| الكاتب | ستيفاني ريفيرا بيروز |
| ترجمة | روان العمري |
يتناول هذا المدخلُ النسوية في أمريكا اللاتينية التي تشملُ النسويَّة الكاريبيَّة، المتأصِّلة في السياقَين (الاجتماعي والسياسي)، والمشكَّلان من الاستعمار واستعباد الشُّعوب الإفريقية، ونبْذِ الشُّعوب الأصلية.
تُركِّز النسويَّة في أمريكا اللاتينيَّة على الأعمال النقدية للنساء؛ استجابةً للقوى التي صَنعتْ هذا السياق، وفي الوقت الراهن، ومع انتشار العولمة، يُهيمِن على هذا السياق تطبيقُ سياسات اقتصادية نيوليبرالية؛ إذ أثَّرت تأثيرًا بالغًا في الفئات الهشَّة من المجتمع.
في ظلِّ هذا السياق السياسي، تستند النسويَّة في أمريكا اللاتينية إلى الحياة المادية للناس، وغالبًا النساء، فيما تسعى إلى استكشاف التوتُّرات الناجمة عن تلاقي تواريخ متعدِّدة تُنتِج علاقات متشابكة بين النَّوع الاجتماعي، والمواطنة، والعِرْق، والميول الجنسية الطبقية، والمجتمع، والدِّين.
تشتمل النسويَّة اللاتينية على مواقفَ واتِّجاهاتٍ متعدِّدةٍ وواسعة، يتعارض كثيرٌ منها مع بعضه البعض، ولذلك يُشار إليها بـ (نسويَّات أمريكا اللاتينية) بصيغة الجمع، ويعود هذا التنوُّع في النسويَّات إلى اختلاف المناطق وتواريخها، وما استدعى ذلك من تحوُّلاتٍ اجتماعيَّةٍ وثقافيَّةٍ وحكوميَّةٍ وتنظيميَّةٍ وَفْقَ خصوصية كلِّ مِنطَقة، ومن ثَمَّ فإنَّ تناوُل المفهوم العام للنسويَّة في أمريكا اللاتينية يتطلَّب حساسيةً تاريخيَّةً لفهْم العلاقة الوثيقة بين تطوُّر الأفكار المختلفة والظروف السياسية المتباينة التي تُنتج تلك الأفكار وتشكِّل سياقاتها منهجيًّا.
في الولايات المتحدة، يُعَدُّ تتبُّع تاريخ النسويَّة في أمريكا اللاتينية وأفكارها مهمَّةً ملحَّةً، فمع تنامي الاهتمام بالفلسفة اللاتينية الأمريكية بوصْفِها مجالًا أوسع، تبرز الحاجة إلى مزيدٍ من التمثيل النصِّي وإتاحة المصادر، ومع ذلك، فإنَّ الدَّور الذي أدَّته النساء في تطوُّر الأفكار الفلسفية في أمريكا اللاتينية ظلَّ إلى حدٍّ كبيرٍ مهمَلًا، مع ذلك، ما يزال هناك كمٌّ وفيرٌ من الأفكار النسويَّة النقديَّة المتعلِّقة بنظريَّات الهُوِيَّة والسياسة والثقافة.
جدول المحتويات
- 1. التاريخ: علم الأنساب النسويَّة في أمريكا اللاتينية
- 1.1 أصول النسويَّة في أمريكا اللاتينية (ما قبل القرن العشرين)
- 1.2 الأفكار النسويَّة الأمريكية اللاتينية في أوائل القرن العشرين
- 1.3 سنوات الصمت (1950-1970)
- 1.4 أفكار الحركة النسويَّة في أمريكا اللاتينية في أواخر القرن العشرين (السبعينيَّات والتسعينيَّات)
- 1.5 أصوات منشقة: الأفكار النسوية في أمريكا اللاتينية في القرن الحادي والعشرين.
- 2. القضايا والمناقشات الرئيسية
- 3. الفلسفة النسوية الأمريكية اللاتينية
- 4. خاتمة
- المراجع
- أدوات أكاديمية
- مصادر أخرى على الإنترنت
- مداخل ذات صلة
1. التاريخ: علم الأنساب النسويَّة في أمريكا اللاتينية
1.1 أصول النسويَّة في أمريكا اللاتينية (ما قبل القرن العشرين)
تَرجِعُ معظم أصول الأنساب التاريخية للحركة النسويَّة في أمريكا اللاتينية إلى الحركات الاجتماعية التي بدأت بالستينيَّات والسبعينيَّات من القرن الماضي، التي تمحورتْ حول تحرير المرأة، ومع ذلك، فإنَّ الأفكار النسويَّة في أمريكا اللاتينية أقدمُ من تلك التي وُثِّقت كجزءٍ من العمل السياسي النسوي.
ويُمكِن العثورُ على أصول الأفكار النسويَّة في أمريكا اللاتينيَّة في التأمُّلات حول أوضاع الاختلاف التي نشأت نتيجة الاستعمار، وفي النقد الموجَّه للمعايير التي تجعل من الرجل نقطة الانطلاق لفهم الإنسانية، وبحلول ستينيَّات وسبعينيَّات القرن العشرين، كانت النسويَّة في أمريكا اللاتينية تمتلك تاريخًا راسخًا يهتمُّ بتوضيح وتجسيد مفهوم الاختلاف والغيرية من منظور غير مهيمن (Gargallo 2004: 80) .
إنَّ وجود علم أنساب النسويات في أمريكا اللاتينية يسلِّط الضَّوء على العلاقة بين المرأة والتاريخ، كان التعرُّف على الماضي عنصرًا حاسمًا وضروريًّا للحركات النسويَّة في الستينيَّات والسبعينيَّات، فقد صاغ الماضي وجود أمثلةٍ تاريخيةٍ لنضالات النساء التي كانت بمثابة تأييدٍ لمطالبات الحركات النسويَّة (Palacios 2007: 96 )، وقد أسفر قصورُ التاريخ في رصد حياة النساء وأفعالهنَّ إلى استحداثِ منظوراتٍ جديدةً تتضمَّن البحْثَ عن الشخصياتِ المنسيَّة، والاهتمامَ بمواضيعَ؛ مثل الجسد والجنسانية الأنثوية، ونماذج الأنوثة، والاهتمام بالنظم البنيوية للقمع كنقاط انطلاقٍ ضروريةٍ لما سيصبح نوعًا من الدراسات النسويَّة (Palacios 2007: 98)، على الرُّغم من ذلك، لا تزال هناك ثغرات في علم الأنساب النسوي في أمريكا اللاتينية؛ إذ نادرًا ما نجد كتابات النساء غير البيض من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين (وما قبل ذلك) في شكل مكتوب، نظرًا لأنَّ العديد من النساء غير البيض كنَّ أميَّات، ولم يتمَّ توثيق قصصهنَّ نصيًّا، كانت أفكارهنَّ وتواريخهنَّ تُنقَل شفهيًّا، كما أن التقاليد الشفهية المحلية الحالية ترويها (Gargallo 2010: 12a).
تُمكِّن مشاريع التاريخ الشفهي المستمعين المعاصرين من سماع أصوات النساء اللَّواتي لا صوتَ لهنَّ وأن يكونوا شهودًا على توثيق المخاوف التي تنشأ من الفقر والغموض الاستعماري (Oliver 2018, 32)؛ على سبيل المثال: تعتبر مقاومة (باراوندا) زوجة زعيم الغاريفونا (ساتويي) للاستعمار أسطورةً بالنسبة لشعبها، وتنتقل ذكراها في الأغاني التي تغنِّيها نساء الغاريفونا في هندوراس وبليز، وبالمثل، فإن قصة (أناكاونا) زعيمة كاسيكا تاينو كاسيكا في خاراغوا هيسبانولا، فهي قصةُ مقاومةٍ للاستعمار، فقد عُرض عليها قبل إعدامها العفوُ مقابِلَ أن تصبح محظيةً لأحد الإسبان، وقد أدى رفضُها وموتُها اللاحق إلى ترسيخ مكانتها الأسطورية التي خلَّدَتْها أغاني هايتي وجمهورية الدومينيكان وبورتوريكو.
