مجلة حكمة
أخلاقيات الأعمال business ethics

أخلاقيات الأعمال – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: إبراهيم الحجي، مراجعة: عبد الله البريدي


مدخل حول تنوع أخلاقيات الأعمال (Business ethics)، والمسؤولية الأخلاقيات على الشركات مع المستهلكين والموظفين؛ نص مترجم للـد. جيفري مورايرتي، ومنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


تعدُّ الأعمال التجارية كياناتٍ منظمةً وإنتاجية بغرض بيع السلع والخدمات، وعادةً ما يكون ذلك بهدف الربح. ويمكن تصنيف الكيان (سواء كان فردًا أو منظمة) كنشاط تجاري عندما يوفر سلعة أو يقدم خدمة لكيان آخر نظير حصوله على مقابل ذي قيمة. ولهذا، يمكن تعريف أخلاقيات الأعمال على أنها دراسة الأبعاد الأخلاقية لتلك الكيانات الإنتاجية والأنشطة التجارية، بما يشمل إجراء تحليل أخلاقي لطريقة الإنتاج والتوزيع والتسويق والبيع والاستهلاك. 

إنّ التساؤلات المطروحة حول أخلاقيات الأعمال غاية في الأهمية، ذلك أن أغلبنا يمارس أعمالاً تجارية بشكل يومي. علاوةً على ذلك، يقضي الكثير منا جزءًا كبيرًا من حياتهم في ممارسة نشاط إنتاجي أو في الاستعداد لممارسته، سواءً كان ذلك بشكل مستقل أو كجزء من المنظمات التجارية. ومن هنا، يسعنا القول بأن الأنشطة التجارية تسهم بشكل كبير في تشكيل عالمنا الذي نعيش فيه، تارة في الخير وتارة في الشر.

إنّ أخلاقيات الأعمال حقل ضخم، وقد نقَّبت الفلسفةُ في المسألة الأخلاقية منذ القدم وحتى عصرنا الحالي، فقد دافع الفلاسفة منذ أرسطو وحتى راولز عن مواقفهم بشأن عدد من الموضوعات التي يمكن تصنيفها كجزء من أخلاقيات الأعمال. يوجد حاليًا ما لا يقل عن خمس مجلات متخصصة في هذا المجال (Business Ethics Quarterly، Business Ethics: A European Review، Business & Society، Business & Society Review، Journal of Business Ethics)، كما أن الحديث عن أخلاقيات الأعمال يظهر جليًا في الفلسفة المعاصرة ومجلات العلوم الاجتماعية.  

يلخص هذا المدخل أهم الأبحاث حول الأسئلة الجوهرية في مجال أخلاقيات الأعمال، لاسيما: لمصلحة من يجب أن تُدار الشركات؟ ومن يديرها؟ وما هي واجبات الشركات تجاه موظفيها والعكس؟ وما هي القواعد الأخلاقية التي يجب أن تحكم علاقة الشركات مع عملائها؟ وهل يجب على الشركات أن تحاول حل المشكلات الاجتماعية؟ وما هي المسؤولية التي تقع على عاتق الشركات تجاه سلوك الموردين؟ وما هو الدور الذي يجب أن تلعبه تلك الشركات في العملية السياسية؟ ونظراً لاتساع المجال، فإن بعض مسائل أخلاقيات الأعمال لا تناقش هنا.

 

  1. تنوع أخلاقيات الأعمال.

  2. المسؤولية الأخلاقية للشركات.

  3. غايات حوكمة الشركات ووسائلها:

    • 3.1 غايات الحوكمة: أولوية المساهمين أو المساواة بين أصحاب المصلحة؟

    • 3.2 وسائل الحوكمة: سيطرة المساهمين أم إشراك آخرين؟

  4. الأطر السائدة في أخلاقيات الأعمال.

  5. الشركات والمستهلكون:

    • 5.1 ما يجب أن يُباع؟

    • 5.2 سلامة المنتَج والمسؤولية عنه.

    • 5.3 الدعاية.

    • 5.4 البيع والتفاوض.

    • 5.5. التسعير.

  6. الشركات والموظفون:

    • 6.1 التوظيف والتسريح.

    • 6.2 الأجور.

    • 6.3 العمل الهادف.

    • 6.4 الإبلاغ عن المخالفات.

  7. الشركات في المجتمع.

    • 7.1 المسؤولية الاجتماعية للشركات.

    • 7.2 الشركات، والحكومات وتسييس المسؤولية الاجتماعية.

    • 7.3 الأعمال التجارية الدولية.

  8. مكانة أخلاقيات الأعمال.

  • المراجع.

  • الأدوات الأكاديمية.

  • المصادر الإلكترونية الأخرى.

  • مداخل ذات صلة.


 

 

 

1- تنوع أخلاقيات الأعمال

إن الكثير من الأفراد الذين يمارسون أنشطة تجارية هم مهنيون بالأساس، بما في ذلك المحامون والمحاسبون، لذا فهم ملزمون بقواعد السلوك الصادرة عن الجمعيات المهنية والاتحادات العمالية. كما أن الكثير من الشركات تمتلك قواعد سلوك مفصلة، يعمل على صياغتها وتنفيذها الموظفون المسؤولون عن الامتثال للحوكمة. بالتالي، يمكن تعريف أخلاقيات الأعمال على أنها دراسة للممارسات المهنية، ما يعني دراسة محتوى قواعد السلوك وعملية تطويرها وإدارتها ومدى فعاليتها في توجيه تصرفات الأفراد الذين يمارسون نشاطًا تجاريًا. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا المدخل لن يتناول هذا الشكل من أخلاقيات الأعمال وإنما سيتناولها باعتبارها تخصصًا أكاديميًا.

يركز العلماء الاجتماعيون وأصحاب النظريات المعيارية Normative على دراسة أخلاقيات الأعمال بوصفه تخصصاً أكاديمياً، وهو ما ينعكس على حضور المؤتمرات الأكاديمية المقامة حول أخلاقيات الأعمال، وكذلك على أنواع المقالات التي تُنشر في المجلات المتخصصة. ويشكَّل العلماء الاجتماعيون راهناً الشريحة الأكبر في هذا المجال، كما أن نهجهم في دراسة أخلاقيات الأعمال يتمحور حول الجانب الوصفي، سعيًا منهم للإجابة عن أسئلة مثل: هل يسهم الأداء الاجتماعي للشركات في تحسين أدائها المالي؟ بعبارة أخرى، هل الأخلاقيات مربحة ماليًّا؟ وهل تتعاظم أرباح المنظمات الملتزمة بالمسؤوليات الاجتماعية والأخلاقية؟ (Margolis & Walsh 2003؛ Orlitzky، Schmidt، Rynes 2003) ولماذا ينزلق الناس في السلوكيات غير الأخلاقية؟ (Bazerman & Tenbrunsel 2011؛ Werhane et al. 2013)، لكني لن أتطرق في هذه المقالة إلى مثل تلك الأسئلة، بل سأركز في هذا المدخل على الأسئلة المتعلقة بالأخلاقيات المعيارية للأعمال التجارية. ولعلَّ السؤال الأهم هنا والذي تدور حوله باقي الأسئلة يتمثل في: ما هو الأخلاقي وغير الأخلاقي في مجال الأعمال؟

عند الحديث عن أخلاقيات الأعمال من الناحية المعيارية فقط، نجد أنها -أسوة بالعديد من مجالات الأخلاقيات التطبيقية الأخرى- مستمدة من تخصصات متنوعة تشمل: علم الأخلاق والفلسفة السياسية والاقتصاد وعلم النفس والقانون والسياسة العامة، ويعزى ذلك إلى تنوع الوسائل العلاجية للسلوكيات غير الأخلاقية في مجال الأعمال، إذ يمكن أن تتخذ أشكالًا مختلفة بدءًا من النصائح الموجهة للأفراد لتغيير سلوكهم وانتهاءً بوضع قوانين وسياسات وتشريعات جديدة. إن ممارسة أخلاقيات الأعمال بشكل جيد تستلزم أن يكون لديك دراية كافية بالنتائج التي توصلت إليها تلك التخصصات، أو أن تدرك على الأقل الثغرات الموجودة في المهارات المعرفية للفرد.

يميل علماء الأخلاقيات المعيارية بخصوص الأعمال التجارية إلى وضع افتراضات معينة حول الأطر الاقتصادية، أولها وجود إمكانية لتملك وسائل الإنتاج بوصفها ملكية خاصة. ويكمن الافتراض الثاني في أن الأسواق- التي تتميز بالتبادلات الطوعية بين البائع والمشتري وفقًا لتسعيرة محددة -يجب أن تؤدِّي دورًا مهمًا في تخصيص الموارد. إن من ينكرون مثل تلك الافتراضات سيرون أن بعض النقاشات حول أخلاقيات الأعمال مضللة (مثل النقاشات حول ملكية الشركات والتحكم بها، أو حول الدعاية).

تمارس بعض المنظمات “أعمالًا تجارية” – أي توفر سلعة أو تقدم خدمة نظير الحصول على مقابل ذي قيمة – بهدف تحقيق الربح مثل شركتي وول مارت وميرك، في حين أن بعض المنظمات الأخرى لا تستهدف ذلك مثل جامعة برينستون ومتحف متروبوليتان للفنون. ويهتم علماء أخلاقيات الأعمال أحيانًا بأنشطة المنظمات غير الربحية، بيد أنهم يركزون أكثر على المنظمات الربحية. في الواقع، قد ينظر معظم الناس إلى الشركات على أنها منظمات ربحية.

 

2- الوكالة الأخلاقية للشركات

إن إحدى طرق التفكير لفهم أخلاقيات الأعمال تتمثل في معرفة الالتزامات الأخلاقية التي تقع على عاتق الوكلاء المنخرطين في الأنشطة التجارية. ولكن، من هو الوكيل الأخلاقي؟ إنهم الأفراد بكل تأكيد. ولكن ماذا عن الشركات؟ بمعنى؛ هل نقول “الوكالة الأخلاقية للشركات” أو “المسؤولية الأخلاقية للشركات”؟ تجدر الإشارة إلى إن كلمة “شركات” الواردة هنا لا يُقصد بها الشركة ككيان قانوني، وإنما تشير إلى الشركة ككيان مكون من مجموعة من الأفراد. والسؤال بعبارة أدق، هل تُعد الشركات وكلاء أخلاقيين ومسؤولة أخلاقيًا “بصفتها” منظمات لها كيانها المستقل، وليس بوصفها تجميعاً لموظفي الشركات؟

إذا ما طالعنا الدراسات السابقة التي تناولت هذه القضية، نجد أن فرينش (French) يعدُّ من أوائل المفكرين الذين تطرقوا إلى هذه المسألة وقد ناقشها عبر دراساته (1979 – 1984) حينما جادل بأنَّ الالتزامات الأخلاقية تقع مسؤوليتها على الشركات، وبالتالي ينظر إليهم على أنهم أشخاص أخلاقيون “كاملو الأهلية”. وقد خلص إلى هذا الاستنتاج بناءً على إدعاءه بأن للشركات هياكلها الداخلية لاتخاذ القرار، من خلالها: (1) تتسبب في وقوع الأحداث (2) والتصرف عن عمد. وقد قَبِلت بعضُ الردود المبكرة ادعاء فرينش (French) بأن الشركات وكلاء أخلاقيون، ولكنها رفضت إدعاءه بأنها أشخاص أخلاقيون. ويرى دونالدسون ( Donaldson 1982) أنه من غير الممكن اعتبار الشركات أشخاصاً؛ لأنها تفتقر إلى المقومات البشرية المهمة مثل قدرة السعي نحو تحقيق سعادتهم  (انظر:  Werhane 1985). كما رفضت دراسات أخرى إدعاء أن الشركات وكلاء أخلاقيون، حيث قال فيلاسكيز (1983) إن الشركات لا تملك القدرة على التصرف، وهو الشرط اللازم لجعلها قادرة على تحمل مسؤولياتها (انظر: أيضًا عام 2003). علاوة على ذلك، فقد تراجع فرينش نفسه في عام (1995) عن إدعاءه بأنّ الشركات تعبر عن أشخاصًا أخلاقيين، إلّا أنّه أصر على أنهم وكلاء أخلاقيون.

على الرغم من أن النقاشات حول الوكالة الأخلاقية للشركات والمسؤولية الأخلاقية قد تقلصت إلى حد كبير في الدراسات الأكاديمية حيال أخلاقيات الأعمال (اعتباراً من عام 2016)، فإنها ما زالت تحظى باهتمام في الدراسات الفلسفية السائدة، حيث تعالج بدرجة عالية من التعقيد. وتركز هذه الدراسة بشكل عام على الجماعات، والشركة هنا تلعب دوراً كمثال عن الجماعة. وكما هو في أدبيات أخلاقيات الأعمال، يتمحور السؤال الأساسي المطروح في الاتجاه السائد في الأدبيات الفلسفية حول: ما هي شروط الوكالة والمسؤولية الأخلاقية التي يجب توافرها في الجماعات بوصفها جماعات، بما في ذلك الشركات؟ يعتقد عددٌ من الباحثين، من ضمنهم  (Copp ,2006) و (Hess, 2014) و (List & Pettit ,2011)، إمكانية اعتبار الشركات وكلاء أخلاقيين . ويستند أصحاب هذا الرأي إلى حجة قوية وبديهية، تتمثل في أننا نقول: “تُعامل شركة كوستكو موظفيها بشكل لائق”، أو “لوثت شركة النفط البريطانية خليج المكسيك” وهو ما يبدو أننا نسند الوكالة والمسؤولية إلى الشركات نفسها. وعلى الجانب الآخر، يرفض آخرون أن تكون الشركات وكلاء أخلاقيين ، مثلGilbert (1989), S. Miller (2006) and Rönnegard (2015)). الإدعاء المقدم في هذا الجانب هو أن الوكالة تتطلب النية، وهو أمر غير متحقق في الشركات (S. Miller 2006). قد تكون الطريقة العامة للحديث حول الوكالة والمسؤولية للمنظمات مجازية أو مختصرة للإشارة إلى الوكالة أو المسؤولية للأفراد داخل تلك المنظمات (لمزيد النقاشات حول هذه القضايا، انظر إلى المداخل: المسؤولية الجماعية، القصدية الجماعية، الوكالة المشتركة).

وعلى الرغم من أن السؤال السابق يحظى باهتمام من الناحية النظرية، فإن أهميته العملية غير واضحة. ربما تكون شركة النفط البريطانية مسؤولة أخلاقيًّا عن تلوث خليج المكسيك، وربما يكون بعض العاملين بها هم المسؤولون عن ذلك التلوث، فماذا يترتب على ذلك؟ يجيب جون هاسناس (Hasnas 2012) أن الأثر قليل جداً، إذ يمكن من الناحية القانونية مطالبة شركة النفط البريطانية بدفع تعويضات عن الأضرار التي تُسببها حتى لو لم تكن الشركة مسؤولة أخلاقيًّا عن تلك الأضرار. ووفقًا لوجهة نظر جون، فإن إسناد الوكالة والمسؤولية الأخلاقية إلى الشركة يسمح لنا بإيقاع اللوم عليها ومعاقبتها، لكنه يرى في الوقت نفسه أنه لا ينبغي أن ننخرط في هذه الممارسة. وعلى النقيض من ذلك، يرى فيليبس (Phillips 1995) أنّه في بعض الحالات لا يتحمل الموظف في الشركة مسؤولية الأضرار التي تُحدثها الشركة ، مما يجعل من المنطقي – وهو ما يجري غالباً بحسب ما يعتقده – إسناد مسؤولية الأضرار إلى الشركة ذاتها. وبناءً على وجهة نظر فيليبس، فإن الوكالة الأخلاقية للشركات تجعل من الممكن إلقاء اللوم على السلوك، وإلا لتعذر فعل ذلك. وحيث أن سمعة الشركة تُعد من ضمن أصولها والتزاماتها المهمة (Roberts & Dowling 2002)، فإنه سيشكل حافزًا للشركات لبذل العناية الواجبة في عملياتها (انظر أيضًا Rönnegard 2015).

 

3- غايات حوكمة الشركات ووسائلها

يدور نقاشٌ واسع حول غايات حوكمة الشركات ووسائل تطبيقها، إذ تُطرح أسئلة مثل: لمصلحة منْ يجب أن تُدار الشركات؟ ومن الذي يجب (في نهاية المطاف) أن يديرها؟ يجري كثير من هذه النقاشات مع الشركات الكبرى المتداولة في البورصة.

 

3-1 غايات الحوكمة: أولوية المساهمين أو المساواة بين أصحاب المصلحة؟

ثمة رأيان رئيسان حول الغايات من حوكمة الشركات، ويتمثل الرأي الأول في أنه تتوجب إدارة الشركات بما يحقق أفضل مصلحة للمساهمين، مفترضين بأن هذه الطريقة تستلزم عادة تعظيم ثروة المساهمين، وهو ما يطلق عليه “أولوية المساهمين” (Stout 2002)، أو ما يُسمى “نظرية المساهمين” ليكون الاسم على النقيض تمامًا من الرأي الآخر الذي سنتحدث عنه لاحقًا. (ويُستخدم مفهوم “أولوية المساهمين” في بعض الأحيان (Bainbridge 2008) للإشارة إلى الرأي القائل بأن المساهمين يجب أن يكونوا أصحاب السيطرة المطلقة على الشركة، وهو ما قد يؤدي أحيانًا إلى بعض اللبس). ويعدُّ مفهوم أولوية المساهمين الرأي السائد في أوساط الخبراء الماليين وكليات الأعمال حول الغاية من حوكمة الشركات.

