بعض خصائصه التقييمية [مثل الخير والشر، الأمان والخطر، العدالة والظلم]. في المزاج المنتشي، يُنظر إلى العالم على أنه رائع، أما في المزاج المكتئب، يُنظر إلى العالم على أنه بلا هدف، وهكذا. ويجادل روسي بأن الحالات المزاجية تمثل موضوعات غير محددة بحيث تتحقق فيها خاصية تقييمية محددة. في المزاج القلق، نشعر بأن هناك تهديد، رغم أننا لا نستطيع تحديده بدقة. على أية حال، إذا كانت الحالات المزاجية تنطوي على تقييمات من هذا النوع، فإن تحدي القيمة يُطرح من جديد. فعلى الرغم من أن المستمعين قد لا يشعرون بالحزن تجاه الموسيقى، فإنهم مع ذلك يقيمون الموقف بوصفه يُجسد قيمة سلبية، وإن كان ذلك على نحو مبهم. غير أن هذا لا يعدو أن يكون سوى شكل جديد من تحدي القيمة؛ وهو تحدي القيمة في سياق الحالات المزاجية الموسيقية. ويقع عبء إثبات ذلك على عاتق أنصار الاحتجاج بالحالات المزاجية.
بالرغم من أن العدوى العاطفية قد تثير حالات مزاجية، إلا أن هناك حاجة لمزيد من التوضيح لتحييد تحدي الموسيقى. لننظر الآن في طريقة أخرى لتبديد هذا التحدي.
3.4. تبديد التحدي: تجربة “التأثر العاطفي Being Moved”
لكي يصمد التحدي الموسيقي، يجب أن تُفضي العدوى العاطفية إلى عواطف معتادة مثل الحزن والقلق. ويُقر كيفي بأن العدوى تُثير العواطف، وأن هذه العواطف تتخذ الموسيقى موضوعًا لها، لكنه يُنكر أن العدوى تُولّد عواطف معتادة أو مألوفة. وفي سياق العدوى العاطفية أيضًا، يجادل كيفي بأن المستمعين يتأثرون بالموسيقى؛ إذ يشعرون بالإثارة أو الحماس، وهو ما أسماه لاحقًا “مشاعر التقدير”. فالموسيقى تستطيع أن تؤثر فينا بعمق حين نتمعن في جمالها وتعقيدها ودقتها وخصائصها التعبيرية. ومع ذلك، يختلف هذا التقدير الوجداني بوضوح عن العواطف المعتادة، كالحزن أو السعادة أو القلق.
تستند حجة كيفي الرئيسية على المذهب الإدراكي في فهم العاطفة. ببساطة لا يمكن للموسيقى أن تجعلنا نشعر بالحزن أو السعادة أو القلق؛ فهي ليست شيئًا نقيمه على أنه خسارة، أو خبر جيد، أو تهديد. إذ ليس للموسيقى علاقة بأهدافنا العملية. لهذا السبب، لا يتصرف جمهور الموسيقى بالطرق المعتادة عند شعورهم بالحزن أو السعادة أو القلق بعد الاستماع. فعلى سبيل المثال، على عكس ميلاني التي تهرب من الغربان المهددة، لا يغادر المستمعون قاعة الحفل ولا يفرون من الموسيقى حين تلامسهم موسيقى تبعث على القلق. بمعنى آخر، تختلف الميول السلوكية المصاحبة للاستثارة الموسيقية عن تلك المصاحبة للعواطف المعتادة. ويظهر هذا الاختلاف بوضوح أيضًا في تقديرنا للموسيقى التي تعبّر عن مشاعر سلبية، مثل الموسيقى الحزينة أو القلقة (القسم 4). إذ يبدو محيرًا أن نبحث عن موسيقى تُعبر عن عواطف سلبية ونستمتع بها، إذا كانت تُثير فينا مثل تلك العواطف؛ لماذا يستمتع المرء بالشعور بالحزن أو القلق؟ يمكن تفسير جاذبية الموسيقى المعبرة عن العواطف السلبية تفسيرًا مباشرًا بالرجوع إلى تجربة التأثر العاطفي وعواطف التقدير؛ إذ يكمن استمتاع المستمع في سماتها الجمالية.
يُقر كيفي فعلاً بأن الموسيقى قد تُثير عواطف معتادة، لكن تفسيرها يكون من خلال الارتباطات الشخصية. فعلى سبيل المثال، قد تذكرنا موسيقى ما بحادثة مريعة، مما قد يجعلنا نشعر بالحزن. لكن هذه العواطف غير مرتبطة بالموسيقى ذاتها، كما أنها لا تتعلق بتقديرها. كما يوضح كيفي في مناقشته لسيمفونية بيتهوفن إيرويكا Eroica (ص. 169):
“تدرك المستمعة سمة الحزن في الحركة الثانية من سيمفونية إيرويكا؛ وهذا يذكرها بكل الأمور التي تثير استياءها هذه الأيام؛ تأمل هذه الأمور يجعلها حزينة للغاية؛ فتبكي. وبهذه الطريقة، تنجح الحركة الثانية من إيرويكا في جعل المستمعة حزينة. لكن هذا ليس نجاح بيتهوفن؛ بل بسبب أسى المستمعة.”
يصل كيفي إلى حد القول بأن الشعور بالحزن عند سماع الموسيقى الحزينة يعد حالة مَرضية؛ إذ لم يحدث أي شيء سيء، وينطبق النقد ذاته على النظريات التي تفسر الاستثارة الموسيقية في إطار الحالات المزاجية (انظر القسم 3.3، ص.279):
“أطلب من القارئ أن يستمع إلى إحدى السيمفونيات الرومانسية الشهيرة لشومان أو برامز أو تشايكوفسكي، ويضع يده على قلبه، ويقسم لي أنه “شعر بها كحالة مزاجية”. المستمع المعرض لمثل هذه التقلبات المزاجية عند الاستماع للموسيقى المطلقة ليس مجرد مستمع “مرهف الحس” على نحو استثنائي؛ بل شخص يعاني من مشكلة.”
تتسق هذه الحجة مع الشكلانية المعتدلة التي يتبناها كيفي. فعلى عكس هانسليك، يجادل كيفي بأن الموسيقى يمكن أن تعبّر عن العواطف. وفي الواقع، قدم كيفي النظرية الأكثر تأثيرًا حول التعبيرية من حيث التشابه المُدرَك بين الموسيقى والتعبيرات العاطفية (نظرية الكنتور -الشكل اللحني- contour theory). وعلاوة على ذلك -على عكس هانسليك أيضًا- يرى كيفي أن للتعبير الموسيقي صلة بالتقدير الجمالي، طالما أننا نولي اهتمامًا للسمات الجوهرية للموسيقى. ويمكن للموسيقى حتى أن تثير عواطف ملائمة؛ أي عواطف التقدير. فالموسيقى لا تثير العواطف المعتادة، وإن أثارتها فإن هذه تعد استجابات غير ملائمة تشتت انتباهنا عن التقدير الصحيح للموسيقى.
إذا لم تثير العدوى العاطفية نفس العواطف التي يُدركها المستمع في الموسيقى، فإن تحدي القيمة يبطل. فعلى سبيل المثال، لا يقيم المستمعون الموسيقى الحزينة على أنها حزينة لأنهم لا يشعرون بحزن حقيقي. فضلًا عن ذلك، إذا كانت العدوى العاطفية تستحث عواطف التأثر، فإننا نتأثر بالموسيقى أو بجودتها الجمالية (وينطبق الأمر نفسه على مشاعر الإثارة والتقدير). الموسيقى ببساطة تُشكل موضوع عاطفتنا، وهذا يوضح الصلة الوثيقة بين العاطفة والموسيقى، ويقر بأهمية العواطف في تقديرنا للموسيقى. بالتالي، يبطل التحدي لأن تأثير الموسيقى يتجاوز الشعور بعواطف معتادة.
وقد تعرضت وجهة نظر كيفي هذه لانتقادات واسعة. فمن منظور فينومينولوجيا الموسيقى، اُعتبر هذا المقترح غير مقنع؛ إذ من البديهي أن تثير العدوى العاطفية عواطف معتادة. فالموسيقى الحزينة، على سبيل المثال، تجعلنا نشعر بالحزن. وهذا ما يجب تفسيره. عندما تؤثر فينا الموسيقى الحزينة، فإن ذلك يكون جزئيًا لأنها تجعلنا نشعر بالحزن. لكن مقترح كيفي لا يُنصف تجربتنا الوجدانية العميقة مع الموسيقى.
ردًا على هذا الاعتراض، جادل كيفي بأن مقترحه متوافق مع التجربة العاطفية العميقة مع الموسيقى، وأنه صُمم أساسًا ليستوعبها. فقد يكون التأثر بالموسيقى عميقًا، ومع ذلك، فإن العواطف المستثارة استجابة للموسيقى ليست من النوع المعتاد. يُخطئ الناس ببساطة حين يظنون أن الموسيقى الحزينة، مثلًا، تجعلهم يشعرون بالحزن. فهم يخلطون بين العواطف المُدرَكة في الموسيقى والعواطف التي يشعرون بها فعليًا، وينسبون على نحو خاطئ العاطفة التي يدركونها في الموسيقى إلى أنفسهم؛ وهم بذلك عرضة لخطأ الإسناد، وهو أمر يحدث كثيرًا في الواقع.
غير أن الفلاسفة لم يقتنعوا بهذا الرد. حيث يتفق العديد من الباحثين على أن إدراك العاطفة يختلف جوهريًا عن إثارتها. فقد يدرك ناقد موسيقي قطعة موسيقية بوصفها تعبر عن الحزن دون أن يشعر بالحزن أو بأي عاطفة أخرى، حتى عندما تكون القطعة ركيكة في التأليف أو الأداء، وهذا خلافًا لما يعتقده منظري نظرية الإستثارة. وكما لوحظ، بعد التجربة الرائدة لغابريلسون، أصبح التمييز بين الموضع الداخلي (العاطفة المُحسوسة) والموضع الخارجي (العاطفة المُدركة) راسخًا في علم نفس الموسيقى. ومع ذلك، في حالة العدوى، يتطابق إدراك العواطف مع إستثارتها. إذ يمكن للموسيقى الحزينة أن تجعل المستمعين يشعرون بالحزن، سواء كان هذا الشعور حزنًا كاملاً أم مجرد حزن جزئي. لذا، فإن إنكار ذلك يتناقض مع مبادئ الظاهراتية، وإنقاذ المذهب الإدراكي بهذا الثمن سيكون خطوة يائسة.
لحسن الحظ، يمكننا تجنب هذا الجدل الفينومينولوجي بالاستناد إلى نتائج الدراسات التجريبية؛ إذ تؤكد هذه النتائج الحدس الشكي. فقد أجرت كرومهانسل Krumhansl تجارب صُممت لاختبار فرضية كيفي، وذلك من خلال التقارير الذاتية [البيانات التي يقدمها الأفراد] والقياسات الفسيولوجية. استخدمت الدراسة عدد من المقطوعات الموسيقية لموسيقى مطلقة تعبر عن بعض العواطف منها مقطوعة أداجيو الوتريات لباربر لاختبار شعور الحزن، ومقطوعة الربيع لفيفالدي لاختبار شعور السعادة، ولاختبار شعور الخوف استخدمت معزوفة ليلة على الجبل الأصلع لموسورغسكي. بجانب تجارب أخرى، كشفت النتائج أن العدوى العاطفية تستحث مشاعر تشترك إلى حد كبير مع العواطف الأساسية في خصائصها من حيث التغيرات الفسيولوجية، والأسس العصبية، وتعبيرات الوجه، والسلوك . على سبيل المثال، العدوى العاطفية بالموسيقى الحزينة تتضمن تغييرات في النشاط الكهربائي الجلدي، ومعدل ضربات القلب، ومعدل التنفس، ودرجة الحرارة، والتي تُعتبر سمات مميزة للحزن. كما تحفز الموسيقى الحزينة نشاط العضلة المغضنة للحاجب (التي تظهر عند العبوس)، بينما تحفز الموسيقى السعيدة نشاط العضلة الوجنية (التي تظهر عند الابتسام)، تمامًا كما تتجلى العواطف الحزينة والسعيدة في تجاربنا اليومية. كما تصاحب العدوى العاطفية بالموسيقى الحزينة تغيرات سلوكية ومعرفية نموذجية للحزن، مثل المشي أو التحدث ببطء، والقدرة على التعرف على الوجوه الحزينة، والاستغراق في التفكير، وغيرها من السمات المرتبطة بالحزن. أما على المستوى العصبي-البيولوجي، تتضمن العدوى العاطفية أنماط عصبية في الهياكل الحوفية وما حول الحوفية التي تعد من خصائص الحزن الطبيعي. وتشير هذه النتائج التجريبية إلى ما يخالف مقترح كيفي.