لا تزال قصص نساء السكان الأصليين في تلك العصور تُنشَر شفهيًّا من خلال الأساطير والأغاني والأمثال، وتُسهِم في أسس الفكر النسوي في أمريكا اللاتينية (Gargallo 2010: 14a).
تعود إحدى أقدم الكاتبات الموثقات في التقليد النسوي في أمريكا اللاتينية إلى القرن السابع عشر، فقد كانت خوانا إينيس ماريا ديل كارمن مارتينيث دي سراغوسا غاكسيولا دي أسباخي إي راميريز دي سانتيّانا أودونوخو (1651-1695)، التي عرفها الكثيرون باسم (خوانا إينيس دي لا كروز) أو (سور خوانا المكسيكية)، وهي عالمة ذاتية التعليم من العصر الباروكي حظيت كتاباتها بقدرٍ كبيرٍ من الاهتمام الفلسفي كجزء من القانون الفلسفي الأمريكي اللاتيني، كانت معروفة جيدًا خلال حياتها كما يتضح من المنشورات المتعددة لأعمالها، ولكن بحلول النصف الثاني من القرن الثامن عشر، تضاءلت شهرتها مع تراجُع الاهتمام بالشِّعر الباروكي.
في عام 1951، استعادت أعمالها الاهتمامَ مع نشْرِ أعمالها الكاملة (Gargallo 2009: 419)، في وقتٍ لاحقٍ، أصبحت خوانا إينيس دي لا كروز شخصية نسوية أمريكية لاتينية أيقونية تُجسِّد أعمالها وجود مثقفات مبدعات قاومْنَ أنظمة الهيمنة؛ على سبيل المثال: يقدِّم كتاب (مقاربات لنظرية الحرية عند سور خوانا إينيس دي لا كروز) (2018) استكشافًا فلسفيًّا عن الحرية في مجموعة خوانا إينيس ويضعها منهجيًّا في التقليد الفلسفي المكسيكي (Aspe Armella 2018 )، وبدلًا من ذلك، في كتاب (وجهات نظر نسوية حول سور خوانا إيناس دي لا كروز) (تحرير ستيفاني ميريم 1999) يتم تأطيرُ خوانا إيناس من حيث تأثيرُها النسوي على الأدب والثقافة في مختارات تربطُها من الماضي إلى الحاضر.
كانت خوانا إينيس دي لا كروز واحدةً من بين العديد من الكاتبات النسويات اللَّاتي دعوْنَ إلى التغييرات الاجتماعية والثقافية، بما في ذلك دَور المرأة.
كانت تيريزا مارغريدا دا سيلفا إي أورتا البرازيلية (1711-1793) أول امرأة في العالم الناطق بالبرتغالية تنشر رواية، وأول امرأة برازيلية المولد تُحرِّر كتابًا في أوروبا، دافعت عن استقلالية السكان الأصليين وحقوق المرأة في العلم (Gargallo 2004: 80).
دافعت فلورا تريستان من بيرو (1803-1844) عن مساواة المرأة وعلاقتها المهمة بحقوق العمال (Gargallo 2004: 80).
أما الأرجنتينية خوانا مانسو (1819-1875) المنادية بإلغاء العبودية فقد فصَّلت التعليم والتعليم الفلسفي كطريقٍ لتحرير المرأة أخلاقيًّا وفكريًّا، وقد تبنَّى هذا الموقف في نهاية القرن شخصيات مثل ريتا سيتينا غوتييريز من المكسيك (1846-1908) وزيتاسيون باديلا من هندوراس (1882-1960) (Gargallo 2009: 418).
أسَّست سيتينا غوتييريز مدرسة لا سيمبريفيفا في ميريدا، وهي أول مدرسة علمانية في المكسيك للفتيات الفقيرات، وكليةً للفنون للشابَّات، يُشار إليها كواحدة من أوائل النسويات المكسيكيات اللَّاتي روَّجْن للتعليم العلماني للنساء، وناضَلْنَ من أجل تقرير مصيرهنَّ، أسست باديلا الجمعية الثقافية النسويَّة التي شجعت على الحصول على التعليم وخاصة للنساء.
واستخدمت الفنزويلية تيريزا دي لا بارا (1889-1936) الكتابة كآليَّة للمقاومة التي من خلالها تساءلت عن حدود التجرِبة الجنسانية التي تُجسِّد الطريقة التي يمكن أن يكون بها الأدب سياسيًّا وفلسفيًّا في آنٍ واحدٍ.
بشكلٍ عامٍّ، تتجذَّر الأفكار النسويَّة في التجرِبة الشخصية للمرأة، ويتمُّ استكشاف هذه العلاقة بسهولةٍ من خلال الأدب والشعر والسرد الشهادِي الذي يعكس بشكلٍ ملموسٍ المبدأ النسوي (الشخصي سياسي) (Schutte 1993: 213).
لم يتم الالتفات إلى وجود الأفكار النسويَّة المبكرة في أمريكا اللاتينية إلا بعد سنوات من ظهورها، لم يكن تأثير الأفكار التي تتمحور حول حقوق المرأة في الحياة الفكرية والتعليمية والمساواة وحقوق العاملات فوريًّا لأنها لم تحْظَ بالأهمية في سياقاتها الخاصة، وخلال الحركات النسويَّة في القرن العشرين، عاودت العديد من هذه الشخصيات الظهور كجزء من المشهد النظري النسوي الأميركي اللاتيني (Gargallo 2004: 81).
وجاء تقييم الأفكار النسويَّة الأميركية اللاتينية المبكّرة من خلال الذاكرة التاريخية التي تعطي وزنًا للادِّعاء بأنَّ الأفكار النسويَّة الأمريكية اللاتينية كانت موجودة قبل الحركات النسوية في الستينيَّات والسبعينيَّات.
ويطرح وجودُ أفكارٍ نسويةٍ أمريكيةٍ لاتينيةٍ مبكرةٍ سبقت الحركة النسويَّة تساؤلاتٍ حول العَلاقة بين النساء والتاريخ ونظرية المعرفة (Palacios 2007: 104).
في هذا السياق، فإنَّ المطلب الفلسفي في هذا السياق هو قراءة الماضي بشكلٍ مُعقَّدٍ يَدمُج النساء كفاعلاتٍ سياسيَّاتٍ ومنتجاتٍ للمعرفة حتى لو لم يُنظَر إليهنَّ على هذا النحو في أزمنتهنَّ.
1.2 الأفكار النسويَّة الأمريكية اللاتينية في أوائل القرن العشرين
الأفكار النسويَّة من أوائل القرن العشرين عابرة للحدود، فالأفكار تتحرك مع دفعات التغيير الاجتماعي، ومن ثَمَّ، فإنَّ القضية الرئيسية بالنسبة للكاتبات النسويات المعاصرات في أمريكا اللاتينية هي أهمية تتبع حركة الأفكار والتذكير بأن الأفكار تهاجر وتعيد تشكيلها حسب سياقاتها.