ويناقش عدد قليل من الباحثين مفهوم أولوية المساهمين على أساس أخلاقي، وعبر هذا المنظور فإن المساهمين يملكون الشركة، ويعينون من يديرها نيابة عنهم بشرط أن تُدار الشركة وفق مصالحهم. وبالتالي، فإن أولوية المساهمين مبنية على الوعود التي يقدمها مديرو الشركات للمساهمين (Friedman 1970; Hasnas 1998). وبالمقابل يرى آخرون بأنّ المساهمين لا يمتلكون الشركة إنّما يملكون “السهم” الذي يعدّ عنصرًا من عناصر استقرار الشركة وتأمينها (Bainbridge 2008; Stout 2002) ولذا قد تكون الشركة نفسها غير مملوكة لأحد (Strudler 2017). وعلى صعيد آخر، يعتقد البعض بأنّ المديرين لا يقدمون أي وعود للمساهمين، سواء بصورة صريحة أو ضمنية، بشأن إدارة الشركات بطريقة معينة (Boatright 1994). كما يناقش الكثير من الباحثين مفهوم أولوية المساهمين بناء على أسس العواقبيين onsequentialist ، إذ يرون أن طريقة إدارة الشركات بما يخدم مصلحة المساهمين تعدّ أكثرَ كفاءة من أي طريقة أخرى (Hansmann & Kraakman 2001; Jensen 2002)، ولإثبات وجهة نظرهم يقولون بأنّه في حال لم يعط المديرين هدفاً واضحاً وقابلاً للقياس، مثل تعظيم القيمة للمساهمين، ستكون لديهم الفرصة معززة لتحقيق منافع شخصية (Stout 2002). إلّا أنّ حجج العواقبيين حيال مفهوم أولوية المساهمين تواجه بعض المشكلات وعلى مختلف صيغ العواقبية Consequentialism ، إذ إن مطالبة جميع الشركات باتباع طريقة موحدة في الإدارة لن يسمح بوجود مساحة كافية للاختيارات الشخصية (Hussain 2012)، ويعتقد الغالبية بضرورة أن يكون الناس قادرين على الاستمرار في متابعة المشاريع التي تهمهم، بما فيها المشاريع الاقتصادية، حتى لو كانت تلك المشاريع لا تعظم الرفاهية.

في الضفة الأخرى، فإن الرأي الثاني حول الغايات من حوكمة الشركات يُعرف باسم نظرية أصحاب المصلحة، وقد ظهرت هذه النظرية لأول مرة في ثمانينيات القرن الماضي على يد المفكر فريمان (Freeman 1984؛ Freeman & Reed 1983)، الذي استمر بعدها لمدة ثلاثين عامًا في تطوير النظرية وتحسينها مع العديد من المتعاونين (Freeman et al. 2010; Jones, Wicks, & Freeman 2002)، ووفقًا لنظرية أصحاب المصلحة – أو الصيغ الأولية منها – يجب على مديري الشركات السعي إلى “توازن” بين مصالح جميع أصحاب المصلحة ، بدلًا من إدارة الشركة لمصلحة المساهمين فقط. ويُقصد بصاحب المصلحة أي شخص لديه “حصة” أو مصلحة (بما في ذلك المصلحة المالية) في الشركة.

 بدت هذه النظرية في أعين النقاد مبهمة وضعيفة الحجة. فمن ناحية كونها مبهمة، طرح النقاد سؤالًا مُلحًا، ألا وهو: من هم أصحاب المصلحة (Orts & Strudler 2002، 2009)؟. وقد اقتصرت إجابة أتباع هذه النظرية على ذكر المجموعات الأكثر شيوعاً، وهم المساهمون والموظفون والمجتمع والموردون والعملاء، وذلك على الرغم من وجود أطراف أخرى لها مصلحة في الشركة لكن لم تشملهم الإجابة، مثل الدائنون والحكومة والمنافسون.  بالتالي، لم تقدم هذه النظرية أساسًا منطقيًا يوضح الفارق الذي تم على أساسه اختيار أحد الأطراف كصاحب مصلحة واستبعاد الآخر. ليس ذلك فحسب؛ بل ثمة سؤال آخر يتمثل في: ما المقصود بـ “التوازن” بين مصالح جميع أصحاب المصلحة- بخلاف معنى عدم منح الأولوية لمصالح المساهمين (Orts & Strudler 2009)؟ وفيما يتعلق بمسألة ضعف الحجة، يتساءل النقاد عن المبرر المنطقي لأن تدار الشركات بهدف تحقيق مصالح جميع الأطراف. وتكمن الحجة الأساسية التي قدمها فريمان (Freeman 1984) في أن المساواة بين جميع أصحاب المصلحة يمثل فائدة استراتيجية للشركة وأفضل لها من زيادة ثروات المساهمين فقط (وهذا بالضبط ما يقوله أصحاب أولوية المساهمين للدفاع عن وجهة نظرهم)، وفي رأي آخر، يقدم فريدمان الحجة التي تناشد عدالة جون رولز. (Evan & Freeman 1988; cf. Child & Marcoux 1999).

وقد أثيرت في السنوات الأخيرة تساؤلاتُ كثيرة حول نظرية أصحاب المصلحة، حتى أنّ البعض لم يعدها منافسًا حقيقيًا لنظرية أولوية المساهمين، أو يجادلون في استحقاقيتها لاسم “نظرية”. بالمقابل، ذكر فريمان (Freeman) والمتعاونين أنّ نظرية أصحاب المصلحة هي ببساطة “مجموعة من الأبحاث التي يلعب فيها مفهوم أصحاب المصلحة دورًا حاسمًا” (Jones et al. 2002). وفي مكان آخر، وصف فريمان نظرية أصحاب المصلحة على أنها “نوع من السرد لكيفية العيش” (1994: 413)، فيما قال نورمان (Norman 2013) أنه من الأفضل حاليًا اعتبار نظرية أصحاب المصلحة “عقلية”، بمعنى أنها طريقة للنظر إلى الشركة والتي تؤكد على ترسّخها في شبكة ممتدة وعميقة من العلاقات.

من المهم أن ندرك أنّ حل الجدل الدائر بين منظري أصحاب الأسهم وأصحاب المصلحة (بالرغم من تصورنا الأخير)  لن يجيب على كل أو معظم التساؤلات الأخلاقية في مجال الأعمال، وذلك لأن النقاش حول غايات حوكمة الشركات لا يمكن أن يقدم أجوبة شافية لجميع الأسئلة المتعلقة بالقيود الأخلاقية التي ينبغي مراعاتها أثناء تحقيق تلك الغايات (Goodpaster 1991؛ Norman 2013). كما لا يمكن إيجاد تفسير مقبول لنظرية “أولوية المساهمين” أو “أصحاب المصلحة” يفيد بأنه يجب على مديري الشركات فعل كل ما يمكن لتعظيم ثروات المساهمين وتحقيق توازن بين جميع أصحاب المصلحة، على التوالي. بدلًا من ذلك، يجب تفسير هاتين النظريتين على أنهما وجهتا نظر مفادهما أنه ينبغي على المديرين فعل كل ما هو مسموح به أخلاقيًا لتحقيق تلك الغايات. لذا فإن جزءًا كبيرًا من أخلاقيات الأعمال يهدف إلى تحديد الأمور المسموح بها أخلاقيًا في هذا المجال.

 

3-2 وسائل الحوكمة: سيطرة المساهمين أم إشراك آخرين؟

في كثير من الأحيان تمثل الإجابات عن الأسئلة المتعلقة بوسائل حوكمة الشركات انعكاسًا لإجابات الأسئلة المتعلقة بغايات الحوكمة، فيحيل كل جواب منهما إلى الآخر. وغالبًا ما يكون أنجع طريق لضمان إدارة الشركة لصالح طرف بعينه، هو تمكين ذلك الطرف من التحكم بها والسيطرة عليها. وبالمقابل، فإنّ التبريرات التي تفسر السبب في وجوب إدارة الشركة لصالح طرف بعينه، تطالب أحيانًا بحق ذلك الطرف في السيطرة على الشركة.

ولذلك يعتقد فريدمان (Friedman 1970) أن تملُّك المساهمين للشركة يمنحهم الحق في التحكم بها والسيطرة عليها (ويمكنهم استغلال ذلك لضمان أن الشركة تدار لخدمة مصالحهم). وقد تبدو هذه النظرة منطقية إذا ما أخذت من جانب مفهوم الملكية، فتملُّك الشيء يعني بالضرورة امتلاك مجموعة من الحقوق ومنها السيطرة والتحكم بـ “حوادث” ذلك الشيء.

وقد لوحظ في السنوات الأخيرة الطعن في فكرة أن الشركة شيء يمكن تملُّكه (Bainbridge 2008؛ Strudler 2017)، على الرغم من ذلك، فقد ظهرت الحجج التعاقدية والمؤيدة لحق المساهمين في السيطرة على الشركات دون أن تعتمد تلك الحجج على فرضية ملكية الشركة. وتنص تلك الحجج على أن هناك بعض الأفراد يملكون رأس المال، في حين يملك آخرون العمل. بالتالي، يمكن لرأس المال “توظيف” العمل (وغيرها من عوامل الإنتاج) وفقًا للشروط التي يحددونها، أو يمكن للعمل “توظيف” رأس المال وفقًا للشروط التي يحددونها، ويكون المجتمع هو المسؤول عن وضع حدود لتلك الشروط. ما يحدث في معظم الحالات هي أن رأس المال يوظف العمل. إن الذين يعتبرون الشركة “سلسلة مترابطة من العقود” المبرمة بين مختلف الأطراف هم أكثر من يركز على تأكيد النقاط السابقة. (Easterbrook & Fischel 1996؛ Jensen & Meckling 1976).

ويرى عددٌ من المفكرين أن تلك النتيجة مثيرة للقلق، فحتى لو اتفق على هيكل الحوكمة في معظم الشركات بشكل ما، فإنها ستكون مجحفة من جوانب أخرى. ويصف أندرسون Anderson (2015) الأنظمة القياسية لحوكمة الشركات بأنّها أنظمة قمعية تعبر عن دكتاتوريات خاصّة غير خاضعة للمساءلة. ويدعو هؤلاء المفكرون إلى رفع هذا الظلم من خلال تبني الشركات لأشكال مختلفة من عمليات إشراك العمال في صنع القرارات الإدارية، بما في ذلك تمكين العمال من رفض توجيهات المديرين التعسفية (Hsieh 2005) وكذلك إشراكهم في وضع سياسات الشركة وممارساتها (Brenkert 1992a; McCall 2001; McMahon 1994)، وتحكم العمال وحدهم في المشاريع الإنتاجية (Dahl 1985).

توجد أربعة أشكال مختلفة من الحجج المدافعة عن هياكل حوكمة الشركات التي تُشرك العمال في صنع القرارات الإدارية، يتمثل أولها في التيار المنادي بأهمية حماية مصالح العمال (Brenkert 1992a؛ Hsieh 2005)، أما الشكل الثاني فيعبر عنه التيار المنادي بأهمية الاستقلالية أو حق الفرد في اختيار أفعاله بحرية حتى داخل عمله (McCall 2001). ويستعمل التيار الثالث حجة “الحالة المماثلة”، فكما أن الدول يجب أن تُحكم بأسلوب ديموقراطي، فالأمر نفسه ينطبق على الشركات نظرًا لأن الشركات تشبه الدول من عدة جوانب (Dahl 1985؛ Walzer 1983)، في حين يرى التيار الرابع أن إشراك الموظفين في عملية صنع قرارات الشركة يمثل تدريبًا مهمًا بل وضروريًا لهم على المشاركة في العمليات السياسية في المجتمع الأوسع (Cohen 1989).

وعلى الرغم من وجود بعض الاعتبارات التي تمنع إجراء دراسة تفصيلية لتلك الحجج، فإن الانتقادات الموجهة إليها تندرج عمومًا تحت محورين، حيث يصر القسم الأول من النقاد على الأولوية التشريعية للعقود المتبادلة بين الشركات والموظفين، نظرًا لوجود بعض القيود القانونية المفروضة على أنواع الهياكل الإدارية التي يمكن أن تتبناها الشركات. علاوة على ذلك، توجد بعض الشركات التي يتحكم بها الموظفون فعليًا (Dow 2003; Hansmann 1996). ووفقًا لأصحاب هذا النقد، فإن إلزام الشركات بمثل هذه الهياكل يعني أنه لا ينبغي السماح للناس بتنظيم حياتهم الاقتصادية على النحو الذي يرونه مناسبًا.

ويتمثل الانتقاد الثاني في أن السماح للعاملين بالمشاركة في صنع القرارات الإدارية قد يخفض مستوى الفعالية ويقلل من سرعة اتخاذ القرار، لأن تلك المشاركة تتطلب منح الكثير من الموظفين الفرصة للتعبير عن آرائهم (Hansmann 1996). كما أن هذا الأمر قد يؤدي إلى زيادة تكلفة رأس المال للشركات، نظرًا لأن المستثمرين قد يطلبون وضع شروط معينة لصالحهم في حال عدم منحهم الحق في إدارة الشركة (McMahon 1994) بالتالي، فإن أوجه الضعف تلك ستؤدي إلى جعل الشركة في وضع تنافسي ضعيف، وقد لا تكون هذه هي الإشكالية الوحيدة، فلو اقتصر الأمر عليها لأمكن حلها بجعل الشركات تحت سيطرة العمال، لكن الإشكالية الحقيقية هي انخفاض الإنتاجية بشكل عام.

 

4- الأطر السائدة في أخلاقيات الأعمال

يسعى علماء أخلاقيات الأعمال إلى فهم المعالم الأخلاقية للنشاط التجاري ووضع المبادئ الصحيحة لممارسته. تتمثل إحدى طرق تطوير هذا المشروع في اختيار إطار معياري واستنباط آثاره على مجموعة من القضايا في مجال الأعمال.

تعد أخلاقيات الفضيلة أحد النهج المؤثرة التي تستند إليها أخلاقيات الأعمال وتتأثر بها (انظر: Alzola 2012؛ Sison & Fontrodona 2012) وقد سعى مور Moore في عدد من دراساته (Beadle & Moore 2006؛ G. Moore 2005) إلى تطوير مفهوم أخلاقيات الفضيلة لماكنتاير (1984,MacIntyre) وتطبيقه في مجال الأعمال. ووفقًا لرؤية ماكنتاير، فإن ثمة منافع أخلاقية معينة داخلة في الممارسات، كما توجد فضائل أخلاقية معينة ضرورية لتحقيق تلك المنافع. واستنادًا إلى رؤية ماكنتاير، طوَّر مورُ فكرة أن الأعمال التجارية هي عبارة عن ممارسات، ومن ثم فإنها تتضمن منافع أخلاقية معينة يتطلب تحقيقها غرس أخلاقيات الأعمال. كما استلهم العلماء هذا الطرح من الفكرة الأرسطية القائلة بأنّ الحياة الفاضلة تتحقق في المجتمعات. لقد فكر العلماء في كيفية هيكلة مجتمعات الأعمال لمساعدة أفرادها على النجاح والإزدهار (Hartman 2015; Solomon 1993).

كما تُعد النظرية الأخلاقية لإيمانويل كانط من ضمن النهج الأخرى المهمة لدراسة أخلاقيات الأعمال (D.G. Arnold & Bowie 2003; Bowie 1999). ويرى كانط أنّه يجب التعامل دائمًا مع الإنسانية على أنها غاية وليست وسيلة، وقد ثبت أن هذه الرؤية مفيدة ومثمرة لاسيما لقراءة وتحليل التفاعلات الإنسانية في سياقات الأنشطة والمعاملات التجارية. في الأسواق التنافسية، قد يميل الناس إلى خداع أو غش أو تلاعب بالآخرين لمجرد الحصول على ميزة. تصنف النظرية الأخلاقية الكانطية تلك الأفعال على أنها انتهاك لكرامة الإنسان (Smith & Dubbink 2011).

تكمن أهمية النظرية الأخلاقية، التي تتضمن نظرية الفضيلة وكذلك الأخلاقيات الكانطية، في أنها مفيدة للتفكير بالكيفية التي ينبغي أن يتعامل بها الأفراد مع بعضهم البعض في سياق الأعمال التجارية (cf. Rorty 2006). وعلى الرغم من ذلك، فإن أخلاقيات الأعمال تتفهم أيضًا القوانين والتشريعات التي تنظم الأسواق والمنظمات التجارية، وتبدو هنا النظرية السياسية أكثر صلة بهذا الموضوع (see and cf. Moriarty 2005b; Phillips & Margolis 1999). لقد سعى عدد من علماء أخلاقيات الأعمال إلى تحديد الآثار المترتبة على تطبيق نظرية “العدالة كإنصاف” لجون رولز (Rawls’s 1971) في مجال الأعمال، بوصفها النظرية السائدة عن العدالة في الدول الناطقة بالإنجليزية. تجدر الإشارة إلى أنّ السعي في هذا الاتجاه ليس بالأمر الهين لاسيما أنه بالرغم من تقديم رولز لعدد من الملاحظات الإيحائية عن الأسواق والمنظمات، فإنه لم يتمكن من بلورة نتائج محددة أو تقديم حجج مفصلة لها. لكن العلماء ذهبوا إلى أن العدالة كإنصاف: (1) لا تتوافق مع التفاوتات الكبيرة في توزيع الصلاحيات والسلطات داخل منظمات الأعمال (S. Arnold 2012)؛ (2) فضلًا عن أنها تتطلب حصول الموظفين على فرص لأداء الأعمال الهادفة (Moriarty 2009; cf. Hasan 2015)؛ (3) كما أنها تتطلب أشكالًا بديلة من وسائل حوكمة الشركات (Norman 2015; cf. Singer 2015) (4) وملكيتها (M. O’Neill & Williamson 2012).

ويتمثل النهج الرابع لدراسة أخلاقيات الأعمال فيما يُطلق عليه “نهج خيبة السوق”، ويُعتقد بأنّ أول من ذكر ذلك المفهوم هو المفكر ماكمان (McMahon 1981)، إلّا أنّ المفكر جوزيف هيلث (Heath 2014) عمل على تطوير المفهوم بأدق التفصيل وأصبح يُنسب إليه. ووفقًا لرؤية هيلث Heath، يُعزى السبب في أن لدينا اقتصاداً قائماً على السوق، والذي يعد على النقيض من الاقتصاد الموجه، أنّ الأسواق أكثر كفاءة من الناحية الاقتصادية. ومع ذلك، فإن الأسواق قد تتعرض للفشل والإخفاق نتيجة نقص المعلومات والعوامل الخارجية وتكاليف المعاملات وغيرها من الأسباب. تجهد الدول إلى معالجة هذه الإخفاقات من خلال سن التشريعات كما هو الحال مع قوانين الحد من التلوث ومطالبة الإعلانات التجارية بتحري الدقة، وغير ذلك من الأمور التنظيمية، لكن بطبيعة الحال لا يمكن وضع تشريعات لسد جميع ثغرات السوق ودواعي فشله، وهنا يأتي دور أخلاقيات الأعمال، بحيث يكون هناك التزام أخلاقي على عاتق رجال الأعمال بعدم استغلال ثغرات السوق التي يسمح لهم القانون باستغلالها. بعبارة أخرى، فإن ما يحدد الالتزامات الأخلاقية لرجال الأعمال هو الإطار التنظيمي المثالي، الذي كنا سنحصل عليه لو أن التشريعات غير مكلفة ومكتوبة وفق التعاليم السامية.

