الحب والزواج: لمَ ستتزوج الشخص الخطأ؟ – آلين دو بوتون / ترجمة: محمد الرشودي

الحب والزواج: لمَ ستتزوج الشخص الخطأ؟ – آلين دو بوتون / ترجمة: محمد الرشودي

آين بوتون

آلين دو بوتون – مؤلف وكاتب

هذه المقالة مختصر أطروحة الكاتب لكتاب يحمل نفس العنوان


إنه لأكثر ما نخشى وقوعه، نعاني الطريق الطويلة لتجنبه، ومع ذلك، هو لابد واقع؛ إنه الزواج من الشخص الخطأ.

      يعود هذا -في جزء منه- إلى المجموعة الهائلة من العقبات التي تعترض الطريق حينما نحاول التقرب من الآخرين، نبدو أسوياء في الظاهر حصرًا على من لم يعرفونا بعد حق المعرفة، ففي مجتمع يتمتع بحكمة أكثر من مجتمعنا، ويتمتع بوعي أكثر بالذات منا، يصبح السؤال الاعتيادي على طاولة العشاء مع المحبوب “ما ماهيّة جنونك؟”

      فلعلنا نتمتع بميول كامن إلى الامتعاض حينما يختلف أحدهم معنا في الرأي، أو قد لا نستطيع الاسترخاء إلا حال التفت كل منا إلى عمله، ولربما نراوغ بالحميمية بعد المعاشرة، أو نكتفي بالصمت في الرد على الإهانة. لم يُمنح أحد منا الكمال، بيْد أن الإشكال يكمن في أننا نادرًا ما نتحرّى تعقيداتنا قبل الزواج، فنحن نلقي باللوم على شركاء حياتنا حالما تهدد علاقاتنا الظرفية معهم بإظهار عيوبنا، وننهي يومنا بذلك. أما الأصدقاء، فليس من شأنهم بذل قصارى جهدهم لتثقيفنا. وبالتالي، فإن أحد هِبات هذه العزلة هو الانطباع الصادق بأننا -في الحقيقة- أناس يسْهُلُ العيش معهم إلى حد بعيد.

      ليس لشركاء حياتنا وعي أفضل من وعينا بذواتنا، فمن الطبيعي أن نتسبب بالأذى في خضمّ محاولاتنا فهمهم. إننا نزور عائلاتهم، ونمعن النظر في صورهم، ونقابل زملاء دراستهم الجامعية، وكل هذا يغذّي الشعور بأننا قمنا بما يجب، مع أننا لم نقم به بعد. ينزل الزواج منزلة المقامرة المتعلقة بالأمل، والكرم، واللطف اللامحدود، يقوم به فردان لا يعيان ذواتهما بعد فضلاً عن أن يعيا ذات الآخر، فيُلزمان نفسيهما بمستقبل لا يمكنهما تصوره، بل قد حرصا على تجنّب البحث فيه واستقصاءه.

محمد الرشودي

المترجم: محمد الرشودي

      نجد في جملة التاريخ المسجّل بأن الناس تتزوج لشتى الأسباب المنطقية، كأن يكون للفتاة حصة في قطعة أرض ملاصقة لأرض الرجل، أو أن لعائلتها تجارةً مزدهرة، أو لأن والدها كان قاضيًا مرموقًا في البلدة، أو للحفاظ على قصرٍ في مكان ما، أو لأن والدا الزوجين يتشاركان في تأويل واحد لكتاب مقدس. إن الوحدة متدفقة من زواج عقلاني كهذا، ومعها الخيانة، وسوء التعامل، وجفاء القلب حيث ينفذ صراخ الزوجين من الأبواب مسرعًا إلى غُرف الأطفال. فنرى أن الزواج العقلاني -في نهاية المطاف- لم يكن معقولًا البتّة، بل غلب عليه طابع النفعية، وضيق الأفق، والزهّو، والانتهازية. ولهذا السبب أصبح بديله -الزواج الخاضع للمشاعر- معفيًّا، إلى حد كبير، عن الحاجة إلى شرح ذاته.

