في آلة السيادة: السيادة والآلة وفنون الحكم – آرثر برادلي / ترجمة: عمر عبد الرازق شاهين

في آلة السيادة: السيادة والآلة وفنون الحكم – آرثر برادلي / ترجمة: عمر عبد الرازق شاهين


الملخص:

تسعى هذه المقالة إلى استكشاف سلسلات من “آلة السيادة” في النظرية السياسية تشمل العبيد والدمى والكائنات الآلية، بداية بفالتر بنيامين وانتهاء بجورجيو أجامبين. فقد بات معروفا أن التساؤل الفلسفي عن “الآلة” –سواء أكانت نظاما معقدا يحتاج إلى تشغيل الإنسان له أو بإمكانه العمل آليا- هو سؤال سياسي ملح يمس كل نقاش عن آلة السيادة ابتداءً بهوبز ثم من جاء بعده.

ما سأراهن عليه هو أن هذه الآلة ليست مجرد كناية عن حالة ميتافيزيقية –سواء كانت العقلانية (هوبز)، البيروقراطية (فيبر)، التحييد (شميت)، التاريخانية (بنيامين)، فنون الحكم (فوكو)- بل ظاهرة مادية تنطوي على تراوح سياسي بين الوعد والوعيد.

وتلخيصا لحجة هذه المقالة، أزعم أن “آلة السيادة” من قبيل العبودية (أرسطو، هيجل، كوجيف، أجامبين)، أو الدمى أو الكائنات الآلية أو عمل الساعة (ديكارت، هوبز، شميت، بنامين، دريدا)، العيون والعدسات والمرايا (هوبز، كانتروفيتش، بنيامين، لاكان، فوكو) وغيرها، ليست مجرد انعكاس لفهمنا عن العلاقة السببية بين السيادة وفنون الحكم، القرارات والإجراءات، الاستثناء والقاعدة. بل إنها تغيّر فهمنا ذاته لهذه العلاقات.

وإذا كانت المهمة التي ألزم المنظرون السياسيون بها ذاتهم هي استعادة أو استجلاب السيادة من الآلة أو تجاوزها – وضع العصا في دواليبها- فإن مهمتي هي الكشف عما أسماه دريدا المتأخر “آلة السيادة ذاتها.

الخلاصة، أزعم أن محاولات النظرية السياسية للكشف عن الشخص السيد أو إعادة اختراعه في قلب الآلة تنتهي إلى الكشف عن آلة السيادة في القلب من هذا الشخص. ما الذي يوجد –إن كان ثمة ما يوجد- حقا داخل آلة السيادة ؟

 

كلمات مفتاحية: أرسطو، هوبز، بنيامين، شميت، أجامبين، آلة السيادة .


 

 

“تُحكى حكايةٌ عن إنسان آلي مركب بحيث يستطيع أن يفوز في مباراة شطرنج، مجيبا على كل حركة للخصم بحركة مضادة. كانت دميةٌ بثياب تركية ونرجيلة في فمها تجلس أمام لوحة شطرنج موضوعة على منضدة كبيرة. وكان نظامٌ من المرايا يخلق الإيهام بأن هذه المنضدة شفافة من كل الجوانب. وفي الواقع، كان أحدب ضئيل هو لاعب شطرنج خبير يجلس داخلها ويوجه يد الدمية بواسطة خيوط. بإمكان المرء أن يتخيل مقابلا فلسفيا لهذه الأداة. فالدمية المسماه “المادية التاريخية” يجب أن تكسب طوال الوقت. ويمكنها بسهولة أن تكون ندا لأي شخص إذا استعانت بخدمات اللاهوت، الذي أصبح اليوم، كما نعرف، ذاويا وعليه أن يُخفى عن الأنظار”[2]

تظل كل جملة في أطروحة فالتر بنيامين الأولى في فلسفة التاريخ (1941) عصية كآلة محصنة مثلها مثل آلة لاعب الشطرنج الذي تصفه. كما يصعب الإقدام على قراءة مغايرة لهذا الرمز الشهير دون الشعور بمثل ما يشعر به المنافس الذي يجد كل حركاته قد توقعها وأحبطها ذلك التركي الذي لا يرحم من يجلس أمامه. وبعد كل هذا، نعلم جميعا كيف تنتهي هذه اللعبة: ستقدر الآلة حتما –وفي الحقيقة تلقائيا- على إلحاق الهزيمة بأي منافس بشري لديه ما يكفى من الغباء ليبتلعها.

وإذا أردنا إعادة تمثيل الفعل الكلاسيكي للكش ملك الفلسفي الذي وصفه بنيامين فإنه يكون كالتالي: يمكن للمادية التاريخية أن تهزم أي منافس بكل سهولة، طالما كانت “توظف خدمات” هذا الأحدب الضئيل المخفي المسمى “باللاهوت” كما يوضح بنيامين واثقا[3].

لكن، وكما تلاحظ ريبيكا كوماي، فإن نبوءة انتصار المادية التاريخية في شطرنج التاريخ هذا، مبهمة جدا، وما يجعلها كذلك أنها تهزم المخطط الأكبر “للأطروحات” كلها. تبعا لقراءة كوماي، فإن مجموعة الشذرات تلك هي بالنسبة لبنيامين محاولة مضمرة “لتعرية كل شرعية زائفة لأي انتصار”[4] بالكشف عن دروب الدمار التي يخلفها:


لماذا إذن علينا أن نحتفي بفاعل تاريخي ادعى أنه “ينتصر دائما”؟ إذا قرأنا لاعب الشطرنج التركي الآلي هذا على أنه تجسيد للديموقراطية الاجتماعية، ومربعات رقعة الشطرنج على أنها “فراغ زمني متجانس”[5] تحتلها الديموقراطية الاجتماعية، فمن المثير أن نترجم الأطروحة الأولى –بحس من المفارقة- باعتبارها محاولة نقدية لإزالة الغموض والكشف عن التلقائية الزائفة للأيدلوجيا الانتصارية للتقدم التاريخي الخطي – لأن اللاعب الشطرنج التركي بالطبع ليس إلا دمية معروضة ولعبة الشطرنج ليست إلا خدعة واثق. في خبايا كل آلة يكمن كائن بشري ضئيل يتحكم بالخيوط على الدوام.

وحتى نفتح آلة بنيامين ونعرض عملها الداخلي لضوء النهار الكاشف، أرى أن علينا أن نستكشف الانشطار[6] هذا الذي سيتكرر معنا في أكثر من صورة خلال هذه المقالة:

فالأحدب الذي يتحكم بالخيوط هو نفسه ليس سيدا بشريا على الإطلاق، بل هو نفسه –للمفارقة- نوع من “الدمى”. ولننتبه هنا، أن قصة بنيامين عن لعبة الشطرنج الآلية تبدو رغم كل ألغازها المستعصية وكأنها تعطل عمل “التركي” (الشكل 1) بطريقة تُشكِل أي محاولة للكشف عن أي محرك أو سبب مخفي بداخلها[7].

وكما أشار عدد من الباحثين، فإن الأطروحة الأولى لبنيامين تقلب علاقة القوة التاريخية بين الدمية والأحدب عما كانت عليها في ماكينة فولفجانج فان كليمبن الأصلية حيث: تستعين الآن دمية المادية التاريخية بخدمات أحدب اللاهوت على عكس ما كان. بعبارة أخرى، بالنسبة لبنيامين هذه الدمية (ربما هي حية الآن) أصبحت الدمية-السيد على الأحدب: دافعا آليا أو اصطناعيا لعلته الفاعلة[8].