لم يكن التقاطع بين أفكار النساء حول المقاومة والأفكار التي يمكن أن تؤدي إلى التحوُّل الاجتماعي مفهومًا بالضرورة على أنه نسويٌّ في وقته، ففي أغلب الأحيان، تقاطعت أفكار النساء فيما يتعلق بالعدالة والمساواة والتغيير السياسي مع مشاريع سياسية أخرى ركزت على تحسين أوضاع الطبقة العاملة الفقيرة وليس على أوضاع النساء تحديدًا، وصيغتْ أفكارهنَّ للتغيير الاجتماعي في مطالبات عامَّة حول الوصول إلى التعليم وتغيير الظروف المادية للعمالة، إنَّ الأفكار التي يتمُّ ترميزها الآن على أنها نسويةٌ يتمُّ تحديدها على هذا النحو في وقتٍ لاحقٍ، ولكن من أجل إنصافها، يجب أن تؤخَذ في الحسبان في تاريخيَّتِها.
كان للثورة المكسيكية (1910-1920) تأثيرٌ عميقٌ على تطوُّر الأفكار النسويَّة (Gargallo 2004: 82)، وعلى وجه الخصوص، ركَّزت الثورة على التعليم، وفي هذا المشهد السياسي، كان للأفكار النسويَّة تأثيرٌ تاريخيٌ على أفكار النساء وأفعالهنَّ في المجتمع المكسيكي (Gargallo 2004: 82).
في العام 1915، أصبح سلفادور ألفارادو حاكمًا ليوكاتان وعمل كوسيلة للتغيير الاجتماعي والسياسي حتى العام 1918 عندما استدعي للعودة إلى الخدمة العسكرية. وقد دعم الحركة النسويَّة في المنطقة التي بدأتها ريتا سيتينا غوتييريز في عام 1870، والتي ذُكرت في وقتٍ سابقٍ باعتبارها واحدة من أوائل النسويات في المكسيك ومؤسسة حركة لا سيمبريفيفا.
علاوةً على ذلك، أتاحت فترة ولايته في منصبه المجال والدعم للنشاط السياسي النسائي في المنطقة، وقد عُقد أول مؤتمرين نسويين في تاريخ المكسيك في ميريدا في يناير ونوفمبر من عام 1916، مما أفسح المجال للمناقشات حول الحق في التصويت والمشاركة السياسية، والإجهاض ومنع الحمل، وكذلك التعليم (Gargallo 2004: 83). وبحلول عام 1923، كان لدى الحزب الاشتراكي في يوكاتان ثلاث نائبات وبديلة واحدة (Gargallo 2004: 83).
وبالنظر إلى تأثير الثورة المكسيكية، فليس من المستغرب أن بعض الأفكار النسويَّة الأولى التي وصلت إلى التعريف التاريخي وُجِدت في أعقابها.
ومع ذلك، امتدت الأفكار النسويَّة إلى خارج المكسيك وعبر أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي؛ ففي عام 1880، نشرت النساء المناصرات لإلغاء العبودية في البرازيل صحيفة بعنوان A familia (الأسرة)، ونادَيْنَ بتغيير معايير اللباس، وفي عام 1910، شهدت الأرجنتين أول مؤتمر نسوي دولي ناضَلَ من أجل السلام والتعليم والمشاركة الاجتماعية (Gargallo 2004: 85).
في عام 1912، أعلنت النساء في كولومبيا الدفاع عن الحقوق المدنية للنساء المتزوجات.
في عام 1916، أسست النساء في بنما نادي أرييل ومركز الثقافة النسائية، الذي دعم التربية الفكرية والبدنية وكذلك الحياة السياسية للمرأة، وكان شعاره يتمحور حول الفضيلة والأمة.
في عام 1924، ندَّدت فيزيتاسيون باديلا في نشرة (بوليتاسيون باديلا) بوجود مشاة البحرية الأمريكية في هندوراس وأمريكا الوسطى، أسَّست (حلقة الثقافة النسائية) التي دعمت تعليم المرأة وقاومت التدخل العسكري الأمريكي الشمالي أثناء الحرب الأهلية الثانية في هندوراس (1924).
في عام 1928، رفعت نساء الإكوادور دعوى قضائية ضد الدولة للمطالبة بحق التصويت، وحصلت عليه بعد عام واحد (Gargallo 2004: 86).
تجسد لويزا كابيتيلو (1879-1922) تقارُبَ الأفكار النسويَّة والأفكار المتعلقة بالتحول الاجتماعي الأوسع نطاقًا، وُلدت كابيتيلو في أريسيبو، بورتوريكو، وتلقّت تعليمها في المنزل وحصلت على وظيفة قارئة في مصانع صناعة السيجار؛ حيث كانت تقرأ للعمال وتنقل الأفكار إلى العمال أثناء لف السيجار، كان عمل كابيتيلو كقارئ بمثابة موقعٍ مهمٍّ طوَّر من خلاله العمال وعيًا بالنقابات العمالية والاشتراكية والفوضوية وحقوق المرأة (Ruiz 2016: 6)، وعلى الرغم من أنَّ القُرَّاء كانوا عادةً من الرجال، إلا أنه لم يكن من النادر أن نجد نساءً في مصانع السيجار مع تحديث صناعة السيجار وتحولها إلى الصناعة الوطنية الثانية في العقود الأولى من القرن العشرين (Ramos 1992: 29). ومن ثَمَّ، ليس من قبيل المصادفة أن بعض الأفكار النسويَّة الأولى في بورتوريكو ظهرت في مصانع السيجار وفي مطابع البروليتاريا قبل حركة حق الاقتراع بشكلٍ كبيرٍ في وقتٍ لاحقٍ من القرن (Ramos 1992: 30).
وترتكز أفكار كابيتيلو النسويَّة على سياساتها الطبقية التي رأت أنَّ التحرر يحدث في العلاقة بين تمكين العمل والمساواة بين الجنسين (Ruiz 2016: 13).
على الرُّغم من أن أعمال كابيتيلو غالبًا ما يُشار إليها كأول كاتبة نسوية في بورتوريكو وأول امرأة تنشر كتابًا عن النساء في بورتوريكو، إلا أنَّ عمل كابيتيلو يُظهر بشكلٍ مهمٍّ كيف أن الأفكار والكاتبات النسويات في أوائل القرن العشرين في أمريكا اللاتينية كانت ترتكز إلى حدٍّ كبيرٍ على الظروف المادية المعيشية في عصرهنَّ.
في حالة كابيتيلو، كانت فوضويَّتُها النسويَّة تنبُع من صميم فهْمِها لتحرُّر العمال كامرأةٍ عمِلَتْ هي نفسُها في خنادق الحداثة.
ويختتم التاريخ النسوي في أوائل القرن العشرين في أمريكا اللاتينية بحقِّ المرأة في الاقتراع؛ تُعتبر السنوات الممتدة بين عامي 1870 و1947 عمومًا السنوات المحورية لحق المرأة في الاقتراع (Gargallo 2004: 94)، ومع ذلك، فإن النظر إلى هذه الشريحة من التاريخ على أنها تتمحور فقط حول حقّ الاقتراع، فيه تشويهٌ لتعدُّد الأفكار والأنشطة النسويَّة التي تطوَّرت في تلك الفترة، فقد شهدتْ هذه السنوات أيضًا الضغط من أجل التحوُّل الاجتماعي الذي تمحورَ حول أفكار المساواة والعدالة التي شملت الحقّ في التصويت، من دون أن تقتصر عليه.
وقد أطَّر الدفع من أجل المساواة إصرار النساء على حصول النساء على التعليم العام، وهو ما أثَّر ليس فقط على النساء بل على الفقراء أيضًا، وقد صاغت الدعوة إلى نظام اجتماعي أكثر عدالةً كيف كانت النساء يفكِّرْنَ في مكانهنَّ في مقاومة التدخُّل العسكري وكذلك الحركات العمالية. وبالتالي، فإن الأفكار التي انبثقت عن هذه الفترة متعددة الأبعاد.