ومع ذلك، انتقد كيفي هذا التفسير للنتائج وجادل بأنها متوافقة مع نظريته الإدراكية. وأشار إلى عدة تحفظات بشأن الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من مثل هذه التجارب (وخاصة تجربة كرومهانسل). أحدها، بالنظر إلى خطأ الإسناد الذي ذُكر سابقًا، هناك احتمال بأن المشاركين قد خلطوا بين العواطف المدركة والعواطف المحسوسة (انظر أيضًا). قد تكون إجاباتهم هذه نتيجة الضغط من جانب الباحث للإفصاح عن العواطف المحسوسة. وأن المشاركون اضطروا إلى الاختيار من بين مجموعة محدودة من العواطف المنفصلة، مما قد يؤثر على إجاباتهم. لذا لا يمكن الوثوق بالتقارير الذاتية. مع ذلك، فإن هذا الرد موضع شك من الناحية التجريبية، في ظل الاهتمام البحثي الحديث بالتمييز بين الموضعين الداخلي والخارجي للعاطفة المشار إليهما سابقًا. على سبيل المثال، يعد إدراك العواطف في الموسيقى أكثر تكرارًا من الشعور بالعواطف. إذ يرتبط إدراك العاطفة غالبًا بالخصائص الصوتية للموسيقى، في حين تُثار العاطفة نتيجة عدد من العوامل، أهمها حالة المستمع المزاجية، وخبرته الموسيقية، وتفضيلاته. وكما ناقش يونغ بالتفصيل (ص. 52–54)، كشفت الدراسات أن المشاركين يُحسنون التمييز بين العاطفة المدركة والعاطفة المحسوسة. هذا التمييز أُكد عليه صراحة في التعليمات المكتوبة في العديد من التجارب المذكورة أعلاه. وعليه، تعد نظرية الخطأ التي طرحها كيفي موضع شك من الناحية التجريبية.
أما النقد الثاني والأكثر إقناعًا الذي قدمه كيفي، فيفسر النتائج من حيث الارتباطات الخفية [داخل الذهن]. فكما لوحظ، يقر كيفي بأن الموسيقى يمكن أن تثير العواطف المعتادة من خلال هذه الارتباطات. وعليه، لا تضمن التجارب أن المشاركين كانوا منخرطين في عملية الاستماع الشكلي؛ أي الانتباه الكامل للموسيقى فقط [كاللحن والإيقاع وغيره]. أو ربما كان المشاركون أثناء الاستماع شاردي الذهن من النوع الذي ذُكر سابقًا، أو يستحضرون صورًا وسرديات. وعلى العموم، فإن مثل هذا النمط من الاستماع شائع بين بعض المستمعين. لذا، في غياب وصف دقيق للحالة الذهنية للمستمعين أثناء استماعهم للموسيقى، تبقى النتائج ببساطة غير حاسمة. حتى لو أثارت الموسيقى، على سبيل المثال، شعور الحزن لدى المشاركين، فهذا لا يكفي لإثبات أنها ستؤثر على مستمعين آخرين بنفس الطريقة. وقد تُفسَّر العواطف المعتادة التي تثيرها الموسيقى بالارتباطات بين الموسيقى وكيانات خارج إطارها [كالأفكار والشخصيات والأحداث وسواها] والتي تثيرها عناوين المقطوعات الموسيقية أو الارتباطات الثقافية، خاصة وأن دراسة كرومهانسل استخدمت مقاطع من موسيقى البرنامج التصويري (ص. 663).
من الصعب استبعاد هذه الفرضية تمامًا. ومع ذلك، وكما جادل يونغ، من الجدير بالذكر أن المشاركين لم يتعرفوا على مقاطع الموسيقى ولم يبلغوا بعناوينها. والأهم من ذلك، أن نتائج كرومهانسل تكررت في العديد من تجارب أخرى وباستخدام مناهج بحثية مختلفة. وقد دل الكم الكبير من الأدلة التجريبية المتاحة على درجة عالية من الاتساق بين الأفراد. لذلك، ترى روبنسون ويونغ أن من غير المرجح أن تفسر الارتباطات الفردية أو الثقافية هذا التقارب (ص. 663)، (ص.56). وكما لوحظ، من الشائع الاعتقاد بأن الاستعداد البيولوجي هو ما يفسر سبب إدراكنا للعواطف في الموسيقى وتأثرنا بها. انظر أيضًا المناقشة النقدية التي قدمها كونيشني حول استنتاجات كرومهانسل ونتائج تجريبية مختلفة، وكذلك نقد يونغ لهذا النقاش.
وبنبرة توافقية، اقر كيفي بأن الموسيقى تميل إلى إثارة العواطف المعتادة. ومع ذلك -وهذا هو نقده الثالث للنتائج التجريبية- لا يزال من الضروري إثبات أن المستمعين كانوا منخرطين في طريقة الاستماع التقليدية للموسيقى. حتى لو افترضنا أن التجارب تُظهر أن الموسيقى تستحث عواطف معتادة حتى مع المستمعين الذين يركزون على الموسيقى فقط، فقد لا يتوافق هذا مع الطريقة المثلى للاستماع إلى الموسيقى في إطار التجربة الجمالية. وفي مقالة لكيفي (ص. 2)، عبر بوضوح أن الموقف الذي يصفه يقوم على الانتباه إلى الموسيقى وخصائصها التعبيرية فقط، كما لو أن الأعمال الموسيقية كانت قطعًا في “متحف صوتي”. حيث يجب أن تكون العاطفة المحسوسة -إن وجدت- مثارة مباشرة نتيجة الانتباه إلى العمل الفني وخصائصه التعبيرية فقط. والواقع أن الموسيقى غالبًا ما تثير عواطف معتادة بطريقة غير مباشرة. على سبيل المثال تتميز أغنية لا بامبا La Bamba بإيقاع لاتيني مشرق، مفعم بالحيوية، وجذاب. فقد يشعر المستمعون في صالة الرقص برغبة في الرقص والتحرك بانسجام مع إيقاع الموسيقى، ومن ثم سيشعرون بالسعادة (ص. 7–9). في هذه الحالة، تُفسر العاطفة المحسوسة ضمن هذا السياق (أي الرقص في صالة الرقص) وليس ضمن إطار التعبيرية الموسيقية أو الخصائص الفنية للموسيقى. لذلك يستنتج كيفي أن جاذبية أغنية لا بامبا لا تشكل تهديدًا لطرحه الذي يهدف إلى التقاط نوع محدد ودقيق من العاطفة الموسيقية. وهذا يتعلق بالسؤال المعياري حول الصلة الجمالية والفنية للاستجابات الوجدانية تجاه التعبيرية (انظر كوكرين ورافاسيو للتفسيرات التي تؤكد التوافق بين محاكاة المشاعر والموقف الشكلي تجاه تقدير الموسيقى).
وكما هو واضح، فقد ركز النقاش النقدي على تحدي الموضوع. فالتأثر بالموسيقى هو عاطفة موجهة نحو الموسيقى، وبالتالي يُبطَل تحدي الموضوع. إلا أن هذا المقترح لم يخضع لبحث مفصل في سياق تحدي القيمة. ويقوم طرح كيفي على إنكار أن العدوى العاطفية تستثير العواطف المعتادة التي تنطوي على تقييم المواقف في ضوء أهداف الفرد. فالتأثر العاطفي وعواطف التقدير تُثار من خلال تقييم الخصائص الجمالية للموسيقى، مثل جمالها أو إتقان صياغتها. حتى هذه المرحلة، الأمور تسير بشكل مرض.
لكن هناك إشكالية أود إثارتها تتعلق بالتطورات الحديثة في علم الوجدان، وهي مسألة التأثر العاطفي بالموسيقى. في بعض الأحيان، يستخدم كيفي تعبير “التأثر العاطفي” كمصطلح جامع مرادف لـ “عواطف التقدير”. ومع ذلك، فهو يقر بأن الموسيقى يمكن أن تؤثر فينا تأثيراً عميقًا. تأمل مثلاً وصفه لمقطوعة آفي ماريا Ave Maria لجوسكين دي بري أو موسيقى الرثاء (ص. 158؛ 161): اعترف كيفي بتأثره العميق بهذه المقطوعات الموسيقية. في هذه الأمثلة، يظهر أن هذا التأثر بالموسيقى يتوافق مع العاطفة الفريدة والمحددة والمسماة بـ “التأثر العاطفي”. عادةً ما تُستثار هذه العاطفة في مناسبات مثل لم الشمل، أو الانتصارات الصعبة، أو التعافي من تجارب سيئة، أو ولادة طفل، أو مع التسامح، والأهم من ذلك، عند مشاهدة الأفلام والاستماع إلى الموسيقى. وتتمثل الخصائص التعبيرية والعلامات الفسيولوجية المميزة لهذه العاطفة في القشعريرة، والدموع، والشعور بالدفء في الصدر. ويقر كيفي بأن الموسيقى يمكن أن تؤثر بنا عاطفيًا وبعمق على هذا النحو، وقد تبعت مواقفه هذه تطورات أخرى؛ على سبيل المثال، في إطار الشكلية، يجادل كونيشني بأن التأثر العاطفي (بالمعنى الدقيق)، والرهبة، والقشعريرة هي العواطف الثلاثة الرئيسية التي تستثيرها الموسيقى. يُطرح هذه “الثالوث” ليكون بديلاً عن أوصافنا الخاطئة والملتبسة للاستثارة الموسيقية في إطار المشاعر المعتادة، وبذلك تُسهم في تحقيق تحسين مفاهيمي. وفي السياق ذاته، تكشف دراسة إثنوغرافية أجراها مانويل أن الأفراد يصفون المشاعر التي تثيرها العدوى العاطفية الموسيقية من حيث التأثر العاطفي، لا في إطار العواطف المعتادة. وأخيرًا، تؤكد الدراسات الحديثة حول الموسيقى الحزينة أن هذا النوع من الموسيقى لا يثير الحزن بحد ذاته، بل يثير مشاعر التأثر العاطفي. على سبيل المثال، تقترح النتائج أن التأثر العاطفي يمثل الوسيط الذي يتحقق من خلاله التقدير الجمالي للموسيقى الحزينة. وهذا بدوره يقدم حلاً جديدًا لمفارقة الموسيقى الحزينة (انظر القسم4). لنفترض جدلاً إذًا أن الموسيقى لا تثير عواطف معتادة بل عاطفة التأثر العاطفي الفريدة، على الأقل في بعض الحالات. هذا الافتراض قد يخلق عقبات عند محاولة دحض تحدي القيمة؛ إذ يبدو أن التأثر العاطفي ينطوي على تقييمات معرفية معقدة وإشكالية.
وفي الآونة الأخيرة، تزايد الاهتمام بعاطفة التأثر. حيث يرى بعض الباحثين أن التأثر العاطفي يُعد عاطفة فريدة من نوعها؛ ولقي هذا الطرح إجماعًا نسبيًا. عادةً ما يُعبّر التأثر العاطفي عن شعور مختلط يجمع بين الفرح والحزن (وبدرجة أقل، بين القلق والغضب). تخيل مثلاً أنك متأثر عاطفيًا عند لمّ شملك بشريك حياتك بعد فترة انفصال طويلة؛ تشعر بالسعادة، إلا أن تجربتك -على عكس الفرح الخالص- مشوبة بالحزن، لأنك تستحضر الانفصال والصعوبات التي مررت بها. في سياق التحدي الموسيقي، يمكن إعادة تفسير الطابع الظاهري المختلط للتأثر العاطفي وفق المذهب الإدراكي؛ ينطوي التأثر العاطفي على تقييمات معرفية مختلطة. عند الشعور بالتأثر العاطفي (مثلاً لم الشمل)، يُقيّم الوضع على أنه إيجابي، مما يثير شعور الفرح، ومع ذلك، يُقيّم الوضع كسلبي أيضًا (بسبب حالة الانفصال). ولهذا السبب تحديدًا، ينتابك شعور بالتأثر العاطفي بدلاً من المشاعر المعتادة كالسعادة أو الحزن. عادةً ما تشمل هذه التجربة تقييمًا لانتصار القيم الإيجابية على القيم السلبية، أو لبروز عنصر إيجابي على حساب آخر سلبي (في الخلفية). في هذه الحالة، يظهر تحدي القيمة مجددًا؛ أي تحدي القيمة المتعلق بالتأثر العاطفي بالموسيقى. عندما تؤثر بنا الموسيقى الحزينة (بالمعنى الحرفي للكلمة) -كما يحدث كثيرًا- فإننا نقيِّم وجود حدث سلبي في الخلفية. إلا أنه ليس واضحًا ما إذا كان بإمكاننا أن نحدد هذا الحدث الحزين؛ وهذا هو التحدي الأساسي. هذا الأمر يقدم اتجاهًا مستقبليًا للبحث، ويقع عبء إثباته على عاتق مؤيدي حجة التأثر العاطفي.