إذا كنا نرى الأحدب والدمية في البداية باعتبارهما مقابل بعضهما البعض – مثل الحي مقابل الميت، الطبيعي مقابل غير الطبيعي، المستخدم مقابل الأداة، السبب مقابل الأثر .. إلخ-

فإن رمزية بنيامين يبدو أنها تعيد رسم الاثنين –الدمية والأحدب- في آلة تكرارية أو حشد أكبر، ما يعيد إلى الأذهان نبوءته الغريبة في آخر كتابه “شارع ذو اتجاه واحد” بمَقِدم طبيعة[9] تكنولوجية جديدة تتجاوز التقابل المعهود بين الطبيعة والثقافة وتأخذ على عاتقها “حياة” ليست حيوية: “التقنية تنظم لهذه البشرية طبيعة يكتسب داخلها الاتصال بينها وبين الكون شكلا جديدا، ومختلفا عن ذلك الذي كان قائما بين الشعوب والعائلات”[10]

 

لا نجد في تجاويف آلة بنيامين المحجوبة، علة فاعلية أرسطية أو قزما ديكارتيا، لا نجد سوى إرتدادات لا نهائية من دمى بداخل دمى، وآلات داخل آلات. تفترض هذه المقالة أن أطروحة بنيامين الأولى –آلة المتاهة النصية هذه التي تحوي دمى وحدْب، وسادة وعبيدا، وملوكا وأميرات – ليست إلا حلقة من سلسلة “آلات” السيادة في النظرية السياسية الحديثة.
إن هدفي فيما سيأتي هو إجراء حوار طال انتظاره بين حقلين في الفكر النقدي الحديث، كانا مرتبطين تاريخيا، ولكنهما، على الأقل حاليا، مفترقين، وهما:


النظريات عن السيادة واللاهوت السياسي والسياسات الحيوية وما شابهها (كارل شميت، فالتر بنيامين، جورجيو أجامبين، روبرت سبوسيتو)[11] والنظريات عن الوسائط الجديدة والتقنية والذكاء التقني[12] (فالتر بنيامين، مارتن هايدجر، جيلبرت سيموندن، جيل دولوز، برنارد ستيجلر)[13][14]

 

وكما وثّق عديد من الباحثين، فإن السؤال الفلسفي عن “الآلة” –عما إذا كان النظام المعقد بحاجة إلى إنسان يديره أم يمكن أن يعمل تلقائيا- هو أيضا سؤال سياسي ملح، يمس كل نقاش عن السيادة على الأقل بداية من هوبز فصاعدا: “فالحاكم السيد… قد دُفع جانبا بشكل راديكالي، فالآلة تدير نفسها بنفسها الآن”[15] كما يتحسر كارل شميت على عالم ما بعد الإله.

ما أراهن عليه هو أنه هذه الآلة المسيرة ذاتيا أو تلقائيا، ليست مجرد كناية عن حالة ميتافيزيقية –سواء كانت العقلانية (هوبز)، البيروقراطية (فيبر)، التحييد (شميت)، التاريخانية (بنيامين)، فنون الحكم (فوكو)، السياسات الحيوية (أجامبين)- بل ظاهرة مادية تنطوي على تراوح سياسي بين الوعد والوعيد. وللتأكيد، فأنا لست أول ناقد يتحدث عن “آلة” السيادة –أو الانثروبولوجيا أو اللاهوت السياسي وما إلى ذلك إلى ما لا نهاية- لكن ما افتقدته النقاشات السابقة إن جاز القول هو إدراك يبدو معه ما أعرضه موضوعي بقدر ما هو فلسفي:

فماذا لو لم تكن المواضيع والأجهزة والعمليات التقنية من قبيل العبودية (أرسطو، هيجل، كوجيف، أجامبين)، أو الدمى أو الكائنات الآلية أو عمل الساعة (ديكارت، هوبز، شميت، بنامين، دريدا)، العيون والعدسات والمرايا (هوبز، كانتروفيتش، بنيامين، لاكان، فوكو) وغيرها مجرد انعكاس لفهمنا عن العلاقة السببية بين السيادة وفنون الحكم، القرارات والإجراءات، الاستثناء والقاعدة.ولكنها تغيّر فهمنا ذاته لهذه العلاقات؟

 

إذا استحضرنا أرسطو في “السياسة”، نجد أن العبد يعني حرفيا نوع من الأدوات لكن من لحم ودم، وإن بدا ظاهريا قادرا على التصرف باستقلال عن سيده، فهو في ذلك مثل “تماثيل ديدال أو مشاجب فولكان””التي كانت تجئ وحدها، كما يقول الشاعر، إلى جمعيات الآلهة”[16]

وإذا كانت المهمة التي ألزم المنظرون السياسيون بها ذاتهم هي استعادة أو استجلاب السيادة من الآلة أو تجاوزها، أي (باستخدام مجازات بنيامين المشهورة) إيقاف الساعة، إعطاب التروس، فرملة قطار التاريخ الهارب .. إلخ، فأنا فأريد أن أكشف عما أسماه دريدا المتأخر آلة السيادة ذاتها: حيث قال “السيادة المطلقة ليست طبيعية، هي نتاج صناعة ميكانيكية، منتج للإنسان، إنها مُصنّعة”[17]. وأزعم في هذه المقالة أن محاولة النظرية السياسية للكشف عن سيد في القلب من الآلة –سلطة السيد على أدوات المعيشة المسماة العبيد (أرسطو)، سيادة الحاكم المطلق على أنظمة القوانين المنظمة ذاتيا وتطبيقها على الحالات الخاصة وإزاءها (هوبز)، سيادة تقدم المادية التاريخية على الفراغ الزمني لتقدم الديموقراطية الاجتماعية (بنيامين)- تنتهي إلى الكشف عن سيادة الآلة في القلب من هذا السيد.
إذا، ماذا –إن كان ثمة من شيء- يوجد حقا داخل آلة السيادة ؟

في الجسد

يعتقد أرسطو في الكتاب الأول من “السياسة” أن العبد أداةً حية أو متحركة. وحتى نستدعي دعواه الشهيرة (أو سيئة السمعة) هنا، فقد كان الفيلسوف الإغريقي يرنو الدفاع عن مؤسسة العبودية ضد مَنْ يصرّون على أنها متناقضة مع الطبيعة و”غير مشروعة، لأنها بنيت على العنف”- بالقول بأن العبد نوع من البشر، هو بالطبيعة أداة وملكا لسيده:

“.. ينتج من هذا أنه، كما أن الفنون الأخرى، كل في دائرته، بها حاجة إلى أدوات خاصة للقيام بعملها، كذلك العلم المنزلي ينبغي أن يكون له أدواته على السواء، وأن من تلك الأدوات ما هو غير حي، ومنها ما هو حي. فمثلا صاحب السفينة عنده الدفة أداة لا حياة بها وملاح الجؤجؤ أداة حية باعتبار أن العامل، في الفنون، أداة حقيقية. وعلى القاعدة عينها يمكن أن يقال إن الملكية ليست إلا أداة للمعيشة، وإن الثروة متعددة الأدوات وإن العبد ملكية حية”[18]

يدعي أرسطو أنه لو كان للأشياء أو الأدوات أن تتحرك من تلقاء ذاتها –لو كانت الأموام تنسج وحدها ولو كانت القوس تلعب وحدها على القيثارة- لاستغنى أرباب العمل عن العمال والسادة عن العبيد. وفي غياب مثل هذه الآلات الأسطورية التي تستطيع العمل تلقائيا يبدو أنه على السيد أن يظل مستعملا لهذه “الأدوات الحية”[19].
ماذا إذا يمكن أن يقال عما هو “داخل” الآلة التي تسمى العبد؟

سعي جورجيو أجامبين إلى فتح آلة السياسة أو السيادة الأصيلة المسماه بالعبودية في كتابه “استعمال الأجساد”[20] حيث أراد استخلاص ما أسماه “النواة” التحررية من قلب نظرية أرسطو عن العبودية الطبيعية وذلك من خلال تاريخ استقبالها الفلسفي الاحتكامي والمغالط تاريخيا، وتاريخ مؤسسة العبودية نفسها بوحشيته وحقيقته المرة، على حد سواء[21].

إلى الآن، تشيع قراءة موقف أرسطو باعتبار العبودية طبيعية، على أنه محض تطبيع أيدولوجي مع استغلال البشر لتلبية الحاجة المتزايدة إلى الإنتاج الاقتصادي في اليونان القديمة. كما أن من المؤكد أنه ثمة اتفاق حول أن مجتمعا به إمداد كبير ورخيص من عمالة البشر إضافة إلى أساس أو بنية تقنية بدائية نسبيا، لابد أن يخلُص إلى أن العبودية “طبيعية”. لكن أجامبين يسعى إلى قلب هذه الحجة الأيدلوجية رأسا على عقب بالقول أن جوهر العبودية الطبيعية هو على النقيض تماما من الحط من الإنسان إلى حيوان بشري أو شيء أو أداة.

فكما يرى أجامبين، ليست نظرية أرسطو عن العبودية نزعا للإنسانية بل في الحقيقة هي صورة مصغرة للتأنسن ذاته: فما نلاقيه في العبودية ليس أقل من “أن يكون الكائن الحي إنسانا تماما”[22].

فإذا بدا أن نظرية أرسطو عن العلاقة بين السيد والعبد تتضمن علاقة قوة بين المستخدم والأداة –والسبب والأثر، والذات والشيء- فإن أجامبين يجد في ثنايا التصنيف الأرسطي “للاستعمال” ما يطلق عليه “منطقة اللاتمييز” أو “منطقة الالتباس”[23] بين هذه الأقطاب حيث عدم الانتماء تماما إلى أحد أو شيء. بامتداد هذا الخط، يصبح العبد آخر مَعلم مميز لما يسميه أجامبين “شكل من الحياة”، حيث وبدلا من تلك المواجهة والمقيدة والمحبوسة من قبل السياسة الحيوية، فإن الزوي والبايوس (الحياة البسيطة والحياة المؤهلة)[24]، الحياة والصورة، والوجود والماهية ترتبط بغير انفصام بشخص آخر.