تم تحديد هذه الحقبة على أنها تنتهي بإنجاز حق الاقتراع، ومع ذلك، ظهر حق التصويت في أوقات مختلفة في جميع أنحاء المنطقة، وذلك بسبب تنوُّع السياسات المحلية؛ فعلى سبيل المثال: كانت الإكوادور أول دولة في أمريكا الجنوبية تمنح المرأة حق التصويت في عام 1929، وفي العام نفسه، منحت بورتوريكو حق التصويت للنساء الملمات بالقراءة والكتابة، وفي عام 1935، منحت حق التصويت لجميع النساء. وتبعتها أوروغواي بعد فترة وجيزة في عام 1932، وكوبا في عام 1933، والسلفادور في عام 1939، غير أن حركة حق الاقتراع شهدت ركودًا في بلدانٍ أخرى: مُنحت النساء حق التصويت في نيكاراغوا وبيرو في عام 1955، ولم تمنح باراغواي النساء حق التصويت إلا في عام 1961.
في سياق حق الاقتراع، من المهم الإشارة إلى الفيلسوف الأوروغوياني كارلوس فاز فيريرا (1872-1958) وأطروحته (سوبري فيمينيسمو) (Vaz Ferreira 1933)، قبل ثمانينيَّات القرن العشرين، كان فاز فيريرا أحد فلاسفة أمريكا اللاتينية المعروفين الوحيدين الذين ناقشوا النسويَّة كجزء من المجموعة المركزية لأعماله (Schutte 1993: 208) Sobre femenismo عبارة عن مجموعة من المحاضرات التي ألقاها، فاز فيريرا في الفترة من 1914 إلى 1918، وهي فترة محورية في تاريخ حق المرأة في الاقتراع في أوروغواي.
تتزامن الطبعة الأولى للنص في عام 1933 مع تزامن أول طباعة للنص في عام 1933 مع تزامن منح حق الاقتراع في أوروغواي مع مناخ التعبئة الاجتماعية النسويَّة الذي بدأ في أوائل القرن العشرين بين الاشتراكيين والمتعاطفين مع الحركة النسويَّة من أنصار الباتليزمو (سمِّيَتْ على اسم الرئيس آنذاك خوسيه باتلي إي أوردونيز (Schutte 2003: 209)، كانت لحظة الباتليست مواتية للمثقفين، كانت أدوارًا عامة ومحترمة ذات تأثير في الأعراف الاجتماعية، وكان فاز فيريرا من بين هؤلاء (Oliver 2007: 33).
يحدِّد كتاب (Sobre feminismo 1933) نظرية اجتماعية للتعاون بين الرجال والنساء تعطي الأفضلية للزواج الأحادي والأسرة والتقسيم العادل للمهام المنزلية (Oliver 2007: 34).
يتبنّى فاز فيريرا موقفًا يسمّيه نسوية التعويض أو النسويَّة التعويضية، ويميّزها عن نسوية المساواة. وترى النسويَّة التعويضية أنّ النساء محروماتٌ بيولوجيًا من حقوقهنّ مقارنةً بالرجال، لكن المجتمع قادرٌ على تعويض هذا الحرمان من خلال تعديل البنى المؤسسية (Schutte 2003: 209). وبالتالي، كان يتناول في فلسفته السياسية مواضيع حق المرأة في الاقتراع والتعليم والحق في الطلاق كجزء من فلسفته السياسية.
1.3 سنوات الصمت (1950-1970)
وقد أطلقت عليها جولييتا كيركوود من تشيلي اسم “سنوات الصمت”، وهي السنوات الممتدة من 1950-1970/1980، حيث شهدت السنوات الممتدة من 1950-1970/1980 زيادة حضور النساء (معظمهن من الطبقة الوسطى) في الحياة السياسية من خلال المشاركة في الحركات الاجتماعية الشعبية والأحزاب السياسية (Kirkwood 1986: 70). غير أن مشاركتهن الاجتماعية والسياسية افتقرت إلى مطالب نسوية صريحة. وعلى الرغم من أنها ليست مجموعة تواريخ محددة، إلا أن سنوات الصمت استمرت حتى الثمانينيات في بعض أجزاء من أمريكا اللاتينية (مثل تشيلي)؛ فقد كانت هذه السنوات، وهي فترة طفرة المواليد والشعبوية، فترة ازدهار سياسي في أمريكا اللاتينية بعد الحرب العالمية الثانية. كما أنها كانت فترة اتسمت بالمكارثية التي عجلت بتدخل الولايات المتحدة في غواتيمالا وجمهورية الدومينيكان بنية درء الشيوعية (Gargallo 2004: 94). وشهدت هذه السنوات أيضًا سقوط ديكتاتورية سوموزا في نيكاراغوا في العام 1956، بالإضافة إلى صعود النزاعات والأنظمة العسكرية في بلدان مثل كولومبيا والأرجنتين وشيلي. وبالتالي، جرت التعبئة السياسية حول المشهد المتغيّر في أمريكا اللاتينية، وشاركت نساء الطبقة الوسطى في هذه الحركات، لكن دورهنّ الواضح في هذه الحركات معقّدٌ بسبب عدم توثيق حضورهنّ وتأثيرهنّ بسهولة (Ungo Montenegro 2000: 45). على الرغم من ذلك، لم تكن سنوات الصمت هادئة على الصفحات. فقد كانت النساء خلال هذه السنوات ناشطات أدبيًا وأنتجن نصوصًا أعطت مكانةً مميزةً لهن لم تكن تحظى بالتقدير النظري بسبب أسلوبهن الأدبي (Gargallo 2004: 95).
لقد تمَّ استكشاف العلاقة بين الأدب والفلسفة كجزء من التقليد الفلسفي الأمريكي اللاتيني؛ على سبيل المثال: يرى أحد المواقف أنَّ التقليد الأدبي الأمريكي اللاتيني في كتابة المقالات يحتوي على رؤى يمكن أن تخفف من مشاكل الفلسفة الأمريكية اللاتينية بشكلٍ عامٍّ (Pereda 2006: 196)، ومع ذلك، نادرًا ما تكون نقاط الانطلاق الأدبية للعديد من فلاسفة أمريكا اللاتينية من النساء، على الرُّغم من أنَّ نساء أمريكا اللاتينية في منتصف القرن العشرين كتبْنَ بإسهابٍ عن هُويَّاتهنَّ في علاقتهنَّ بالجندر والعرق والإثنية والجنسية (Gargallo 2004: 97).
من المهمِّ أن نُدرِك أن كتابات النساء في تلك الفترة لم تدفع جميعها باتجاه التغيير الاجتماعي، فبعض الروايات لعبت على السلطة الأبوية والذكورية والزواج القسري والعزلة الاجتماعية، في الوقت نفسه، قدَّمت بعض النساء رواياتٍ كشفتْ عن شكوكٍ ومقاومةٍ للترتيب الأبوي للعالم (Gargallo 2004: 97).
لسوء الحظ، غالبًا ما تُطوَى الكاتبات في ذلك الوقت في التقاليد الأدبية، مما يعيق الاعتراف بهنَّ كمفكِّراتٍ ومُنظِّرات؛ ومن الأمثلة البارزة على ذلك: روزاريو كاستيلانوس من المكسيك.