      يتمحور الزواج بالشعور حول فردين يهيمان ببعضهما البعض عن طريق غريزتهما العارمتين، ويعلمان في قرارة نفسيهما أن ما يفعلانه هو الصواب. وبالفعل، يمكننا أن نشعر طرديًا بمزيدٍ من الأمن كلما بدا الزواج أكثر طيشًا (فلربما لم تمض إلا مدة قصيرة منذ التقى المتحابان؛ أو لعل أحدهما بلا وظيفة؛ أو ربما بالكاد تخطى كلاهما مرحلة المراهقة)، فيقوم الطيش مقام الموازنة في كفتي الميزان لكل جَنَحَات العقل السابقة، هي الشرارة التي أشعلت نيران البؤس، والتي طغى عليها الفكر المحاسبي النفعي، وما الهالة حول الغريزة الآن إلا ردة فعل المصدوم ضد قرون عديدة من عقل لاعقلاني.

       نعتقد بأننا نسعى للسعادة في عش الزوجية، إلا أن الأمر ليس بهذا اليسر، نحن في الواقع نسعى إلى الألفة، ولعل هذا بدوره يجعل أية خطط قد تدور في أخلادنا عن السعادة شائكة، فما نتطلع إليه في علاقتنا الحميمة في سن الرشد هو إنعاش ذات الشعور الذي ألفناه جيدًا في طفولتنا، وغالبًا ما يختلط على أكثرنا الحب الذي سنرتشف ريحانه مبكرًا مع ديناميكيات أخرى هدّامة بدرجة أكبر، كالشعور بالرغبة لمد يد العون نحو امرئٍ خارجٍ عن السيطرة، أو الشعور بالحرمان من حنان الأبوين أو الخوف من غضبهما، أو الشعور بعدم الأمان الكافي للإفصاح عن أمانينا. هل هو من المنطق بمكان، إذًا، أن نجد نحن من بلغنا من الكِبَرِ مبلغنا أنفسنا رافضين الزواج من مرشحين محددين، ليس لأي ذنب إلا أنهم اختيار صائب جدًا لنا -فهم تامّو الاتزان، والنضج، والتفهّم، وجديرون بالثقة-، وبوضع هذا بعين الاعتبار في صميم قلوبنا، نجد أن صوابًا كهذا يُشعرنا بالغربة، فنحن نتزوج الشخص الخطأ لأننا لا نربط بين أن نكون محبوبين وشعورنا بالسعادة.

      إنّ اقترافنا للأخطاء نابع من شعورنا المخنوق بالوحدة. ليس بوسع أحد أن يكون بمزاجه الأمثل لكي يتّخذ له خليلًا حينما يضيق ذرعًا بالعزوبية، فيجدر بنا التصالح التام مع فكرة مضيّ العديد من السنين في وحدة خانقة إذا ما أردنا الانتقائية باعتدال؛ وإلا فإننا نغامر بهجرنا للعزوبية، ثم بغضها، أكثر من حبنا للزوج الذي قاسمنا القدر.

      إن غاية ما نصبو إليه في الزواج هو استمرار جريان هذا النهر المليح من المشاعر. نتصور الزواج مادًا لنا يد العون، ليحفظ، كما تحفظ القنينة النبيذ، شعور المتعة الذي داعب أفئدتنا يوم خطرت لنا فكرة الخطبة بادئ الأمر، فلعلنا تصورنا أنفسنا في جزر البندقية، على زورق يجول في بحيرة ما، والشمس رامية ببريقها على مدى البحر وهي تميل إلى الغروب، حيث تبادلنا أطراف الحديث عن جانب من أرواحنا لم يسبق لأحد أن أدركه من قبل، ولربما تابعنا حديثنا لاحقًا على طاولة العشاء في أحد الأزقّة الهادئة. لقد تزوجنا للحفاظ على جريان هذه الأحاسيس، إلا أنه قد فاتنا التمعّن في الاتصال الهزيل بينها وبين ومؤسسة الزواج.