الأمر الجوهري في نظرية أرسطو عن العبودية بالنسبة لأجامبين هو أن الفيلسوف الأغريقي يرى بإبهام أن العبد هو نوع من البشر يرتكز عمله على “استعمال الجسد”[25]. فعمله ينتمي إلى حقل الممارسة العملية بدلا من الإنتاج[26]، بالنسبة لأرسطو، إذا توخينا الدقة في عمل العبودية فهو “ليس عملا” لأنه بلا هدف[27] أو وجهة خارجية لنفسه على هيئة شيء أو منتج.

والعبد هكذا في رأي أرسطو أقرب في الشبه إلى السرير منه إلى النجار الذي يصنعه. لأن كلا العبد والسرير يعدان من “الأدوات”[28] التي تستخدم باعتبارها جزءا من الأشياء التي تجعل من الحياة مستطاعة: “تأخذ الأداة نفس معنى الجزء[29]، “إن الجزء ليس جزءا لكل فحسب[30] بل هو أيضا يتعلق على الإطلاق بشيء غير ذاته”[31] وكذلك يمكن القول على الأداة”.

إذا كان العبد “أداة” – جزء في كلٍ وظيفي وليس شيئا في حد ذاته- فإن أرسطو يقرر أنه ليس مجرد عبد لسيده فحسب، بل إذا تجاوزنا ظاهر التشبيه، فإنه “جزء من سيده”[32].

لا يُقتصر فهم هذا القول عمليا أو قانونيا -على أن العبد هو ملكية قانونية لسيده ويحق للسيد أن يفعل به ما أراد- بل يشمل فهمه عضويا كذلك: “ما ندعوه العبد هو “عضو” في جسد سيده، وباستخدام السيد لجسد عبده، فإنه يستخدم جسده الخاص”[33]

ويزعم أجامبين اكتشافه في تصنيف أرسطو “لاستعمال الجسد” التباسا أو لاتمييزا أصيلا بين جسد أحدهما والآخر:

السيد والعبد، الذات والشيء، المتسخدم والأداة، ينطوي كل منهم على الآخر: تحدد العبودية بعدا فريدا من الكائن البشري (إذ العبد كائن بشري لا جدال في هذا[34]) حيث يرنو “استعمال الجسد”[35] إلى تسمية.

إذن، يسعى أجامبين في “حفريات العبودية” إلى اكتشاف “نواة عتيقة” “لنشاط إنساني مختلف وعلاقة مختلفة داخل الجسد الحي”[36] وذلك من داخل علاقة السيد والعبد ذاتها:

إن علاقة السيد والعبد التي وُصفت تقليديا بأنها المادة الخام لعلاقة السلطة بين الذات والشيء، والمستخدم والأداة، تُوصف بجرأة بأنها حالة التحرر من علاقات السلطة.

فوحدها العودة إلى “الاستعمال الأجساد” العتيق في علاقة السيد والعبد -بدلا من العودة إلى الوجود العنيف أو السلمي لهذه العلاقة[37]– ما تمكّن –على ما يبدو-  الإنسانية الحديثة من أن تحرر ذاتها من آلة الرأسمالية الليبرالية التي تسيّر نفسها.

وكما يلاحظ أجامبين “فقد أبعد البشر أنفسهم عن الحيوان والعضوي، لصالح الاقتراب من الأداة وغير العضوي إلى حد التماهي (الإنسان- الآلة).[38]

إذا، يطرح ما سبق السؤالَ: كيف يبدو واقعُ نظريةٍ بمثل هذه النظرة الإيجابية عن العبودية حيث الاستعمال الحر للأجساد، بالنظر إلى أنه لا مكان لها تقريبا في نظرية أو ممارسة للعبودية؟ والجواب:

تأخذ نظرية أرسطو عن “استعمال الجسد” موقعها المتميز بالنسبة لأجامبين -فيما يبدو أنه طبيعي وعادي وقانوني تماما- في العلاقة الجنسية بين السيد والعبد، إذ باستعمال السيد لجسده فإنه يستعمل أيضا جسد العبد:

“إذا رأيت في المنام أنك تستمني بيد أحدهم، فهذا يعني أنك ستقيم علاقة جنسية مع عبد أو أمة، بقدر ما تكون الأيدي التي تقترب من الأعضاء التناسلية خادمة”[39][40]

إذا كان العبد جزءا لا يتجزأ من جسد سيده، ولا يوجد إلا لخدمته،  فلا عجب إذا أن يكون كشف أرتيمندروس عن الشبق الذاتي والشبق الغيري –الاستمناء والجماع، جسد المرء نفسه أو مع جسد آخر- متضمنا في منطقة الالتباس. فيمكن القول أنه في الجنسانية يضع العبد حدا لنقاء ذاتية السيد: الذات والشيء، المستخدم والأداة، الجواني والبراني، توجد في علاقة من المحايثة الخالصة[41].

إذا، ماذا يمكن أن نقول إنه داخل آلة السيادة المسماة العبد الأرسطي؟

فلنقفز إلى الاستخلاص الفلسفي الموسع لأجامبين في “استعمال الأجساد”، إن استعمال السيد والعبد المتبادل لأجساد بعضهما البعض يكشف في النهاية عن نموذج أنطولوجي حيث الإنسان أو “الماهية” ليست بالشيء البراني أو الخارجي حتى يكون لها “استعمال” ملموس أو أنماط من الوجود في الزمان والمكان: “الإنسان والعالم هما في استخدام دائم، في علاقة من الحضور المطلق والمتبادل؛ عند استخدام شيء ما، فإن الكينونة المتفردة للمستخدم  تكون في غاية تحققها”[42]. ومن ثم لم يعد بالإمكان الحديث عن جوانية إنسانية سابقة –ذاتية- تقوم “باستعمال” بعض الأشياء الخارجية على أنها أدواتها، لأن ما هو جواني نفسه تمأسس في خضم كونه برانيا.

وكما يذكرنا أجامبين بملاحظة سبينوزا للفعل اللادينو يتنزه [43] ، فهو ربما يعني “يأخذ جولة” لكن ترجمته الحرفية هي “يأخذ نفسه في جولة”: نحن نشكل أنفسنا ذواتا في فعل المشي والكلام والتقبيل ..إلخ. بعبارة أخرى، يمكننا القول أنه بالنسبة لأجامبين ما يكون “داخل” الأداة الحية المسماة بالعبد -بل في الواقع داخل كل إنسان- ليس أرواحا أرسطية أو أقزاما ديكارتية بل “أن تصبح خارجا” على وجه الدقة في هيئة الاستخدام:

“هنا إطار فعل الذات في التوافق مع الذات نحو أنطولوجيا المحايثة، نحو حركة تأسيس الذات وتمثيل الذات، حيث لا تقتصر استحالة التعرف على الفاعل والمفعول، بل تشمل كذلك: الذات والشيء، المؤسِس والمؤسَس، فهي أيضا غير ممَيزة”[44].

إذا أردنا مثالا حيا على هذه علاقة “الحضور المطلق والمتبادل” بين الجواني والبراني، فنحن بحاجة إلى أن نعود إلى تأويل أرتيميدوروس في “تعبير الرؤى”: السيد الذي رأى بأنه يستمني بيده سوف يحظى بعلاقة جنسية مع عبده. يمكن أن يتحقق هذا في الحقيقة لأنه حدث بالفعل في المنام فقد مارس الجنس مع عبده على هيئة الاستمناء بيده، إن يد السيد ذاتها “عبد” أداة خدمته، شكل آخر من “أداة لأجل الأداة” تبعا لتعريف أرسطو الشهير في “الحيوان”.

في الداخل السيادي لجسد السيد نفسه، وجدنا أداة حية تدعى العبد.

 

خلف الستار

آلة السيادة

شكل 2: غلاف كتاب توماس هوبز اللفياثان لإبراهام بوس (1651)

صمم إبراهام بوس غلاف الطبعة الأصلية لكتاب توماس هوبز “اللفياثان”(1951)، وهي صورة تكاد تتطابق مع مواصفات المؤلف الخاصة، في هذا الغلاف نجد تصميما غريبا وكأنه يحجب شيئا ما؛ إنه ستار. (الشكل 2) وللتركيز على هذه التفصيلة المثيرة، فإن اسم هوبز وكتابه (كتاب اللفياثان: الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة) قد نقشا على ستارة مزركشة، رُسمت تحت الصورة الكبيرة “للإله البشري”.