لهذه الأسباب، تهدف الردود الأخرى على التحدي إلى تأكيد فكرة أن العدوى العاطفية يمكن أن تثير عواطف معتادة أو على الأقل المشاعر المرتبطة بتلك العواطف. وعلى غرار مقترح كيفي، تسعى هذه الردود إلى إبراز العلاقة الوثيقة بين العدوى العاطفية والموسيقى.
3.5. دحض التحدي: الخيال
قدم ليفينسون تفسيرًا بارزًا للتعبيرية يعتمد على الخيال. فوفقًا لنظرية البيرسونا (الشخصية المتخيلة) persona theory التي قدمها، ندرك الموسيقى بوصفها معبّرة عن العواطف لأننا نتخيل شخصية تشعر بهذه العواطف وتعبر عنها. ويستند تفسيره للعدوى العاطفية أيضًا إلى الخيال؛ إذ تحدث العدوى العاطفية عندما يؤدي انغماسنا التخيلي في عواطف شخصية متخيلة إلى إثارة نفس الشعور فينا. على سبيل المثال، تُثير فينا الموسيقى الحزن لأننا نتخيل شخصية حزينة وقصة حزينة أثناء الاستماع إليها؛ شعورنا هنا له طابع تعاطفي. هذا الشعور يشبه على نحو ما التعاطف مع شخص حزين؛ إذ تقوم العدوى العاطفية على تجسيد الموسيقى. لا يلزم أن يكون التخيل مفصلًا جدًا؛ يكفي أن نتخيل شخصية مبهمة تشعر وتُعبر عن بعض العواطف. من هذا المنظور، تحمل العدوى العاطفية أوجه تشابه بارزة مع العواطف التي نشعر بها استجابةً للأدب المتخيل، مثل شعورنا بالحزن تجاه آنا كارينينا. فكلاهما ينطوي على تخيل الشخصيات والمشاعر التعاطفية. على وجه الدقة، يجادل ليفينسون بأن الشعور الذي تثيره العدوى العاطفية ليس عاطفة كاملة، إذ يفتقر إلى التقييم المعرفي المناسب والرغبات التي تميز العواطف اليومية. ومع ذلك، تتضمن العدوى العاطفية مشاعر مشابهة لتلك المصاحبة للعواطف المعتادة.
يتمتع مقترح ليفينسون هذا بالعديد من المزايا. فكما لوحظ، يؤدي الخيال دورًا أساسيًا في استجاباتنا العاطفية للموسيقى؛ إذ غالبًا ما تثير العدوى خيالنا بوضوح، الأمر الذي دفع المعالجين بالموسيقى إلى استثمار الرابط الوثيق بين العاطفة والصورة الذهنية. علاوة على ذلك، يتماشى هذا المقترح مع النتائج التجريبية المتعلقة بإدراك العاطفة في الموسيقى والتي تؤكد على دور النبرة العاطفية ومن ثم التجسيد في العدوى العاطفية. والأهم من ذلك، أن هذا المقترح -على عكس الردود الأخرى على التحدي الموسيقي المطروحة- يستوعب الحدس القائل بأن العدوى تؤدي إلى مشاعر عاطفية (على عكس الحالات المزاجية) تتشابه في طبيعتها الظاهراتية مع العواطف المعتادة (على عكس مشاعر التقدير). وهذا ينسجم مع خبرتنا الظاهراتية.
على الرغم من أن ليفينسون لا يتبنى المذهب الإدراكي في دراسته للعواطف، إلا أن مقترحه يمكن أن يدحض التحدي الموسيقي على النحو التالي: فمن جهة، المشاعر التي تثيرها العدوى العاطفية ليست موجهة نحو الموسيقى نفسها، بل نحو مضمون ما يكونه الفرد في خياله. وبالتالي يدحض تحدي الموضوع. من جهة أخرى، يضمن الخيال الصلة الوثيقة بين الشعور والموسيقى؛ فالشعور يتعلق بالشخصية المتخيلة في الموسيقى. فضلًا عن ذلك، لا ينطوي الشعور على تقييم الموسيقى بحد ذاتها، إذ يتعلق التقييم بمحتوى التخيل. وبالتالي، يُدحض تحدي القيمة، ويظل المذهب الإدراكي قائمًا لأن العدوى بالموسيقى تنطوي على تقييمات معرفية تتوسطها عملية التخيل، كما هو الحال في العواطف التي نشعر بها تجاه المواقف الخيالية.
مع ذلك، شكك بعض الباحثين في أن العدوى تنطوي بالضرورة على التخيل، وليس من الواضح أن هذا المقترح يعكس تجربتنا الظاهراتية بدقة. أحيانًا نشعر بالحزن عند الاستماع إلى موسيقى حزينة دون تخيل شخصية حزينة، ناهيك عن قصة حزينة كاملة. على الأقل، لا ننخرط دائمًا في تخيلات واعية بالشكل الذي تصفه نظرية الشخصية. العدوى العاطفية، على الأقل في بعض الأحيان، أكثر تلقائية بكثير؛ فقد تُثار بواسطة آليات لاإدراكية، مثل التزامن الإيقاعي وحتى رد فعل جذع الدماغ. مثلاً، قد تؤدي الأصوات المفاجئة والمتنافرة للموسيقى القلِقة وإيقاعها السريع إلى إثارة القلق لدينا تلقائيًا. فالموسيقى غالبًا ما تُصيبنا بالعدوى العاطفية عبر التأثير المباشر على وظائفنا الفسيولوجية دون أي وساطة معرفية، بما في ذلك التخيل.
الدراسات التجريبية تؤكد هذا الحدس. فكما لوحظ، تعد العدوى آلية مختلفة عن التخيل (انظر القسم 2). على سبيل المثال، تختلف البُنى الرئيسية في الدماغ المشاركة في العدوى العاطفية عن تلك التي المشاركة في إثارة العواطف الموسيقية عبر التخيل، مثل البُنى المتوضعة في القشرة القذالية، والقشرة البصرية الارتباطية (ص. 625). وفي مرحلة النمو الفردي، تلاحظ العدوى العاطفية الموسيقية خلال السنة الأولى من عمر الإنسان: حيث يُظهر الرضع في عمر 4 أشهر تعابير وجه مميزة للسعادة والحزن استجابة للموسيقى السعيدة مقابل الموسيقى الحزينة. بالمقابل، تتطور العواطف الموسيقية المثارة عبر التخيل فقط خلال سنوات ما قبل المدرسة (ص. 625). كما تختلف العدوى العاطفية عن العواطف المثارة عبر التخيل من حيث درجة التحكم الإرادي. ففي العدوى العاطفية، تكون درجة التحكم الإرادية منخفضة، كون العدوى تلقائية. بينما العواطف المثارة عبر التخيل عادة ما تنطوي على درجة عالية من التحكم الإرادي؛ إذ يعمد المستمعون عادة إلى استحضار الصور، واختيارها، والتلاعب بها، أو التخلي عنها أثناء الاستماع إلى الموسيقى. بالطبع، يمكن أن تَظهر الصور أيضًا دون استدعاء إرادي، وقد تنطوي العدوى العاطفية على تخيلات لا إرادية، غير أن هذا يظل بعيدًا عن جوهر المقترح المطروح.
بالإضافة إلى ذلك، قد يواجه الاستناد إلى التخيل لوصف الاستثارة الموسيقية مشكلات مشابهة لتلك التي أُثيرت ضد نظرية البيرسونا في تفسير تعبيرية الموسيقى. على سبيل المثال، قد يعتقد البعض أن نظرية البيرسونا تُخطئ في التسلسل السببي للعملية؛ حيث ترى أن تعبير الموسيقى ينشأ من تخيل المستمع لشخصية تشعر وتعبر عن عواطف معينة. ومع ذلك، قد يُعتقد أن المستمعين يتخيلون شخصية تشعر بعواطف محددة لأنهم يدركون الموسيقى بوصفها معبرة عن هذه العواطف. في هذه الحالة، التعبيرية تُفسِّر أو تسبب تخيل الشخصية، بدلاً من أن تكون نتيجة لتخيلها. إذ يدرك المرء تعبير الموسيقى أولًا، ثم يتخيل الشخصية لاحقًا. إشكالية أخرى مشابهة يمكن إثارتها تتعلق بالعاطفة التي تثار استجابةً للتعبير الموسيقي. فبحسب نظرية البيرسونا، تُثار العاطفة لأن المرء يتخيل شخصية معينة. غير أنه من البديهي الاعتقاد بأن المستمعين، في بعض الحالات على الأقل، يتخيلون شخصية حزينة لأن الموسيقى الحزينة تجعلهم يشعرون بالحزن، وليس العكس. حيث يكون الانغماس التخيلي نتيجة للعاطفة المثارة وليس سببًا لها أو عنصرًا مكونًا لها. إذ يدرك المستمعون الحزن في الموسيقى أولاً، ثم تصيبهم العدوى الموسيقية، وبعد ذلك فقط يتخيلون شخصية حزينة. فالحزن، في نهاية المطاف، يصاحبه انحياز معرفي سلبي؛ عندما يشعر الإنسان بالحزن، يميل إلى التفكير في الأشياء الحزينة والاستغراق الفكري، والتعرف على المثيرات الحزينة وتذكرها بشكل أفضل، وهكذا. هذه على الأقل فرضية محتملة تستحق الاستكشاف.
أخيرًا، تعتمد نظرية البيرسونا جزئيًا على استجاباتنا الوجدانية للأدب المتخيَّل. تمامًا كما نستجيب عاطفيًا لمصير شخصيات خيالية من خلال تخيلها، تستحث الموسيقى فينا عواطف عبر تخيل شخصية ما. تتمثل الإشكالية في أن ردود الفعل الوجدانية تجاه الشخصيات الخيالية غالبًا لا تكون من قبيل الاستجابات الانعكاسية. فالقارئ عادةً يميل إلى الشعور بالشفقة أو التعاطف مع آنا كارنينا أكثر من أن يشعر بالحزن تجاهها. إذا كانت العواطف التي نشعر بها تجاه الموسيقى مشابهة لتلك التي نشعر بها تجاه الأدب المتخيل، حينها يجب أن يكون شعورنا أقرب إلى الشفقة أو التعاطف. ومع ذلك، ما يستوجب تفسيره كان العواطف المعتادة مثل الحزن والقلق. لكن، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه الاعتراضات ناجحة أم لا. كما لوحظ، يؤكد ليفينسون أن الشخصية المتخيلة غالبًا ما تكون شخصية بسيطة وغير محددة. ولهذا، فهي غالبًا ما تكون أقل تفصيلًا من الشخصيات الخيالية المعتادة التي نتخيلها عند قراءة الروايات أو مشاهدة الأفلام؛ وهذا ما قد يفسر عدم إثارة الموسيقى لعواطف غير انعكاسية مثل الشفقة. عندما تكون الشخصية المتخيلة [أثناء الاستماع إلى الموسيقى] أكثر تفصيلاً، قد تثير الموسيقى تعاطفًا عميقًا يشبه الشفقة. ومع ذلك، يظل هناك مجالًا للشك؛ فقد تُثار الشفقة من خلال تصورات أو تخيلات بسيطة للغاية لأشخاص حزينين أو لتعابير وجوههم الحزينة، حتى في غياب معلومات مفصلة. وعليه، يبقى من غير الواضح ما إذا كانت الفروق في درجة تحديد العواطف كافية لتفسير التباين النوعي بين العواطف المثارة من الموسيقى والاستجابات الوجدانية تجاه الأدب المتخيل. طريقة أخرى لدحض هذا الاعتراض هي التأكيد على أن الأدب المتخيل أيضًا عادة ما يثير استجابات إنعكاسية، مثل الخوف أو الحزن كما لو كان المتلقي مكان الشخصيات الخيالية. وبالمقابل، قد يُلاحظ أن الموسيقى قادرة على إثارة الشفقة أيضًا، كما يحدث عندما يسمع المرء مقطعًا مؤلمًا ويتخيل شخصًا يعاني (ص. 320). لذا، ينبغي على المعترض توضيح ما المقصود بـ”الاستجابات النموذجية” هنا، إذ يرتبط ذلك بالإشكالية المعروفة المتعلقة بمفارقة استجابة العواطف للأدب المتخيل.