لا شك أنّ اختيار الإطار المعياري وتطبيقه على مجموعة من القضايا يمثل طريقة مهمة لممارسة أخلاقيات الأعمال، إلّا أنّها ليست الطريقة الوحيدة، إذ إن النهج الأكثر شيوعًا هو تحديد النشاط التجاري ثم تحليله عبر استخدام الأفكار والمبادئ المشتركة في العديد من النظريات الأخلاقية والسياسية. وسنخصص الحديث فيما يلي عن القضايا الأخلاقية التي تنشأ عن العلاقة بين الشركات وثلاثة أطراف مهمة، ألا وهم: المستهلكون، والموظفون، والمجتمع.

 

5- الشركات والمستهلكون

إن الطريقة الرئيسة لتفاعل الشركات مع المستهلكين تتمثل في “البيع” أو السعي نحو بيع المنتجات والخدمات للمستهلكين، ويتولد عن هذا التفاعل العديد من القضايا الأخلاقية.

 

5-1 ماذا يمكن للشركات أن تبيع؟

يرى عدد من المفكرين بأنّ ثمة أشياء ينبغي عدم عرضها للبيع (Anderson 1993؛ MacDonald & Gavura 2016؛ Sandel 2012؛ Satz 2010)، وتُعد الخدمات الجنسية وتأجير الأرحام والاتجار في الأعضاء البشرية من أبرز الأشياء التي من غير اللائق أن تكون عرضة للبيع. ويبدي البعض اعتراضهم على وجود أسواق لتلك الأشياء لما يترتب عليها من تبعات خطيرة، حيث إن وجود أسواق للجنس أو بيع الكلى، على سبيل المثال، سيؤدي إلى استغلال الفئات الفقيرة والمستضعفة (Satz 2010). ويرى آخرون بأنّ وجود مثل هذه الأسواق يُعبر عن انحطاط قيمي وأخلاقي، إذ يعبر وجود سوق لتأجير الأرحام عن أن المرأة مجرد وعاء لحضانة الأطفال (Anderson 1993)، و يشير وجود سوق لبيع الكلى إلى أن حياة الإنسان قابلة للبيع والشراء (Sandel 2012)، وهلم جرَّا.

بالمقابل، فإن مجموعة أخرى من المفكرين انتقدوا تلك الحجج ومحاولة “حجب” سلع وخدمات معينة من الأسواق. وقد اعترض برينان وجوركسي (Brennan and Jaworksi ,2016) على الحجج “التعبيرية” المناهضة لوجود أسواق للسلع المتنازع عليها، حيث أشارا إلى أن النظر إلى بيع شيء معين مقابل المال على أنه يعبر عن عدم الاحترام هو أمرٌ مشروط ثقافيًا. ويجادل برينان وجوركسي مع مفكرين آخرين بأنّه يمكن القضاء على الآثار السلبية لوجود أسواق للسلع المتنازع أو تخفيف تلك الآثار على الأقل من خلال التنظيم المناسب، وعلى أي حال، فإنّ الآثار الإيجابية لتلك الأسواق (مثل انخفاض عدد الأشخاص الذين يموتون بسبب انتظار التبرع بكلية) تفوق آثارها السلبية (انظر أيضًا Taylor 2005).

 

5-2 أمان المنتج والمسؤولية عنه

إن بعض المنتجات التي قد ترغب الشركة ببيعها، ويرغب الناس بشرائها، يمكن أن تشكل خطرًا كبيرًا على المستخدم والآخرين، فمتى يكون المنتج غير آمن للبيع؟ غالبًا ما تجيب الجهات الحكومية عن هذا السؤال، ففي الولايات المتحدة، هناك العديد من الجهات الحكومية المسؤولة عن تقييم أمان المنتجات لسوق المستهلك، مثل لجنة سلامة المنتجات الاستهلاكية (CPSC)، والإدارة الوطنية للسلامة على الطرق السريعة (NHTSA) وإدارة الغذاء والدواء (FDA). وتكون هذه المعايير إلزامية في بعض الحالات (مثل الأدوية والأجهزة الطبية)، واختيارية في حالات أخرى (مثل الوثابات trampolines والخيام). وتضع الدولة الحد الأدنى من المعايير، ويمكن للشركات الفردية أن تختار تبني معايير أعلى.

تمثل الأسئلة المتعلقة بأمان المنتجات موضع نقاش كبير بين الاقتصاديين وعلماء القانون وخبراء السياسة العامة. وقد وجَّه علماء القانون اهتمامًا كبيرًا لقانون الضرر، وهو مجال القانون الذي يتعامل مع الحالات (غير التعاقدية أو غير الجنائية) للضرر، بيد أن علماء أخلاقيات الأعمال لم يولوا سوى القليل من العناية لتلك الأسئلة. وغالبًا ما تجمع المعالجات الحالية بين نقاشات الأمان ونقاشات المسؤولية – مسألة من يجب أن يدفع مقابل الأضرار التي تُسببها المنتجات – وغالبًا ما يوجد ذلك في كتب أخلاقيات الأعمال. وتُعد معالجة فيلاسكيز (Velasquez’s,2012) من أكثر المعالجات التفصيلية الموجودة، حيث ميز بين ثلاث وجهات نظر (متوافقة) : (1) “النظرة التعاقدية”، التي يجب بموجبها على الشركة المصنعة الكشف بدقة عن جميع المخاطر المرتبطة بالمنتج؛ (2) “نظرة العناية الواجبة”، التي يجب بموجبها على الشركة المصنعة بذل العناية الواجبة للحيلولة دون تعرض المشترين للإصابة بسبب المنتج؛ (3) “نظرة التكاليف الاجتماعية”، التي بموجبها على الشركة المصنعة أن تدفع مقابل أي إصابات يسببها المنتج، حتى لو كانت الشركة قد بذلت العناية الواجبة لمنع وقوع إصابات وكشفت بدقة عن  جميع المخاطر المرتبطة بالمنتج (انظر أيضًا Boatright 2009a).

هناك مجال كبير لاستكشاف هذه القضايا، ومن ضمن المجالات التي تستحق الاهتمام هو تعريف المصطلحات الأساسية، مثل “السلامة” و”المخاطر”. على سبيل المثال، تشكل أسِرّة الأطفال ذات الجوانب المنزلقة مخاطر على المستهلكين؛ وكذلك المناشير، فعلى أي أساس يجب حظر الأول وعدم حظر الأخير (Hasnas 2010)؟ فيما يتعلق بمسألة المسؤولية، فإن إحدى القضايا المهمة تتمثل في ما إذا كان من العدل تحميل المصنعين المسؤولية عن الأضرار التي تسببها منتجاتها، عندما لا يكون المصنعون مسؤولين أخلاقيًا عن تلك الأضرار (Piker 1998). 

 

5-3 الإعلانات

تحتوي معظم الإعلانات على مكون معلوماتي ومكون إقناعي، إذ تخبرنا الإعلانات بمعلومات عن المنتج، وتحاول إقناعنا بشرائه، ويمكن أن يخضع كلا المكونين للتقييم الأخلاقي.

تأكيدًا على أهمية المكون المعلوماتي، يشدد بعض الباحثين على القيمة الإيجابية للإعلانات. وتعمل الأسواق بكفاءة عند استيفاء شروط معينة، يكمن أحدها في المعلومات الوافية: ويتمثل الحد الأدنى في أن يفهم المستهلك مميزات المنتجات المعروضة للبيع. وعلى الرغم من استحالة تحقق ذلك الشرط بشكل كامل على أرض الواقع، يمكن للإعلانات أن تساعد في ضمان تحققه بدرجة أكبر (Heath 2014). كما أن القيمة الأخرى التي يمكن الترويج لها من خلال الإعلانات هي الاستقلالية، إذ إنّ الناس لديهم احتياجات ورغبات محددة – مثل تناول طعام صحي، أو قيادة سيارة آمنة – وتساعدهم اختياراتهم بوصفهم مستهلكين على إشباعها. ومن المرجح أن اختيارات المستهلكين ستلبي احتياجاتهم ورغباتهم إذا توفرت لديهم المعلومات حول ما هو معروض للبيع، وهو ما يمكن أن توفره الإعلانات (Goldman 1984).

إنّ هذه الآثار الجيدة تعتمد، بالطبع، على الإعلانات التي تولد معتقدات حقيقية لدى المستهلكين، أو على أقل تقدير لا تولد لديهم معتقدات خاطئة. ويتعامل الباحثون مع هذا الأمر على أنّه مسألة “خداع” في الإعلانات، وليست القضية هنا فيما إذا كانت الإعلانات الخادعة أمر خاطئ – فمعظم الباحثين يعتقدون أنها كذلك (Child 1994) – ولكن ما الذي يمكن تصنيفه كإعلان خادع، وما الذي يجعله خاطئًا أخلاقيًا.

أعلنت شركة (Beech-Nut) في ثمانينيات القرن الماضي عن إنتاجها لـ “عصير تفاح طبيعي 100%” كدعاية لمشروب لا يحتوي على عصير من أي نوع. لقد كانت إعلاناتها خادعة، وبالتالي خاطئة، لأنها بدت وكأنها تقدم إدعاءً حقيقيًا، بيد أنها في الواقع قدَّمتْ إدعاءً كاذبًا. على الرغم من ذلك، فإن كثيرًا من الإعلانات التي لا تبدو خادعة تقدم إدعاءات كاذبة أو لا يمكن التحقق منها، ولنأخذ على سبيل المثال شعار شركة (Calvin Klein) “بين الحب والجنون يكمن الهوس” أو شعار شركة جيليت (Gillette)، “أفضل ما يحصل عليه الرجال”. ومن الشائع القول عن تلك الأنواع من الإدعاءات أنّه لا يوجد ما يبرر اعتبارها حقيقية، لذا لا يمكن أن تكون خادعة (Carson 2010). ومع ذلك، فإنّ هذه الإدعاءات قد تخدع بالفعل بعض الناس، فقد يصدق أحد الأشخاص إدعاء شركة جيليت بأن منتجاتها هي أفضل ما يحصل عليه الرجال، ويشتري المنتجات على هذا الأساس. تعالج الجهات التنظيمية هذا التعقيد عن طريق استخدام معيار “الشخص العاقل” (Attas 1999)، إذ تُصَنفُ الإعلانات على أنها خادعة عندما تخدع شخصًا عاقلًا، وليس أي شخص بشكل مطلق، وبهذا يكون الخداع في الإعلانات مسألة مرتبطة بالنتائج عند المستهلكين، وليست بنوايا المعلنين.

قدم المفكرون الكثير من الأسباب وراء النظر إلى الإعلانات الخادعة على أنها أمرٌ خاطئ أخلاقيًا، ويكمن أحدها في الادعاء الكانطي بأن خداع الآخرين هو عدم احترام لهم، واستخدامهم كمجرد وسيلة. كما أن الإعلانات الخادعة قد تؤدي إلى إلحاق الضرر بالمستهلكين (الذين يشترون منتجات دون المستوى الأمثل، بالنظر إلى رغباتهم) والمنافسين (الذين تقل مبيعاتهم). ويتمثل الانتقاد الأخير للإعلانات الخادعة في أنها تؤدي إلى تآكل الثقة في المجتمع (Attas 1999)، فعندما لا يثق أفراد المجتمع بعضهم ببعض، فإما أنهم لن ينخرطوا في معاملات اقتصادية أو سينخرطون فيها فقط من خلال حماية قانونية مكلفة.

علاوة على ذلك، يُعدّ المكون الإقناعي للإعلانات موضوعًا مثمرًا في الاستقصاء الأخلاقي. ويعتقد جالبريث (1958)، وهو من النقاد الأوائل، أنّ الإعلانات بشكل عام لا تخبر الناس بكيفية اقتناء ما يرغبون، بل تقدم لهم رغبات جديدة، وهو ما أطلق عليه “تأثير التبعية”: إذ أنّ رغباتنا تعتمد على ما يتم إنتاجه، وليس العكس. ونظرًا لأننا غارقون في الإعلانات عن السلع الاستهلاكية، فإننا نرغب في الكثير منها وليس فقط ما يكفينا من السلع العامة. ويرفض هايك (Hayek 1961) هذا الادعاء بحجة أن القليل من رغباتنا، إن وُجدت، تكون مستقلة عن بيئتنا المحيطة، وعلى أي حال، فإن الرغبات التي تتكون داخلنا عن طريق الإعلانات لا تقل أهمية عن الرغبات التي تتكون داخلنا بطرق أخرى. 

وقد أبدى جالبريث قلقه بشأن التأثيرات الإقناعية للإعلانات. وعلى النقيض، يركز الباحثون المعاصرون على الأساليب الإقناعية التي يستخدمها المعلنون، زاعمين أن بعضها تجاوز الحد الفاصل بين الإقناع والتلاعب. وبالرغم من صعوبة تحديد التلاعب بدقة، فقد أُجريت العديد من المحاولات لفعل ذلك (Coons & Weber 2012). ولتحقيق غرضنا، يمكن تعريف الإعلانات المتلاعِبة على أنّها إعلانات تحاول إقناع المستهلكين، غالبًا (ولكن ليس بالضرورة) باستخدام  وسائل غير عقلانية، لاتخاذ قرارات غير منطقية أو دون المستوى الأمثل، بالنظر إلى احتياجاتهم ورغباتهم (انظر Beauchamp, Hare, & Biederman 1984; Brenkert 2008).

غالبًا ما يُنظر إلى الإعلان الترابطي كمثال على الإعلانات المتلاعبة؛ إذ يحاول المعلنون من خلال الإعلانات الترابطية ربط أحد المنتجات مع اعتقاد أو شعور أو موقف أو نشاط إيجابي، عادةً لا علاقة له بالمنتج. لذا فإن العديد من الإعلانات التليفزيونية للشاحنات في الولايات المتحدة تربط الشاحنات بالرجولة. كما أن الإعلانات التليفزيونية للعطور تربط تلك المنتجات بإقامة علاقات حميمة بين الرجال والنساء الحسناوات. وتشير تلك الإعلانات إلى أنه في حال كُنتَ تتسم بنوع محدد من الشخصية (مثل الرجولة)، عندها سيكون لديك أنواع محددة من المنتجات (مثل الشاحنات). ويجادل كريسب (Crisp 1987) بأن هذا النوع من الإعلانات يسعى لخلق الرغبات لدى الناس من خلال التحايل على قدرتهم على الاختيار الواعي، وبالتالي تقويض استقلاليتهم. (راجع Arrington 1982؛ Phillips 1994). ويجادل ليبكي (Lippke 1989) بأن تلك الإعلانات توجه رغباتنا نحو الأشياء الخاطئة، وتشجعنا على محاولة تلبية رغباتنا غير السوقية (مثل أن نصبح أكثر رجولة) من خلال الوسائل السوقية (مثل شراء شاحنة). إن جدية تعاملنا مع تلك الانتقادات تعتمد على مدى اعتقادنا بفعالية الإعلانات الترابطية وغيرها من الأنواع الإقناعية. وبقدر ما نعتقد بأن المعلنين لا ينجحون في “الالتفاف” حول قدرتنا على الاختيار الواعي، فإننا نصبح أقل قلقلًا ونستمتع أكثر بمحاولاتهم لفعل ذلك (Bishop 2000؛ Goldman 1984).

قد تكون أحكامنا بشأن هذه المسألة متأثرة بالسياق، وفي حين أن معظم الناس قد يكونوا قادرين على إدراك حقيقة محاولات المعلنين لإقناعهم، فإن البعض لا يستطيع فعل ذلك (لبعض الوقت على الأقل). وتعتقد بايني (Paine et al. 1984) أن الإعلانات لها ما يبررها لأنها تساعد المستهلكين على اتخاذ قرارات حكيمة في الأسواق، لكنها تجادل بأن الأطفال لا يملكون القدرة على اتخاذ قرارات شرائية حكيمة (انظر أيضًا E.S. Moore 2004). بالتالي، فإنّ الإعلانات الموجهة إلى الأطفال – على النقيض من الإعلانات الموجهة إلى البالغين حول منتجات الأطفال – تمثل شكلًا من أشكال الاستغلال المرفوض. كما أن بعض الفئات السكانية الأخرى قد تكون عرضة لاستغلال مشابه مثل الطاعنين بالسن وغير المتعلمين والمكلومين، وقد لا تستلزم الأخلاقيات فرض حظر تامٍ على التسويق لتلك الفئات، لكنها تستلزم منح اهتمام خاص لطريقة تسويق المنتجات لهم (Brenkert 2008).

 

5-4 المبيعات والتفاوض

تمثل المبيعات محور الأعمال التجارية، ولعل من المستغرب أن علماء أخلاقيات الأعمال لم يتطرقوا إليها مباشرة بإسهاب، إلا أن الكثير مما ذُكر عن الإعلانات ينطبق أيضًا على المبيعات. إن مندوبي المبيعات هم، نوعًا ما، المعلنون النهائيون عن المنتجات للمستهلكين، إذ يوفرون مزايا للمستهلكين بالطريقة نفسها التي يوفرها المعلنون، كما أن لديهم القدرة ذاتها على خداع المستهلكين أو التلاعب بهم.

وقد وضع كارسون (Carson 2010) نظرية مفصلة لأخلاقيات مندوبي المبيعات. ووفقًا لنظريته، فإنّ مندوبي المبيعات مسؤولون على الأقل عن الواجبات الأربعة التالية: (1) تزويد العملاء بتحذيرات السلامة والتدابير الوقائية (2) الامتناع عن الكذب والخداع (3) تقديم إجابات كاملة عن أسئلة العملاء بشأن المنتجات (4) عدم توجيه العملاء نحو عمليات شراء غير مناسبة لهم، بالنظر إلى احتياجاتهم ورغباتهم المعلنة. ويبرر كارسون الواجبات (1) – (4) عن طريق اللجوء إلى القاعدة الذهبية: عامل الناس كما تحب أن يعاملوك. كما حدد كارسون واجبين آخرين يمكن لمندوبي المبيعات الالتزام بهما (لقد كان محايدًا): (5) لا تبع للعملاء منتجات تعتقد أنها غير مناسبة لهم، بالنظر إلى احتياجاتهم ورغباتهم، دون أن تخبرهم عن أسباب اعتقادك لذلك. (6) لا تبع للعملاء منتجات رديئة أو معيبة، من دون أن تخبرهم عن أسباب اعتقادك لذلك. بالتالي، فإن الواجبات (1) – (4) تطلب، في معظمها، من مندوب المبيعات عدم إيذاء العميل، في حين أن الواجبين (5) و(6) يطلبان من مندوب المبيعات مساعدة العميل، لاسيما مساعدته على عدم ارتكاب أخطاء حمقاء. إن مدى الخصومة التي يجب أن تكون عليها العلاقة بين مندوبي المبيعات والعملاء هي ما تحدد ما إذا كان يجب على المندوب مساعدة العميل بتلك الطريقة.