في عام 1950، في سن الـ (25)، دافعت كاستيلانوس عن أطروحة الماجستير في الفلسفة في جامعة المكسيك الوطنية المستقلة (UNAM)، استكشف المشروع الذي كان عنوانه Sobre cultura feminina، دور المرأة في إنتاج الثقافة (Gargallo 2004: 89)، كانت كاتبة غزيرة، ومع ذلك، يتمُّ تذكُّر كاستيلانوس إلى حدٍّ كبيرٍ كشخصية أدبية وشاعرة، لم يتم الاعتراف بنشر عملها الأكثر شهرة El Eterno Feminino إلا في عام 1974 (بعد وفاتها)؛ حيث تم الاعتراف بعملها الأكثر شهرة El Eterno Feminino باعتباره ثريًّا من الناحية النظرية؛ حيث تحدَّث عن موضوعات النَّوع الاجتماعي والعرق والأمة، واليوم، يُعترف بها كصوت رائد في الحركة النسويَّة في المكسيك؛ حيث تدعو أعمالها إلى بناء ذاتية أنثوية تتحدَّى الهوية التي تفرضها المعايير الثقافية الأبوية. ونتيجةً لذلك، ساعد عملها في تأسيس رؤيةٍ مختلفةٍ للحياة السياسية للنساء في المكسيك (Gargallo 2004: 90).
كانت فترة الخمسينيَّات والسبعينيَّات من القرن العشرين فترة ازدهار الكتابة النسائية في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية، كتبت أنتونيا بالاسيوس الفنزويلية (آنا إيزابيل) (1949)، وكتبت كاستيلانوس المكسيكية (بالون كانان) (1957)، وكتبت ألبوسيا أنخيل الكولومبية (إستابا لا باخارا بينتا سينتا أون فيردي ليمون) (1975).
ومن بين الأمثلة البارزة الأخرى الشاعرة المكسيكية إنريكيتا أوتشوا التي تمتدُّ أعمالها المنشورة بين عامي 1947 و1948، ومارفل مورينو التي تُعَدُّ واحدةً من أكثر الكاتبات تأثيرًا في كولومبيا.
في ثمانينيَّات القرن العشرين، اخترقت مورينو القالب الأدبي الذي كان سائدًا في عصرها الذي تميزت به أعمال غابرييل غارسيا ماركيز بنشْرها رواية (Algo tan feo en la vida de una señora bien ) (1980)، تعمل بطلات الكتاب، وهنَّ نساء، كوسيلة لاستكشاف الحياة في مجتمع أبوي، وقد أولت مورينو أهمية كبيرة لتقديم سلسلة نسبية من النساء باعتبارهنَّ بطلات رواياتها (مثل الابنة والأم والجَدَّة)، مما يعكس أهمية التواصل عبر الأجيال بين النساء. وبالتالي، يجادل البعض بأن أعمالها تُقدِّم خيطًا موضوعيًّا من التمرُّد الذي يمرُّ عبر حياة النساء ويوحدهنَّ في تاريخهنَّ في مقاومة الأنظمة الاجتماعية الأبوية (Gargallo 2004: 106).
وفي حين أُطلق عليها (سنوات الصمت)، إلا أن أعمال الكاتبات خلال هذه الفترة وجدت من خلال الأدب والشعر صوتًا لها، وقد حظِيَتْ تأمُّلاتهنَّ النظرية لاحقًا بالتقدير مع عودة الحركة النسويَّة في العقود اللاحقة.
1.4 أفكار الحركة النسويَّة في أمريكا اللاتينية في أواخر القرن العشرين (السبعينيَّات والتسعينيَّات)
اتَّسمت السنوات التي امتدَّت من السبعينيَّات إلى التسعينيَّات بتحوُّل اجتماعي وسياسي مهمٍّ للمرأة في أمريكا اللاتينية وسط خلفيات سياسية معقَّدة، وقد وفَّرت التحولات من الأنظمة العسكرية وعمليات التحول الديمقراطي ومفاوضات السلام السياق الذي ظهرتْ فيه الحركة النسائية في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية.
أفسح تعدُّد الظروف السياسية المجال لتطوُّر الأفكار النسويَّة المتنوعة، وكانت النسويَّة في تلك الفترة، والتي يشار إليها عادةً بالنسويَّة الجديدة، متناغمةً مع الجسد على وجه الخصوص (Bartra 2001: 1).
وانطلاقًا من تاريخ الحركة النسويَّة في أمريكا اللاتينية قبل العام 1970، سعت النسويَّة الجديدة إلى إقرار حقوق النساء، لكنَّها ركَّزت تحديدًا على حرية النساء في أجسادهنَّ، وتُرجم المنظور النسوي الجديد إلى حركةٍ حول قضايا الإجهاض، والأمومة، والاستقلالية الجنسية، والاغتصاب، والاعتداء (Bartra 2001: 1).
وقد ازدهرتِ الحركة النسويَّة الأمريكية اللاتينية المعاصرة في أوقاتٍ سياسيةٍ كئيبةٍ، لا سيما في ظلّ وجود أنظمةٍ عسكريةٍ أو ديمقراطياتٍ صوريةٍ تقمع الحريات المدنية باسم الأمن القومي في كثيرٍ من الأحيان (Saporta Sternbach et al. 1992: 397). بالتالي، ولدت النسويَّة الأمريكية اللاتينية كحركةٍ اجتماعيةٍ ذات طابعٍ معارضٍ في جوهره وسريٍّ في بعض الأحيان (Saporta Sternbach et al. 1992: 397). ومع محاولة المنظمات الدولية التأثير في السياسات الصحية والسكانية الوطنية والحكومات للسيطرة على أجساد النساء، ازدادت بؤر النسويَّة الأمريكية اللاتينية تعقيدًا (Saporta Sternbach et al. 1992: 403).
إحدى السمات البارزة للحركة النسويَّة خلال هذه الفترة هي الاعتراف بالأنوثة كحالة مشتركة، فقد وجدت النساء خلال هذه العقود هويةً في وضعهنَّ الأنثوي ووضعهنَّ المشترك الذي ميَّزَهُنَّ عن الرجال (Gargallo 2004: 88).
رفضْنَ (الرجل) باعتباره النموذج المعياري الذي ينتظم حوله عملهنَّ السياسي، ولم يركِّز الضغط من أجل التحوُّل الاجتماعي والسياسي على المساواة (مثل الحقِّ في التصويت) بقدْرِ ما ركّز على الرغبة في الحرية، نافياتٍ مفاهيم الأنوثة باعتبارها تابعةً للتركيبات الذكورية للإنسانية (Gargallo 2004: 111).
وقد شجَّعت النسويَّة الأمريكية اللاتينية في أواخر القرن العشرين اللقاءات بين النساء اللواتي اعترفت بهنَّ كمواضيع، بتاريخهنَّ الخاص وشروطهنَّ الخاصة (Gargallo 2004: 88).
1.4.1 السبعينيَّات
في ظلّ الأنظمة العسكرية، تميّزت السبعينيَّات من القرن الماضي بحركة النساء اللواتي اتَّخذْنَ من الأمومة فئةً سياسية، في بعض البلدان، قاومت النساء قمْعَ الدولةِ كأمهات لأولئك الذين اختفوا على يَدِ الدَّولة (Gargallo 2004: 113)، تشكَّلت لجنة الأمهات في السلفادور في العام 1977 للتحقيق في اختفاء الأقارب المفقودين، وقاموا بتصوير جُثَثِ الأشخاص الذين عُثِرَ عليهم في شوارع السلفادور من أجْلِ المساعدة في التعرُّف على هُويَّاتهم، في العام نفسه، نظَّمتْ رابطة الأمهات في بلازا دي مايو في الأرجنتين كأمَّهات للبحث عن أبنائهنَّ المفقودين نتيجة لإرهاب الدولة الذي مارسَتْه الديكتاتورية العسكرية التي امتدَّتْ من 1976 إلى 1983.