هذا لا ينفي الدور المهم الذي تؤديه الصور الذهنية في العدوى العاطفية بالموسيقى. فعلى سبيل المثال، يجادل كوكرين بأن إدراك الطابع التعبيري للموسيقى ينطوي على محاكاة العاطفة المدركة، مما يؤدي إلى خلق مشاعر، بالرغم من أن المشاعر قد تختلف في طبيعتها عن العاطفة المُدرَكة. ومن ثم قد تُفسِّر المحاكاة، جزئيًا، العدوى العاطفية. غير أن هذه الرؤى القائمة على الصور الذهنية أو المحاكاة تتسم بطابع لاإدراكي؛ إذ ترى أن العدوى العاطفية لا تنطوي على تقييمًا معرفيًا. لذلك، فإن الدور الذي يلعبه التخيل في العدوى العاطفية لا يدحض التحدي الموسيقي.
إذا ظل التحدي الموسيقي قائمًا، وتعذر على التخيل إنقاذ المذهب الإدراكي، وفي غياب نظرية بديلة مناسبة، فلا بأس بتبني هذا التحدي وفهم العدوى العاطفية في إطار غير معرفي؛ أي أن العدوى لا تنطوي على تقييمات معرفية. دعني أقدم الآن المقترحين الرئيسيين في سياق اللاإدراكية.
3.6 اللاإدراكية: المشاعر الأولية والحالات المزاجية
يتسق طرح روبنسون مع تعدديتها في فهم العاطفة؛ فالعواطف هي عمليات تشمل عدة مكونات مثل التغيرات الفسيولوجية، وتقييم القيم، والميول السلوكية، ويمكن للموسيقى أن تثير العواطف من خلال التأثير على كل مكون منها. وتؤكد روبنسون أن العواطف تتباين في درجات تعقيدها. بعض العواطف، مثل الحب غير المتبادل، معقدة؛ إذ تتطلب وساطة المعتقدات والمفاهيم. في المقابل، هناك العديد من العواطف التي تعد أكثر بساطة، مثل الفزع المفاجئ والمشاعر الأولية كالدهشة أو التوتر أو الاسترخاء. فهذه المشاعر لا تتطلب وسيطًا معرفيًا من المعتقدات والمفاهيم؛ فهي غير إدراكية. وكما لوحظ سابقًا، تثير الموسيقى مشاعر أولية من هذا النوع، والتي قد تؤدي إلى العدوى العاطفية. على سبيل المثال، يمكن للتزامن الإيقاعي، ومنعكس جذع الدماغ، والتوقعات الموسيقية أن تفسر بعض حالات العدوى العاطفية. حيث يمكن فهم العدوى العاطفية في ضوء هذه المشاعر اللاإدراكية من الدهشة، والتوتر، والاسترخاء.
يصف ما يُعرف بتأثير الجازرسايز[18] jazzercize effect الانتقال من المشاعر الأولية إلى العاطفة الكاملة التي تحفزها الموسيقى. تبدأ العملية بإحداث الموسيقى لتغيرات فسيولوجية في المستمع، مثل التزامن الإيقاعي. ومن خلال ردود فعل مستقبِل الحس العميق، تنشأ لدى المستمع مشاعر أولية. هذه المشاعر بحد ذاتها غير إدراكية، لذا فهي ليست موجهة نحو الموسيقى. ومع ذلك، فإنها تفسح المجال للرصد الإدراكي للحالة التي يمر بها الفرد. ولكي يفهم المستمع هذا الشعور، يبحث عن مؤشرات في البيئة ويستجيب لها عاطفيًا. ثم تتبلور المشاعر الأولية إلى عواطف كاملة. من هذا المنظور، المشاعر التي تثيرها العدوى العاطفية تبقى غير موجهة نحو الموسيقى. وبالتالي، لا يكون المستمع حزينًا بسبب الموسيقى، وهذه إحدى نقاط قوة النظرية. لكن المشاعر التي تستحثها الموسيقى قد توجه انتباه الفرد إلى الموسيقى ومصدر هذا الشعور. وهذا يضمن العلاقة بين المشاعر والموسيقى. وخلافًا للشكلانيون، تؤكد روبنسون على أن هذه المشاعر يمكن أن تشكل فهمًا للموسيقى ولطابعها التعبيري، طالما أن المستمعين ينخرطون في الطريقة المناسبة للاستماع للموسيقى (انظر رافاسيو لمزيد من التفاصيل).
وفي الآونة الأخيرة، جادلت روبنسون صراحة بأن العدوى العاطفية تؤدي إلى إثارة حالات مزاجية تُفهم بوصفها خبرات وجدانية غير موجهة نحو الموسيقى ولا تنطوي على تقييم لها. ووصفت كيف تستحث الموسيقى استجابات فسيولوجية وتعبيرية تُعد من السمات المميزة للحالات المزاجية، كما وصفت تأثيرات الموسيقى على الإدراك، والذاكرة، واتخاذ القرار، وحتى الإيثار، وهو ما يتوافق مع التأثير المثبت علميًا للحالات المزاجية في سياق العمليات المعرفية. حتى لو اعتُبرت العدوى مُثيرة للحالات المزاجية،، تؤكد روبنسون أن الموسيقى يمكن أن تثير العواطف بطرق متعددة ومتزامنة، مثل التخيّل، والتقييم المعرفي أو الميول السلوكية. وهو ما يفسر -بحسبها- استعصاء الخبرات الوجدانية الموسيقية على الوصف.
الآن سأعرض مسارين نقديين من شأنهما أن يدعما التفسير الرئيسي الثاني للمذهب اللاإدراكي. تتسق نظرية روبنسون في العدوى العاطفية مع مقاربات جيمس لانج للعاطفة، التي ترى أن العواطف في جوهرها أحاسيس جسدية أو وعي بالتغيرات الجسدية. يتعلق أحد التحديات المهمة التي تواجه هذه الرؤية بموضوعات العاطفة. فإذا كانت العواطف مجرد أحاسيس جسدية، فكيف ترتبط بسمات البيئة التي تُعد الموضوعات القصدية للعواطف؟ إذا كان خوف ميلاني مجرد إحساس جسدي، فكيف يتعلق بالغربان التي تهددها؟ الإجابة المعيارية على هذا السؤال تستند على نوع من العلاقة غير المباشرة مع المحتوى العاطفي؛ فالأحاسيس الجسدية تتوافق مع الموضوعات الجوهرية ذات الصلة، وبالتالي تمثلها بشكل غير مباشر. تنطبق نفس العلاقة غير المباشرة في تأثير الجازرسايز لدى روبنسون. ومع ذلك، يبدو غريبًا على المستوى الظاهراتي وصف مشاعرنا التي تثيرها الموسيقى بأنها أحاسيس جسدية لا ترتبط بالموسيقى إلا بطريقة غير مباشرة. فقد تولد رغبة لدى الفرد لإقامة رابط مباشر بين العاطفة والموسيقى، أو حتى بين العواطف وموضوعاتها القصدية. لهذا السبب، يشك ديفيز فيما إذا كان تأثير الجازرسايز يمثل حالة حقيقية لانتقال العدوى العاطفية من الموسيقى إلى المستمع، بدلاً من أن تكون ناتجة عن بعض خصائص البيئة.
فضلًا عن ذلك، فإن الاعتماد على المشاعر الأولية يسلط الضوء على الأنواع المختلفة من الأحاسيس الجسدية التي تثيرها الموسيقى. ومع ذلك، يبدو أن هذا يؤدي إلى انفجار في المشاعر. فعند الاستماع إلى قطعة موسيقية، يشعر المستمعون بالعديد من المشاعر قصيرة الأمد التي تتعاقب تباعًا وتتغير حالتهم العاطفية باستمرار. هذا لا يبدو متوافقًا مع الظاهراتية الخاصة بالعدوى العاطفية. والآن سأنتقل إلى مقترح ديفيز.
3.7. اللاإدراكية: العدوى الأولية
يطرح ديفيز نظرية عامة للعدوى العاطفية، تشمل الموسيقى وتتجاوز حدودها. غالبًا ما نخضع للتأثير العاطفي للبيئة المحيطة. وعندما يصيبنا الأشخاص أو الطبيعة أو حتى الجمادات بالعدوى، فإننا نُدرك شعورًا أو مظهرًا عاطفيًا؛ مما يثير ذات الشعور فينا. قد يتأثر المرء بقلق صديقه لأنه يدرك القلق في نبرة صوته. أو قد يشعر المرء بالحزن لرؤيته شجرة توحي من خلال هيئتها بالحزن. تتضمن هذه العملية انتقال حالة أو مظهر عاطفي. ويؤدي تمظهر العاطفة دورًا مؤثرًا، ويجب أن يُدرَك من قبل الشخص المصاب بالعدوى. ومع ذلك، فالعاطفة التي يشعر بها المصاب بالعدوى لا تكون متعلقة بالعاطفة المُدرَكة ذاتها. عندما ينتقل لي قلق صديقي، لا يكون قلقي متعلقًا بقلقه هو؛ أنا لست قلقًا بسبب قلقه؛ بل أنا قلق فحسب. وتختلف العدوى العاطفية كذلك عن الحالات التي تكون فيها العاطفة موجهة نحو مضمون الشعور المُدرَك، كما لو كنا أنا وأنت خائفين من أسد يركض نحونا. تؤدي العدوى العاطفية إلى نشوء عاطفة بلا موضوع، إذ لا يمتلك الشخص التقييمات أو المعتقدات المميزة لتلك العاطفة. نحن ببساطة نلتقط مشاعر الآخرين بمجرد ملاحظتهم.
وبالمثل، عندما تصيبنا الموسيقى بالعدوى، فإن العاطفة التي نشعر بها تكون هي نفسها العاطفة المُدرَكة. مثلاً، مع موسيقى حزينة، تكون العاطفة التي نشعر بها هي الحزن. غير أن هذه العاطفة لا تتعلق بالموسيقى ذاتها؛ فنحن لا نشعر بالحزن بسبب الموسيقى، إذ أننا لا نعتقد أن الموسيقى تعاني أو أنها حزينة. فالموسيقى هي سبب العاطفة، لا موضوعها. ومع ذلك، تبقى العدوى العاطفية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالموسيقى؛ إذ تمثل موضوع الإدراك ومحور الانتباه في الاستجابة العاطفية. يصغي المستمعون بانتباه إلى الطابع التعبيري للموسيقى، ولهذا السبب تُعد العدوى عنصرًا جوهريًا في فهم الموسيقى.
من هذه الزاوية، تختلف العاطفة المثارة من العدوى، والتي تعدّ محورية في الفهم الموسيقي، عن الخبرات الوجدانية الناتجة عن التأثر غير المقصود بالموسيقى. فقد تصيبنا الموسيقى بالعدوى أحيانًا حتى من دون أن نصغي لها باهتمام. على سبيل المثال، قد تُشعرك موسيقى مذاعة في متجر ما بالهدوء، وقد تسمع الموسيقى من دون إنصات واع، ومن دون أن تدرك بأنها سبب مشاعرك. هذه الحالة أقرب إلى حالة مزاجية بلا موضوع محدد. ويختلف هذا الشعور عن الانخراط الواعي بالموسيقى الذي وُصف سابقًا، والذي تكون فيه الموسيقى محور الانتباه وتُدرَك باعتبارها سبب العاطفة. ويمكن القول إن العواطف الناتجة عن التأثر غير المقصود بالموسيقى لا ترتبط بالقيمة الفنية، على عكس تلك المستحثة بالإستماع الواعي.
يتوافق هذا الطرح مع أحد التفسيرات المؤثرة للعدوى العاطفية الاجتماعية في علم النفس. فالعدوى الأولية هي الميل إلى المحاكاة التلقائية لتعبيرات الوجه، والنبرات الصوتية، والحركات الجسدية للآخرين ومزامنتها، مما يؤدي إلى الشعور بنفس العاطفة. تتم هذه العملية غالبًا على نحو غير مقصود، وغير قابل للسيطرة، وغير واع؛ إذ تنطوي على آليات المحاكاة وردود الأفعال الفسيولوجية. فالشخص المصاب بالعدوى يقلد دون وعي تعبيرات الوجه، والصوت، وتعابير الجسد التي يُظهرها الشخص المُعدي (مثلاً: تتوتر عضلات المرء ويرتجف صوته بالتزامن مع وضعية ونبرة الصديق القلِقة). ثم تؤدي ردود الأفعال الفسيولوجية الناتجة عن هذه المحاكاة إلى إثارة شعور عاطفي لدى الشخص المصاب (يشعر بالقلق لأنه يشعر بتوتر عضلي). ولا حاجة هنا إلى الاستعانة بالتقييمات المعرفية؛ فهذا التفسير مدعوم بدراسات عديدة. يميل الأفراد إلى الابتسام عندما يكونون محاطين بأشخاص مبتسمين، ويميل الأطفال حديثو الولادة إلى البكاء عند سماع بكاء مواليد آخرين، كما أن الضحك مُعد بدرجة عالية. وتُعد الحشود والمظاهرات السياسية من الأمثلة النموذجية الأخرى على العدوى العاطفية.