ومن المثير للدهشة، أنه نادرا ما أولت الدراسات الكثيرة التي سعت لفك لغز غلاف بوس هذه التفصيلة قليل اهتمام. أحد التعليقات المعدودة عليها كان لكارل شميت[45]، تبعا له فإن الستار الغامض يشير إلى “أن المقدمة للسيادة إزاء القوة”[46] بينما ذهب مؤرخ الفنون هورست بريدكامب إلى مقارنتها “بنمط  الستار الذي يخفي الخباء في العهد القديم باعتباره سرا”[47]

إذا تم تجاوز ستار هوبز بصفة عامة، فربما كان ذلك لأن وجوده يحجب أو يغطي الاقتصاد السياسي الجديد للمشهد بدل ما كانت سلطة اللفياثان تكمن فيه.

أما بالنسبة لدارسي هوبز، فإن الأكثر استدعاء للانتباه حول غلاف بوس هو كون “الإله البشري” شفافا، فجسده الضخم مرئي، ومكوّن حقيقةً ومجازا من الجمع الذي يكوّن سيادته.

 

إذن، أي سر سيادي[48] يمكن أن نجده خلف ستار اللفياثان إذا أمكن كشف كل شيء؟

 

حتى أفتح آلة سيادة هوبز الحديثة، أريد أن أبدأ بوضع ثورته السياسية في سياق الثورة العلمية والتقنية للقرن السابع عشر، كما حددها سابقا ستيفن شابن وسيمون شافر في كتابهما “اللفياثان ومضخة الهواء”[49]

من المثير للإهتمام، مثلا، أن الستار وُضع على غلاف الكتاب تحت النصف السفلي من جسد الاصطناعي للفياثان –كأنه مصمم غالبا لإخفاء أيدي الدمية (البنيامينية ربما؟).

وكما وثق العديد من المؤرخين، فإن ثورة الفلسفة السياسية الجديدة لهوبز ترافقت مع ثورة جديدة في الأنثروبولوجيا الفلسفية: فديكارت قد سبق “اللفياثان” بأكثر من عقد من الزمان عند مقارنته في تأملاته جسد الإنسان “بالساعة المركبة من عجلات وأحجار”[50]

أما مع هوبز، فقد تحول مع السؤال الفلسفي الجديد (هل بإمكان جسد اصطناعي أن يتصرف باستقلال تام عن أي روح محرّكة؟) إلى سؤال كلاسيكي للسياسية الحديثة: هل بإمكان جسد سياسي اصطناعي أن يتصرف باستقلال تام عن سيادة محركه (القزم)؟[51]

يتسائل الفيلسوف الإنجليزي في مقدمة كتاب اللفياثان: “بما أننا نرى أن الحياة ليست إلا حركة للأطراف تكمن بدايتها في قسم رئيسي ما في داخلها، فلماذا لا يمكننا القول أن لكل الآلات (التي تتحرك ذاتيا بواسطة زنبركات وعجلات كما تفعل الساعة) حياة اصطناعية؟” [52]

إن هوبز بالنسبة لكارل شميت في الكتاب الأول من “اللاهوت السياسي” (1922) هو آخر الأبطال العظام لفلسفة السيادة الشخصانية أو القرارية، التي بُنيت على وجود شخص سيدٍ حقيقي يقبع “خلف الستار”، لذا فعند الحديث عن رجل الدولة الاصطناعي العظيم: فإن “الممثل الكلاسيكي للنوع القراري هو توماس هوبز” على حد تعبير شميت.[53]

لكن من الواضح أن الفيلسوف الألماني قد وضع يده أيضا على توتر بين نظرية هوبز السياسية “التي تبقي على نموذج أخير للقرار هو شخصاني وافتراضي” من ناحية وبين “مذهبه العلمي الطبيعي” الذي “يقلص الأفراد ليكونوا مجرد ذرات” من ناحية أخرى.[54]

كما ذهب إلى القول، في كتابه “اللفياثان في نظرية الدولة عند توماس هوبز” (1938)[55]، أن هذا التوتر البنيوي بين شخصانية هوبز السياسية وماديته الفلسفية هو ما يفسر لماذا أشتُهر “الممثل الكلاسيكي للنوع القراري” بأنه سَلَفُ الليبرالية الحديثة وتحييد الدولة ونزع تسييسها، وهو الأمر الذي كان ليمقته.

حتى نوجز قول شميت الملغز الذي ذكرناه آنفا، فالظاهر أن مصير هوبز التراجيدي يمكن رده كليا إلى قراره توظيف اللفياثان التوراتي –مخلوق البحر الأسطوري- ليرمز إلى الكومنولث المثالي[56]. لكن، على الرغم من استغلال قوة الأسطورة في التأسيس للدولة السياسية، فإن شميت أهتم بالقول أن هوبز قد أهلكه اختياره للرمز الخطأ في محاولته بناء كومنولث سياسي وديني موحد، لأنه لم يعرف أن قوته الأسطورية تستخدم للتفريق أكثر منها للتوحيد:

فما كان يريده هوبز رمزا مهيبا لسلطة الدولة المطلقة والمحققة في زمانه، انقلب ليكون “رمزا للمسخ”[57] واقتصر نجاحه على توحيد أعدائه ضده.

يرى شميت (وهنا تظهر معاداته لليبرالية والسامية) أنه إذا كان يهود العهد القديم قد تخوفوا من وحش البحر ورأوا فيه رمزا لقوى الشر الوثنية، فلابد أن يستريب  “الليبراليين اليهود” الجدد أمثال سبينوزا ومندلسون من السلطة المطلقة للدولة الهوبزية:

فلقد استغل اسبينوزا –ذلك الليبرالي الكلاسيكي- تسليم هوبز المتواضع بأن النصوص الدينية تحفظ حرية الضمير لفعل الخير، ليؤكد أن الأفراد هم المصدر الأًصيل للسيادة العامة.

بهذه الطريقة فإن “رجل هوبز الاصطناعي العظيم” قد أُفرغ تدريجيا من كل سلطاته إلى الحد الذي يجعله مقاربا لبيروقراطية الدولة الفيبرية (نسبة إلى ماكس فيبر) العملاقة التي تتولى الإدارة لصالح الخواص.[58] –دمية فارغة يتحكم بها عدد لا نهائي من الحُدْب الليبراليين، وفقا لتعبير شميت سيء السمعة، من ثم، فإن نظرية دولة هوبز الشمولية تعاني خللا قاتلا في تصميمها أو ضعفا بنيويا- “إنه صدع بالكاد يُرى في التبرير النظري لدولة السيادة”[59]

بإمكان الليبراليين اليهود إذا أن يفتحوا تلك الجائزة (الصدع) ليحطموا اللفياثان، بيد أنه من غير الشائع أن كارل شميت يقترح إجابة –مختلفة جدا، للسؤال عن سبب فشل اللفياثان في كتابه الذي يفضل على نحو مدهش أن يضمّن الانقسام التاريخي بين مطلقية السيادة بالنسبة إلى هوبز، والليبرالية الفردانية بالنسبة إلى سبينوزا، في الجسد الميكانيكي للفياثان نفسه.

تبعا لشميت –الذي كتب نصه بمناسبة مرور ثلاثمة عام على نشر ديكارت تأملاته-

فإن نظرية هوبز عن الدولة لم تعتمد على رواية أسطورة سياسية قديمة عن اللفياثان التوراتي، بقدر ما استندت إلى الثورة العلمية الجديدة للأثروبولوجيا الفلسفية:

“إن هوبز ينقل –وهذا ما يبدو لي أنه جوهر فلسفة الدولة عنده- المفهوم القروسطي للإنسان باعتباره آلة بداخلها روح إلى “الرجل الكبير”، الدولة، فحولها إلى آلة يحركها شخص مفوّض وصاحب سيادة”[60]

حتى نقرأ هذا في سياقنا، فإن فلسفة هوبز ليست أسطرة لاهوتية سياسية بقدر ما هي ضرب من الديكارتية السياسية التي تطبّق ثنائية ديكارت عن الإنسان –إذ هو مؤلف من شيء آلي\ميكانيكي، وذهن خالص (غير مادي)- لتصبح نظرية ثنوية للدولة التي تتكون من جسد آلي وشخصانية سيدة “الروح”. ومن ثم ، يرى شميت أن هوبز قد تفوق على ديكارت، لأن دولته لم تقف عند حد المثنوية، بل كانت أحادية جذريا. فإذا كان ديكارت واضحا حين قارن جسد الإنسان فقط بالآلة، فإن هوبز قد اختار أن يمد الآلية لتبتلع الروح كذلك: فشميت يقرر بحق أنه لا يجب أن يختلط “السيد المفوض” في قلب آلة الدولة الهوبزية بأي سيد ميتافيزيقي كالإله أو حق الملك الإلهي لأن سيادته إنما هي نتاج عملية تفويض وتمثيل قانونية ونظامية محضة. 