إن المسألة الأكبر هنا تكمن في قضية الإفصاح، ويجادل هولي (Holley 1998) بأنّه يتعين على مندوبي المبيعات الإفصاح للعملاء عن “ما قد يود الشخص العاقل معرفته” بشأن المنتج قبل شرائه. ويزعم إيبجر وموردن (Ebejer and Morden 1988) بأنّه يجب على مندوبي المبيعات الكشف عن جميع المعلومات “ذات الصلة” بعملية الشراء، لكن لا يوجد توافق في الآراء حول ماهية تلك المعلومات ذات الصلة بقرار الشراء أو ما قد يود الشخص العاقل معرفته.

إن طريقة بيع وشراء العديد من المنتجات داخل الأسواق تتمثل في أن يعرض البائع المنتج بسعر معين، ومن ثم يقبل المشتري هذا السعر أو يرفضه، لكن في بعض الحالات، يكون هناك تفاوض على السعر (وجوانب أخرى من الصفقة). ونلاحظ ذلك في عمليات بيع المنتجات “باهظة الثمن” مثل السيارات والمنازل، وكذلك في رواتب الوظائف. وعلى الرغم من وجود العديد من القضايا الأخلاقية التي تنشأ في عملية التفاوض، فإن القضية التي حظيت باهتمام خاص هي قضية “التحايل” أو التحريف المتعمد للموقف التفاوضي للفرد. ويُعد ألبرت كار (Carr 1968) هو المرجع الكلاسيكي لهذا النقاش، إذ يرى أن التحايل في التفاوض أمرٌ جائز لأن العمل التجاري له مجموعة خاصة من القواعد، والتحايل جائز بموجب تلك القواعد. وطبقًا لوجهة نظره، فإن كل من يدخل مجال الأعمال يتقبل أن التحايل أمرٌ جائز، مثلما أن أي شخص يدخل إلى حلبة الملاكمة يتقبل أن تسديد اللكمات أمرٌ جائز. ويوافق كارسون (Carson 2010) على أن التحايل أمرٌ جائز في مجال الأعمال، لكن في نطاق محدود من الحالات. واستدعى كارسون مسألة الدفاع عن النفس في دفاعه عن التحايل، أي إذا كان لديك سبب وجيه للاعتقاد بأن خصمك في المفاوضات يحرف موقفه التفاوضي، فيجوز لك عندئذ تحريف موقفك، لأن شرط قول الحقيقة في هذه الظروف من شأنه أن يضعك في موقف ضعيف مقارنة بخصمك، وأنت لست ملزمًا بتحمل ذلك. ويكمن أحد المعاني لوجهة نظر كارسون في أنه لا يجوز لك تحريف موقفك التفاوضي ما لم يكن لديك سبب وجيه للاعتقاد بأن خصمك يحرف موقفه. 

 

5-5 التسعير

يُعد الأفراد من المشترين والبائعين “متقبلين للأسعار” وليسوا “صانعين للأسعار” في النماذج المبسطة للأسواق، أي أن أسعار السلع والخدمات تحددها القوى الإجمالية للعرض والطلب، ولا يستطيع أي فرد شراء أي سلعة أو بيعها على خلاف سعر السوق، لكن الأمور مختلفة في الواقع، إذ إن البائعين يتمتعون ببعض المرونة بشأن كيفية تسعير بضائعهم.

إن معظم علماء أخلاقيات الأعمال يتقبلون، في معظم الحالات، أن تحديد الأسعار التي يجب أن تباع بها المنتجات هو أمرٌ يقرره الأفراد، واستند البعض في دفاعهم عن هذا الرأي إلى مبدأ حقوق الملكية، زاعمين أنه إذا كان لدي الحق في (س)، فأنا حرٌ في نقله إليك بموجب أي شروط أضعها وأنت تقبلها (Boatright 2010). كما استند آخرون في دفاعهم إلى مبدأ الرفاهية، بمعنى أن الأسعار التي يحددها التبادل الطوعي بين الأفراد تكشف معلومات قيمة عن الطلب النسبي على السلع وتوريدها، مما يسمح بتدفق الموارد إلى استخداماتها الأكثر إنتاجية ( Hayek 1945). وعلى الرغم من ذلك، فإن معظم علماء أخلاقيات الأعمال يُقرون بوجود بعض القيود على عملية التسعير.

إن إحدى القضايا التي حظيت باهتمام مؤخرًا هي التمييز السعري، وليس المقصود هنا التمييز في التسعير على أساس عنصري مثل العرق أو الجنس (إذ يُنظر إليه على نطاق واسع أنه أمرٌ خاطئ)، بل يشير مصطلح “التمييز السعري” إلى التمييز في التسعير بناءً على مدى استعداد الناس للدفع، بمعنى زيادة الرسوم على الأشخاص المستعدين لدفع المزيد، وتخفيضها على الأشخاص المستعدين لدفع ثمن أقل. ويميل علماء الاقتصاد إلى الاعتقاد بأن التمييز السعري مفيد بقدر ما يُمَكن الشركات من زيادة الإنتاج، إلا أن مكانته الأخلاقية أقل وضوحًا. فلقد ثار غضب المستهلكين عندما كُشف عن أن شركة ستابلز (Staples) وغيرها من شركات التجزئة على الإنترنت كانت تفرض على المستهلكين أسعارًا مختلفة للمنتجات ذاتها وفي الوقت نفسه بناءً على اختلاف المكان. لكن بعض العلماء يجادلون بأن هذه الممارسة ليست أسوء من دور السينما التي تقدم خصومات للأطفال (Elegido 2011؛ Marcoux 2006). ولعل المشكلة تكمن في أن شركة ستابلز والشركات الأخرى قد انخرطت في هذه الممارسة دون الإفصاح عنها، وبذلك كانوا يستغلون جهل المستهلكين.

وتكمن القضية الأخرى المتعلقة بأخلاقيات التسعير في مسألة “التلاعب بالأسعار”، ويمكن تعريفه على أنه زيادة حادة في سعر سلعة ضرورية في أعقاب حالة طارئة تجعل هذه السلعة نادرة. ولنأخذ على سبيل المثال ما حدث في أعقاب إعصار كاترينا في نيو أورلينز عام 2005، حيث فرض الكثير من تجار التجزئة أسعارًا مرتفعة جدًا مقابل الماء والبنزين. إن العديد من الولايات القضائية لديها قوانين ضد التلاعب بالأسعار، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع كأمرٍ غير أخلاقي (Snyder 2009)، ويُعزى ذلك إلى أنه حالة كلاسيكية من الاستغلال: إذ يستقطع (أ) رسومًا زائدة من (ب) في الظروف التي لا يستطيع فيها (ب) من الناحية المنطقية رفض عرض (أ) (Valdman 2009). لكن بعض المنظرين يدافعون عن التلاعب بالأسعار، وعلى الرغم من أن اعترافهم بأن عمليات بيع المنتجات في مثل تلك الظروف تكون استغلالية، فقد لاحظوا أنها مفيدة للطرفين، إذ يفضل كلًا من البائع والمشتري الانخراط في الصفقة بدلًا من عدم الانخراط فيها. علاوة على ذلك، عندما تُباع المنتجات بأسعار متضخمة، فإن هذا يجذب المزيد من البائعين إلى السوق. بالتالي، قد يكون السماح بالتلاعب بالأسعار الطريقة الأسرع للقضاء عليه (Zwolinski 2008). (لمزيد من المناقشة، انظر المدخل المتعلق بالاستغلال).

يعتقد معظم العلماء المعاصرين أن البائعين يتمتعون بسلطة تقديرية واسعة، لكنها ليست مطلقة، في تحديد مقدار ما يتقاضونه مقابل السلع والخدمات، لكن هناك تقليد قديم في أخلاقيات الأعمال، وُجد في كتب توماس أكويناس وغيره من علماء العصور الوسطى، والذي بموجبه يكون هناك سعر واحد يجب أن يتقاضاه البائعون: ألا وهو “السعر العادل”. وهناك جدل حول ما يعنيه تحديدًا علماء العصور الوسطى بمصطلح “السعر العادل” (انظر Reiff 2013). وفقًا للتفسير الشائع تاريخيًا، فإن السعر العادل يتحدد من خلال تكلفة الإنتاج التي يتحملها البائع، أي أنه السعر الذي يعوض البائع عن قيمة عمله ونفقاته، في حين أن التفسيرات الأحدث للسعر العادل تشير إلى معنى قريب من سعر السوق، الذي قد يكون أكثر أو أقل من تكلفة الإنتاج (Koehn & Wilbratte 2012). وقد سعى مارك ريف (Reiff) في معالجة معاصرة إلى إحياء مفهوم السعر العادل وإعادة تعريفه، وتمييزه عن مفهوم سعر السوق، حيث عرف السعر العادل على أنه “متوسط ​​التكلفة الاجتماعية الإجمالية للسلعة المطروحة” (2013: 109). ولا شك أن وجهة نظر ريف يجب أن تتصدى للحجج الموضحة أعلاه – المبنية على الحقوق والرفاهية – للسماح بتحديد الأسعار من خلال الاختيارات الطوعية للمشترين والبائعين.

 

6- الشركات والعاملون

لقد أسهب علماء أخلاقيات الأعمال بالكتابة عن العلاقة بين أصحاب العمل والموظفين، واستفسرت جلّ هذه الكتابات عن الالتزامات الواجبة على أصحاب العمل تجاه الموظفين، وقد يكون السبب في ذلك أن أصحاب العمل يتمتعون عادةً بسلطة أكبر من الموظفين، وبالتالي يتمتعون بسلطة تقديرية أكبر في كيفية تعاملهم مع الموظفين، مقارنة بالسلطة التقديرية التي يتمتع بها الموظفون في التعامل مع أصحاب العمل. وقد حددت بالأسفل أربعة قضايا بشأن العلاقة بين صاحب العمل والموظف، ألا وهي: (1) التوظيف والتسريح، (2) الأجور، (3) العمل الهادف، (4) الإبلاغ عن المخالفات. كما أن هناك موضوع آخر لا يقل أهمية عما أسلفنا يتمثل في قضية الخصوصية، إلَّا أنّنا، ولأسباب تتعلق بضيق المتسع، لن نناقش هذا الموضوع، لكن يمكنك الاطلاع على المدخلين حول الخصوصية والخصوصية وتقنية المعلومات.

 

6-1 التوظيف والتسريح

إن القضايا الأخلاقية في التوظيف والتسريح تميل إلى التركيز على سؤال: ما هي المعايير التي يجب على أصحاب العمل استخدامها، أو عدم استخدامها، في قرارات التوظيف؟ أما المعايير التي يجب عليهم عدم استخدامها فيتم تناولها في النقاشات حول التمييز.

وفي حين أن هناك بعض الجدل حول ما إذا كان يجب حظر التمييز في العمل قانونًا (انظر Epstein 1992)، إلا ان  الجميع تقريبًا يتفق على أنه أمرٌ خاطئٌ أخلاقيًا (Hellman 2008؛ Lippert-Rasmussen 2014). وقد ركزت النقاشات على سؤالين؛ أولاً: متى يُعد استعمال معيار معين في قرار التوظيف تمييزًا؟ ففي حين أن استبعاد شركة وول مارت للمتقدمين من ذوي البشرة البيضاء لشغل وظيفة في قسم التسويق بالشركة يبدو أمرًا خاطئًا، فإن استبعاد فرقة Hovey Players ]فرقة مسرحية[ للمتقدمين من ذوي البشرة البيضاء لإنتاج مسرحية (زبيبة في الشمس A Raisin in the Sun) لا يبدو كذلك. وبالتالي، يمكن القول إن تصنيف إحدى ممارسات التوظيف على أنها تمييزية يتوقف على ما إذا كان المعيار المستخدم مرتبط بالوظيفة أم لا. لكن هذا قد لا يكون كافيًا، بالنظر لما تكشفه حالة “المؤهلات المرتبطة بردود الفعل”؛ لنفترض أن رواد أحد المطاعم من ذوي البشرة البيضاء يفضلون أن يقوم على خدمتهم ذوي البشرة البيضاء وليس السوداء، ومع أن العرق في هذه الحالة يبدو مرتبطًا بالوظيفة، سيكون من الخطأ أيضًا أن يأخذ أصحاب العمل العرق بعين الاعتبار أثناء التوظيف (Mason 2017). وأما السؤال الثاني الذي حظي باهتمام كبير فهو: ما الذي يجعل التمييز أمرًا خاطئًا؟ يجادل البعض بأن السبب في ذلك هو آثاره على أولئك الذين يتعرضون للتمييز (Lippert-Rasmussen 2014)، بينما يعتقد آخرون أن السبب يكمن فيما يعبر عنه التمييز بالنسبة لهم (هيلمان 2008). (ولمزيد من النقاش، انظر المدخل الخاص بالتمييز).

يعتقد بعض المفكرين أنّ التزامات أصحاب العمل لا يتم الوفاء بها عندما يتجنبون استخدام معايير معينة في قرارات التوظيف. ووفقًا لهؤلاء المفكرين، فإنه يقع على عاتق أصحاب العمل واجب تعيين الشخص الأكثر كفاءة من بين المتقدمين. ويبرر البعض هذا الواجب عبر استدعاء اعتبارات الاستحقاق (D. Miller 1999)، بينما يبرره آخرون عبر استجلاب مبدأ تكافؤ الفرص (Mason 2006). بالمقابل، فإن الاعتراض الأبرز على وجهة النظر تلك يستدعي مبدأ حقوق الملكية (Kershnar 2004). عادةً ما ينطوي عرض العمل على وعد بأن تدفع مبلغًا من المال لمن يحصل على الوظيفة مقابل أداء مهام معينة. وعلى الرغم من أن استبعاد بعض الطرق التي يمكنك من خلالها التصرف في ممتلكاتك (مثل القواعد ضد التمييز في التوظيف) يمكن تبريره، فإن استبعاد جميع الطرق باستثناء طريقة واحدة (أي اشتراط توظيف أكفأ المتقدمين) لا يمكن تبريره. ودعمًا لهذا الرأي، فإننا قد نعتقد بأن أصحاب الأعمال الصغيرة لم يرتكبوا أي خطأ عند تعيين أولادهم في وظائف بدوام جزئي بدلًا من أشخاص آخرين أكثر كفاءة.

 إن العديد من القضايا الأخلاقية الحاضرة في مسألة التوظيف تكون حاضرة أيضًا في مسألة التسريح. وهناك نقاش محتدم في أدبيات أخلاقيات الأعمال حول أخلاقيات تسريح الموظفين، إذ يوجد معسكران رئيسين: يتكون المعسكر الأول ممن يعتقدون أن التوظيف يجب أن يكون “حسب الرغبة”، بحيث يمكن لصاحب العمل إنهاء عقد أي موظف لأي سبب (Epstein 1984 ؛ Maitland 1989)، بينما يعتقد أنصار المعسكر الآخر أنه لا يحق لصاحب العمل إنهاء عقد الموظف إلا “لسبب عادل” (مثل الأداء الضعيف أو تراجع الأعمال) (McCall & Werhane 2010). في الواقع، إن عدداً قليلاً من مفكري المعسكر الأول هم من يتبنون وجهة النظر “الخالصة” لمبدأ “حسب الرغبة”، بينما تقول غالبيتهم أن من الخطأ أن ينهي صاحب العمل عقد الموظف لبعض الأسباب، مثل اكتشاف أنه مسلم أو لرفضه ارتكاب جريمة لمصلحة صاحب العمل. وبالتالي، فإن النقاش يدور بين من يعتقدون أنه يحق لأصحاب العمل إنهاء عقد الموظفين لأي سبب مع وجود بعض الاستثناءات، ومن يعتقدون أنه لا يحق لأصحاب العمل إنهاء عقد الموظفين إلا لأسباب معينة. إن معظم الموظفين في الولايات المتحدة الأمريكية يمكن تسريحهم “حسب الرغبة”، بينما يُحمى معظم الموظفين في أوروبا، بعد خضوعهم لفترة اختبار، بموجب قانون مشابه لمبدأ “السبب العادل”. ويستدعي المدافعون عن مبدأ السبب العادل آثار إنهاء العقد على الموظفين، لاسيما أولئك الذين عملوا لدى صاحب العمل لسنوات عديدة (McCall & Werhane 2010)، في حين يستدعي المدافعون عن مبدأ التوظيف حسب الرغبة تأثيرات السبب العادل على الحرية أو الاقتصاد الكلي؛ إذ يزعمون، في الحالة الأولى، أن السبب العادل هو تقييد غير مبرر لحرية أصحاب العمل والموظفين (Epstein 1984)، وفي الحالة الثانية، أنه يرفع معدل البطالة (Maitland 1989).  

6-2 الأجور

إن المنظمات التجارية عادةً ما تُدر إيرادات، ويوزع جزءُ من تلك الإيرادات على الموظفين على هيئة أجور، ونظرًا لأن الطلب على الأجور أعلى من العرض، فمن الطبيعي أن تُحلل مسألة كيفية توزيع الأجور بوصفها مشكلة متعلقة بالعدالة. 