أما فيما يخص الموسيقى، فيجادل الباحثون بأن العدوى العاطفية تنطوي على المحاكاة، فعلى سبيل المثال، يصاحب العدوى العاطفية المثارة من موسيقى حزينة نشاط في العضلة المغضنة للحاجب (التي تظهر عند العبوس)، بينما تحفز الموسيقى السعيدة نشاط العضلة الوجنية (التي تظهر عند الابتسام). وعلى الرغم من أن إدراك العواطف في الآخرين يختلف عن إدراكها في الموسيقى، فإن التعبيرات العاطفية التي تنشأ استجابة للموسيقى يمكن أن تُعد نوعًا من المحاكاة، إذ تُثار من خلال إدراك الطابع التعبيري في الموسيقى، والذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتعابير العاطفية. وقد يفسر التطابق بين الموسيقى والتنغيم العاطفي للكلام -كما ذُكر سابقًا- آلية المحاكاة. بالعموم، فإن معظم علماء النفس والأعصاب ينظرون إلى العدوى العاطفية بالموسيقى بوصفها نوعًا من المحاكاة والعدوى الأولية.
مع ذلك، يبتعد ديفيز عن هذا التفسير النفسي، حيث يؤكد على أن إدراك العاطفة في الموسيقى يعتمد على التشابه بين الموسيقى ووضعيات الجسد والإيماءات والحركات المميِزة للعواطف، كأن تبدو الموسيقى الحزينة وكأنها تمشي ببطء، كما يفعل الأشخاص الحزينون. وبالمثل، تتعلق المحاكاة بوضعيات الجسد وحركاته المدركة في الموسيقى، على عكس التعبيرات الوجهية أو الصوتية الصريحة للعواطف؛ فالموسيقى لا تمتلك وجهًا ولا تتحدث صراحة. بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن للمحاكاة تفسير العدوى العاطفية استجابة للألوان أو أحوال الطقس. فعلى سبيل المثال، تُدرَك الأيام الغائمة الممطرة كأيام كئيبة، وقد تُشعر المرء بالكآبة، ولكن لا يوجد في هذا السياق أي تعبير عاطفي يمكن محاكاته. ومع ذلك، تبقى النزعة اللاإدراكية لهذا التفسير قائمة؛ فالموسيقى تصيبنا بعدواها لأن هيئتها العاطفية تنقل لنا العواطف دون الحاجة إلى تقييم معرفي.
لطرح ديفيز هذا العديد من نقاط القوة؛ فهو يقدم رؤية موحدة للعدوى العاطفية تتجاوز حالة الموسيقى. كما أنه يؤكد على فكرة أن العدوى العاطفية تثير مشاعر كاملة من النوع المعتاد، وليس مجرد حالات مزاجية أو عواطف مثل التأثر العاطفي. كما يؤكد الصلة الوثيقة بين العدوى العاطفية والموسيقى دون الالتزام بالقول إن العواطف الناتجة عن العدوى العاطفية تتعلق بالموسيقى نفسها أو بمضمون تخيلات المرء. كما أنه لا يفسر العدوى العاطفية بأنها تؤدي إلى مشاعر بلا موضوع ترتبط بالموسيقى بصورة غير مباشرة. فالموسيقى تشكل مضمون التجربة الإدراكية، رغم أن العاطفة ليست موجهة نحوها. بطبيعة الحال، يتطلب هذا الطرح رفض المذهب الإدراكي، بل ورفض فكرة أن للعواطف موضوعات قصدية. إلا أن العديد من الأمثلة خارج نطاق الموسيقى مثل العدوى الفيزيونومية، والعدوى الناتجة عن مشاهدة الأقنعة التراجيدية أو الكوميدية [في المسرح مثلاً]، تُظهر أن هذه الادعاءات لا يمكن الدفاع عنها.
لقد نال تفسير ديفيز للعدوى العاطفية اهتمامًا أقل مقارنة بتفسيره للتعبيرية. وسأذكر الآن ثلاثة مسارات من النقد وجهت إليه:
تجادل روبنسون بأن هذا الطرح ينطوي على طابع معرفي مفرط؛ إذ يفترض أن العدوى العاطفية تنشأ نتيجة إدراك الطابع التعبيري، وأن الشعور ليس سوى نتيجة مترتبة على هذا الإدراك. لكنها تشير إلى أننا كثيرًا ما نُصاب بعدوى الموسيقى أولًا، ثم بعد ذلك ندرك تعبيريتها. فقد تُصيبنا الموسيقى بعدواها حتى قبل أن نتعرف على طابعها التعبيري (انظر رد ديفيز هنا).
من جانب آخر، أثار ماديل أيضًا تساؤلات حول موضوعات العواطف التي تُثيرها الموسيقى. فحسب ديفيز، لا تكون العاطفة موجهة نحو الموسيقى. ومع ذلك، فإن المذهب اللاإدراكي بشأن العدوى العاطفية يتوافق مع فكرة أن الشعور موجهًا نحو الموسيقى. وهذا يرسخ الصلة بين العاطفة والموسيقى بطريقة مباشرة أكثر.
وأخيرًا، وجهت انتقادات إلى نموذج العدوى الأولية هذا من قِبل علماء النفس. فعندما قدم ديفيز طرحه، كانت الدراسات حول العدوى وانتقال العاطفة لا تزال في بداياتها. لكن التطورات الحديثة في علم الوجدان وصفت بالتفصيل متى ولماذا يحاكي الناس العواطف. وقد كشفت الدراسات أن العدوى والمحاكاة أقل تلقائية وأكثر طابعًا إدراكيًا مما كان يُعتقد في البداية. فعلى سبيل المثال، لا تحدث العدوى العاطفية في العلاقات العدائية؛ مثل رؤية عدوك يعاني لا تجعلك تشعر بالمعاناة، بل بالفرح. وتتطلب المحاكاة والعدوى وجود روابط انتمائية وتقييمًا لمدى ملاءمة التعبير العاطفي. لهذه الأسباب، ظهر الآن تفسير بديل أساسي وإدراكي لانتقال العاطفة، يعتمد على التقييم الاجتماعي وهو ما قد يقدم طريقة جديدة لدحض التحدي الموسيقي (انظر القسم 3.8). وإذا لم تكن العدوى العاطفية أولية بالقدر الذي افترضه الباحثون، فقد تنطوي بالفعل على تقييمات معرفية منخفضة المستوى. وسأعمل الآن على تطوير هذه الفرضية بشكل أعمق.
3.8. مسارات مستقبلية في المجال الإدراكي: التقييم الاجتماعي والاستعارة المعرفية
في هذا القسم، استعرض التطورات الحديثة في علم الوجدان المتعلقة بانتقال العاطفة وبالتعبيرية الموسيقية، والتي تقدم تفسيرات إدراكية جديدة للعدوى العاطفية الموسيقية. النظرية الأولى هي نظرية التقييم الاجتماعي، أما الثانية فهي نظرية الاستعارة المعرفية. ونظرًا لأن هاتين النظريتين لم تُطورا خصيصًا لمعالجة التحدي الموسيقي، فسأعرض خلاصة كل منهما بهدف تشجيع بحوث مستقبلية متعددة التخصصات.
كما لوحظ، العدوى الأولية ليست هي التفسير الوحيد لانتقال العواطف. فنظرية التقييم الاجتماعي تُعد الآن رؤية مؤثرة في الدراسة التجريبية لانتقال العاطفة، كما هو الحال في دراسة العواطف الجماعية. وفقًا لهذه النظرية، تنتقل العواطف من خلال تقييمات غير مباشرة للقيم، تثير لدينا العاطفة ذاتها. فعلى سبيل المثال، عندما تنتقل إليّ مشاعر القلق من زميلة في العمل، فإنني أدرك نبرة صوتها القلِقة ووضعية جسدها المتوترة، ومن خلال إدراكي لتعبيراتها العاطفية، أقيم الموقف على أنه مُهدِّد، وهذا التقييم يؤدي إلى إثارة شعور القلق لدي. في نظرية التقييم الاجتماعي، يدمج الأفراد المعلومات المستخلصة من تعبيرات الآخرين الانفعالية ضمن تقييمهم الخاص للمواقف، مما قد يثير لديهم العاطفة ذاتها. وقد يحدث هذا عبر الارتباطات بين العواطف المُدرَكة والتقييمات [طريقة غير مباشرة]، أو بطريقة مباشرة. يمكن أن يحدث التقييم الاجتماعي تلقائيًا ودون وعي، أو بشكل مقصود وواع. والافتراض الأساسي هنا هو أن للعواطف وظائف اجتماعية؛ التعبيرات العاطفية تُطلع الآخرين على الدلالة التقييمية للمواقف. وقد وثقت العديد من الدراسات دور التقييم الاجتماعي، مثل تأثير تعبيرات الغضب على تقييمات العدالة، أو تأثير تعبيرات الخوف على تقييمات المخاطر، وسواها. وتُعد التعبيرات العاطفية إشارات على وجود قيم؛ إذ يستخدمها الناس باستمرار لفهم المواقف، والتنسيق، واتخاذ القرارات، كما تقترح دراسات الاستدلال الاجتماعي عند الأطفال. وبالطبع، لا يدمج الناس دائمًا تعبيرات الآخرين ضمن تقييماتهم الخاصة، إذ يتطلب التقييم الاجتماعي أن يكون هناك تقييم لموثوقية هذه التعبيرات (كأن يقيّم الفرد موثوقية وكفاءة مصدر التعبير. ومع ذلك، فإن انتقال العاطفة يسلك هذا المسار في بعض الحالات على الأقل.
وبالعودة إلى الموسيقى، تتيح نظرية التقييم الاجتماعي تفسيرًا إدراكيًا جديدًا للعدوى العاطفية الموسيقية؛ إذ يمكن أن تنطوي العدوى على تقييم غير مباشر للقيمة. كما قد تنتقل إليّ مشاعر القلق من زميلتي في العمل لنتيجة لتقييمي للقيمة عبر إدراكي لتعبيراتها العاطفية. فقد تُثير الموسيقى المشحونة بالتوتر مشاعر التوتر لدى المستمعين لأنهم قيموها كتهديد غير مباشر عبر إدراكهم للتعبير العاطفي في الموسيقى. وتفترض هذه الفرضية أن إدراك الطابع التعبيري في الموسيقى يشبه، إلى حد ما، إدراك التعبيرات العاطفية البشرية. قد يكون هذا الافتراض منطقيًا في ضوء الدور الذي يؤديه التنغيم العاطفي في الكلام، كما جرى وصفه سابقًا. فإذا كانت تجربة الاستماع إلى الموسيقى المعبرة عن العاطفة شبيهة بإدراك التعبيرات العاطفية، وإذا كان إدراك هذه التعبيرات ينطوي على تقييم للقيمة (وفقًا لنظرية التقييم الاجتماعي)، فإن العدوى العاطفية الموسيقية قد تُثار عبر التقييم غير المباشر للقيمة؛ أي أن الموسيقى قد تَدل بطريقة ما على القيمة، على غرار ما تفعله التعبيرات العاطفية للآخرين أحيانًا. وكما لوحظ، يمكن أن يكون التقييم الاجتماعي تلقائيًا، ومن ثم قد تحدث العدوى الموسيقية تلقائيًا عبر الصلة الوثيقة بين التعبيرات العاطفية وتقييمات القيمة.