ولهذا السبب كان باستطاعة شميت أن يقرر، بعيدا عن قبضة المكننة الليبرالية للدولة، أن نظرية هوبز عن السيادة تسرعها وتكملها، لأنها تقدم الدولة بكليتها على أنها إنسان اصطناعي[61] ويؤكد الفيلسوف الألماني: “اللفياثان هو أول منتجات عصر التقنية… أول آلة حديثة بطراز ضخم .. إنها “آلة الآلات”[62]

وفي الإنعطافة الأخيرة لعجلة التاريخ، أعاد الفيلسوف المادي الفرنسي جوليان دي لامتري[63] أنسنةَ[64] تسييسِ هوبز الأصيل لأنثروبولوجيا ديكارت الفلسفية –التي حولت نظرية ديكارت عن الإنسان باعتباره آلة وروح إلى نظرية عن الدولة باعتبارها آلة محضة في كل من الجسد والروح- عندما ابتدع نظرية عن الإنسان باعتباره بلا روح، “الإنسان-الآلة”[65]: بعدما أصبح جسد الرجل الكبير وروحه آلة، فإن العودة باتت ممكنة، وحتى الرجل الصغير يمكنه أن يكون إنسان-آلة. فقد أكمَلت مكننة مفهوم الدولة: مكننة الصورة الأنثروبولوجية للإنسان[66].

إذن، من أو ماذا، يقبع خلف “ستار” آلة هوبز السيادية؟
من المدهش أن سردية شميت التراجيدية أو الجبرية عن سقوط السيادة الشخصانية وصعود التحييد الليبرالي تبدو متناقضة مع مبادئ فلسفة الآلة:

فأي مفهوم عن “آلة كونية” لابد أن يصف كونا مغلقا ومحددا وقابلا للتنبؤ، وهو ما يجب أن يحول دون أي مصيبة أو انحراف أو سقوط تراجيدي كالذي يصفه المنظر السياسي الألماني. وعليه، فربما كان شميت محقا وهو لا يدري عندما وصف اللفياثان بأنه “آلة الآلات أو آلة فوقية”، لأن هذا يشير إلى امتلاكها نفسها لسلطة تقنية.

لكن فيكتوريا كان[67] في كتابها “مستقبل الوهم”[68] تقترح أنه علينا حتى نزيل غموض ما أسمته “الجبرية المتعصبة”[69] المعتملة في هاجسنا المعاصر من اللاهوت السياسي الشميتي، أن نعود إلى المفهوم الخاص لكل من فيكو وهوبز عن الخلق[70] والتشديد على جذور الدولة إن كانت من خلق الإنسان أو اصطناعية: “نحن لا نستطيع معرفة إلا ما خلقناه وأسسناه بأنفسنا: (الحقيقة – بمعنى ما خُلق أو صنع- هي قابلة للتبادل)”[71]

وبعد، على الرغم من ادعاء كان أن هوبز نفسه هو من خلف ستاره – لأن الدولة هي من صنع الإنسان وتظل تحت تصرف صانعها إلى الأبد- إلا أنه بالإمكان أن نقول أنه ثمة مبدأ حديث وشاعري يعتمل في قراءة شميت الجبرية للفياثان.

بالنسبة لشميت، فإن المأساوي في مصير آلة هوبز السيادية ليس ببساطة أنها صُنعت بشكل سيء أو أسيء استخدامها، بل تحديدا لأنها خرجت عن طوع صانعها، وأعادت صُنع ذاتها آليا بمعزل عن إرادة محركها الأصلي بل وضدها: “فالأسلحة الروحية التي زيفها هوبز لم تخدم مراده”[72]

إذا كان شميت محقا في أن فلسفة هوبز فشلت في التوفيق بين المطلبين المتنازعين: السيادة الشخصانية الأسطورية وتمثيلية أجهزة الدولة، وإذا تحول السيد المفوض ليس لأن يكون روح الآلة بل مجرد الترس الأخير في المحرك، وإذا انتهي المطاف “بالإنسان الاصطناعي” بغير قصد أن يكون جهاز الدولة المحايد والتقني الذي كان يسعى في إيقافه وتعطيله، فإن بالإمكان القول أن مصير اللفياثان هو أحد أعراض ما يسميه ماتيرانا وفاليرا “الخلق الذاتي”  وليس “الخلق”[73]: “فمن المستحيل أن نعرف ما الذي خلقناه وأسسناه بأنفسنا؛ لأن ما نخلقه يعيد خلق نفسه بشكل يخرج عن معرفتنا ويقاومها على الدوام”[74].

بعبارة أخرى، ما يقبع خلف ستار هوبز ليس سيدا بشريا بل هو آلة نجحت في أن الحصول على سيادتها التقنية.

بين جناحين

أدعيت في هذه المقالة أن النظرية السياسية الحديثة وصفت ما يصح أن نسميه: آلة السيادة وكذلك سيادة الآلة.

ولأستعيد فرضيتي المركزية:

فإن ما يبدأ محاولة اكتشاف –أو اختراع بأثر رجعي- سيادة بشرية أو شخصية على سلسلة من الآلات السياسية التي يبدو أنها تتصرف باستقلال عن مستخدميها، تنتهي هذه المحاولة إلى إظهار حشد مستقل أكثر عمقا من إدماج الإنسان والآلة ، المستخدم والأداة، الذات والشيء، بعضهم البعض على حد سواء.

ومن الممكن، بالتأكيد، تتبع مسار آلات السيادة هذه في مسارات هي أكثر من أرسطو وهوبز وبنيامين وشميت وأجامبين. فكما هو موثق حتى الآن، أن نظرية هوبز عن الدولة قدمت دفعة عظيمة للعلم الجديد عن المراقبة وسياسات التأثيرات البصرية –المرايا، والعدسات ..إلخ- التي استمرت عبر العديد من الرؤى والنصوص والعلامات، ابتداءً من رؤية فوكو المشهورة عن انشطار السيادة في القلب من لوحة “الوصيفات” لفيلاسكيز[75] إلى قراءة لاكان النفس تحليلية للمرآة الناظمة  في لوحة هانز هولباين “السفراء”[76].

أما أنا فأرى أن الملح في سؤال آلة السيادة هو إعادة تعريف المصائر السياسية والتاريخية والمفاهيمة للسيادة ذاتها في ظل الحداثة.

إذا كان الأحدب في الحقيقة دمية، والسيد هو نوع من العبيد، وإذا كان المتسيد ذاته نوعا من الإنسان-الآلة، إذا (وهنا الإدعاء الذي أود أن أختتم به) فالعلاقة بين السيادة و أطرافها الاصطناعية السياسية والتاريخية المتعددة –السياسة، الديموقراطية، الليبرالية، البيروقراطية، فنون الحكم، الاقتصاد، السياسات الحيوية، وهلم جرا- ربما تحتاج إلى إعادة نظر جذرية:

لقد كانت الآلة دائما تسيّر كل شيء من تلقاء ذاتها حتى داخل جسد السيادة. في هذا السيناريو، مثلا، يكون احتمال أن تصاب السيادة بما يسميه فوكو وأجامبين وآخرين “فنون الحكم” (سواء كان ذلك مأساويا أومستحقا للوم أو إيجابيا) من خارجها في بعض محطات التاريخ، أقل من العمل شبه الآلي لنوع من “فنون حكم” حضورية أو أصيلة في قلب السيادة نفسها. ماذا لو عُكست مقولة أدولف تييرز الشهيرة لتكون “يحكم  الملك ولا يسود”؟ [77]

وحتى نسدل الستار على هذا النقاش، سأعود من حيث بدأت لننظر في آلة سيادة أخرى أخيرة لفالتر بنيامين: الملاك.

لعلنا نذكر أن الحكاية الباروكية عن لاعب الشطرنج الآلي الذي لا يهزم، لقد كانت مصحوبة بواحدة آخرى في نفس الغرابة لكن تفوقها كآبة، رمزا لمصير المادية التاريخية في “أطروحات في فلسفة التاريخ”. كان ملاك التاريخ الذي وصفه بنيامين في الأطروحة التاسعة هو ذاته “دمية” أخرى تدفعها قوى عليا ليست بشرية رغما عنها إلى هزيمة حتمية –بل وتلقائية على الأرجح:

“تبين لوحة لبول كلي ملاكا كما لو كان موشكا على الإبتعاد عن شيء يتأمله باستغراق وعيناه تحدقان، وفمه شاغر، وجناحاه مبسوطان، هكذا يتصور المرء ملاك التاريخ: وجهه ملتفت صوب الماضي، وبينما نحن نرى سلسلة من الأحداث لا يرى هو إلا كارثة واحدة وحيدة تظل تُراكم الحظام فوق الحظام وتلقيه أمام قدميه. يود الملاك أن يبقى.. أن يوقظ الموتى.. ويعيد لأمٍ أشلاءَ ما تحطم. لكن عاصفة تهب من الفردوس، وقد اشتبكت بجناحيه بعنف حد إعاقته عن طيّهما. هذه العاصفة تدفعه بصورة لا تُقاوم إلى المستقل وظهره متجه نحوه، بينما يرتفع كومُ الأنقاض أمامه إلى عنان السماء. هذه العاصفة هي ما نسميه التقدم.”[78]

يبدو واضحا أنه توجد عدة مصادر معقولة لهذه التجربة الفكرية الشهيرة – من لوحة بول كلي “الملاك الجديد”[79] ذاتها إلى التراث اللاهوتي اليهودي المسيحي- لكن يجب أن نتذكر أيضا أن لدى صورة بنيامين عن ملاكٍ أودى به التقدم التاريخي أصلا ميكانيكا في فكره: هو اختراع المحرك البخاري للقاطرة في بدايات القرن التاسع عشر.