ثمة نظريتان عامتان عن عدالة الأجور يُعدان محط الاهتمام، يُطلق على الأولى اسم “نظرة الاتفاق”؛ وفقًا لوجهة النظر هذه، فإن الأجر العادل هو أي أجر يوافق عليه صاحب العمل والموظف دون إكراه أو احتيال (Boatright 2010؛ Machan & Chesher 2002). ويُبَرر هذا الرأي في بعض الأحيان من منظور حقوق الملكية، إذ يمتلك الموظف العمل ويمتلك صاحب العمل رأس المال وكل منهما حر، ضمن حدود واسعة، في التصرف فيما يملك كما يحلو له (Boatright 2010). وعلى الجانب الآخر، يُطلق على النظرية الثانية للأجور اسم “نظرة المساهمة”، بمعنى أن الأجر العادل للعامل هو الأجر الذي يعكس مساهمته في الشركة. وينقسم أنصار هذا الرأي إلى قسمين؛ إذ يتبنى القسم الأول هذا الرأي بشكل مطلق حيث يرون أن العمال يجب أن يحصلوا على أجور مكافئة لقيمة مساهماتهم في الشركة (D. Miller 1999)، ببنما يتبنى القسم الآخر هذا الرأي من منظور المقارنة، فيرون أن العمال يجب أن يتقاضوا أجورًا تعكس القيمة النسبية لمساهماتهم في الشركة، مقارنة بمساهمات العمال الآخرين وما يتقاضونه (Sternberg 2000). وتتميز نظرية المساهمة بأنها تقدم أساسًا معياريًا، وهو ما لا يمكن لأي حجة أخرى تقديمه (D. Miller 1999)، ويمكن تشبيه المساهمة بالعقوبة: مثلما يبدو بديهيًا أن شدة عقوبة المجرم تعكس خطورة جريمته، لذا قد يبدو من المناسب والبديهي أن تكون قيمة أجر العامل انعكاسًا لقيمة عمله.

ويمكن تقييم أجر أي موظف بالشركة من منظور أخلاقي عبر استخدام هاتين النظريتين، لكن علماء أخلاقيات الأعمال قد أولوا اهتمامًا خاصًا بأجور مجموعات معينة من الموظفين، مثل الرؤساء التنفيذيين والعمال في المصانع الاستغلالية.

ويوجد نقاش حاد حول ما إذا كان الرؤساء التنفيذيون يتقاضون رواتب مبالغ فيها (Moriarty 2005a)، حيث ينقسم الباحثون تقريبًا إلى معسكرين؛ يعتقد أنصار معسكر “السلطة الإدارية” أن الرؤساء التنفيذيين يتمتعون بسلطة على مجالس الإدارات، ويستخدمون هذه السلطة لاستقطاع رواتب من شركاتهم أعلى من المتعارف عليها في السوق (Bebchuk & Fried 2004)، بينما يعتقد أنصار معسكر “التعاقد الكفؤ” أن مفاوضات الأجور بين الرؤساء التنفيذيين ومجالس الإدارات عادةً ما تتم على أسس الاستقلالية والمساواة، وأن المكافآت الكبيرة للمديرين التنفيذيين تعكس مهاراتهم النادرة والقيمة (راجع Reiff 2013).

وثمة نقاش محتدم حول ما إذا كان العمال في الصناعة الشاقة والمستغلة يتلقون أجورًا زهيدة أو لا؛ إذ يقول البعض “لا” (Powell & Zwolinski 2012؛ Zwolinski 2007)، ويرون أن أجور المصانع الاستغلالية، رغم أنها منخفضة وفقًا لمعاييرنا، فإنها ليست كذلك وفقًا لمعايير البلدان التي توجد بها تلك المصانع، وهذا يفسر سبب اختيار الناس للعمل في المصانع الاستغلالية: إنه أفضل عرض لديهم. ووفقًا لهؤلاء المفكرين، فإن الجهود المبذولة لزيادة أجور هؤلاء العمال بشكل مصطنع تُعد مضللة لسببين؛ أولًا، أن هذا تدخل في الخيارات المستقلة لأصحاب العمل والعمال. ثانيًا، من المرجح أن يصبح العمال أسوأ حالًا، لأن رد فعل أصحاب العمل سيكون إما نقل عمليات التشغيل إلى موقع جديد أو توظيف عدد أقل من العمال في ذلك الموقع. على الجانب الآخر، يطعن مفكرون آخرون في هذه الادعاءات. فعلى الرغم من إقرارهم بأن العمال هم من اختاروا العمل في تلك المصانع، فإنهم ينكرون أن اختياراتهم طوعية  (D.G. Arnold & Bowie 2003). وتشير الأجور الزهيدة لعمال تلك المصانع إلى أنهم يتعرضون للاستغلال. علاوة على ذلك، يجادل البعض، عبر استدعاء “واجب الإحسان” للفيلسوف كانط، بأنه يمكن للشركات، بل يجب عليها، أن تفعل المزيد لصالح عمال المصانع الاستغلالية (Snyder 2010). ورداً على الادعاء بأن الشركات ستصبح في وضع تنافسي ضعيف إن فعلت ذلك، أشار المفكرون إلى حالات واقعية تمكنت فيها الشركات من تأمين معاملة أفضل للعمال في المصانع دون أن يتكلفوا خسائر مالية جسيمة (Hartman, Arnold, & Wokutch 2003).

 

6-3 العمل الهادف

من المعروف أن آدم سميث (1776 [1976]) قد لاحظ أن التقسيم المفصل للعمل يزيد بشكل كبير من إنتاجية عمليات التصنيع، ودعونا نقتبس المثال الذي استخدمه: إذا قام عامل واحد بأداء جميع المهام المطلوبة لصنع دبوس، فيمكنه فقط صنع بضعة دبابيس يوميًا. لكن، إذا كان العامل متخصصًا في واحدة أو اثنتين من هذه المهام، ودمج جهوده مع عمال آخرين متخصصين في واحدة أو اثنتين من المهام الأخرى، فيمكنهم معًا صنع آلاف الدبابيس يوميًا. لكن وفقًا لسميث، فإن هناك تكلفة بشرية للتقسيم المفصل للعمل، إذ من المرجح أن أداء مهمة أو مهمتين بسيطتين طوال اليوم سيؤدي إلى جعل العامل “غبيًا وجاهلًا لأقصى درجة يمكن أن يصل إليها إنسان” (Smith 1776 [1976]: V.1.178).

وتمثل الدعوات إلى “العمل الهادف” استجابة لهذه المشكلة، وهو ما يعني ضمنيًا أنها ليست دعوة ليكون العمل أكثر “أهمية”، أي المساهمة في إنتاج سلعة أو خدمة ذات قيمة موضوعية أو يعتقد العمال أنها ذات قيمة، بل إنها دعوة لتنظيم سير العمل ليصبح ممتعًا، ومتطلبًا للمهارة، ويمنح العمال قدرة كبيرة على اتخاذ القرارات (Arneson 1987؛ Michaelson et al. 2014).

إن رؤية سميث بأن سير العمل يصبح أكثر كفاءة عندما يُجزئ إلى أقسام متكاملة قادت بعض المفكرين إلى الاعتقاد بأنه في ظل الاقتصاد التنافسي، لن توفر الشركات قدرًا كبيرًا من العمل الهادف كما يريد العمال (Werhane 1985). وردًا على هذا الطرح، جادل بعض المفكرين بأن هناك سوقًا للعمالة، وإذا أراد العمال أداء عمل هادف، فسيكون لدى أصحاب العمل الحافز لتوفيره (Maitland 1989؛ Nozick 1974). وفقًا لهذه الحجة، فإن “الندرة” في العمل الهادف المعروض ترجع إلى أن العمال يفضلون عدم الحصول عليه – أو لنكون أكثر دقة، لأن العمال على استعداد لمقايضة الجدوى من العمل نظير الحصول على مزايا أخرى، مثل الأجور الأعلى. وبالتالي، فإن هذه الحجة تفترض، بالطبع، أن العمال لديهم القدرة المالية على مقايضة الأجور مقابل الجدوى من العمل.

وتتعامل الحجة المذكورة أعلاه مع العمل الهادف على أنه مسألة تفضيلية: كأنه ميزة وظيفية يمكن لأصحاب العمل رفض توفيرها أو يمكن للعمال التخلي عنها. بالمقابل، يعترض آخرون على طريقة الفهم تلك ويتصدون لها. ويرى شوارتز (1982) أنه يتعين على أصحاب العمل أن يوفروا للموظفين عملاً هادفًا، ويتعين على الموظفين أداء هذا العمل، احترامًا لمبدأ الاستقلالية. وتتمثل الفكرة في: أن الأشخاص المستقلين يتخذون قراراتهم بأنفسهم، وليس بإتباع إرشادات الآخرين من دون تفكير. وتكمن الصعوبة التي تواجه هذه الحجة في أن احترام الاستقلالية لا يتطلب منا اتخاذ جميع القرارات بأنفسنا، إذ قد يختار الشخص بشكل مستقل السماح لآخرين باتخاذ قرارات مهمة نيابة عنه في جوانب معينة من حياته، مثل القرارات التي يتخذها مدربه أو أحد أفراد أسرته أو قائده العسكري.

يواجه هذا الرد إشكالية محتملة تعيدنا إلى رؤية سميث، وإلى الحجج “التكوينية” للعمل الهادف. وتكمن الإشكالية، وفقًا لبعض المفكرين، في أنه إذا كان معظم وقت الشخص مخصصًا لأداء مهام لا معنى لها أو غير هادفة، فإن قدرته على الاختيار المستقل، وربما قدراته الفكرية الأخرى، قد تتدهور. ومن ثمَّ، يمكن فهم الدعوة إلى العمل الهادف على أنها دعوة لتنظيم أماكن العمل حتى لا يحدث هذا التدهور (Arneson 2009؛ S. Arnold 2012). وبالإضافة إلى سميث، عبر ماركس (1844 [2000]) هو الآخر عن قلقه الواضح بشأن تأثيرات العمل على ازدهار الإنسان. وتواجه الحجج التكوينية صعوبتين؛ تكمن الأولى في بيان الصلة بين العمل غير الهادف والاختيار المستقل (أو أي قدرة فكرية أخرى)، أما الثانية والأهم فتتمثل في أن الحجج التكوينية تضع افتراضات معينة حول الأصلح للناس ودور القطاع العام في الترويج له، إذ تفترض تلك الحجج أنه من الأفضل للناس أن يتمتعوا بقدرات فكرية مطورة كليًا للاختيار المستقل (إلخ) كما يجب على القطاع العام المساعدة في تطوير تلك القدرات. ويمكن الطعن في كلا الافتراضين، إذ يعتقد المفكرون المحايدون في الفلسفة السياسية أنه لا يجب على الدولة الترويج للأصلح، على الأقل عندما يكون هناك خلاف معقول حوله ماهيته (انظر على سبيل المثال، Rawls 1993).

 

6-4 الإبلاغ عن المخالفات

لنفترض على سبيل المثال أنك اكتشفت أن شركتك تدفع رشاوى لمسؤولين حكوميين للحصول على الصفقات، فإن إحدى الأمور التي قد تفعلها لوقف هذا الفساد هو “الإبلاغ عن هذا الأمر” من خلال الإفصاح عن هذه المعلومات لأحد الصحفيين. وعلى الرغم من اختلاف التعريفات التي يقدمها المنظرون لمفهوم الإبلاغ عن المخالفات (انظر على سبيل المثال، Brenkert 2010 ؛ Davis 2003 ؛ DeGeorge 2009)، فإن العناصر التالية عادة ما تكون موجودة: (1) منصب الطرف المطلع (2) المعلومات غير العامة (3) النشاط غير القانوني أو غير الأخلاقي (4) تجنب التسلسل القيادي المعتاد داخل الشركة (5) النية لحل المشكلة. ففي المثال أعلاه، ستكون مُبلغًا عن المخالفات لأنك (1) موظف (2) يكشف عن معلومات غير عامة (3) حول نشاط غير قانوني في الشركة (4) لأشخاص من خارجها (5) في محاولة لوقف هذا النشاط.

غالبًا ما يميل النقاش حول هذه القضية إلى التركيز على مسألة متى يكون الإبلاغ عن المخالفات مبررًا – أي متى يكون جائزًا، أو متى يكون واجبًا؟ يفترض هذا النقاش أنّ الإبلاغ عن المخالفات يتطلب تبريرًا، وإلا فإنه يصير أمرًا خاطئًا. ويضع العديد من علماء أخلاقيات الأعمال هذا الافتراض على أساس أن الموظفين لديهم واجب جزئي يتمثل في الولاء لشركاتهم (انظر مثلا: Boatright 2009a). بالمقابل، يجادل البعض بأن العلاقة بين الشركة والموظف هي علاقة تبادلية بحتة – المال مقابل العمل (Duska 2000) – وبالتالي فهي ليست قوية بما يكفي لإرساء واجب الولاء. (للمزيد حول هذه المسألة، انظر المدخل الخاص بالولاء).

وقد وضع ريتشارد دي جوجرج (DeGeorge 2009) أحد أبرز المبررات للإبلاغ عن المخالفات، حيث يرى أنه يجوز للموظف أن يبلغ عن المخالفات إذا كان هذا سيؤدي إلى منع إلحاق الضرر بالمجتمع. (وفي تصور مماثل، يقول برينكيرت [2010] إن واجب الإبلاغ عن المخالفات نابع من واجب منع ارتكابها). بالتالي، فإن واجب منع الضرر أهم وأجدى من واجب الولاء. ويضيف دي جورج أنه لكي نجزم بأن الإبلاغ عن المخالفات ليس جائزًا فحسب بل مطلوبًا، يجب أن نأخذ في اعتبارنا مدى احتمالية نجاح عملية الإبلاغ عن المخالفات وتأثيراتها على الشخص المُبلغ. إن البشر بفطرتهم مخلوقات قبَلية، وغالبًا ما يتعرض المُبلغين عن المخالفات للمعاملة السيئة من قِبل زملائهم. لذلك إن لم يكن من المرجح نجاح الإبلاغ عن المخالفات، فلا داعي للمحاولة. ويمكن النظر إلى عدم وجود مطالبة أخلاقية بالإبلاغ عن المخالفات في هذه الحالات على أنه مثال محدد للقاعدة التي تنص على أنه لا يجب على الأفراد تقديم تضحيات شخصية هائلة لتعزيز مصالح الآخرين، حتى عندما تكون تلك المصالح مهمة.

قدم ديفيز (Davis 2003) تصورًا آخرًا لمسألة الإبلاغ عن المخالفات، حيث ركز، أسوة بالمفكر برينكيرت (وعلى خلاف DeGeorge)، على المخالفات التي تتورط فيها الشركة (وليس الضرر الذي تسببه)، إلا أن الهدف من الإبلاغ عن المخالفات، من وجهة نظر ديفيز، ليس منع ارتكابها بقدر ما هو لتجنب التواطؤ فيها. ويقول ديفيز إن الموظف مطالب بالإبلاغ عن مخالفات شركته عندما يعتقد أنها متورطة في سلوك خاطئ بشكل جسيم، وأن عمله بالشركة “سيسهم… في هذا الخطأ إذا… [هو] [لم] يكشف علنًا عما [يعرفه]” (2003: 550). وتتسم رؤية ديفيز بميزة غير معتادة تتمثل في جعل الإبلاغ عن المخالفات مقصورًا على من يعملون حاليًا داخل الشركة، أي أنه لا يمكنك “الإبلاغ عن مخالفات” الشركة بعد تركها.

إن مسألة الإبلاغ عن المخالفات تُبرز ظاهرة حقيقية ومهمة، لكنها لا تبدو مميزة من الناحية الأخلاقية، بمعنى أن القيم والواجبات التي تنطوي عليها تُعد مألوفة. قد يتطلب الولاء لفرد (أو لمجموعة) إعطاء الأفضلية لمصالحه (أو لمصالح المجموعة)، إلى حد ما. وعلى الرغم من ذلك، يجب علينا عمومًا أن نتجنب التواطؤ في السلوكيات غير الأخلاقية، كما يجب أن نبذل جهدنا لمنع الضر والمخالفة، لاسيما عندما يكون من المرجح نجاح تلك الجهود وليست مكلفة جداً على المستوى الشخصي. ووفقًا لوجهات النظر المذكورة أعلاه، فإن الإبلاغ عن المخالفات هو مجرد محاولة للتصرف وفقًا لهذه القيم، وأداء هذه الواجبات، في سياق أماكن العمل.

 

7- الشركات والمجتمع

تمتلك الشركات والأعمال التجارية برمتها موارد هائلة، ونتيجة لذلك يمكن أن يكون لها تأثيرًا هائلًا على المجتمع. ومن بين الطرق التي تؤثر بها الأعمال التجارية على المجتمع هي، بالطبع، إنتاج السلع والخدمات وتوفير الوظائف، لكن يمكن أيضًا للشركات التأثير على المجتمع من خلال محاولة حل المشكلات الاجتماعية واستخدام مواردها للتأثير على قوانين الدول وتشريعاتها.

 

7-1 المسؤولية الاجتماعية للشركات

عادةً ما تُفهم “المسؤولية الاجتماعية للشركات” على أنها إجراءات تتخذها الشركات والأعمال التجارية وتتسم بأنها (1) غير مطلوبة قانونًا و(2) تهدف إلى إفادة أطراف أخرى غير الشركة (في حين أن الفوائد التي تجنيها الشركة تكون من ناحية العائد على حقوق المساهمين أو العائد على الأصول أو بعض مقاييس الأداء المالي الأخرى). وقد تكون الأطراف المستفيدة ذات صلة قريبة أو بعيدة بالشركة؛ إذ يمكن أن يستفيد موظفو الشركة أو أشخاصًا في بلادٍ بعيدة.

ويُعد ما فعلته شركة ميرك (Merck) للأدوية من أشهر الأمثلة على المسؤولية الاجتماعية للشركات، ففي أواخر سبعينيات القرن الماضي، كانت شركة ميرك تعمل على تطوير دواء لعلاج الطفيليات في الماشية، واكتشف الباحثون أنه يمكن استخدام نسخة معدلة من الدواء لعلاج العمى النهري، وهو مرض يسبب الحكة الموهنة والألم، ثم العمى في النهاية. كانت المشكلة أن الدواء سيكلف ملايين الدولارات لتطويره وأنه سيدر عائدات قليلة أو معدومة للشركة، نظرًا لأن المصابين بالعمى النهري – ملايين الأفارقة جنوب الصحراء – كانوا أفقر من أن يتحملوا تكلفته، لكن الشركة قررت في النهاية تطوير الدواء. وكما هو متوقع، كان الدواء فعالًا في علاج العمى النهري، لكن شركة ميرك لم تجني أي أموال منه. وحتى كتابة هذه السطور في عام 2016، تواصل شركة ميرك، بالتنسيق مع العديد من المنظمات غير الحكومية، تصنيع الدواء وتوزيعه مجانًا في جميع أنحاء البلدان النامية.

إن مصطلح “المسؤولية الاجتماعية للشركات” ليس المصطلح الوحيد الذي يستخدمه علماء أخلاقيات الأعمال لوصف الأفعال الشبيهة بما قامت به شركة ميرك، إذ يمكن وصف تلك الأفعال على أنها مثال على “مواطنة الشركات” أو “استدامة الشركات” (Crane، Matten، & Moon 2008؛ Néron & Norman 2008). ومن المشكوك فيه أن تكون تسمية أي شيء مهم متوقفة على اختيار المرء للتسميات.