في هذا المقترح، يتبدد تحدي القيمة على النحو التالي: إن العدوى العاطفية بالموسيقى تنطوي على تقييم غير مباشر للقيمة، تمامًا كما يحدث في العدوى العاطفية لمشاعر الآخرين عبر التقييم الاجتماعي. فإدراك الموسيقى بوصفها معبرة عن العاطفة قد ينطوي -بطريقة مباشرة أو غير مباشرة- على تقييم للقيمة. ورغم أن الموسيقى الحزينة لا تُقيَّم بوصفها شيئًا حزينًا بحد ذاته، إلا أنها تُدرَك بطريقة ما على أنها تعبير عن الحزن؛ وبهذا المعنى، فإنها تشير إلى أمور حزينة، أو على الأقل يمكن تقييمها على هذا النحو. والأهم من ذلك أن هذا المقترح يُشير ضمنًا إلى أن العواطف الناتجة من العدوى الموسيقية هي عواطف وهمية، إذ لا توجد قيمة حقيقية تُبرر تلك العواطف؛ وهذا هو التحدي من الأساس. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه النتيجة تمثل إشكالية أم لا. إذ يجادل برينز أن العواطف الناتجة من العدوى العاطفية هي تقييمات متجسدة وهمية، تُشكل ناتجًا ثانويًا لنظام العاطفة التكيفي في الإنسان. ولعل السياق الجمالي الذي تستثير فيه الموسيقى العواطف يجعل هذا الوهم غير ضار. ومع ذلك، قد يرى البعض الطابع الوهمي للإستثارة الموسيقية يمثل إشكالًا. ففي نهاية المطاف، يقوم التحدي الموسيقي على افتراض أن محاكاة العواطف قد تكون استجابات ملائمة، وفي هذه الحالة سيكون طابعها الوهمي نقطة ضعف كبرى لهذا المقترح.
وأخيرًا، فمن غير الواضح أيضًا كيف يتعامل هذا المقترح مع تحدي الموضوع، إذ يعتمد ذلك على الكيفية التي نُفسر بها الموضوعات العاطفية ضمن نظرية التقييم الاجتماعي، وهي مسألة لم يناقشها الفلاسفة حتى الآن. ففي بعض الحالات، ترتبط العدوى العاطفة المنقولة عبر تعبيرات الآخرين بالبيئة المحيطة (مثلًا، نشعر بوجود تهديد حولنا). في حالات أخرى، تتخذ العاطفة المنقولة موضوعًا محددًا، وهو موضوع العاطفة التي يعبر عنها الشخص المُعدِي (مثلًا، أنا أشعر بقلق بشأن الامتحان لرؤيتك قلقًا حياله). وبالمثل، يمكن للعدوى العاطفية الموسيقية أن تُثير مشاعر مرتبطة بالبيئة الموسيقية (مثل الشعور بوجود تهديد في الموسيقى). وبفضل وجود كلمات أو عناوين للأغاني، قد تكتسب هذه العواطف أيضًا مضمونًا محددًا (مثل أغنية تتناول حسرة القلب). وبما أن تحدي القيمة هو الإشكال الأكثر إلحاحًا، فسوف أترك هذه التأملات جانبًا في الوقت الحالي. ويكفي القول أن التطورات الحديثة في مجال انتقال العاطفة تقدم مقترحات جديدة يمكن من خلالها دحض التحدي الموسيقي. ويبقى على الفلاسفة أن يولوا هذه المسارات البحثية المستقبلية اهتمامًا جادًا.
دعوني أختم هذا القسم بتقديم آخر تقليد بحثي ناشئ في مجال الإدراك الموسيقي، والذي يقدم مسارًا بحثيًا واعدًا، وهو المجازات الإدراكية metaphor cognition. لقد جادل فلاسفة بأن التجربة الموسيقية بطبيعتها مجازية؛ فـسماع الموسيقى يعني إدراك النغمات كما لو كانت تنتمي إلى فضاء صوتي مُنظم بحسب المكان والزمان. وبالمثل، يُفهم إدراك العواطف في الموسيقى من خلال مفهوم “السماع بوصفه.. hearing as”؛ أي بمعناه المجازي. ويجادل بيكوك بأن إدراك الموسيقى بوصفها معبرة عن عاطفة ما يعني سماعها مجازيًا كأنها تلك العاطفة. يتسق هذا المقترح مع نظرية المجاز الإدراكي cognitive metaphor theory، التي ترى أن المجازات ليست مجرد كيانات شعرية أو لغوية، بل هي بالأساس طرق في التفكير في العالم أو في طريقة عيشه. وبالانتقال إلى العواطف التي نشعر بها عند الاستماع إلى الموسيقى، طور علماء النفس مقياس جنيف للاستعارات الموسيقية Geneva Musical Metaphors Scale، الذي يُظهر كيف يربط المستمعون الموسيقى باستعارات من قبيل التدفق، والحركة، والقوة، والعمق الداخلي، والتجوال الحر. وقد اقترح كل من بانيز وراباز وغانجان أن المجاز يلعب دور الوسيط بين إدراك العاطفة في الموسيقى وبين العدوى العاطفية. وعليه، يمكن للإدراك المجازي أن يقدم تفسيرًا جديدًا لظاهرة العدوى العاطفية.
في الواقع، يمكن أن يكون المجاز وسيلة لإنقاذ المذهب الإدراكي. إحدى الفرضيات المثيرة للاستكشاف هي أن العدوى العاطفية تنطوي على تجربة مجازات للقيم. فالموسيقى لن تبدو وكأنها مجرد عواطف، كالحزن مثلاً، بل أيضًا قيمًا، كالمآسي والمواقف الحزينة. يتجلى هذا التصور من خلال ثلاث خطوات: تفسير مبسط لتجربة المجاز، واستعراض الدراسات التجريبية حول التعبيرية الموسيقية، وبيان التفاعل الوثيق بين المفاهيم الوجدانية والتقييمية. المجازات بالعموم -مثل ماري هي الشمس- تتضمن التماثل البنيوي أو التشابه الهيكلي بين كيانين ينتميان إلى مجالين مختلفين، مثل الأشخاص والأجرام السماوية. والأهم، أن المجازات تقوم على اكتشاف الخصائص البارزة للأشياء، أي السمات التي تتبادر إلى الذهن فورًا عندما يفكر الناس فيها (مثل: الإشراق بالنسبة للشمس)، أو الأفكار الشائعة عنها. والأهم من ذلك، أن المجاز يتضمن أيضًا انتقال هذه الخصائص من مجال إلى آخر: إذ “نرى” جولييت كأنها الشمس (أي مشرقة ومدهشة كالشمس). وتجربة المجاز في الموسيقى تمتلك هذه الخصائص. أما الخطوة الثانية، فقد سبق أن ناقشنا كيف يربط المستمعون الموسيقى ببعض العواطف، مثلًا من خلال آليات التنغيم العاطفي. وهذا يشير إلى أن المستمعين يدركون تماثلاً بنيويًا بين الموسيقى والعاطفة استنادًا إلى الخصائص البارزة للعواطف (مثل التعبيرات الصوتية). وبالإضافة إلى ذلك، فإن خبرتهم تنطوي على نقل الخصائص البارزة للعواطف إلى الموسيقى؛ كأن يُدرك المرء الموسيقى بوصفها حزينة. وبما أن معايير تجربة المجاز قد تحققت، فيمكن تفسير هذه النتائج كالتالي: عندما يدرك المتلقون الخاصية التعبيرية، فإنهم يعيشون الموسيقى بوصفها استعارة للعواطف. أما الخطوة الأخيرة، فتتمثل في التأكيد على أن مفاهيمنا العفوية للقيم والعواطف متداخلة؛ إذ تعد العواطف سمة بارزة في المفاهيم التقييمية، والعكس صحيح. مثلًا، الناس يربطون فورًا بين ما هو حزين والحزن (والعكس كذلك). وكما لوحظ، كشفت الدراسات حول التقييم الاجتماعي أن إدراك التعبيرات العاطفية يرتبط بتقييم القيمة. فالنبرة الحزينة في الصوت هي خاصية بارزة للحزن، ولما هو بائس على حد سواء. ونظرًا لهذا الترابط المفاهيمي بين العواطف والقيم، فإن عيش الموسيقى بوصفها مجازًا للعاطفة يعني ضمنًا تجربتها كمجاز للقيمة.
وفقًا لهذا التصور، تنطوي العدوى على إدراك القيم عبر المجاز. وهكذا يُدحض تحدي القيمة. فضلًا عن ذلك، فإن مضمون العاطفة هو الموسيقى نفسها، إذ تُعاش الموسيقى على أنها متماثلة بنيويًا مع العواطف والقيم، بطريقة تميز المجاز. لذا، لا ينطبق على هذا التصور النقد المثار ضد تأثير الجازرسايز. وبالتالي يُحل تحدي الموضوع؛ إذ تُوجَّه الاستثارة الموسيقية نحو الموسيقى باعتبارها موضوع الإدراك التقويمي. وعلى الرغم من أن الموسيقى لا تُقيَّم بوصفها أمرًا حزينًا، فإنها تُسمَع كما لو كانت كذلك؛ فهي تُقيَّم كمجاز لأمور حزينة. وعلى خلاف الطرح القائم على التقييم الاجتماعي، فإن العاطفة المحسوسة ليست وهمية؛ فالطبيعة المجازية للتجربة تجعل العاطفة استجابة مناسبة. أما فيما يتعلق بالتفسير القائم على المجاز للطابع التعبيري، فلا يزال من الضروري توضيح العلاقة بين المجاز والخيال.
4. مفارقة الموسيقى الحزينة
باستثناء الحالات المرضية، يميل الناس عادةً إلى تجنب المواقف الحزينة. والموسيقى ليست استثناءً من ذلك؛ فالناس عادةً يفضلون الاستماع إلى الموسيقى السعيدة. ومع ذلك، نحب الموسيقى الحزينة؛ نستمتع بها، ونبحث عنها، ونُقدرها. والمقصود بالموسيقى الحزينة هي الموسيقى التي نُدركها بوصفها تعبير عن الحزن ولها القدرة على إثارة مشاعر الحزن. وتُعتبر الموسيقى الحزينة من أعمق وأجمل التجارب الموسيقية. وغالبًا ما تُعد الموسيقى التي تصور الحزن والأسى مؤثرة لأنها تتناول موضوعات وجودية هامة مثل الموت والحب والروابط الاجتماعية.
ومن اللافت أن الناس يستمعون إلى الموسيقى الحزينة بشكل خاص عندما تنتابهم مشاعر الحزن. إذ تُعد مشاعر الحزن والألم العاطفي من أقوى المؤشرات على تفضيل الاستماع إلى الموسيقى الحزينة. والأمر اللافت أكثر أن الموسيقى الحزينة غالبًا ما تُفاقم شعور الحزن. فلماذا نحب الموسيقى الحزينة؟ ولماذا يسعى الناس إلى الاستماع إلى الموسيقى الحزينة بدلًا من الموسيقى المبهجة، خصوصًا عندما يشعرون بالحزن؟ هل نحن مازوخيون موسيقيًا؟ هذه هي مفارقة الموسيقى الحزينة، إذ تكمن المفارقة في أن تقديرنا للموسيقى الحزينة يتعارض مع نفورنا من الحزن والمثيرات الحزينة في سياق الحياة اليومية.
تجدر الإشارة إلى أن تقدير الموسيقى الحزينة لا يُعد مَرَضيًا. الأشخاص المصابون بالاكتئاب السريري يُظهرون ميلًا قويًا نحو المحفزات الحزينة، بما في ذلك الموسيقى الحزينة. وغالبًا ما يؤدي ذلك إلى اجترار الأفكار أو التفكير الوسواسي في المواقف السلبية، وهو ما يعد خللاَ وظيفيًا. غير أن الميل إلى الموسيقى الحزينة لا يتخذ هذا الشكل في جميع الحالات. فالأشخاص الأصحاء أيضًا ينجذبون إلى الموسيقى الحزينة. بل إن الموسيقى الحزينة تُستخدم كوسيلة لتنظيم الانفعالات، وبالتالي تسهم في تعزيز الشعور بالرفاه النفسي.
مفارقة الموسيقى الحزينة هي مثال على مفارقة الفن السلبي، أي مهمة تفسير تقديرنا للأعمال الفنية والأشكال الفنية التي تُعبر عن عواطف سلبية وتستحثها، مثل التراجيديا والرعب. لكن الموسيقى الحزينة تطرح إشكالات خاصة بها؛ فلا يقتصر استمتاعنا على الأغاني الحزينة، بل نستمتع أيضًا بالموسيقى الخالصة الحزينة. وعلى خلاف التراجيديا والرعب والأغاني، لا تقدم الموسيقى الخالصة سردًا أو نص خيالي. ولهذا السبب، لا تنطبق الحلول البديهية للمفارقات الأخرى، مثل الفكرة القائلة بأن بعض السرديات تساعدنا على عيش أو فهم الأمور المأساوية أو المثيرة للاشمئزاز بسهولة على حالة الموسيقى الخالصة، رغم أنها قد تفسر حبنا للأغاني الحزينة.