عندما نستعيد مقالة بنيامين عام 1937 عن إدوارد فوكس باحثا تاريخيا[80]، نجده قد هجا العبادة الجمالية الغامضة في القرن التاسع عشر للتقدم التقني الذي أعقب تزايد التصنيع بتأسيس ملائكية[81]غريبة للآلة. “بدأت الكرة تتدحرج بشعر أتباع “سان سيمون” الصناعي، ثم جاءت واقعية “دو كامب” الذي قال إن رأى القاطرةَ قديسَ المستقبل، ثم جاء أخيرا “لودفيج بفاو” الذي كتب: “لا يتحتم أن تصير ملاكا، منذ فاقت القاطرة أفضل جناحين”[82]

لماذا إذن تقرر الأطروحة التاسعة لبنامين خلافا لبفاو أنه يتحتم “أن تكون ملاكا” – فقط من خلال تبني منظور شبه ملائكي مقابل تاريخ المادية التاريخية؟

أثمة دراما أخرى للآلية الزائفة لكل إدعاء بالتقدم التاريخي أو الانتصار تبغي فضح الدمار الذي يحدثه الأخير في أعقاب انتصاره؟

أو ربما هي خطوة لمزيد من التعقيد (أو على الأقل أقل رضا) في لوحة تكون فيها الآلية الميكانيكية أكثر من مجرد وهم بصرى أو تأثير محدد يمكن أن يكشفه حسنا النقدي السليم[83]؟

بالتأكيد، يمكن قراءة تجربة بنيامين الذهنية ببساطة على أنها محاولة أخرى للكشف عن الأحدب اللاهوتي الهرم القابع داخل قاطرة التقدم التاريخي الظاهرة: فهذا الملاك الجديد للتاريخ ليس “قديس المستقبل” إطلاقا؛ إنه ينظر للوراء لا الأمام، والأهم أنه يُدفع قدما نحو المستقبل خلافا لرغبته: عاصفة تهب من الفردوس، وقد اشتبكت بجناحيه بعنف حد إعاقته عن طيّهما”. إذا، ومرة أخرى، قد يتحول القزم إلى مجرد دمية أخرى لأن تحذير بنيامين السيادي من الآلية الزائفة للتاريخ هو نفسه نوع من “آلات” الحكم. 

أما أجامبين، الذي يكرّس عمله “المملكة والمجد”[84] عن جينالوجيا فنون الحكم فصله الافتتاحي لحقل علم الملائكة في اللاهوت الاسكولائي الباروكي، حيث الملاك لا يمثل سيادة الرب المطلقة بقدر ما يمثل الحكومة المستقلة للعالم بلا منازع:

“ما هو محسوم .. أنه، وقبل أن تُصك وتُعتمد مصطلحات مثل الإدارة المدنية والحكومة، فإنها قد أُسست ورُسّخت في علم الملائكة، ولم يقتصر ذلك على مفهوم التراتبية، بل إن الوزارات والمهمات كانا .. قد نُظّما وبطريقة معبرة للغاية تحديدا فيما يتعلق بالأنشطة الملائكية”[85].

فإذا كانت الملائكة هي نوع محدد من مخلوقات الإدارة التي خلقها الرب حتى تحكم العالم باستقلال نيابة عنه، كما يدعي أجامبين، إذا فمن الممكن أن نقرأ ملاك التاريخ عند بنامين على أنه ضد نفسه، باعتباره آلة أخرى داخل آلة: إن ما يُوصف هنا يمكن أن يكون نوعا مفترضا أو أصيلا من الحكم في قلب السيادة نفسها.

هذه الصورة الرمزية المجنحة لضعف وهوان السيادة – التي تبدو عاجزة أمام الكارثة العالمية بعيدا عن رغبتها- يمكن تحريفها لنعيد تخيلها باعتبارها شكلا جديدا من سياسة “دعه يعمل”[86] التي تتحدد مهمتها بالانزواء إلى الأجنحة (الأطراف)، وترك الأشياء تأخذ مجراها طبقا لطبيعتها، والاكتفاء بالتدوين البيروقراطي للمكاسب والخسائر.

في مثال بنيامين عن ملاك التاريخ –حيث يحاول عبثا فرملة قطار التاريخ الخارج عن مساره- نلاقي قاطرة من الحكم أيضا تُسير الأمور من تلقاء ذاتها.

 

 


الأشكال:

آلة السيادة

(الشكل 1) رسم التركي الآلي في  Karl Gottlieb Windisch, Inanimate Reason: Or, A Circumstantial Account of that Astonishing Piece of Mechanism, De Kempelen’s Chess-player, Now Exhibiting at No. 8, Savile-Row, Burlington- Gardens (1784).

 

آلة السيادة

شكل3: لوحة بول كلي “الملاك الجديد” (من وضع المترجم)

 

 

 

 

 

 

 

 


 

 

 

 

 

 

 


المراجع:

Agamben, G. (2011) The Kingdom and the Glory: For a Theological Genealogy of Economy and Government (Homo Sacer II, 2, trans. by Lorenzo Chiesa, Stanford University Press, Stanford, CA.

 

Agamben, G. (2016) The Use of Bodies: Homo Sacer IV, 2, trans. by Adam Kotsko. Stanford University Press, Stanford, CA.

 

Aristotle (1984) Politics in The Complete Works of Aristotle: The Revised Oxford Translation ed. by Jonathan Barnes, Princeton University Press, Princeton, NJ.

 

Balfour, I. (1991) ‘Reversal, Quotation (Benjamin’s History)’, Modern Language Notes 106, pp. 622–47.

 

Benjamin, W. (1975) ‘Eduard Fuchs: Collector and Historian’, trans. by Knut Tarnowski, New German Critique No. 5, pp. 27-58.

 

Benjamin, W. (1968) Theses on the Philosophy of History, in Illuminations, trans. By H. Zohn, Schocken, New York.

 

Benjamin, W. (1996) One Way Street in Selected Writings, Volume 1: 1913-1926 trans. by Marcus Bullock and Howard W. Jennings, the Belknap Press,

Cambridge, MA., pp. 444-88.

 

Benjamin, W. (2002) ‘Paralipomena to “On the Concept of History”’ (1940) in

Selected Writings, Volume 4: 1938-1940, ed. H. Eiland and M. W. Jennings, Harvard University Press, Cambridge, MA., p. 402.

 

Bradley, A. (2011) Originary Technicity: The Theory of Technology from Marx to Derrida, Palgrave, London.

Bredekamp, H. (2007) ‘Thomas Hobbes’s Visual Strategies’ in Cambridge Companion to Hobbes’s Leviathan ed. Patricia Springborg, Cambridge University Press, Cambridge, pp. 29-60.

Comay R. (1994) ‘Benjamin’s Endgame’ in Walter Benjamin’s Philosophy:

Experience and Destruction ed. by Andrew Benjamin and Peter Osborne, Routledge, London, pp. 251-90.

 

Derrida, J. (2009) The Beast and the Sovereign: Volume 1, trans. by Geoffrey

Bennington, The Seminars of Jacques Derrida, University of Chicago Press, Chicago,IL.

 

Descartes, R. (1986) Meditations on First Philosophy trans. by John Cottingham Cambridge University Press, Cambridge.

 

Esposito, R. (2015) Two: The Machine of Political Theology and the Place of

Thought trans. by Zakiya Hanafi, Fordham University Press, Fordham, NY.

Foucault, M. (1973) The Order of Things, trans. by Alan Sheridan, Vintage, NewYork.

 

Hobbes T. (1991) Leviathan or The Matter, Forme and Power of a Common Wealth Ecclesiasticall and Civil ed. by Richard Tuck, Cambridge Texts in the History of Political Thought, Cambridge University Press, Cambridge.