يهيمن العلماء الاجتماعيون على الأدبيات العلمية حول المسؤولية الاجتماعية للشركات، وعادة ما يتمحور سؤالهم حول ما إذا كانت الأفعال المسؤولة اجتماعيًا تفيد الشركات ماليًا، ومتى وكيف يحدث ذلك. يبدو أن النظرية السائدة والمتعارف عليها تقضي بأن هناك علاقة إيجابية طفيفة بين الأداء الاجتماعي للشركات وأداءها المالي، إلَّا أنّ هذه العلاقة تظل غير واضحة من الناحية السببية (Margolis & Walsh 2003؛ Orlitzky et al. 2003؛ Vogel 2005)، بمعنى أنه من غير من الواضح ما إذا كان السلوك الاجتماعي الإيجابي للشركات يؤدي إلى استفادتها ماليًا (مثل جذب المستهلكين الذين يقدرون ذلك السلوك)، أو ما إذا كان النجاح المالي يدفع الشركات إلى الانخراط في سلوكيات اجتماعية أكثر إيجابية (مثل تحرير الموارد التي كان من الممكن إنفاقها على مهام العمل الأساسية). ونظرًا لأن اهتمامنا منصبٌ على الأسئلة المعيارية، فسوف نركز على الأسباب الأخلاقية المؤيدة والمعارضة للمسؤولية الاجتماعية للشركات.

يربط بعض المفكرين النقاش حول المسؤولية الاجتماعية للشركات بالنقاش حول غايات حوكمة الشركات، لذلك يعترض فريدمان (1970) على المسؤولية الاجتماعية للشركات، قائلًا إنه يجب على المديرين زيادة ثروات المساهمين بدلاً من ذلك. ويُعتقد أن نظرية أصحاب المصلحة أكثر استيعابًا للنشاط الاجتماعي الإيجابي للشركات، لأنها تسمح للشركات بفعل أمور أخرى خلاف زيادة ثروات المساهمين، إلا أننا لسنا بحاجة للنظر إلى النقاش بشأن المسؤولية الاجتماعية للشركات على أنه حجج حول الغايات الصحيحة للحوكمة. بالمقابل، يمكن أن ننظر إليه على أنه نقاش حول وسائل تحقيق تلك الغايات، مع وجود من يجادل، وكذك من ينكر، بأن هناك أفعال معينة من السلوك الاجتماعي الإيجابي مطلوبة أخلاقيًا بغض النظر عن الغاية التي تسعى الشركة لتحقيقها.

يُقدم العديد من المفكرين أسبابًا وحججًا عواقبية عامة للمسؤولية الاجتماعية للشركات، وتميل تلك الحجج في معظمها إلى اتباع النهج التالي: (1) نظرًا لوجود مشاكل خطيرة في العالم، مثل الفقر والصراعات والتدهور البيئي وما شابه، (2) فإن أي وكيل أخلاقي لديه الموارد والمعرفة اللازمة لتخفيف حدة تلك المشكلات يتحمل مسؤولية أخلاقية للقيام بذلك، بافتراض أن التكاليف التي يتكبدها هؤلاء الوكلاء ليست كبيرة؛ (3) وبما أن الشركات تمتلك الموارد والمعرفة اللازمة لتخفيف حدة تلك المشكلات دون تكبد تكاليف كبيرة؛ لذلك، (4) يجب على الشركات التخفيف من حدة تلك المشكلات. إن وجهة النظر القائلة بأنه يجب على أحد ما فعل شيء حيال مشاكل العالم تبدو صحيحة لكثير من الناس، ولا تتعلق المسألة فقط بوجود فرصة لزيادة الرفاهية الاجتماعية من خلال تخفيف المعاناة، بل إن هؤلاء الذين يعانون لهم الحق في المساعدة. وتكمن المسألة الخلافية في من يجب أن يساعد وبأي قدر يجب أن يساعد، لذا فإن المدافعين عن الحجة المذكورة أعلاه يركزون معظم اهتمامهم على إثبات أن الشركات عليها هذه الواجبات، في مقابل من يقولون إن هذه الواجبات تقع على عاتق الدول أو الأفراد.

يجادل كلًا من ويتسين (2009 Wettstein) وأونيل (2001 O’Neill) بأن الشركات “وكلاءٌ للعدالة”، مثلها مثل الدول والأفراد، ويقع على عاتقها واجب مساعدة المحتاجين. ويُشرع سترادلر (Strudler 2017) السلوك الإيثاري للشركات من خلال تقويض الادعاء بأن المساهمين يمتلكون الشركات، وبالتالي فهم يستحقون فائض ثرواتها. ويقول هسيه (2004Hsieh ) إنه حتى لو سلمنا بأن الشركات ليس عليها التزامات اجتماعية، فإن الأفراد يتحملون تلك الالتزامات وأفضل طريقة لهم للوفاء بها هي من خلال أنشطة شركاتهم (انظر أيضًا McMahon 2013).

إن النقاشات حول المسؤولية الاجتماعية للشركات ليست مقتصرة على ما إذا كان يجب على شركات معينة معالجة علل اجتماعية محددة، بل تشمل أيضًا نقاشات حول نوع المجتمع الذي نرغب بالعيش فيه. وبالرعم من اعتراف برينكرت Brenkert  (1992b) بأن الشركات تفيد المجتمع من خلال المسؤولية الاجتماعية لها، فإنه يعتقد بأن من الخطأ أن يشجع الناس الشركات على الانخراط في مسؤولياتها الاجتماعية بوصفها ممارسة. ويضيف برينكرت أنه عندما نفعل ذلك، فإننا نتنازل عن جزء من المجال العام إلى جهات خاصة، وبدلاً من أن نقرر معًا كيف نريد الحد من العلل الاجتماعية التي تؤثر على أفراد المجتمع، فإننا نترك الأمر برمته للمنظمات الخاصة لتقرر ما يجب القيام به، وبدلاً من شحذ مهاراتنا الديمقراطية من خلال المداولة وإعادة تأكيد الروابط الاجتماعية من خلال المساعدة المتبادلة، فإننا نعرض مهاراتنا وروابطنا للضمور نتيجة عدم الاستخدام.

 

7-2 الشركات والحكومات والمسؤولية الاجتماعية للشركات من الناحية السياسية

تشارك العديد من الشركات بشكل نشط في الساحة السياسية، إذ تدعم المرشحين للانتخابات، وتتبنى بعض المواقف بشأن القضايا المطروحة في النقاش العام، وتمارس الضغط على المسؤولين الحكوميين، والكثير من الأمور الأخرى (انظر Stark 2010). والسؤال المطروح هنا هو ما موقف أخلاقيات الأعمال من هذه الأنشطة؟

لقد أنتج العلماء الاجتماعيون الكثير من المؤلفات عن النشاط السياسي للشركات (انظر Hillman، Keim، & Schuler 2004)، وسنركز في هذا البحث على مجموعة من الأسئلة مثل: ما هي الصور التي تتخذها الأنشطة السياسية للشركات؟ وما هي سوابق تلك الأنشطة؟ وما عواقبها؟ كما أن النشاط السياسي للشركات يثير العديد من الأسئلة المعيارية.

يتمحور أحد الأسئلة حول ما إذا كانت الشركات كيانات مناسبة للمشاركة في النشاط السياسي. غالبًا ما يجد المواطنون في الدول الكبرى أن من المفيد الانضمام إلى الجمعيات التي تمثل ميولهم، بغرض تمثيل آرائهم في صنع القرار السياسي. لكن في حين أن مثل هذه المنظمات والأحزاب كالحزب الجمهوري ونادي سييرا مناسبين للمشاركة في الساحة السياسية، إلا أنه ليس من الواضح ما إذا كانت منظمات مثل ميرك أو وول مارت مناسبين لذلك، نظرًا لأن تلك المنظمات ليس لها دور معترف به في العملية السياسية، فضلًا عن أن المواطنين لا ينضمون إليها أو يغادرونها بناءً على اعتبارات سياسية (Hussain & Moriarty forthcoming; Tucker 2010). وعلى هذا الأساس انتقد البعض قرار الأغلبية الصادر عن المحكمة العليا الأمريكية في قضية “مواطنون متحدون Citizens United” – الذي أكد وعزز حقوق الشركات في المشاركة بالخطاب السياسي. بدلاً من ذلك، يمكن أن ننظر إلى الشركات كمتحدثين شرعيين نيابةً عن وجهات نظر معينة (Stark 2010).

كما أثار العلماء أسئلة حول أهداف النشاط السياسي للشركات، حيث يمكن للشركة فعل بعض الأمور عند انخراطها في النشاط السياسي من بينها تقديم معلومات قيمة للمسؤولين الحكوميين، إذ من مصلحة المجتمع معرفة كيف ستؤثر السياسات الاقتصادية المقترحة على الشركات؛ وتُعد الشركات نفسها مصدرًا جيدًا للمعلومات حول تلك الأسئلة. لكن البعض قلقٌ من أن الشركات غالبًا ما تنخرط في النشاط السياسي من أجل خدمة مصالحها الخاصة على حساب منافسيها، وهو ما يوصف أحيانًا، ويُدان، بأنه “سعىٌ وراء الريع” (1989 Tullock). وقد أثيرت تساؤلات حول طبيعة “السعي وراء الريع” ومشروعيته، ووفقًا للتعاريف الموحدة، فإن السعي وراء الريع هو نشاط اجتماعي مُهدر للموارد الاقتصادية يهدف إلى تأمين الحصول على منافع من الدولة بدلًا من السوق. إلا أن هناك خلاف حول ما يمكن تصنيفه على أنه هَدْر، فغالبًا ما يوصف الضغط من أجل الإعانات الزراعية على أنه نشاط يسعى إلى الريع، لكن قد يكون من المهم تأمين الإمدادات الغذائية للدولة (Boatright 2009b ؛ Hindmoor 1999). ومن القضايا ذات الصلة مسألة ما إذا كان مسموحًا للشركات بالمشاركة في سلوك السعي وراء الريع، ويبدو أن هيكل المشكلة يتمثل في “معضلة السجينين”: غالبًا ما يكون أداء الشركات الفردية أفضل إذا انخرطت في السعي وراء الريع، لكن الاقتصاد ككل يكون أسوأ إذا انخرطت جميع الشركات في هذا السلوك (DeBow 1992-1993).

إنّ أشكال الأنشطة السياسية للشركات المحددة أعلاه – المشاركة في الخطاب العام والضغط على المسؤولين الحكوميين – تمر “عبر” العملية السياسية الرسمية، لكن الشركات تنخرط بشكل متزايد في ما يبدو أنه نشاط سياسي يدور “حول” أو “خارج” هذه العملية، لا سيما في الظروف التي تكون فيها الدولة ضعيفة أو فاسدة أو عاجزة. ونرى في عالمنا المعاصر أن الشركات باتت توفر المنافع العامة مثل الرعاية الصحية والتعليم (Ruggie 2004)، وتحمي حقوق المواطنة للأفراد (Matten & Crane 2005)، كما أنها تساعد في وضع وإنفاذ الأنظمة والتشريعات الخاصة أو “القانون غير الملزم” (Vogel 2010)، مثلما حدث في بنجلاديش على سبيل المثال عندما انهار مبنى رنا بلازا عام 2013، وأسفر عن مقتل أكثر من 1000 عامل من عمال صناعة الملابس، حيث وُضعت حينها قوانين وأنظمة جديدة للبناء ودخلت حيز التنفيذ، لكن حكومة بنغلاديش ليست من وضع تلك القوانين، بل الشركات متعددة الجنسيات التي تزودها المصانع في بنغلاديش بالملابس. ويصف المفكرون هذه الأنشطة بأنها سياسية لأنها نوع من الأعمال التي تتكفل الدول عادةً بأدائها أو يجب أن تؤديها (Matten & Crane 2005; Scherer & Palazzo 2007, 2011). وقد أثارت هذه الأشكال الجديدة من الأنشطة السياسية للشركات – المسماة “المسؤولية الاجتماعية للشركات من الناحية السياسية” – تساؤلات حول شرعية تصرفات الشركات في الدول التي تُحكم بشكل ديمقراطي.

يُعدّ شيرر وبالازو Scherer and Palazzo ( (2007, 2011 من المساهمين الرئيسيين في هذا النقاش، وتتمثل وجهة نظرهما في أنه إذا كانت الشركات تتصرف مثل الدول، فيجب أن تُدار مثل الدول (انظر أيضًا Matten & Crane 2005). ويتسم شكل الحوكمة الذي يفكر فيه شيرير وبالازو بأنه ذو طابع هابرماسي [نسبة لنظرية هابرماس]، بحيث يتضمن حوارًا تداوليًا بين جميع أصحاب المصلحة الذين يتأثرون بإجراءات الشركة. وقد قدم المفكران أمثلة على هذا النوع من ترتيبات الحوكمة عبر مبادرات أصحاب المصلحة المتعددين (MSIs) التي تجمع الشركات والمنظمات غير الحكومية وأعضاء المجتمعات المحلية من أجل التداول واتخاذ قرارات بشأن المسائل السياسة، مثل مجلس رعاية الغابات (FSC)، ومنظمة المائدة المستديرة بشأن زيت النخيل المستدام (RSPO)، ومبادرة الشفافية في مجال الصناعات الاستخراجية (EITI). في المقابل، اتهم النقاد مبادرات أصحاب المصلحة المتعددين، قائلين إنه بالرغم من فعاليتها في إجراء حوار بين أصحاب المصلحة، فإنها غير فعالة في محاسبة الشركات (Moog ،Spicer ، & Böhm 2015). ليس هناك شك في أن الشركات يمكن أن تفيد المجتمع من خلال مسؤوليتها الاجتماعية من الناحية السياسية، إذ إن قوانين البناء التي وضعتها الشركات الغربية متعددة الجنسيات قد تنقذ حياة العديد من عمال الملابس البنغاليين، لكن ما لم تُستحدث أشكال جديدة من حوكمة الشركات، فإن هذه الفوائد قد تأتي على حساب الحكم الذاتي الديمقراطي.

ولعلّ الطريقة الأذكى التي تُمكن الشركات من الانخراط في النشاط السياسي بشكل غير ملحوظ هي ممارسة حقوقها في الملكية (Christiano 2010)، إذ قد تنقل الشركة نشاطاتها خارج الدولة ردًا على إقرار قانون لا تؤيده، أو أن تهدد بالخروج منها إذا تم تمرير مثل هذا القانون، مما قد يدفع مواطني تلك الدولة إلى مراجعة قراراتهم السياسية أو تعديلها. ويمكن أن نشيد بنتائج هذا النوع من النشاط السياسي، كما فعلنا مع بعض حالات المسؤولية الاجتماعية للشركات من الناحية السياسية. وقد أشاد الكثيرون بما فعلته ولاية إنديانا عندما راجعت قانونها الذي يسمح بالتمييز ضد أفراد مجتمع الميم (على أساس الحرية الدينية)، وذلك استجابةً لتهديد بعض الشركات صاحبة النفوذ، مثل شركتي Salesforce وAngie’s List، بأنها ستقلص نشاطاتها الاقتصادية في الولاية. ومع ذلك، ليس من الواضح ما إذا كان ينبغي تشجيع الشركات على مثل هذا السلوك. وتجدر الإشارة هنا إلى أهمية التمييز بين الأفراد الذين يؤثرون في صنع القرار السياسي من خلال ممارسة حقوقهم في الملكية، والشركات التي تفعل الشيء نفسه.

 

7-3 الأعمال التجارية الدولية

تعمل العديد من الشركات عبر الحدود المجتمعية، بما في ذلك الحدود الوطنية، وعادة ما تُسمى هذه الشركات “متعددة الجنسيات” أو “عبر الوطنية” (الشركات متعددة الجنسيات MNCs أو الشركات عبر الوطنية TNCs). ويضاعف العمل على الصعيد الدولي من أهمية عدد من القضايا الأخلاقية التي نوقشت أعلاه، مثل المسؤولية الاجتماعية للشركات، كما أنه يثير قضايا جديدة، مثل النسبوية وسحب الاستثمارات. (لن نتطرق في هذا القسم إلى قضيتين غالبًا ما يتم مناقشتهما في إطار الأعمال التجارية الدولية؛ الأولى هي قضية الأجور وظروف العمل في المصانع الخارجية، التي يُطلق عليها غالبًا المصانع الاستغلالية. وقد ناقشنا تلك القضية بإيجاز في القسم 6.2 من هذا البحث، أما القضية الأخرى فتتمثل في الفساد، ويمكنك الاطلاع على المدخل الخاص بالفساد لرؤية النقاشات المتعلقة بهذه القضية).

 إن السؤال حول ما إذا كان من واجب الشركات القيام بأعمال مسؤولة اجتماعيًا يمكن طرحه بشأن الشركات العاملة على الصعيد المحلي، وقد طرحناه بالفعل، لكن هذا السؤال يبدو ملحًا بشكل خاص على الأصعدة الدولية، كما أن الكثير من الأمثلة المشهورة عن المسؤولية الاجتماعية للشركات – بما في ذلك مثال شركة ميرك ودواء العمى النهري الذي ناقشناه بالقسم 7.1 – قد حدثت في البلدان النامية. ويمكن عزو ذلك إلى سببين؛ الأول أن المشكلات الاجتماعية، بما في ذلك الفقر والتدهور البيئي، غالبًا ما تكون أسوأ في البلدان النامية عنها في البلدان المتقدمة. ويكمن السبب الثاني في أن الشركات جهاتٌ فاعلة وأقوى نسبيًا في البلدان النامية منها في البلدان المتقدمة.