      للزواج -في الواقع- نزعة حتمية تقربنا من بعضنا البعض، بطريقة جدُّ مختلفة وذو معدل إداري أكثر، وهو ما يبدو جليًّا في عوائل الضواحي، حيث ثلّة من الأطفال الصاخبين، من قتلوا ذاك الشغف الذي أتى بهم إلى الوجود. إن العامل المشترك والوحيد هو الزوج، والذي قد يكون العامل الخطأ للحفاظ على هذا الشغف.

img_0099_-_resized_4

غلاف كتاب “لم ستتزوج الشخص الخطأ”

      قد يسّري عنا بعض ما بنا علمنا بأن زواجنا من الشخص الخطأ ليست مسألة ذات أهمية.

      يجدر بنا -في حال عزمنا على الهجر- هجر أسس الفكرة الرومانسية القائلة بوجود “الشريك المثالي” الملبّي لكل رغباتنا، والمطفئ لنيران صبوتنا، وهي الفكرة التي بنى الغرب عليها إدراكه للزواج في آخر 250 سنة.

      نحن في حاجة إلى استبدال الرؤية الرومانسية بإدراك تراجيدي -لا يخلو من الكوميديا في مرحلة ما- وهو أننا سنُحبط، وسيُثار حنقنا، وسنصاب بالأذى، وسنغتاظ وستخيب آمالنا في كل إنسان على وجه هذه البسيطة! كما أننا سنقابلهم بالمثل، وبدون أي تعمد للأذية. قد لا يكون لأحاسيسنا بالنقص والخواء حدّ، ومع ذلك، فهذه الخيبات ليست غريبة علينا، كما لا يجدر بها أن تكون أساسًا يُبنى قرار الطلاق عليها. ما اختيار الزوج، والتعهد له بالوفاء، إلا مسألة انتقاء لتشكيلة من المعاناة التي تغلب فيها احتمالية أن نضحي بأنفسنا من أجلها.

      ومن هنا، تقدم فلسفة التشاؤم حلًّا لكثير من الكدر والمنغّصات حول الزواج، وقد يبدو هذا غريبًا لوهلة، بيْد أن التشاؤم يخفف عنا الضغط المتخيل والمفرط الذي فرضته الثقافة الرومانسية على الزواج. لا ينبغي بفشل أحد الزوجين في انتشال الآخر من المرارة والغمّ أن يُستخدم ضدّ الأول، ولا أن يؤخذ كإشارة على أن هذه الزيجة تستحق الفشل أو حتى التحسين.

      إن الفرد الذي يشاركنا في الذائقة في كل شيء -وهو غير موجود على كل حال- ليس بأكثر الأفراد ملائمة لنا، بل هو الفرد الذي يفاوض اختلاف الأذواق بحنكة، وهو ذات الشخص الذي يجيد المجادلة. فبدلًا من اللهث خلف سراب الكمال التام، يجدر بنا البحث عمن لديهم حسّ سخيّ ومتسامح مع الاختلافات؛ فهذه بحق هي العلامة الفارقة على زواجك من شخصٍ يمكن وصفه بأنه “ليس بالخطأ الفادح”. ما التوافق إلا إكليل الحب، ولا يصح بأي حال أن يكون شرطًا مسبقًا له.

      الرومانسية فلسفة صعبة، ولم تكن يومًا إلا عائقًا لنا، لقد جعلت الكثير مما نمر به في الزواج يبدو استثناءً وإجحافًا، فننتهي إلى الوحدة، ونعتقد أن زواجنا -مع عيوبه- غير “طبيعي“. يجدر بنا أن نمرّن أنفسنا على التكيّف مع “الخطأ”، وأن نسعى دومًا إلى تبنّي موقفٍ متسامح، وهزلي، وعطوف، وبأشكاله المتعددة في أنفسنا وأزواجنا.

 

 

المقال الأصل

 

 

error: المحتوى محمي