| الكاتب | لوسين بويادزيان |
| ترجمة | لافي المطيري |
كثيراً ما أصادف، في حواراتي ونقاشاتي، من يُقلّل من شأن العلوم الإنسانية، مُشيراً إلى عدم جدواها في عالم اليوم، وعدم مساهمتها الفاعلة في تقدّمه. فقد شهد عالمنا تحوّلاً جذرياً، باتت فيه مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM) محطّ الأنظار، بينما تراجع الاهتمام بالعلوم الإنسانية. ورغم ما قد يبدو عليه هذا التوجّه من منطقية، بالنظر إلى أنّ وظائف STEM غالباً ما تُوفّر دخلاً أكثر استقراراً، وأنّ التطوّرات المستقبلية مُرتبطة بهذه المجالات، إلا أنّ للعُلوم الإنسانية دوراً جوهرياً يتجاوز بكثير ما يُشاع عنها.
ماذا يكون الطبيب دون تعاطفه الذي يُملي عليه أسلوبًا رحيمًا مع مرضاه؟ وماذا يكون المهندس دون أخلاقياته التي تمنعه من تجاوز حدود معينة في سعيه للابتكار؟ وماذا يكون الإنسان المنطقي دون مشاعر تُمكّنه من الاستمتاع بحياته اليومية؟
تُغذّي العلوم الإنسانية جوانب أساسية في تكويننا كبشر، كالتعاطف والأخلاق. فإهمال هذه المجالات يُفقِدنا جزءًا من إنسانيتنا، ويُضعِف قدرتنا على التفاعل الفعّال مع الآخرين. فنحن كائنات اجتماعية بطبعنا، والتواصل والتفاعل مع الآخرين ركيزة أساسية لوجودنا. ويتجلّى أثر التعاطف جلياً في مجالات كالصحة، إذ تُشير الدراسات إلى أنّ التعامل الرحيم مع المرضى يُسهم في شفائهم.
وإذا وسّعنا نطاق نظرتنا، أدركنا أهمية العلوم الإنسانية في تشكيل وعينا الأخلاقي. فالأدب والفلسفة، على سبيل المثال، يُرسّخان مفاهيم المسؤولية لدى المُبدعين والمُبتكرين. ولعلّ رواية “فرانكشتاين” تُمثّل نموذجاً أدبياً يُنبّه إلى مخاطر الابتكار غير المُقيّد، ويُحذّر من عواقب تجاوز الحدود الطبيعية دون تبصّر. إنّها دعوة إلى التروّي والاعتدال في مسيرة التقدّم.
وفي ظلّ التسارع التكنولوجي الهائل الذي نشهدُه، تُثيرُ بعض التجارب والتطوّرات قلقاً عميقاً، وتُعيدُ إلى الأذهان التحذيرات التي أطلقتها العلوم الإنسانية منذ زمن. فهل يندفع الجنس البشري نحو قطار التقدّم دون التفكير مليّاً في العواقب؟
وفي ظلّ التقدّم المُتسارع للذكاء الاصطناعي، والذي وفّر للطلاب أدوات تُسهّل عليهم تلخيص المقالات والمواد الدراسية، وتُغنيهم – ظاهرياً – عن الاعتماد على التفكير التحليليّ ومهارات القراءة، يجب التأكيد على أنّ القراءة تتجاوز مجرد كونها وسيلةً للحصول على درجات عالية أو اجتياز المقررات الدراسية. إنّها عمليةٌ معرفيةٌ عميقةٌ تُنمّي القدرة على التعاطف والفهم، وتُسهم في تطوير مهارات التفكير الناقد. فعند تحليل الأعمال الأدبية، لا يتعلّم الطالب كيفيّة التواصل مع الآخرين فحسب، بل يتعلّم أيضاً كيفيّة التعامل مع المواقف المُعقّدة والشائكة، والتي لا تكون الإجابة فيها واضحة أو مباشرة.
في أحد أفلامي المُفضّلة، “نادي الشعراء الراحلين Dead Poets Society“، ترد هذه المقولة الرائعة: “إننا لا نقرأ الشعر ونكتبه لأنه جميل فحسب، بل نقرأه ونكتبه لأننا ننتمي إلى الجنس البشري. والجنس البشري مليء بالعاطفة. والطب والقانون والتجارة والهندسة، كلها مساعٍ نبيلة وضرورية للحفاظ على الحياة. لكن الشعر والجمال والعشق والحب، هي التي تُضفي المعنى على وجودنا، وتجعلنا نتمسّك بالحياة.
تُتيح لنا العلوم الإنسانية تجاوز حدود المادّة، والانغماس في عوالم الفكر والوجدان. ولا تقتصر فوائدها على مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات فحسب، بل تمتدّ لتُثري حياتنا اليومية وتُعمّق تجاربنا الإنسانية. فالقراءة في مختلف حقول المعرفة الإنسانية، كالفلسفة والأدب، تُغذي الروح وتُوقظ في داخلنا مشاعر وأحاسيس تُشعرنا بالحيوية والاتصال بالعالم من حولنا.
ولقد لاحظتُ، من خلال تخصّصي في الأدب الإنجليزي، إقبالاً من بعض زملائي من دارسي الهندسة على قراءة الأعمال الأدبية، رغبةً منهم في التنفيس عن ضغوط الدراسة وتجربة مشاعر مُختلفة عن تلك التي يُثيرها التعامل مع المعادلات الرياضية والفيزيائية المُعقّدة. وهذا يُؤكّد على وجود قيمة جوهرية للعلوم الإنسانية غالباً ما يتم التغاضي عنها، وهي أنّ ليس كلّ ما نقوم به يجب أن يكون له فائدة مادية مباشرة. فبعض الخبرات والمعارف تُثري حياتنا وتُوسّع آفاقنا، دون أن تكون مرتبطة بتخصّصنا أو وظيفتنا المُستقبلية.
إنّ دراسة العلوم الإنسانية، أو حتّى مجرّد الاستمتاع بها، تُشكّل رافداً أساسياً لتكوين شخصيتنا وتطوير وعينا العاطفيّ والفكريّ. ومن المؤسف حقاً أن يُهملها البعض بناءً على مقياس “الجدوى” الضيّق.
ورغمَ أنّ التقدّمَ التكنولوجيّ والطبيّ يُشكّلُ ركيزةً أساسيةً في بناءِ مستقبلنا، إلاّ أنّه لا ينبغي أن يُصبح المقياسَ الوحيدَ لقيمةِ الأشياء. فمن الضروريّ أن نُفسحَ المجالَ في حياتنا لِتغذيةِ الروح وتنميةِ الوجدان، وذلك من خلال الانغماس في عوالم القصص والثقافات واللغات. إنّ تجاهلَ الفنون وما تُقدّمه لنا من رؤى جمالية وخبرات إنسانية عميقة يُفقِدُنا الكثيرَ من ثراءِ الحياة وتنوّعها.
اكتشاف المزيد من مجلة حكمة
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