وقد وضَع عددٌ من علماء أخلاقيات الأعمال ومفكريهم، من بينهم دي جورج (1993) ودونالدسون (1989)، قواعد أخلاقية للشركات متعددة الجنسيات. كما وضعت الوكالات الدولية مدونات القواعد الأخلاقية للأعمال التجارية، ولعل أشهرها الميثاق العالمي للأمم المتحدة، حيث تتطلب عضويته من المنظمات الالتزام بمجموعة متنوعة من القواعد في مجالات حقوق الإنسان والعمل والبيئة ومكافحة الفساد. وقد تمكن جون رودجي خلال فترة عمله المهمة لدى هيئة الأمم المتحدة (2004، 2013) من وضع إطار “الحماية والاحترام والانتصاف” للشركات متعددة الجنسيات وحقوق الإنسان، الذي يكلف الدولة بالواجب الأساسي لحماية حقوق الإنسان ومعالجة الانتهاكات، ويكلف الشركات بواجب احترام تلك الحقوق (راجع Wettstein 2009). ومن الحقائق اللافتة للنظر حول جزء كبير من تلك الأبحاث أنه بالرغم من تركيزها على الأعمال التجارية الدولية، وأنها تصْدر أحيانًا عن وكالات دولية، فإن الاستنتاجات التي تم التوصل إليها لا تنطبق تحديدًا على الشركات عبر الوطنية، إذ إن واجب احترام حقوق الإنسان، على سبيل المثال، ينطبق أيضًا على الشركات الوطنية. لكن الأمر ببساطة هو أن أداء هذا الواجب يبدو أكثر أهمية على الصعيد الدولي، وفيه تكون الشركات من بين الوكلاء القلائل الذين يمكنهم أداء هذا الواجب.

ومع ذلك، توجد بعض القضايا التي تنشأ تحديدًا للشركات التي تمارس الأعمال التجارية الدولية. إن أي دارسٍ مبتدئ لعلم الأخلاق يتعلم أن الثقافات المختلفة لها قواعد أخلاقية مختلفة، وعادة ما تكون هذه دعوة للتفكير فيما إذا كانت الأخلاق مرتبطة بالثقافة أم لا. لكن هذه القضية تمثل تحديًا أكثر إلحاحًا بالنسبة لرجال الأعمال: كيف يمكن إدارة الاختلافات الثقافية في القواعد الأخلاقية؟ لاسيما عند بدء التشغيل في بلد “مضيف”، هل يجب على رجل الأعمال تبني معايير البلد المضيف، أم تطبيق معايير بلده “الأم”؟

ويُعد دونالدسون صوتًا رائدًا في هذه المسألة، إذ بحثها بشكل مستقل (1989، 1996) وكذلك بالتعاون مع دنفي (1999). ويجادل دونالدسون ودنفي بأن هناك “حدودًا أخلاقية” معينة يجب الالتزام بها على جميع الأصعدة والسياقات. وتُـقَـدم لنا تلك الحدود من خلال “القواعد الأخلاقية الأساسية” أو القيم والقواعد الأخلاقية العالمية، التي يمكن تبريرها بوصفها تقاربًا بين النظم العقائدية “الدينية والفلسفية والثقافية” (1999: 57). ويقول دونالدسون ودنفي إن الشركات لديها “مساحة حرة” لاختيار معاييرها الأخلاقية ضمن الحدود التي وضعتها القواعد الأخلاقية الأساسية. بالتالي، فإن الشركات ليس لديها الحرية المطلقة في اختيار أي معايير يريدونها، بل يجب أن تسترشد تلك الخيارات بتقاليد البلد المضيف ومستواه الحالي من التنمية الاقتصادية.

وقد استقطب نهج دونالدسون ودنفي قدرًا كبيرًا من الاهتمام والنقد، وتركزت معظم تلك الانتقادات حول طبيعة القيم الأخلاقية الأساسية. ويجادل بعض النقاد بأن معايير دونالدسون ودنفي لتلك القيم تُعد معاييرًا خاصة (Scherer 2015)، بينما يزعم آخرون بأن بعض القواعد التي يدعيان أنها أساسية (مثل حظر التمييز بين الجنسين) لا تستوفي معاييرهما المعلنة (Mayer & Cava 1995). ويركز مفكرون آخرون على تطبيق نظرية دونالدسون ودنفي، محتجين بأن نظريتهما لا تُقدم للمديرين التوجيهات المحددة التي تدعي أنها تقدمها (Soule 2002).

ولعلّ ما يُعقِّد النقاش حول ما إذا كان يجب تطبيق معايير البلد الأم في البلدان المضيفة أن الشركات متعددة الجنسيات تنخرط في الأعمال التجارية عبر الحدود الوطنية بطرق مختلفة، إذ إن بعض الشركات متعددة الجنسيات توظف العمال بشكل مباشر في العديد من البلدان، بينما تتعاقد شركات أخرى مع موردين في بلدان متعددة؛ فشركة نايكي (Nike)، على سبيل المثال، لا توظف العمال بشكل مباشر لصنع الأحذية، وإنما تقوم الشركة بتصميم الأحذية ثم تستأجر شركات في بلدان أخرى لتصنيعها. علاوةً على ذلك، فإن وجهات نظرنا حول ما إذا كان يجب على الشركات متعددة الجنسيات تطبيق معايير البلد الأم في البلد المضيف تعتمد على ما إذا كانت الشركة ستطبق تلك المعايير على عمالها أو على عمال الشركات الأخرى. الأمر نفسه ينطبق على قضية المساءلة، فغالبًا ما تتحمل الشركات متعددة الجنسيات، خاصة في القطاعات التي تتعامل مع العملاء مباشرة، مسؤولية ظروف العمل السيئة في مصانع مورديها. وقد تعرضت نايكي لانتقادات حادة في تسعينيات القرن الماضي بسبب ممارسات العمل لمورديها (Hartman et al. 2003). بالتالي، فإن وجهات نظرنا حول مدى مسؤولية الشركات متعددة الجنسيات تعتمد على ما إذا كانت تلك الممارسات الإشكالية موجودة في مصانع الشركات متعددة الجنسيات أو في مصانع مورديها.

قد يجد رجل الأعمال أن معايير الدولة المضيفة لا تختلف فقط عن معايير بلده الأم، بل إنها أيضًا غير مقبولة أخلاقيًا. بالتالي، قد يقرر رجل الأعمال أن التصرف الصحيح هو عدم ممارسة الأعمال التجارية في هذا البلد على الإطلاق، وإذا كان يستثمر أمواله بالفعل في ذلك البلد، فإنه يقرر سحب استثماراته. وقد حظيت قضية سحب الاستثمارات باهتمام كبير في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته، حينما كانت الشركات متعددة الجنسيات تقرر ما إذا كانت ستسحب استثماراتها من جنوب إفريقيا في ظل نظام الفصل العنصري أم لا. كما أن هذه القضية قد تحظى بالاهتمام مجددًا خلال السنوات القادمة حيث تفكر الشركات والمنظمات في سحب استثماراتها من صناعة الوقود الأحفوري. إن الأسباب الشائعة لسحب الاستثمارات من المجتمعات أو الصناعات التي بها مشاكل أخلاقية تتمثل في تجنب التواطؤ في الممارسات غير الأخلاقية، والضغط على تلك المجتمعات أو الصناعات لتغيير ممارساتها. ويبدي منتقدو سحب الاستثمارات قلقهم بشأن تأثيرات ذلك على الأطراف الثالثة البريئة (Donaldson 1989) وكذلك بشأن جدوى سحب الاستثمارات في فرض التغيير الاجتماعي (Teoh, Welch, & Wazzan 1999). ويعتقد البعض أنه من الأفضل للشركات أن تظل منخرطة في تلك المجتمعات أو الصناعات وتحاول إحداث التغيير من الداخل.

 

8- مكانة أخلاقيات الأعمال

لقد نشأ مجال أخلاقيات الأعمال، بشكله الحالي، من الأبحاث التي أجراها علماء الفلسفة الأخلاقية والسياسية في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته ، وليس من الصعب معرفة سبب اهتمامهم بمجال الأعمال، إذ تثير الأنشطة التجارية عددًا من القضايا الفلسفية المثيرة للاهتمام: حول الوكالة والصدق والتلاعب والاستغلال والعدالة وغيرها الكثير. ومع ذلك، يبدو أن هذا المجال يشهد تراجعًا وانسحابًا من الفلاسفة مقارنةً بالطفرة التي شهدها قبل 30 عامًا، فلا يكاد توجد حاليًا أي برامج لدرجة الدكتوراه في الفلسفة بها هيئة تدريس متخصصة في أخلاقيات الأعمال، مما أدى إلى قلة شهادات الدكتوراه الجديدة في هذا المجال. وعادةً ما يكون الفلاسفة العاملون في مجال أخلاقيات الأعمال “متحولين” إليه من النظريات الأخلاقية السائدة والفلسفة السياسية، وهو ما يُمثل فرصة ضائعة. ويهتم العديد من رجال الأعمال بمجال أخلاقيات الأعمال: فهم يرون أنفسهم أشخاصًا صالحين ولديهم الرغبة لفعل الصواب في أعمالهم. كما أن العديد من هيئات الاعتماد الأكاديمي، مثل جمعية اعتماد كليات الأعمال (AACSB)، تطلب من كليات الأعمال تدريس علم الأخلاق. ومع تراجع أعداد الفلاسفة في هذا المجال، لجأت كليات الأعمال إلى علماء الإدارة لملء الفراغ، لكن نظرًا لأن تدريب هؤلاء العلماء يكون في العلوم الاجتماعية، فإنهم يتعاملون مع علم الأخلاق بوصفه مشروعاً وصفياً، أي بوصفه دراسة لأسباب وتأثيرات السلوك الأخلاقي أو الاجتماعي الإيجابي المزعوم. لا شك أن هذا المشروع مهم، بيد أنه ليس بديلًا عن التفكير المعياري في ما هو أخلاقي في العمل التجاري. وآمل أن يساعد هذا المدخل في إطلاع الفلاسفة على مدى ثراء مجال أخلاقيات الأعمال وقيمته، ولعل في ذلك ما يشجع على مزيد من الاهتمام في هذا المجال.

 