ومن المؤكد أن الإشكال لا يظهر إذا كانت الموسيقى الحزينة لا تُثير الحزن، بل تُثير مشاعر مستحسنة مثل عواطف التقدير. مع هذا فقد ناقشنا سابقًا الاعتراضات على هذا الرأي (في القسم 3.4). حيث أفاد الأفراد بشعورهم بالحزن أو الحنين أو السكينة أو الحنان عند الاستماع إلى الموسيقى الحزينة. وقد أشرنا سابقًا أيضًا إلى أن الموسيقى الحزينة تُثير عواطف مشابهة للحزن من حيث الاستجابات الفسيولوجية، والتعبيرات، والنشاط العصبي. حسنًا، لنفترض أن الموسيقى الحزينة تُثير مشاعر الحزن.
ولنُفترض كذلك أن الحزن شعور غير سار؛ أي أنه مؤلم أو سلبي. ومع ذلك، فإن هذا الطابع السلبي يتوافق مع فكرة أن الموسيقى الحزينة قد تكون ممتعة؛ فقد تكون التجربة مزيجًا من الحزن والمتعة، مثل الحنين. ومع هذا، يبدو أن المتعة التي نشعر بها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بوجود الحزن. وإلا لكنا بحثنا عن الموسيقى السعيدة، بما أنها غالبًا ما تُثير متعة نقية. ويبدو إذن أننا نجني فائدة من الشعور بالحزن. لكن، ما هي هذه الفائدة بالضبط؟ لأسباب تتعلق بضيق المجال هنا، سأعرض بإيجاز ثلاثة من أبرز الحلول المقترحة لهذه الإشكالية.
4.1 تنظيم وتطهير الانفعالات
هناك فكرة تقليدية تعود إلى أرسطو تفيد بإن الحزن المثار من الموسيقى يؤدي إلى حالة ذهنية إيجابية لأنه يطهر النفس من بعض المشاعر السلبية وهو ما يُعرف بـ “تطهير الانفعالات Catharsis”. هذه الفكرة تتماشى مع الدراسات التي تناولت دور الموسيقى الحزينة في تنظيم الانفعالات. وعلى المستوى العصبي-البيولوجي، اُقترح أن الموسيقى الحزينة تزيد من مستويات هرمون البرولاكتين (هرمون الحليب). والبرولاكتين هو الهرمون المسؤول عن تحفيز الرضاعة (إنتاج حليب الثدي) وتنظيم استجابات التوتر، ويُفرز أثناء النوم، وبعد الذروة الجنسية، وعند شعور الناس بالحزن، خاصة عند البكاء. كما يرتبط هذا الهرمون بشعور السكينة والراحة والعافية، مثل شعور الراحة الذي يلي نوبة بكاء. هذا البعد العلاجي والجمالي للموسيقى الحزينة يسهم في تسليط الضوء على بعدها المُبهج.
هناك عدة طرق لفهم مفهوم التطهير. أما إذا افترضنا أن تطهير العواطف السلبية يستلزم أن يشعر المستمع فعلًا بتلك العواطف، فإن هذا سيكون تفسيرًا مقيدًا للغاية لحل المفارقة. إذ قد نستمتع بالحزن في الموسيقى حتى من دون أن نكون في حالة حزن حقيقي. أيضًا عندما يستمع الناس إلى الموسيقى الحزينة للتنفيس عن مشاعر سلبية، فإن هذه العملية لا تفضي بالضرورة إلى راحة أو إلى تلاشي الشعور السلبي. فالاستماع إلى الموسيقى الحزينة لا يؤدي بالضرورة إلى حالة من المتعة؛ بل قد يزداد شعور المرء بالاكتئاب بعد قضاء ليلة كاملة في الاستماع إلى الأغاني الحزينة. وحتى عندما يؤدي الاستماع إلى الموسيقى الحزينة إلى إثارة مشاعر إيجابية، فإن تقدير الحزن في الموسيقى يكون مُرضيًا في حد ذاته -قبل الإحساس بالراحة. ومع ذلك، يبدو من المعقول الافتراض بإن الناس يستمعون إلى الموسيقى الحزينة من أجل الشعور بتحسن، سواء نجحوا في ذلك أم لا. غير أن هذا لا يقدم حلاً للمفارقة بل يكتفي بإعادة وصفها. فلماذا يلجأ الناس إلى المشاعر السلبية كوسيلة علاجية؟. يظل هذا أمرًا غامضًا. لماذا يختار الناس أن يشعروا بالحزن في حين توجد وسائل أكثر إيجابية للشعور بتحسن، مثل الموسيقى السعيدة؟ إذًا المفارقة لا تزال قائمة.
4.2 التلذذ بالعواطف
يصف ليفينسون ثمان مكاسب تقدمها الموسيقى الحزينة. وينطلق في طرحه من الفكرة القائلة إن الموسيقى الحزينة لا تُثير مشاعر الحزن الكاملة، بل مجرد إحساس بالحزن. والسبب الرئيسي وراء هذا الادعاء هو أن الإحساس الذي تُثيره الموسيقى الحزينة لا يكون موجّهًا نحو الموسيقى، ولا يتضمن العناصر الإدراكية والسلوكية المميزة للحزن، مثل الاعتقاد بأن شيئًا ذا قيمة قد فُقد، والرغبة في استعادته. فالحزن في الحياة اليومية يشير إلى وجود مشكلة ينبغي حلها، ويشوه نظرتنا إلى المستقبل، ويرتبط بميول سلوكية (كأن يحاول الشخص تصحيح الوضع). أما الإحساس الذي تُثيره الموسيقى الحزينة، ليس على هذا النحو؛ فخلافًا للحزن المعتاد في حياتنا اليومية، تثير الموسيقى الحزينة مشاعر لا تنطوي على أي تداعيات في الحياة الواقعية. ولهذا يكون المستمع حرًا في التركيز على الإحساس نفسه، مما يفتح الطريق أمام ثلاث مكاسب مهمة.
المكسب الأول هو التلذذ بالحزن، كما نتلذذ مثلاً بطعم النبيذ. فرغم أن الحزن شعور غير سار، إلا أننا نقدره لأنه لا يكون مصحوبًا بوطأة الحزن الحقيقية في الحياة. فالمعاناة في الحزن تعود غالبًا إلى عناصره المعرفية والسلوكية، وهي غائبة عن الحزن الذي تُثيره الموسيقى. وهذا بدوره يُتيح للمستمعين فرصة فهم الحزن ذاته (المكسب الثاني)، وتعزيز ثقتهم في قدرتهم على الشعور بمشاعر قوية (المكسب الثالث).
أما بقية المكاسب فتعتمد على الخيال. فالموسيقى تستحث الحزن من خلال الانخراط التخيلي مع شخصية متخيلة (كما أشير في القسم 3.5). وعليه فإن هذا الإحساس يُعد استجابة تعاطفية. وهنا تظهر مكسب التسوية العاطفية؛ فعبر التماهي مع شخصية ما، يتخيل المستمع أنه يشعر بنفس العاطفة أثناء الاستماع المركز مع الموسيقى، مما يولد لديه إحساسًا بالرضا، والتحكم، والتسوية العاطفية. وبفضل هذا التماهي التعاطفي، يشعر المستمع أيضًا وكأنه يُعبر عن مشاعره الخاصة (وهذ هو مكسب القوة التعبيرية). وفي بعض الحالات، قد يشعر المستمع حتى بنوع من الاتصال العاطفي مع الفنان، عندما يُدرك العمل الموسيقي على أنه تعبير عن مشاعر المؤلف أو المؤدي. وهذا هو مكسب التآلف العاطفي.
هذا الطرح غني من حيث المضمون وقد خضع للاختبار التجريبي.
فقد أفاد الأفراد بأنهم يستمعون إلى الموسيقى الحزينة من أجل التعبير عن حزنهم، والتلذذ به، وفهمه، ولتعزيز ثقتهم في قدراتهم العاطفية. وقد لُخصت هذه الدوافع في مكسب يُعرف بـ”انعدام التداعيات في الحياة الواقعية”، والذي ورد ذكره في التقارير أكثر من مفاهيم التطهير العاطفي وتحسين المزاج. وبدرجة أقل، أفاد بعض الناس بأن الموسيقى الحزينة تمنحهم شعورًا بالارتباط بالآخرين وتخفف من إحساسهم بالوحدة (الشقاء يحب الرفقة). ويُعد الانخراط التخيلي أيضًا من أكثر الدوافع ورودًا في التقارير، وإن كان هذا ينطبق على الموسيقى السعيدة أيضًا.
وسأعرض الآن أربعة إشكالات تُبرز التباين بين هذا الطرح والمقاربة الرئيسية الثانية (القسم 4.3). يعتمد مكسب التسوية العاطفية على فكرة أن الموسيقى الحزينة تُفضي إلى الرضا والارتياح. لكن كما لوحظ، فإن الاستماع إلى الموسيقى الحزينة غالبًا لا يؤدي إلى هذه الحالات الإيجابية. فنحن ببساطة لا نشعر بالرضا حين تنتهي القطعة. بل إن بعض القطع الحزينة لا تنتهي نهاية سعيدة أصلاً؛ مثل السيمفونية السادسة لتشايكوفسكي. رغم ذلك، فإننا نقدر هذه الأعمال.
تعتمد مكاسب التسوية العاطفية والتعبير والانخراط الاجتماعي على الفرضية القائلة بأن السياقات الموسيقية -كما هو الحال في سائر الفنون- تتيح للجمهور قدرًا من التحكم. كما أن تقديرنا للموسيقى الحزينة يعتمد جزئيًا على هذا الإحساس بالتحكم، وهو ما يُميزها عن الحزن المعتاد في الحياة اليومية حيث يغيب التحكم أو يظل محدودًا. غير أن ديفيز (المرجع نفسه) يؤكد أن مثل هذا التحكم في السياقات الفنية محدود أيضًا. صحيح أننا قد نختار التوقف عن قراءة رواية أو مغادرة قاعة الحفل، غير أن التفاعل مع الأعمال الفنية يُثير عواطف تتجاوز نطاق سيطرتنا، لأن عواطفنا تتأثر بالعمل الفني. وبالتالي، لا يُعد التحكم هو المفتاح الأساسي لفهم تقديرنا للموسيقى الحزينة.
الأهم من ذلك، وبحسب ليفينسون، فإن الحزن المثار استجابة للموسيقى يبقى شعورًا غير سار، وإن كان بدرجة أقل من الحزن الحقيقي في الحياة اليومية. وهذا الطابع السلبي يثير الإشكالية التالية؛ وهي لماذا قد يرغب الناس في الشعور بالحزن، طالما أن هذا الشعور غير سار؟ ولماذا يرغب الناس في التلذذ بالحزن، ما دام الحزن مؤلمًا بطبيعته؟ وهكذا تبقى المفارقة قائمة.
وأخيرًا، حتى مع الافتراض بأن الموسيقى الحزينة تجلب الفوائد العملية التي أشار إليها ليفينسون، فإن ذلك لا يعالج الإشكالية بالكامل. وفي أحسن الأحوال، قد يُفسر هذا سبب رضوخنا للاستماع إلى الموسيقى الحزينة، كما نرضخ مثلاً لزيارة طبيب الأسنان رغم التجربة المزعجة، لأننا نتوقع فائدة أعظم. غير أننا لا نرضخ للموسيقى الحزينة؛ بل نُقبل عليها بسرور. وهذا يشير إلى أن تقديرنا للموسيقى الحزينة يتجاوز قيمتها العملية أو الوظيفية.
4.3 الفهم الموسيقي
وفقًا لديفيز، فإن الشعور بالحزن هو الثمن الذي نحن على استعداد لدفعه من أجل فهم بعض الأعمال الموسيقية (انظر أيضًا غودمان). فالشعور بالحزن يعتبر وسيلة لفهم الموسيقى الحزينة. والأفراد في العموم يهتمون بالموسيقى لما فيها من متعة التعرف عليها وفهمها. وهذا يساعد هذا في تفسير العديد من التوجهات الموسيقية والتفضيلات لدى الأفراد. يمكن للناس حينئذ أن يستمتعوا بالموسيقى الحزينة حتى وإن جعلتهم يشعرون بالحزن، لأن هذه الاستجابة تتيح لهم فهم العمل الموسيقي. فالعاطفة التي يشعرون بها تكون مستحبة لأنها تُشكل جزءًا من عملية الفهم. ولا يُفسر تقدير هذا الشعور بقيمته النفعية للموسيقى، بل هو جزء لا يتجزأ من فهمها. ففهم الموسيقى يتطلب استجابات إيجابية وسلبية على حد سواء.