في المكسيك، بدأت المواقف الناقدة للأمومة من قِبَل مجموعة النسويَّة الجديدة (موخيريس إن أكسيون سوليداريا) (MAS)، التي احتجَّتْ على أسطورة تقديس الأمومة عشية عيد الأم في النُّصُب التَّذكاري لتكريم الأمهات في مكسيكو سيتي، قاوموا أسطورة أنَّ دور المرأة في المجتمع يجب أن يقتصِرَ على الأمومة (Gutiérrez 2012: 42)، استمر الاحتجاج في السنوات التالية.
وقد مهَّد السعي لفصل الأمومة عن الأنوثة الطريق للفصل بين القدرات الإنجابية لأجساد النساء وصحتهنَّ الجنسية (Gargallo 2004: 114)، وبرزت المطالبات بإلغاء تجريم الإجهاض في ظلِّ الوصول إلى الحقوق الإنجابية التي سَعَتْ إلى مَنْحِ النساء السيطرة على أجسادهنَّ، وهكذا، تمَّ الدفاع عن الحقِّ في الإجهاض على أساس حقِّ المرأة في الاستقلالية الفردية (Gargallo 2004: 114).
في العام 1976، نظَّمت الحركة الوطنية للنساء إلى جانب مجموعات نسوية مستقلة أخرى أحدَ المؤتمرات الأولى حول إلغاء تجريم الإجهاض، والذي أكد على أن الإجهاض قرارٌ نسويٌّ مستقلٌّ يجب أن يكون متاحًا من خلال جميع مؤسسات الصحة العامة (Gargallo 2004: 114).
في السنوات التي تلَتْ ذلك، استخدمت النسويات في المكسيك مجموعة متنوعة من الإستراتيجيات الرمزية في نضالهنَّ من أجل تقنين الإجهاض، فارتدين ملابس سوداء حدادًا علنًا على النساء اللواتي تُوُفِّينَ نتيجة الإجهاض السري (Garagallo 2004: 115).
واليوم، لا يزال الإجهاض متفاوتًا في الوصول إليه في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية؛ فبلدان مثل (شيلي، ونيكاراغوا، وجمهورية الدومينيكان، والسلفادور) تحظر الإجهاض بالكامل، حتى في الظروف التي قد ينقذ فيها حياة المرأة، وفي دولٍ مثل (المكسيك، وغواتيمالا، وبنما، وفنزويلا، وغواتيمالا، وبنما، وفنزويلا) لا يكون الإجهاض قانونيًّا إلا في الظروف التي ينقذ فيها حياة المرأة، ومع ذلك، في دول مثل (الأرجنتين، وكوستاريكا، وإكوادور) يكون الإجهاض قانونيًّا بالقدر الذي يحافظ على الصحة البدنية للمرأة.
في بعض البلدان، تُفهم ظروف الاغتصاب على أنها جزءٌ من الحفاظ على الصحة البدنية (مثل الأرجنتين)، بينما في بلدان أخرى، يتمُّ التوسُّع في السماح بالإجهاض إلى الحد الذي يحافظ على الصحة العقلية للمرأة (مثل: كولومبيا، وكوبا، وأوروغواي، وبورتوريكو، وبورتوريكو)، هي الأماكن التي أجازت الإجهاض دون أي قيود تتطلب سببًا معينًا.
على الرغم من أن المعركة من أجل الوصول إلى الإجهاض بدأت خلال السبعينيات، إلا أنها لا تزال قضية سياسية متنازَع عليها، خاصة في الأماكن التي يُمنع فيها الوصول إلى الإجهاض بالكامل، أو يتم تقييده بعوامل أخرى؛ كالصحة البدنية أو الصحة العقلية أو الحفاظ على الحياة، وعلاوة على ذلك، في أماكن مثل بورتوريكو، ترتبط مسألة الإجهاض ارتباطًا وثيقًا بتاريخ التعقيم القسري، مما يجعل القضية أكثر تعقيدًا وشحنًا من الناحية السياسية.
وباعتبارها فترةً اتسمت بقمع الدولة، كانت السبعينيَّات أيضًا فترة صحوةٍ للعديد من النساء اللواتي طالبْنَ بالتغيير الاجتماعي (Bartra 2001: 6)، ولم تتحد النسويات في أمريكا اللاتينية النظام الأبوي من خلال تعريف أنفسهنَّ كذواتٍ سياسيةٍ متميزةٍ فحسب، بل تحدَّيْنَ أيضًا نماذج الهيمنة الذكورية التي عبَّرتْ عنها الدولة العسكرية والمناهضة للتمرد.
إن واقع قمع الدولة جعل نسويات أمريكا اللاتينية متميزةً في قدرتها على كشف الأسس الأبوية للعسكرة والعنف المأسَّس (Saporta Sternbach et al. 1992: 397).
تتجلى العلاقة الوثيقة بين النظام الأبوي والقمع العسكري للدولة بأوضح صورة من خلال التلاقي بين النشاط النسوي التشيلي والدفع باتِّجاه الديمقراطية في عبارة جولييتا كيركوود الشهيرة: (Democracia en el país, en la casa y en la cama)، والتي تترجم إلى (الديمقراطية في الوطن وفي المنزل وفي السرير) (Kirkwood 1986: 14).
ارتبطت الحركة النسوية في أمريكا اللاتينية في السبعينيَّات بنشاطٍ يؤمن بأن جذور الأنظمة الاستبدادية وجدت جذورَها حيث تسرب القمع الأبوي إلى المجال (الخاص).
وبحلول أواخر السبعينيَّات، ظهرت حركات معارضة في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية، انضمَّتْ إليها نساء من جميع مناحي الحياة متحدِّيةً إقصاءهنَّ التاريخي من الحياة السياسية (Saporta Sternbach et al. 1992: 398-399).
ويرجع عدم تجانُس النسوية الأمريكية اللاتينية المعاصرة إلى الظروف السياسية المتنوِّعة التي انبثق منها نشاطها، ومع ذلك، يمكن العثور على سِمَة مشتركة في الالتزام بتغيير العلاقات الاجتماعية للإنتاج، بما في ذلك الإنجاب.
في جميع أنحاء المنطقة، شاركت النساء بشكل جماعي في حركات لتوليد حقوق الإنسان من خلال السعي إلى تحسين الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والخِدْمات الحضرية، بالإضافة إلى مقاومة قمع الدولة العسكري (Saporta Sternbach et al. 1992: 401)، وقد مهد التبعية الاقتصادية والقمع السياسي في أمريكا اللاتينية خلال هذه السنوات الطريق لنشاط نسوي نضالي متميز سيستمر في الانتشار خلال عقد الثمانينيَّات.
1.4.2 الثمانينات
تميزت الثمانينيَّات بتوسع النظرية والممارسة النسوية، بدأت النسويات في التركيز على الأنشطة المتخصِّصة التي عمقت رؤيتهنَّ للسياسة والثقافة والمجتمع، وازداد عدد المجلات والأفلام ومجموعات الفيديو النسوية، وعلاوةً على ذلك، ازداد عدد مراكز ضحايا الاغتصاب والنساء المعتدى عليهنَّ، وكذلك التجمعات الصحية النسوية ومجموعات السُّحاقيَّات، وغيرها من المشاريع ذات الطابع الجنساني، تحديدًا خلال هذه الفترة (Saporta Sternbach et al. 1992: 404).
ومع زيادة نشاطات النسويات في المشاريع النسوية، بدأْنَ بإنشاء المزيد من منظمات المجتمع المدني أو المنظَّمات غير الحكومية (Millán 2014: 154).
كان أحدُ أهمِّ الأحداث التي ميزت الثمانينيَّات من القرن العشرين هو اللقاء الأول للحركة النسوية في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي الذي عقد في بوغوتا، كولومبيا، وكانت هذه اللقاءات، كما أصبح يُطلق عليها باختصار، بمثابة منتديات إقليمية نقدية للمناقشات حول السياسات النسوية وعلاقة الحركة عمومًا بالعدالة الاجتماعية في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.