 

Kahn, V. (2014) The Future of Illusion: Political Theology and Early Modern Texts, University of Chicago Press, Chicago, IL.

 

Lacan, J. (1998) The Seminar Book XI: The Four Fundamental Concepts of

Psychoanalysis, ed. by Jacques-Alain Miller, trans. by Alan Sheridan, W.W. Norton & Company, New York.

 

Maturana H.R. and Valera, F.J. (1980) Autopoiesis and Cognition: The Realisation of the Living, D. Reidel, Dordrecht.

 

Mettrie, de la J. (1912) Man a Machine trans. by G.C. Bussey, Open Court, Chicago, IL.

 

Rabinbach, A. (1992) The Human Motor: Energy, Fatigue, and the Origins of

Modernity, University of California Press, Berkeley, CA.

 

Schmitt, C. (1985) Political Theology: Four Chapters on the Concept of Sovereignty trans. by George Schwab, MIT Press, Cambridge, MA.

 

Schmitt, C. (1991) Glossarium: Aufzeichnungen aus den Jahren 1957-51 ed.

Eberhard Freiherr von Medem, Duncker & Humblot, Berlin.

 

Schmitt, C. (2008) The Leviathan in the State Theory of Thomas Hobbes: Meaning and Failure of a Political Symbol trans. by George Schwab and Erna Hilfstein University of Chicago Press, Chicago, IL.

 

Schuhl, P.M. (1947) Machinisme et philosophie, PUF, Paris.

 

Shapin S. and Shaffer, S. (1985) Leviathan and the Air Pump: Hobbes, Boyle and the Experimental Life, Princeton University Press, Princeton, NJ.

 

Smith, A. (2015) The Political Machine: Assembling Sovereignty in the Bronze Age Caucasus (The Rostovtzeff Lectures), Princeton University Press, Princeton, NJ.

 

Stiegler B. (2016) Automatic Society: Volume 1: The Future of Work, Polity, London.

 

De Vries, H. and Weber, S. (2002) Religion and Media, Stanford University Press, Stanford, CA.

 

Weber, S. (2008) Benjamin’s-abilities, Harvard University Press, Cambridge, MA.

Žižek, S. (2003) The Puppet and the Dwarf: The Perverse Core of Christianity, MIT Press, Cambridge, MA.

 

مراجع الترجمة:

 

أبو رحمة، أماني. (2018،8، نوفمبر) السلطة الحياتية وسياسات الموت بين فوكو وأغامبين، بحث محكم، موقع مؤمنون بلا حدود.

أرسطوطاليس.(2016). السياسة (أحمد لطفي السيد، مترجم) بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

بنيامين، ف. (2007). مقالات مختارة (أحمد حسان، مترجم) عمان: دار أزمنة للنشر والتوزيع

بنيامين، ف. (2016). شارع ذو اتجاه واحد (أحمد حسان، مترجم) القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب

 

ديكارت، ر. (2009). تأملات في الفلسفة الأولى (عثمان أمين، مترجم) القاهرة: المركز القومي للترجمة.

 

شميت، ك. (2018). اللاهوت السياسي (رانية الساحلي، ياسر الصاروط، مترجمان) بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

 

هوبز، ت. (2011). اللفياثان الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة (ديانا حرب، بشري صعب، مترجمان) هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث (كلمة) ودار الفارابي.

[1] Arthur Bradley (2018) In the sovereign machine: sovereignty, governmentality, automaticity, Journal for Cultural Research, 22:3, 209-223, DOI: 10.1080/14797585.2018.1461359

[2] عن الترجمة العربية لأحمد حسان، (بنيامين: 2007: 174)

[3] (Benjamin 1968: 254)

[4] (Comay 1994: 260)

[5] (Benjamin 1968: p. 254)

[6]  لمصطلح mis-en-abyme مركزية في هذه المقالة، وقد اعتمدت ترجماته العربية على أحمد اليبوري في دينامية النص الروائي الذي ترجمه “الإنشطار” وقد تُرجم أيضا بالإرصاد، ويعني 1. تأثير تعدد المرايا الذي يحدثه وضع صورة أمام أخرى إلى ما لا نهاية. 2. استراتيجية انعكاسية حيث يكون محتوى الوسيط هو الوسيط نفسه كما في هاملت لشكسبير، حيث تكون مسرحية بداخل مسرحية. 3. تقليد في الفنون الغربية برسم لوحة مصغرة من الصورة داخل واحدة أخرى أكبر، انظر Oxfordreference كما تستخدم في الفيلم برواية قصة داخل قصة، وفي الرواية “تتحول القصة الصغرى المتضمنة في الكبرى لمرآة، وعندما تأتي القصة المسبقة الكبرى لتتمادى فيها، فهي عرضة لأن تسفر عن جزئها الذي تنوي إخفاءه) انظر: عبد العالي بوطيب، أوراق التعبير الإبداعي عن انشغالات العروي الفكرية في عالم الفكر المجلد 26 العدد 1. والانشطار في اللغة يعبر عن انقسام الشيء وانقسامه كذلك على نفسه، فهي إجمالا تعبر عن صورة داخل صورة، فكرة تعكس فكرة بداخلها، وعن مرايا لا نهائية،  (المترجم)

 

[7]  للتأكيد، فقد استفد نقاد بنيامين كل تفاوت ممكن للأطروحة الأولى حتى وصلوا بها إلى طريق مسدود إن جاز القول. وقد قُرء من طرف لاهوتي و\أو مادي، على أنه يدعو إلى شكل من التحالف الديالكتيكي أو التاريخي أو الاستراتيجي بين اللاهوت والمادية، فإذا كانت كل الاستراتيجيات التفسيرية في أحسن أحوالها نصف صحيحة، فبالإمكان القول أنها لا تتجاوز تكرار مواقع الموضوع وتبايناتها (القلب، الإخفاء، الكشف، والرغبة، في كل حالة، بطريقة ما “للفوز” في اللعبة) وجميعها لها ما يدعمها ويقوضها داخل أطروحة بنيامين وبها. وبهذا المعنى فإننا جميعا ننتهي إلى لعب نفس اللعبة ضد الآلة وبنفس النتيجة الحتمية. راجع لتتبين التفاوت في القراءات المختلفة للأطروحة: Balfour 1991, Žižek 2003 and Weber 2008

 

[8]  انظر Bradley 2011. عند الحديث عن “أصالة” الاصطناع أو الإلحاق هنا لا أعني أن نقلب ببساطة التسلسل المعتاد ومن ثم نسبغ سببية أولية على التقنية بل أدعو لمسائلة العلاقة بين الإنساني والتقني بجملتها.

 

[9] Physis

[10]  (Benjamin 1996: 487)
عن ترجمة أحمد حسان، (بنيامين:2016: 98)

[11] (Schmitt, Benjamin, Agamben, Esposito)

[12] technogenesis

[13] (Benjamin, Heidegger, Simondon, Deleuze, Stiegler)

[14] عن دراسة العلاقة بين السيادة وفنون الحكم والتقنية من منظورات متعددة التخصصات أنظر:
 Rabinbach 1992, De Vries and Weber 2002, Derrida 2009, Esposito 2015, Smith 2015, Stiegler 2016  

 

[15]  (Schmitt 1985: 48)
عن ترجمة رانية الساحلي وياسر الصاروط (شميت:2018: 59)

 

[16]  (Aristotle 1984: 1253b 20-1254a 1)
عن ترجمة أحمد لطفي السيد (أرسطوطاليس:2016: 135:140)
أي أنه مثل هذه التماثيل “لو كان بإمكانها بأمر أمرت به أو أشعرته أن تشتغل من تلقاء نفسها.. لاستغنى أرباب الأعمال عن العمال والسادة عن العبيد” والمعنى أنها ليست كذلك . (المترجم)

[17] (Derrida 2009:29)

[18]  (Aristotle 1984: 1253b)

عن ترجمة أحمد لطفي السيد، وبداية الفقرة: “ومن جهة أخرى الملكية جزء غير منفصل عن العائلة، وعلم الحيازة جزء من العلم المنزلي ما دام أنه من الأشياء التي هي من الضرورة الأولى لا بستطيع الناس أن يعيشوا إلا سعداء، ينتج عن هذا أنه ..” (المترجم)

[19] حسبما يرى مؤرخ العالم القديم بيير مكسيم شول، أن العلاقة السببية كانت في الحقيقة في الاتجاه المعاكس. فمن وجهة نظره، لم يكن غياب تقنية متقدمة في اليونان القديمة ما جعل العبودية ضرورية كما يدى أرسطو بقدر ما كان اعتماد اليونان القديمة على عمل العبيد عائقا أما تطور التقنية.