إلا أن بعض الباحثين شككوا في هذا الطرح. فليس من الواضح سبب استعدادنا لدفع هذا الثمن -أي الشعور بالحزن- من أجل فهم موسيقي. حيث لا يبدو أن المكاسب المعرفية الناتجة عن فهم العمل الموسيقي تعوض الضيق المصاحب للحزن. إضافة إلى ذلك، لا يقدم هذا التفسير ما يثبت عمق الموسيقى الحزينة، فالمكاسب المعرفية لا توضح لماذا نحب الموسيقى الحزينة إلى هذا الحد. كما أن هذا التفسير يفترض أننا نقدر الإحساس بالحزن فقط لأنه وسيلة لفهم الموسيقى. إلا أن الواقع يشير إلى أننا نُقدر هذا الإحساس لذاته؛ وليس مجرد سعيًا وراء الأهداف الجمالية.
والأهم من ذلك، كما أقر ديفيز، فإن هذا الطرح لا يقدم أي تفسير للمفارقة. فما يزال السؤال قائما حول لماذا نكون على استعداد لاعتناق الحزن من أجل فهم الموسيقى، مع أن هذا الإحساس غير سار؟ ولماذا لا نستمع إلى موسيقى سعيدة ونقدرها بدلًا من ذلك، لا سيما حين نكون في حالة حزن؟
يجادل ديفيز بأن حال الموسيقى لا تختلف عن كثير من الأنشطة المؤلمة أو غير السارة التي نجد فيها متعة. فهذه طبيعننا ببساطة؛ نستمتع بالأنشطة المرعبة والمروعة والصعبة، يتضح ذلك من اهتمامنا بالأخبار، والرياضات العنيفة، وتربية الأبناء، والعلاقات طويلة الأمد، أو حتى لعب الشطرنج. فنحن نستمتع بهذه الأنشطة لذاتها، وليس فقط لنتائجها العملية. بل إن استمتاعنا بهذه الأنشطة مرهون بمقدار المشقة والمعاناة التي تصاحبها. واهتمامنا بفهم الموسيقى الحزينة لا يشكل استثناءً.
قد يكون هذا الطرح صحيحًا، إلا أنه لا يفسر فعليًا سبب جاذبية الموسيقى الحزينة، بل يثير فقط مسألة اهتمامنا بالأشياء غير السارة، وهي مسألة ما زالت محيرة.
أحد الاتجاهات المستقبلية البحثية الواعدة هو أن نأخذ في الحسبان الكم الهائل من الأدبيات التجريبية حول جاذبية الموسيقى الحزينة. فالموسيقى الحزينة ليست محببة من الجميع، وأحيانًا قد يتجنبها البعض. فمن الذي ينجذب إلى الموسيقى الحزينة؟ ومتى ينغمس الناس في حبها؟ يُعد الكشف عن الحالات والسمات الشخصية التي تتنبأ بتقدير الموسيقى الحزينة أمرًا أساسيًا لفهم هذه الظاهرة.
وكما لوحظ، فإن الناس يستمعون إلى الموسيقى الحزينة على وجه الخصوص عندما يشعرون بالحزن، وكذلك عند الإحساس بالوحدة، أو افتقاد شخصٍ ما، أو الحنين إلى الوطن، أو الرغبة في استرجاع الذكريات، أو الحاجة إلى أن يُفهموا، أو طلب المواساة، أو الدخول في حالة تأملية، أو الرغبة في الاسترخاء، أو الشعور بالتعب، أو عند التواصل مع الطبيعة. وتعد الخلافات، والفشل، والإحباط، والموت، ولوعة الحب، والانفصال، من بين المواقف الشائعة التي يلجأ فيها الناس إلى الموسيقى الحزينة.
مع هذا، لسنا جميعًا متساوين في حبنا للموسيقى الحزينة. وتتمثل المحددات الشخصية الرئيسية لحب الموسيقى الحزينة عمومًا في ارتفاع مستوى التعاطف، والقدرة العالية على التخيل والانغماس، والانطواء، والانفتاح على التجارب، والعُصاب (عدم الاستقرار النفسي). كما أن انخفاض الثبات الانفعالي والميل إلى اجترار الأفكار هما من العوامل المهمة التي تنبئ بالميل إلى الموسيقى الحزينة. وفي مرحلة نمو الأطفال، يبدو أن الانجذاب إلى الموسيقى الحزينة يظهر في وقت متأخر نسبيًا، إذ يُظهر الأطفال من سن 3 إلى 8 سنوات نفورًا واضحًا منها. وقد عبر أحد الوالدين عن مفارقة الموسيقى الحزينة بعبارة مؤثرة عن طفله: “في الكنيسة، التراتيل تجعله يشعر بالحزن، ويتساءل لماذا نحتاج إلى أغاني حزينة إلى هذا الحد؟” (المرجع نفسه: ص 461). غير أن الفلاسفة أهملوا هذه الأدلة، على الرغم من أنها تُشكل الأساس النظري لتطوير طرح فلسفي مدروس (انظر).
من المقترحات الفلسفية الواعدة، التركيز على القيمة المعرفية للاستماع إلى الموسيقى الحزينة. فطالما أن الموسيقى الحزينة تُثير مشاعر الحزن، فقد يكون الاستماع إليها وسيلة لاستثمار القيمة المعرفية للحزن؛ مثل تنمية التفكير النقدي العميق، وامتلاك نظرة تحليلية وواقعية، وإعادة تقييم الأهداف. وقد يفسر حبنا للموسيقى الحزينة جزئيًا من خلال اللجوء إلى هذه الفوائد المعرفية.
وأخيرًا، كما أشير سابقًا (في القسم 3.4)، فقد بدأ علماء النفس مؤخرًا بالاهتمام بدور عاطفة التأثر العاطفي -بالإضافة إلى الحزن- في تقديرنا للموسيقى الحزينة، وكذلك في تقديرنا للفن السلبي عمومًا. وينبغي على الفلاسفة أن يُعمقوا النظر في هذا التفسير الجديد لمفارقة الموسيقى الحزينة (انظر).
5. الخاتمة
لقد قدمت هذه الدراسة الموسعة أهم الإشكالات الفلسفية التي تثيرها ظاهرة الاستجابات الوجدانية للموسيقى، وذلك في ضوء التطورات الحديثة في علم الوجدان. وقد كشفت هذه الورقة عن الأهمية البالغة للعواطف الموسيقية في فهم طبيعة العواطف ودورها في الإسهام بتحقيق الحياة الطيبة. وبعد كل مقترح فلسفي رئيسي طرحت المقالة توصيات لمسارات بحثية مستقبلية مستلهَمة من الاتجاهات الحديثة في نظرية العواطف، والموضوعات الراهنة في علم الوجدان، والتقاطعات المثمرة بينهما. وبذلك، تسهم هذه المقالة في ردم الفجوة بين البحوث الفلسفية والتجريبية. وقد آن الأوان لتفاعل أوثق بين هاذان المجالان المعرفيان، بما يدمج بين الصرامة الفلسفية والرؤى المستمدة من الاهتمامات التجريبية والحياة الواقعية.
تتناول فلسفة العواطف الموسيقية قضايا إشكالية أخرى تتجاوز نطاق هذه المقالة، مثل دور التوقعات الموسيقية، ومسألة وجود عواطف خاصة بالموسيقى، وأثر التعرض المتكرر في تكوين الإعجاب وتفضيلات الموسيقى، ودور العواطف في الأحكام الجمالية والأخلاقية، ومسائل متعلقة بالأغاني تحديدًا.
ومع ذلك، أرجو أن يكون هذا العرض الشامل قد بيّن أن علم الوجدان الموسيقي يسير بخطى رائعة ومبشّرة.
الهوامش
[1] علم الوجدان هو حقل متعدد التخصصات يركز على فهم العمليات العاطفية والوجدانية، ويشمل أبحاثًا في مجالات العاطفة وتنظيمها، واضطرابات المزاج، وعلم الأعصاب الوجداني. (المترجم)
[2] كل ما يرد بين معقوفتين [] في المقال هو إضافة توضيحية من المترجم. (المترجم)
[3] نظرية الوكز Nudge theory هي نظرية في علم السلوك تركز على إحداث التغيير وتعديل السلوك وتحفيز الأفراد وتوجيههم إلى اتخاذ قرارات محددة بطريقة غير ملحوظة وغير إجبارية. المصدر. (المترجم)
[4] والسبب أن العاطفة تُثار بطريقة مباشرة وتلقائية، دون الحاجة لمرور المستمع بعملية تقييم معرفي واعية للموسيقى. (المترجم)
[5] الفيزيونومية هي فن التعرف على المزاج والسمات الشخصية من خلال الهيئة الخارجية [ملامح الوجه ولغة الجسد]. (المترجم)
[6] تناول كيفي مصطلح “الموسيقى وحدها” في كتابه “الصوت والمظهر: تأملات في التمثيل الموسيقيSound and Semblance: Reflections on Musical Representation” الصادر عام 1984 والذي يقصد به “الموسيقى المطلقة، أو الموسيقى الخالصة، أو الموسيقى بلا محتوى، أو الموسيقى غير الإشارية، أو الموسيقى دون نص، أو عنوان، أو برنامج، أو أي من العناصر الإضافية غير الموسيقية”. المرجع. (المترجم)
[7] ترى نظرية العواطف المتمايزة أن البشر يشعرون بمجموعة محدودة من العواطف الأساسية، لكل منها سمات بيولوجية وفسيولوجية وسلوكية مميزة. وتفترض هذه النظرية أن هذه العواطف الأساسية، مثل الفرح والحزن والغضب والخوف والاشمئزاز والدهشة، هي عواطف فطرية وعالمية بين مختلف الثقافات. وتفترض أن كل عاطفة ترتبط بتعبيرات وجه محددة، وتغيرات فسيولوجية (مثل معدل ضربات القلب والتنفس)، وميول سلوكية. المصدر. (المترجم)
[8] استجابة تلقائية وغير إرادية يصدرها الجهاز العصبي المركزي عبر جذع الدماغ. (المترجم)
[9] تترجم أحيانًا بالـ التكييف التقييمي. (المترجم)
[10] لحن قصير متكرر في مقطوعة موسيقية، يرتبط بشخص أو شيء أو فكرة معينة. (المترجم)
[11] الذاكرة العرضية أو الذاكرة الأوتوبيوغرافية هي ذاكرة ذات مدى طويل جدا، وتصريحية، تسمح باكتساب واسترجاع أحداث معاشـة شخصيا…هذه الذاكرة تحتـوي علـى ذكريات أحداث خاصة، تقع في الزمن وفي المكان (يوم ولادة طفل، يـوم زفـاف …). المصدر. (المترجم)
[12] موسيقى البرنامج التصويري Program Music: هي الموسيقى التي تهدف إلى سرد قصة، أو وصف مشهد، ولا تتضمن كلمات. قاموس أكسفورد. (المترجم)
[13] الموسيقى غير الإشارية (أو غير التمثيلية) Non-Representational Music: هي موسيقى خالصة لا تهدف إلى تمثيل فكرة، أو قصة، أو مشهد، أو شخصية وهي عكس موسيقى البرنامج التصويري. (المترجم)
[14] الالتزام بمبادئ علم النفس المعرفي، خاصة التي تتعارض مع مبادئ السلوكية. (المترجم)
[15] يشير التكافؤ إلى درجة المتعة أو عدم المتعة في المثير، ويتراوح بين السلبي والإيجابي، بينما تشير الإستثارة إلى شدة المثير، وتتدرّج من منخفضة إلى عالية. على سبيل المثال، يُعد كل من الغضب والحزن سلبيين من حيث التكافؤ، لكن الغضب يتميز باستثارة عالية، في حين يتسم الحزن باستثارة منخفضة. (المترجم)
[16] قياس الخلف أو برهان بنقض النقيض Reductio ad absurdum: برهنة القضية بإثبات فساد نقيضها. (المترجم)
[17] العواطف العصية أو المتمردة: هي تلك المشاعر التي تتعارض مع أحكامنا التقييمية. على سبيل المثال، قد يخاف المرء من الطيران، حتى مع إصراره على أنه لا يعتقد بخطورته. (المترجم)
[18] جازيرسايز (Jazzercise): برنامج لياقي يجمع بين الرقص وتمارين القلب (الكارديو) وتقوية العضلات، ويشمل أيضًا تقنيات من البيلاتس، الهيب هوب، اليوغا، والكيك بوكسينغ. (المترجم)
اكتشاف المزيد من مجلة حكمة
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.