اجتمع الحاضرون في اللقاء الأول في أعقاب العزلة الجغرافية والسياسية مع الرغبة في شق طريق للسياسة المستقلة، على مَرِّ السنين، وسع اللقاءان خريطة السياسة النسوية (Saporta Sternbach et al. 1992: 405).
انعقد اللقاء الأول في بوغوتا – كولومبيا، على مدار أربعة أيام في يوليو 1981، وحضره أكثر من مائتي امرأة من أكثر من خمسين منظَّمة، وقد جمع هذا التجمُّع على مستوى المنطقة بين العديد من أطياف الحركة النسوية، مما خلق حركة غير متجانسة مع وجود توترات وصراعات كبيرة؛ على سبيل المثال: خلال مراحل التخطيط للاجتماع، ظهرت مناقشات ساخنة بين النسويات المستقلات، اللاتي غالبًا ما يُشار إليهنَّ باسم (المستقلات أو النسويات)، والنسويات السياسيات المناضلات المنتسبات إلى الأحزاب السياسية (مثل الاشتراكية)، اللاتي غالبًا ما يشار إليهن باسم (المناضلات)، وقد أعربت النسويات المستقلَّات عن قلقهنَّ من احتمال أن تحاول النسويات المنتميات إلى الأحزاب السياسية فرض أجنداتٍ طائفيةٍ تحوِّل الانتباه عن القضايا المركزية للتنظيم النسوي (مثل الحقوق الإنجابية) (Saporta Sternbach et al. 1992: 407).
وقد ركَّزت جلسة (النسوية والنضال السياسي) التي حظيت بأكبر عدد من الحضور في عام 1981، والتي كانت بعنوان (النسوية والنضال السياسي)، على استقلالية الحركة النسوية، والنضال المزدوج (المشاركة المتزامنة في حزب سياسي والحركة النسوية)، والنسوية والإمبريالية (Saporta Sternbach et al. 1992: 408).
جسَّدت الاستجابة للجلسة تنوُّع الأفكار التي ينطوي عليها النضال النسوي، فقد اتفقت جميع المشاركات على أنَّ النساء يعانِين اضطهادًا محدَّدًا بحكم أنوثتهنَّ، وهو اضطهادٌ يتفاقم بسبب الطبقة، وتُرجِم اتفاقهنَّ إلى مطالبَ مُحدَّدة: (المساواة في الأجر، وإنهاء يوم العمل المزدوج، والحق في الإجهاض الآمن، والحق في اختيار الأمومة) (Saporta Sternbach et al. 1992: 408).
علاوة على ذلك، كان من الواضح أن الأحزاب السياسية في ذلك الوقت في جميع أنحاء المنطقة لم تُركِّز على هذه المطالب في مطالبها للتغيير الاجتماعي.
تم تطوير موقفين بارزين استجابةً للجلسة؛ أكَّد الموقف الأول على أنه لا الرأسمالية ولا الاشتراكية بمفردهما يمكنهما إنهاء اضطهاد المرأة، وكان لا بدَّ من التعبير عن تحرير المرأة خارج شبكات النشاط الحزبي الذي من شأنه أن يطالب بالتحوُّل الاجتماعي الكامل لتغيير العلاقات القمعية، ورأوا أنَّ الفصل بين المناضلة والنسوية هو سوء فهمٍ للسياسة النسويَّة التي هي ممارسة سياسية شاملة، كان يجب أن يكون محور النشاط السياسي النسوي في المنظمات النسوية المستهدفة؛ لأن اليسار الثوري كان يميل إلى وضْعِ الرجال في المركز (Saporta Sternbach et al. 1992: 409).
أما الموقف الثاني فيرى أن النسوية بمفردها لا يمكن أن تكون ثورية بسبب التزامها المتأصل بالاشتراكية، واعتقدوا أن النسوية يجب أن تكون ثمرة عضوية للنضالات الاشتراكية التي لا يمكن فصْلُها عن النضالات ضد الاضطهاد الطبقي، كانت النضالية المزدوجة، من وجهة النظر هذه، عملية صعبة، لكن يمكن التغلُّب عليها (Saporta Sternbach et al. 1992: 409).
عكس مؤتمر 1981 الظروف الاجتماعية والسياسية الأوسع نطاقًا التي كانت النسوية في أمريكا اللاتينية تتطور من خلالها، وجسَّد الصراع بين النسويات والمناضلات التباينات التي شهدتها الحركات النسوية في أمريكا اللاتينية خلال الثمانينيَّات، ومع ذلك، فقد عكس أيضًا نشأة الأفكار النسوية في أمريكا اللاتينية في النشاط السياسي النسائي؛ لذا، على الرُّغم من أنها كانت غارقة في الصراع، إلا أنَّ اللقاءات أشارت إلى الروابط الحميمة بين الأفكار المتعلقة بالنضال الجندري والظروف السياسية التي أدَّت إلى ظهور تلك الأفكار.
ركَّز اللقاء الثاني، الذي عقد في ليما، بيرو في تموز/يوليو 1983، على موضوع النظام الأبوي، وهو موضوع مثير للجدل نظرًا لارتباطه بالنسوية الأمريكية والأوروبية الإمبريالية، وقد عكس اللقاء تحوُّلًا في المطالبات النسوية؛ إذ حدَّد أنَّ التحيُّز الجنسي لم يكن مجرَّد نتيجة للرأسمالية، بل شكلها نظامٌ أبوي جنسي/جندري يعمل باستقلالية (Saporta Sternbach et al. 1992: 412).
علاوةً على ذلك، شَهِدَ اللقاء الثاني استجابةً علنيةً لظهور الهُوِيَّة المثلية ضمن النسوية الأمريكية اللاتينية، ما أجبر العديد من النساء الغيريات على مواجهة رُهَاب المثليَّة (Saporta Sternbach et al. 1992: 412).
ودَفَعَ الاجتماع أيضًا بموضوع العنصرية، الذي عاد إلى الظهور في السنوات اللاحقة في كلٍّ من اللقاءات والمشهد الأوسع للأفكار النسوية الأمريكية اللاتينية التي أطلقت انتقاداتٍ شديدةَ اللهجة بشأن إغفال العرق والعنصرية من النقاشات النسوية السائدة.
شَهِدَ نموُّ اللقاءات على نمو الحركة النسائية في جميع أنحاء المنطقة، جمع اللقاء الرابع الذي عقد في تاكسكو بالمكسيك (1987) 1500 امرأة، مع اقتراب نهاية العقد، عكس اللقاء الرابع زيادة التعقيد في السياسات النسويَّة في أمريكا اللاتينية، وهو ما أصبح ملموسًا من خلال تَكرار السؤال (من هي النسوية؟) (Saporta Sternbach et al. 1992: 421)، وقد عكست المناقشة الاختلافات فيما يُشكِّل السياسة النسوية، وما إذا كان التنظيم المجتمعي العام كافيًا لوصف التنظيم النسوي، لا سيما عندما تكون المجموعات المجتمعية خاضعةً لسيطرة الكنيسة أو الأحزاب السياسية المحلية (Saporta Sternbach et al. 1992: 421).
على الرُّغم من ذلك، تبقى النقطة الأساسية هي أنه عندما بدأت Encuentros في العام 1981، كانت النسويَّة لا تزال (كلمة قذرة)، لكن بحلول العام 1987، اكتسبت النسوية شرعيةً وتم التحقُّق من شرعيتها في الأوساط السياسية اليسارية، لا سيما في ثورة نيكاراغوا (Saporta Sternbach et al. 1992: 421)، واستمرت اللقاءات في إظهار النمو المتنوع للنسويات في أمريكا اللاتينية كخريطة مزدهرة وواسعة من الأفكار المرتكزة على مختلف أنماط النشاط السياسي.