المراجع

  • Alzola, M., 2012, “The Possibility of Virtue”, Business Ethics Quarterly, 22(02): 377–404.
  • Anderson, E., 1993, Value in Ethics and Economics, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • –––, 2015, “Liberty, Equality, and Private government”, Tanner Lectures in Human Values, Tanner Humanities Center, University of Utah, pp. 61–122 [Anderson 2015 available online].
  • Arneson, R.J., 1987, “Meaningful Work and Market Socialism”, Ethics, 97(3): 517–545.
  • –––, 2009, “Meaningful Work and Market Socialism Revisited”, Analyse & Kritik, 31(1): 139–151.
  • Arnold, D.G. & N.E. Bowie, 2003, “Sweatshops and Respect for Persons”, Business Ethics Quarterly, 13(2): 221–242.
  • Arnold, S., 2012, “The Difference Principle at Work”, Journal of Political Philosophy, 20(1): 94–118.
  • Arrington, R.L., 1982, “Advertising and Behavior Control”, Journal of Business Ethics, 1(1): 3–12.
  • Attas, D., 1999, “What’s Wrong with ‘Deceptive’ Advertising?”, Journal of Business Ethics, 21(1): 49–59.
  • Bainbridge, S.M., 2008, The New Corporate Governance in Theory and Practice, New York: Oxford University Press.
  • Bazerman, M.H. & A.E. Tenbrunsel, 2011, Blind Spots: Why We Fail to Do Whats Right and What to Do about It, Princeton, NJ: Princeton University Press.
  • Beadle, R. & G. Moore, 2006, “MacIntyre on Virtue and Organization”, Organization Studies, 27(3): 323–340.
  • Beauchamp, T.L., R.M. Hare, & B. Biederman, 1984, “Manipulative Advertising [with Commentaries]”, Business & Professional Ethics Journal, 3(3/4): 1–30.
  • Bebchuk, L.A. & J.M. Fried, 2004, Pay Without Performance: The Unfulfilled Promise of Executive Compensation, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • Bishop, J.D., 2000, “Is Self-Identity Image Advertising Ethical?”, Business Ethics Quarterly, 10(2): 371–398.
  • Boatright, J.R., 1994, “Fiduciary Duties and the Shareholder-Management Relation: Or, What’s So Special about Shareholders?”, Business Ethics Quarterly, 4(4): 393–407.
  • –––, 2009a, Ethics and the Conduct of Business, Upper Saddle River, NJ: Pearson Prentice Hall, 6th edition.
  • –––, 2009b, “Rent Seeking in a Market with Morality: Solving a Puzzle about Corporate Social Responsibility”, Journal of Business Ethics, 88(4): 541–552.
  • –––, 2010, “Executive Compensation: Unjust or Just Right?”, in G.G. Brenkert & T. L. Beauchamp (eds.), Oxford Handbook of Business Ethics, New York: Oxford University Press, pp. 161–201
  • Bowie, N.E., 1999, Business Ethics: A Kantian Perspective, Malden, MA: Blackwell.
  • Brenkert, G.G., 1992a, “Freedom, Participation, and Corporations: The Issue of Corporate (Economic) Democracy”, Business Ethics Quarterly, 2(3): 251–269.
  • –––, 1992b, “Private Corporations and Public Welfare”, Public Affairs Quarterly, 6(2): 155–168.
  • –––, 2008, Marketing Ethics, Malden, MA: Wiley-Blackwell.
  • –––, 2010, “Whistle-blowing, Moral Integrity, and Organizational Ethics”, in G.G. Brenkert & T.L. Beauchamp (eds.), Oxford Handbook of Business Ethics, New York: Oxford University Press, pp. 563–601.
  • Brennan, J. & P.M. Jaworski, 2016, Markets Without Limits: Moral Virtues and Commercial Interests, New York: Routledge.
  • Carr, A.Z., 1968, “Is Business Bluffing Ethical?”, Harvard Business Review, 46(1): 143–153.
  • Carson, T.L., 2010, Lying and Deception: Theory and Practice, New York: Oxford University Press.
  • Child, J.W., 1994, “Can Libertarianism Sustain a Fraud Standard?”, Ethics, 104(4): 722–738.
  • Child, J.W. & A.M. Marcoux, 1999, “Freeman and Evan: Stakeholder Theory in the Original Position”, Business Ethics Quarterly, 9(2): 207–223.
  • Christiano, T., 2010, “The Uneasy Relationship Between Democracy and Capital”, Social Philosophy and Policy, 27(1): 195–217.
  • Cohen, J., 1989, “The Economic Basis of Deliberative Democracy”, Social Philosophy and Policy, 6(2): 25–50.
  • Coons, C. & M. Weber (eds.), 2012, Manipulation: Theory and Practice, New York: Oxford University Press.
  • Copp, D., 2006, “On the Agency of Certain Collective Entities: An argument for ‘Normative Autonomy’”, Midwest Studies in Philosophy, 30(1): 194–221.
  • Crane, A., D. Matten, & J. Moon, 2008, Corporations and Citizenship, New York: Cambridge University Press.
  • Crisp, R., 1987, “Persuasive Advertising, Autonomy, and the Creation of Desire”, Journal of Business Ethics, 6(5): 413–418.
  • Dahl, R.A., 1985, A Preface to Economic Democracy, Berkeley, CA: University of California Press.
  • Davis, M., 2003, “Whistleblowing”, in H. LaFollette (ed.), Oxford Handbook of Practical Ethics, New York: Oxford University Press, pp. 539–563.
  • DeBow, M.E., 1992–1993, “The Ethics of Rent-Seeking? A New Perspective on Corporate Social Responsibility”, Journal of Law and Commerce, 12(1): 1–21.
  • DeGeorge, R.T., 1993, Competing with Integrity in International Business, New York: Oxford University Press.
  • –––, 2009, Business Ethics, Upper Saddle River, NJ: Pearson, 7th edition.
  • Donaldson, T., 1982, Corporations and Morality, Englewood Cliffs, NJ: Prentice Hall.
  • –––, 1989, The Ethics of International Business, New York: Oxford University Press.
  • –––, 1996, “Values in Tension: Ethics Away from Home”, Harvard Business Review, 74(5): 48–62.
  • Donaldson, T. & T.W. Dunfee, 1999, Ties that Bind: A Social Contracts Approach to Business Ethics, Cambridge, MA: Harvard Business Press.
  • Donaldson, T. & J.P. Walsh, 2015, “Toward a Theory of Business”, Research in Organizational Behavior, 35: 181–207.
  • Dow, G.K., 2003, Governing the Firm: Workers Control in Theory and Practice, New York: Cambridge University Press.
  • Duska, R., 2000, “Whistleblowing and Employee Loyalty”, in J.R. Desjardins & J. J. McCall (eds.), Contemporary Issues in Business Ethics, Belmont, CA: Wadsworth, 4th edition, pp. 167–172
  • Easterbrook, F.H. & D.R. Fischel, 1996, The Economic Structure of Corporate Law, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • Ebejer, J.M. & M.J. Morden, 1988, “Paternalism in the Marketplace: Should a Salesman be his Buyer’s Keeper?”, Journal of Business Ethics, 7(5): 337–339.
  • Elegido, J.M., 2011, “The Ethics of Price Discrimination”, Business Ethics Quarterly, 21(4): 633–660.
  • Epstein, R.A., 1984, “In Defense of the Contract at Will”, University of Chicago Law Review, 51(4): 947–982.
  • –––, 1992, Forbidden Grounds: The Case Against Employment Discrimination Laws, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • Evan, W.M. & R.E. Freeman, 1988, “A Stakeholder Theory of the Modern Corporation: Kantian Capitalism”, in T.L. Beauchamp & N.E. Bowie (eds.), Ethical Theory and Business, Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall, 3rd edition, pp. 97–106
  • Freeman, R.E., 1984, Strategic Management: A Stakeholder Approach. Boston, MA: Pitman.
  • –––, 1994, “The Politics of Stakeholder Theory: Some Future Directions”, Business Ethics Quarterly, 4(4): 409–421.
  • Freeman, R.E., J.S. Harrison, A.C. Wicks, B.L. Parmar, & S. De Colle, 2010, Stakeholder Theory: The State of the Art, Cambridge, UK: Cambridge University Press.
  • Freeman, R.E. & D.L. Reed, 1983, “Stockholder and Stakeholders: A New Perspective on Corporate Governance”, California Management Review, 25(3): 88–106.
  • French, P.A., 1979, “The Corporation as a Moral Person”, American Philosophical Quarterly, 16(3): 297–317.
  • –––, 1984, Collective and Corporate Responsibility, New York: Columbia University Press.
  • –––, 1995, Corporate Ethics, Fort Worth, TX: Harcourt Brace.
  • Friedman, M., 1970, “The Social Responsibility of Business is to Increase its Profits”, New York Times Magazine (September 13): 32–33, 122–124.
  • Galbraith, J.K., 1958, The Affluent Society, Boston, MA: Houghton Mifflin.
  • Gilbert, M., 1989, On Social Facts, New York: Routledge.
  • Goldman, A., 1984, “Ethical Issues in Advertising”, in T. Regan (ed.), Just Business, New York: Random House, pp. 235–270.
  • Goodpaster, K.E., 1991., “Business Ethics and Stakeholder Analysis”, Business Ethics Quarterly, 1(1): 53–73.
  • Hansmann, H., 1996, The Ownership of Enterprise, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • Hansmann, H. & R. Kraakman, 2001, “The End of History for Corporate Law”, Georgetown Law Journal, 89(2): 439–468.
  • Hartman, E.M., 2015, Virtue in Business: Conversations with Aristotle, New York: Cambridge University Press.
  • Hartman, L.P., D.G. Arnold, & R.E. Wokutch, 2003, Rising Above Sweatshops: Innovative Approaches to Global Labor Challenges, Westport, CT: Praeger.
  • Hasan, R., 2015, “Rawls on Meaningful Work and Freedom”, Social Theory and Practice, 41(3): 477–504. doi:10.5840/soctheorpract201541325
  • Hasnas, J., 1998, “The Normative Theories of Business Ethics: A Guide for the Perplexed”, Business Ethics Quarterly, 8(1): 19–42.
  • –––, 2010, “The Mirage of Product Safety”, in G.G. Brenkert & T. L. Beauchamp (eds.), Oxford Handbook of Business Ethics, New York: Oxford University Press, pp. 677–697.
  • –––, 2012, “Reflections on Corporate Moral Responsibility and the Problem Solving Technique of Alexander the Great”, Journal of Business Ethics, 107(2): 183–195.
  • Hayek, F.A., 1945, “The Use of Knowledge in Society”, American Economic Review, 35(4): 519–530.
  • –––, 1961, “The Non Sequitur of the ‘Dependence Effect’”, Southern Economic Journal, 27(4): 346–348.
  • Heath, J., 2014, Morality, Competition, and the Firm: The Market Failures Approach to Business Ethics, New York: Oxford University Press.
  • Hellman, D., 2008, When is Discrimination Wrong? Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • Hess, K.M., 2014, “The Free Will of Corporations (and Other Collectives)”, Philosophical Studies, 168(1): 241–260.
  • Hillman, A. J., G.D. Keim, & D. Schuler, 2004, “Corporate Political Activity: A Review and Research Agenda”, Journal of Management, 30(6): 837–857.
  • Hindmoor, A., 1999, “Rent Seeking Evaluated”, Journal of Political Philosophy, 7(4): 434–452.
  • Holley, D.M., 1998, “Information Disclosure in Sales”, Journal of Business Ethics, 17(6): 631–641.
  • Hsieh, N.-h, 2004, “The Obligations of Transnational Corporations: Rawlsian Justice and the Duty of Assistance”, Business Ethics Quarterly, 14(4): 643–661.
  • –––, 2005, “Rawlsian Justice and Workplace Republicanism”, Social Theory & Practice, 31(1): 115–142.
  • Hussain, W., 2012, “Corporations, Profit Maximization, and the Personal Sphere”, Economics and Philosophy, 28(3): 311–331.
  • Hussain, W. & J. Moriarty, forthcoming, “Accountable to Whom? Rethinking the Role of Corporations in Political CSR”, Journal of Business Ethics, first published online 10 February 2016. doi:10.1007/s10551-016-3027-8
  • Jensen, M.C., 2002, “Value Maximization, Stakeholder Theory, and the Corporate Objective Function”, Business Ethics Quarterly, 12(2): 235–256.
  • Jensen, M.C. & W.H. Meckling, 1976, “Theory of the Firm: Managerial Behavior, Agency costs, and Ownership Structure”, Journal of Financial Economics, 3(4): 305–360.
  • Jones, T. M., A.C. Wicks, & R.E. Freeman, 2002, “Stakeholder Theory: The State of the Art”, in N.E. Bowie (ed.), The Blackwell Guide to Business Ethics, Malden, MA: Blackwell, pp. 19–37
  • Kershnar, S., 2004, “Why Equal Opportunity is Not a Valuable Goal”, Journal of Applied Philosophy, 21(2): 159–172.
  • Koehn, D. & B. Wilbratte, 2012, “A Defense of the Thomistic Concept of the Just Price”, Business Ethics Quarterly, 22(3): 501–526.
  • Lippert-Rasmussen, K., 2014, Born Free and Equal? A Philosophical Inquiry into the Nature of Discrimination, New York: Oxford University Press.
  • Lippke, R.L., 1989, “Advertising and the Social Conditions of Autonomy”, Business & Professional Ethics Journal, 8(4): 35–58.
  • List, C. & P. Pettit, 2011, Group Agency: The Possibility, Design, and Status of Corporate Agents, New York: Oxford University Press.
  • MacDonald, C. & S. Gavura, 2016, “Alternative Medicine and the Ethics of Commerce”, Bioethics, 30(2): 77–84.
  • Machan, T.R. & J. Chesher, 2002, A Primer on Business Ethics, Lanham, MD: Rowman & Littlefield.
  • MacIntyre, A.C., 1984, After Virtue: A Study in Moral Theory, Notre Dame, IN: University of Notre Dame Press, 2nd edition.
  • Maitland, I., 1989, “Rights in the Workplace: A Nozickian Argument”, Journal of Business Ethics, 8(12): 951–954.
  • Marcoux, A.M., 2006, “Much Ado about Price Discrimination”, Journal of Private Enterprise, 21(2): 50–67.
  • Margolis, J.D. & J.P. Walsh, 2003, “Misery Loves Companies: Rethinking Social Initiatives by Business”, Administrative Science Quarterly, 48(2): 268–305.
  • Marx, K., 1844 [2000], “Economic and Philosophical Manuscripts”, in D. McLellan (ed.), Karl Marx: Selected Writings, New York: Oxford University Press, 2nd edition.
  • Mason, A., 2006, Levelling the Playing Field: The Idea of Equal Opportunity and its Place in Egalitarian Thought, New York: Oxford University Press.
  • –––, 2017, “Appearance, Discrimination, and Reaction Qualifications”, Journal of Political Philosophy, 25(1): 48–71.
  • Matten, D. & A. Crane, 2005, “Corporate Citizenship: Toward an Extended Theoretical Conceptualization”, Academy of Management Review, 30(1): 166–179.
  • Mayer, D. & A. Cava, 1995, “Social Contract Theory and Gender Discrimination: Some Reflections on the Donaldson/Dunfee model”, Business Ethics Quarterly, 5(2): 257–270.
  • McCall, J.J., 2001, “Employee Voice in Corporate Governance: A Defense of Strong Participation Rights”, Business Ethics Quarterly, 11(1): 195–213.
  • McCall, J.J. & P.H. Werhane, 2010, “Employment at Will and Employee Rights”, in G.G. Brenkert & T. L. Beauchamp (eds.), Oxford Handbook of Business Ethics, New York: Oxford University Press, pp. 602–627.
  • McMahon, C., 1981, “Morality and the Invisible Hand”, Philosophy and Public Affairs, 10(3): 247–277.
  • –––, 1994, Authority and Democracy: A General Theory of Government and Management, Princeton, NJ: Princeton University Press.
  • –––, 2013, Public Capitalism: The Political Authority of Corporate Executives, Philadelphia, PA: University of Pennsylvania Press.
  • Michaelson, C., M.G. Pratt, A.M. Grant, & C.P. Dunn, 2014, “Meaningful Work: Connecting Business Ethics and Organization Studies”, Journal of Business Ethics, 121(1): 77–90.
  • Miller, D., 1999, Principles of Social Justice, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • Miller, S., 2006, “Collective Moral Responsibility: An Individualist Account”, Midwest Studies in Philosophy, 30(1): 176–193.
  • Moog, S., A. Spicer, & S. Böhm, 2015, “The Politics of Multi-Stakeholder Initiatives: The Crisis of the Forest Stewardship Council”, Journal of Business Ethics, 128(3): 469–493.
  • Moore, E.S., 2004, “Children and the Changing World of Advertising”, Journal of Business Ethics, 52(2): 161–167.
  • Moore, G., 2005, “Humanizing Business: A Modern Virtue Ethics Approach”, Business Ethics Quarterly, 15(2): 237–255.
  • Moriarty, J., 2005a, “Do CEOs Get Paid Too Much?”, Business Ethics Quarterly, 15(2): 257–281.
  • –––, 2005b, “On the Relevance of Political Philosophy to Business Ethics”, Business Ethics Quarterly, 15(3): 455–473.
  • –––, 2009, “Rawls, Self-Respect, and the Opportunity for Meaningful Work”, Social Theory & Practice, 35(3): 441–459.
  • Néron, P.-Y. & W. Norman, 2008, “Citizenship, Inc. Do We Really Want Businesses to be Good Corporate Citizens?”, Business Ethics Quarterly, 18(1): 1–26.
  • Norman, W., 2013, “Stakeholder Theory”, in H. LaFollette (ed.), International Encyclopedia of Ethics, Wiley-Blackwell [Norman 2013 available online].
  • –––, 2015, “Rawls on Markets and Corporate Governance”, Business Ethics Quarterly, 25(1): 29–64.
  • Nozick, R., 1974, Anarchy, State, and Utopia, New York: Basic Books.
  • O’Neill, M. & T. Williamson, 2012, Property-Owning Democracy: Rawls and Beyond, Malden, MA: Wiley-Blackwell.
  • O’Neill, O., 2001, “Agents of Justice”, Metaphilosophy, 32(1–2): 180–195.
  • Orlitzky, M., F.L. Schmidt, & S.L. Rynes, 2003, “Corporate Social and Financial Performance: A Meta-Analysis”, Organization Studies, 24(3): 403–441.
  • Orts, E.W. & A. Strudler, 2002, “The Ethical and Environmental Limits of Stakeholder Theory”, Business Ethics Quarterly, 12(2): 215–233.
  • –––, 2009, “Putting a Stake in Stakeholder Theory”, Journal of Business Ethics, 88(4): 605–615.
  • Paine, L.S., G.G. Brenkert, R. Weisskoff, & L.D. Kimmel, 1984, “Children as Consumers: An Ethical Evaluation of Children’s Television Advertising [with Commentaries]”, Business & Professional Ethics Journal, 3(3/4): 119–169.
  • Phillips, M.J., 1994, “The Inconclusive Ethical Case Against Manipulative Advertising”, Business & Professional Ethics Journal, 13(4): 31–64.
  • –––, 1995, “Corporate Moral Responsibility: When it Might Matter”, Business Ethics Quarterly, 5(3): 555–576.
  • Phillips, R. & J.D. Margolis, 1999, “Toward an Ethics of Organizations”, Business Ethics Quarterly, 9(4): 619–638.
  • Piker, A., 1998, “Strict Product Liability and the Unfairness Objection”, Journal of Business Ethics, 17(8): 885–893.
  • Powell, B. & M. Zwolinski, 2012, “The Ethical and Economic Case Against Sweatshop Labor: A Critical Assessment”, Journal of Business Ethics, 107(4): 449–472.
  • Rawls, J., 1971, A Theory of Justice, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • –––, 1993, Political Liberalism, New York: Columbia University Press.
  • Reiff, M.R., 2013. Exploitation and Economic Justice in the Liberal Capitalist State, New York: Oxford University Press.
  • Roberts, P.W., and G.R. Dowling, 2002, “Corporate Reputation and Sustained Superior Financial Performance”, Strategic Management Journal, 23(12): 1077–1093.
  • Rönnegard, D., 2015, The Fallacy of Corporate Moral Agency, New York: Springer.
  • Rorty, R., 2006, “Is Philosophy Relevant to Applied Ethics? Invited Address to the Society of Business Ethics Annual Meeting, August 2005”, Business Ethics Quarterly, 16(3): 369–380.
  • Ruggie, J.G., 2004, “Reconstituting the Global Public Domain: Issues, Actors, and Practices”, European Journal of International Relations, 10(4): 499–531.
  • –––, 2013, Just Business: Multinational Corporations and Human Rights, New York: W.W. Norton & Company.
  • Sandel, M.J., 2012, What Money Can’t Buy: The Moral Limits of Markets, New York: Farrar, Straus and Giroux.
  • Satz, D., 2010, Why Some Things Should Not Be For Sale: The Moral Limits of Markets, New York: Oxford University Press.
  • Scherer, A.G., 2015, “Can Hypernorms be Justified? Insights from a Discourse-Ethical Perspective”, Business Ethics Quarterly, 25(4): 489–516.
  • Scherer, A.G. & G. Palazzo, 2007, “Toward a Political Conception of Corporate Responsibility: Business and Society Seen from a Habermasian Perspective”, Academy of Management Review, 32(4): 1096–1120.
  • –––, 2011, “The New Political Role of Business in a Globalized World: A Review of a New Perspective on CSR and its Implications for the Firm, Governance, and Democracy”, Journal of Management Studies, 48(4): 899–931.
  • Schwartz, A., 1982, “Meaningful Work”, Ethics, 92(4): 634–646.
  • Singer, A., 2015, “There is No Rawlsian Theory of Corporate Governance”, Business Ethics Quarterly, 25(1): 65–92.
  • Sison, A.J.G. & J. Fontrodona, 2012, “The Common Good of the Firm in the Aristotelian-Thomistic tradition”, Business Ethics Quarterly, 22(2): 211–246.
  • Smith, A. 1776 [1976], An Inquiry into the Nature and Causes of the Wealth of Nations, E. Cannon (ed.), Chicago, IL: University of Chicago Press.
  • Smith, J. & W. Dubbink, 2011, “Understanding the Role of Moral Principles in Business Ethics: A Kantian Perspective”, Business Ethics Quarterly, 21(2): 205–231.
  • Snyder, J., 2009, “What’s the Matter with Price Gouging?”, Business Ethics Quarterly, 19(2): 275–293.
  • –––, 2010, “Exploitation and Sweatshop Labor: Perspectives and Issues”, Business Ethics Quarterly, 20(2): 187–213.
  • Solomon, R. C., 1993, Ethics and Excellence: Cooperation and Integrity in Business, New York: Oxford University Press.
  • Soule, E., 2002, “Managerial Moral Strategies: In Search of a Few Good Principles”, Academy of Management Review, 27(1): 114–124.
  • Stark, A., 2010. “Business in Politics: Lobbying and Corporate Campaign Contributions”, in G.G. Brenkert and T.L. Beauchamp (eds.), Oxford Handbook of Business Ethics, New York: Oxford University Press, pp. 501–532.
  • Sternberg, E., 2000, Just Business: Business Ethics in Action, New York: Oxford University Press, 2nd edition.
  • Stout, L.A., 2002, “Bad and Not-so-Bad Arguments for Shareholder Primacy”, Southern California Law Review, 75(5): 1189–1210.
  • Strudler, A., 2017, “What to Do with Corporate Wealth?”, Journal of Political Philosophy, (25)1: 108–126.
  • Taylor, J.S., 2005, Stakes and Kidneys: Why Markets in Human Body Parts are Morally Imperative, Burlington, VT: Ashgate Publishing.
  • Teoh, S.H., I. Welch, & C.P. Wazzan, 1999, “The Effect of Socially Activist Investment Policies on the Financial Markets: Evidence from the South African Boycott”, Journal of Business, 72(1): 35–90.
  • Tucker, A., 2010, “Flawed Assumptions: A Corporate Law Analysis of Free Speech and Corporate Personhood in Citizens United”, Case Western Law Review, 61(2): 495–548.
  • Tullock, G., 1989, The Economics of Special Privilege and Rent Seeking, Boston, MA: Kluwer Academic.
  • Valdman, M., 2009, “A Theory of Wrongful Exploitation”, The Philosophers Imprint, 9(6) (July) [Valdman 2009 available online].
  • Velasquez, M., 1983, “Why Corporations are Not Morally Responsible for Anything They Do”, Business & Professional Ethics Journal, 2(3): 1–18.
  • –––, 2003, “Debunking Corporate Moral Responsibility”, Business Ethics Quarterly, 13(04): 531–562.
  • –––, 2012, Business Ethics: Concepts and Cases, New York: Pearson, 7th edition.
  • Vogel, D., 2005, The Market for Virtue: The Potential and Limits of Corporate Social Responsibility, Washington, DC: Brookings Institution Press.
  • –––, 2010, “The Private Regulation of Global Corporate Conduct: Achievements and Limitations”, Business & Society, 49(1): 68–87.
  • Walzer, M., 1983, Spheres of Justice: A Defense of Pluralism and Equality, New York: Basic Books.
  • Werhane, P.H., 1985, Persons, Rights, and Corporations, Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall.
  • Werhane, P.H., L.P. Hartman, C. Archer, E.E. Englehardt, & M.S. Pritchard, 2013, Obstacles to Ethical Decision-Making: Mental Models, Milgram and the Problem of Obedience, New York: Cambridge University Press.
  • Wettstein, F., 2009, Multinational Corporations and Global Justice: Human Rights Obligations of a Quasi-Governmental Institution, Stanford, CA: Stanford Business Books.
  • Zwolinski, M., 2007, “Sweatshops, Choice, and Exploitation”, Business Ethics Quarterly, 17(4): 689–727.
  • –––, 2008, “The Ethics of Price Gouging”, Business Ethics Quarterly, 18(3): 347–378.

أدوات أكاديمية

 

How to cite this entry.

 

Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.

 

Look up this entry topic at the Internet Philosophy Ontology Project (InPhO).

 

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الإنترنت

مداخل ذات صلة

agency: shared | corruption | discrimination | economics and economic justice | ethics: virtue | exploitation | feminist philosophy, topics: perspectives on class and work | information technology: and privacy | intentionality: collective | justice: distributive | justice: global | Kant, Immanuel: moral philosophy | loyalty | lying and deception: definition of | markets | moral relativism | perfectionism, in moral and political philosophy | privacy | Rawls, John | responsibility: collective | rights | rights: human

Acknowledgments

For help determining what areas of business ethics to cover in this entry, I thank Dorothea Baur, George Brenkert, Jason Brennan, David Dick, Edwin Hartman, Laura Hartman, Woon Hyuk Jay Jang, Chris MacDonald, Emilio Marti, Dominic Martin, Eric Orts, Sareh Pouryousefi, Abraham Singer, Alejo José G. Sison, and Chris Surprenant. Thanks also to David Jacobs and (especially) an anonymous reviewer for the Stanford Encyclopedia for detailed and thoughtful comments on a draft of the entry. Thanks finally to Northeastern University for providing a hospitable environment in which to work on this entry.


[1] Moriarty, Jeffrey, “Business Ethics”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Fall 2017 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/fall2017/entries/ethics-business/>.