[20]  “The use of the bodies” في اللغة العربية المعاصرة لا يوجد فارق كبير بين الاستعمال والاستخدام، فهما مترادفان، لكن نشير إلى أن الفعل خدم يعني قام بحاجته واستخدمه اتخذه خادما، بينما استعمله أي جعله عامل
والعمل فعل الفعل عن قصد واستعمال الشيء إعماله فيما يعد له، ففضلنا استعمال (المترجم).

 

[21] (Agamben 2016: 10)

[22] (Agamben 2016: 78)

[23] zone of indifference

[24]  يستخدمها أجامبين كثيرا وهي تشير إلى توظيف اليونانيين القدماء للمصطلحين للتعبير عن الحياة: “زوي: الذي يعبر عن حقيقة بسيطة للعيش المشترك بين جميع الكائنات الحية (الحيوانات والبشر والآلهة)، والبايوس bios الذي يشير إلى شكل أو طريقة العيش السليم لفرد أو مجموعة .. يشير الزوي عموما إلى وجود كائن حي؛ أما البايوس، فيدل على الحياة المؤهلة. البايوس هو الحياة العقلانية ومن ثم لا يمكن أن ننسبه إلى الحيوانات.” نقلا عن (أبو رحمة:2018) (المترجم)

[25] [oson esti ergon he tou somatos chresis]’ (Aristotle 1984:1254b 17-20)

[26] Praxis و poiesis على التوالي

[27] Telos

[28] ktema

[29] Morion

[30] Allou

[31]  (Aristotle 1984: 1254a 1-17)

عن الترجمة العربية، سبق ذكره

[32]  (Aristotle 1984: 1254a 13) في الترجمة العربية: “ليس عبد السيد فحسب بل هو أيضا يتعلق به على الإطلاق” (المترجم)

[33] (Agamben 2016: 13-14)

[34]  “بالنسية لأرسطو هو كائن بشري بلا شك” في نص أجامبين الأصلي والذي تصرف فيه الكاتب، انظر (Agamben 2016: 10). (المترجم)

[35] syntagma

[36] (Agamben 2016: 78(

[37] (في إشارة إلى تجاوز التراث الهيجلي- الماركسي)

[38] (Agamben 2016: 79)

إذا كانت جينالوجيا أجامبين عن العبودية في “استعمال الاجساد” هي عادة انتقائية وتشبيهية وتأريخية (تجمع بين أرسطو، وآباء الكنيسة، والماركيز دي ساد، وماركس وهايدجر من بين العديد من الآخرين) فإن أطروحته الأساسية هي أن علاقة السيد والعبد عند أرسطو تؤسس للأصول الميتافيزيقية المنسية لهذه العملية التي بلغت ذروتها في استيعاب حقيقي للعمل كما وصفه ماركس. في جينالوجيا أجامبين، ما يبدأ بين السيد والعبد على أنه استعمال متبادل لجسد كل منهما الآخر في نوع من الأنطولوجية الأناركية أو الشيوعية الركيكة سينتهي  –وإن كان بشكل ساخر ومكرر- إلى أن المستخدم والأداة سيكونا جزءا من كل آلي أكبر أو خط إنتاج في المرحلة الآلية من الرأسمالية.

[39] [hyperetikas] (Artemidorus, Interpretation of Dreams, quoted in Agamben 2016: 16)

[40] بالنسبة لي، فإن استعادة أجامبين لنظرية أرسطو عن العبودية الطبيعية (على الرغم أو ربما نتيجة موقفه الهايدجري اليساري الرثائي للاستعمال الحر للأجساد) يقترب بشدة لأن يجعل عنف السيد تجاه العبد أنطولوجيا –وتحديدا في تطبيعه للعلاقة الجنسية بين السيد والعبد. وإذا كان أجامبين سيرفض هذا التحفظ باعتباره ينطوي على مغالطة تاريخية، فإن من الجدير بالذكر أن أرسطو نفسه يوضح صراحة أن نظريته عن العبودية الطبيعية هي موجهة ضد من يعتبرونها ليست طبيعية – بأن “هذا غير مشروع، لأنه بني على العنف”(Aristotle1984: 1253b). فلماذا سيسعى للدفاع عن العبودية الطبيعية في المقام الأول إلا إذا كانت قد تعرضت للمهاجمة؟

[41]  immanence المحايثة أو الحضورية، نستخدم الإثنتين، “Immanent مكون من مقطعين يونانيين In بمعنى في، manere بمعنى يقيم، يقال علة محايثة، أي علة في باطن الذات الفاعلة وتقابلها علة مفارقة” انظر: (وهبة:2016: 660) (المترجم).

[42] (Agamben 2016: 30)

[43]  وهي اللغة اليهودية الإسبانية من اللغات اليهودية الرومانسية، وكان يستخدمها اليهود السيفارديم (المترجم)

[44] (Agamben 2016: 29)

[45]  Glossarium: Aufzeichnungen der Jahre 1947– 1951 المسرد: أوراق الأعوام 1947- 1951

[46] Herrschaft و Macht على التوالي

[47] (Bredekamp 1991:32)

[48] arcanum imperii كلمة لاتينية تعني أسرار السلطة

[49]Steven Shapin and Simon Shaff Leviathan and the Air Pump, Hobbes, Boyle and Experimental Life. (1985).

 

[50] تقول عبارات ديكارت: “إذا نظرت إلى جسم الإنسان باعتباره آلة (ماكينة) قد ركبت من العظام والأعصاب والعضلات والشرايين والدم والجلد، بحيث أنه وإن لم يكن فيه نفس لم يخل من أن يتحرك على جميع الوجوه التي يتحرك عليها الآن حين لا يتحرك بتوجيه إرادته، ولا بالتالي بمعونة نفسه”(Descartes 1986: 58) (عن الترجمة العربية (ديكارت:2009 : 260) (المترجم)

[51]  Homunculus، والمرجح أن المؤلف قد وضعها تناصا مع أحدب بنيامين في بداية المقالة (المترجم)

[52]  (Hobbes 1991: 1) عن الترجمة العربية (هوبز:2011: 17)

[53]  (Schmitt 1985: 33) عن الترجمة العربية (شميت:2018: 47).

[54]  (Schmitt 1985: 225) لم تصل أي نسخة من كتاب اللاهوت السياسي إلى هذا العدد من الصفحات لاسيما الكتاب الذي يعود إليه تحديدا، وربما هو خطأ مطبعي (المترجم).

[55] The Leviathan in the State Theory of Thomas Hobbes, meaning and failure of a political symbol.

[56]  كومنولث أو الخير العام أو الجمهورية أو الدولة (استخدمت الترجمة العربية للكتاب اللفظتين الأخيرتين) وبحسب الموسوعة البريطانية فالكومنولث: هيئة سياسية تشكلت بالقانون لأجل المصلحة والخير العام، أستخدم المصطلح كثير كتاب القرن السابع عشر مثل توماس هوبز وجون لوك، ليشير إلى المجتمع السياسي المنظم. عنى لهم الدولة أو الجمهورية civitas \res publica عند الرومان، أو “الدولة” في القرن العشرين.

[57] (Schmitt 2008: 81)

[58] (Schmitt 2008: 53-64)

[59] (Schmitt 2008: 57)

[60] (Schmitt 2008: 32)

[61]  استخدم التعبير اللاتيني homo artificialis

[62]  (Schmitt 2008: 34)، وقد استخدم التعبير اللاتيني machine machinarum والذي يُنسب إلى هوجو فيشر Hugo Fischer.

[63] Julien de la Mettrie

[64] Reanthropologized

[65] homme-machine

[66] (Schmitt 2008: 37; see also Mettrie 1912)

[67] Victoria Kahn

[68] Future of Illusion

[69] illiberal fatalism

[70] poiesis

[71] (Kahn 2014: 6)

[72] (Schmitt 2008: 85)

[73] Maturana and Valera, autopoiesis الخلق الذاتي

[74] (Maturana and Valera 1980)

[75] Velasquez’s Las Meninas (Foucault 1973)

[76] Holbein’s The Ambassadors (Lacan 1998).

[77] (le roi gouverne mais il ne règne pas)

وأصل مقولة تييرز Louis Adolphe Thiers “الملك يسود ولا يحكم”

[78]  (Benjamin1968: 257-8) عن ترجمة أحمد حسان بتصرف، (بنيامين: 2007: 177)

[79] Paul Klee’s Angelus Novus (الشكل 3)

[80] Eduard Fuchs:Collector and Historian

[81] angelology

[82] (Benjamin 1975: 34).

[83] bonne conscience

[84] The Kingdom and the Glory (2007)

[85] (Agamben 2011: 158)

[86]   ‎Laissez faire, laissez passer دعه يعمل دعه يمر، تعبر عن حرية العمل وحرية التنقل معبرة عن الليبرالية الاقتصادية وسياسة عدم التدخل (المترجم)