على الرُّغم من استمرار اللقاءات حتى يومنا هذا، إلا أن لقاءات الثمانينيَّات كانت تطوراتٍ مهمةً عكست حركة اجتماعية متطورة ذات علاقات متوترة، ولكن مهمة بين النضالات الثورية والأهداف النسوية والمطالبات بالعدالة الاجتماعية.
في نهاية الثمانينيَّات، ومع وصول وباء فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) إلى ذروته، أصبحت السياسة الجنسية محافِظةً بشكلٍ متزايدٍ، وأصبح الجنس- الذي كان يُنظر إليه في السابق كفعل سياسي يمكن أن يطمس الفجوة بين الخاص والعام ويقوض الأدوار التقليدية للجنسين – محفوفًا بالصعوبات، وبلغت النسويات الشابات سن الرشد في وقتٍ تحوَّل فيه التثقيف الجنسي نحو سرديات مخاطر الجنس وليس إمكاناته السياسية التخريبية (Gargallo 2004: 123-124).
علاوةً على ذلك، شَهِدَتْ نهاية العقد استمرار الربط بين النسوية والمنظمات غير الحكومية الذي سيكون سمةً من سمات مؤسَّسة النسوية في التسعينيَّات، وبالنسبة إلى البعض، استتبع إضفاء الطابع المؤسَّسي نزع الطابع الراديكالي عن السياسات النسوية في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي (Gargallo 2004: 125).
1.4.3 التسعينيَّات
تتَّسِم النسويات في أمريكا اللاتينية خلال التسعينيَّات بالتركيز على المساواة بين الجنسين وعدم التمييز ضمن حدود المؤسسات التي تحكمها السياسات النيوليبرالية (Coba & Herrera 2013: 18)، ونتيجةً لذلك، لا يُشار إليها بالنسويات الليبرالية التي لا ترتكز على المقاومة، بل على تكيُّفِها مع البنية التحتية النيوليبرالية التي تم التبشير بها في المنطقة.
كان للنيوليبرالية الجديدة تأثيرٌ واضحٌ على النشاط النسوي وتطور الأفكار النسوية، فقد كانت النساء من أكثر الفئات تضرُّرًا من التحوُّلات في السياسات الاقتصادية، وعبارة (تأنيث الفقر) تعبِّر بدِقَّة عن الأثر الضار على حياة النساء، فقد انضمت العديد من النساء إلى القوى العاملة الوضيعة؛ مثل (مصانع التصدير، والعمالة الزراعية) من دون أيِّ حقوق عماليَّة أو الحصول على أجور عادلة (Gargallo 2004: 117).
وفي الوقت ذاته، بدأت الناشطات النسويات بمزاوجة جهودهنَّ مع المنظمات التي استهدفتْ تغيير السياسات لصالح النساء وعملْنَ بلغةٍ متميزةٍ حول العنف والصحة وحقوق الإنسان بما يتماشى مع السياسات الليبرالية (Gargallo 2004: 125)، وساد مفهوم الفرد المستقل كإطار تفسيري للتنمية.
تحت مظلَّة الفردية، كان الناس مسؤولين عن بقائهم وتنميتهم التي كانت تعتمد على مبادرتهم في اقتصاد السوق (Coba & Herrera 2013: 18)، في هذا السياق، تحوَّلت السياسات النضالية التي كانت تميِّز التنظيم النسوي في السابق إلى مؤسَّسات تنظيمية أقل راديكالية، وقد فعل جزء كبير من الحركة النسوية التي تحوَّلت إلى المؤسَّسات ذلك دون انتقاد السياسات الاقتصادية والليبرالية الجديدة (Bastian Duarte 2012: 157).
بدأت النسويات المؤسساتية في العمل إلى جانب الحكومات والوكالات التي أعطت الأولوية للتغيير في السياسة العامة، لكنها لم تسْعَ إلى البحث في جذور اللامساواة التي تبرِّر الحاجة إلى تغيير السياسات، وعلاوة على ذلك، ظهرت ظروف كانت فيها المنظمات غير الحكومية قادرة على تقديم موارد متخصِّصة للنساء، وبذلك، روَّجت هذه المنظمات لخطاب جنساني بعيد المدى تمَّ توحيده مع معايير الأمم المتحدة التي تضفي الطابع العالمي، لم تكن هذه المنظمات، التي كانت أيديها مقيَّدة من قِبَل الجهات المانحة، تراعي بالضرورة أولويات المنظمات المحلية أو سكانها (Bastian Duarte 2012: 157)، ونتيجةً لذلك، فاقمت البنية التحتية لإضفاء الطابع المؤسسي من اختلال موازين القوى القائمة عبر الخطوط العرقية والطبقية.
من بين المؤسَّسات المشاركة في إضفاء الطابع المؤسَّسي على النسوية كانت الأكاديمية. فمنذ أواخر الثمانينيَّات وحتى التسعينيَّات، بدأت برامج الدراسات النسائية تنتظم في جميع الجامعات، علاوةً على ذلك، بدأت دراسة الفلسفة النسوية على نطاقٍ أوسع تجِدُ طريقها إلى المناهج الدراسية؛ حيث ضغط نشاط العقود السابقة على الجامعات لدعم الدراسات النسوية والجندرية (Schutte & Femenías 2010: 400)، وشهد هذا العقد إضفاء الطابع المهني على النسوية، وأصبحت النسوية، التي كانت في السابق قوةً موجهةً للنضال، قابلةً للتوظيف ومربحةً (Bartra 2001: 11)، لكن هذا لا يعني التقليل من الجهد الهائل الذي تطلَّبَه تطوير البرامج الجامعية، فمع تحول البرامج الجامعية إلى ثوابت مؤسَّساتية، كانت بمثابة مساحاتٍ مضادَّةٍ للهيمنة؛ حيث يمكن تيسير المقاومة.
شهدت التسعينيَّات أيضًا بدء المجلات والمنشورات الرسمية؛ في عام 1990، أطلقت مارتا لاماس مجلة Debate Feminista، ولا تزال واحدة من أكثر المنشورات الصحفية تأثيرًا في مجال النسوية الفكرية، وفي عام 1991، تم إنشاء مجلة (لا كوريا فيمينيستا) (La Correa Feminista) لتجمع أفكار النسويات المستقلَّات والراديكاليَّات، واستمرَّت حتى عام 1998 عندما قام المحرِّرون بتقييم ذاتي لأهداف المجلة وقرَّروا إطلاق (كريتفيداد فيمينيستا)، وهي مطبوعة إلكترونية استمرَّت حتى عام 2008، عندما تم إنشاء الموقع التابع لها (ماما ميتال)، أخيرًا، ظهرتْ (لا دوبلي جورنادا) كملحقٍ نسوي لصحيفة (لا جورنادا)، الصحيفة اليسارية الرائدة في المكسيك، واستمرَّت من 1986 إلى 1998 (Millán 2014: 156).
خلال هذه الفترة، بدأت النسويات في أمريكا اللاتينية في تفضيل استخدام فئة النوع الاجتماعي أو المنظور الجنساني على النظام الأبوي كإطارٍ مفاهيميٍّ يمكن من خلاله الحديث عن وضْعِ المرأة، ويعود التحوُّل إلى استخدام لغة الجندر إلى حدٍّ كبيرٍ إلى استيراد الأفكار النسوية في أمريكا الشمالية.
في السياق الأمريكي اللاتيني، حظي عمل غايل روبن باهتمام كبير كما يتضح من الترجمات العديدة، وكذلك من التعليقات المستفيضة على فهمها المعقد لنظام الجنس/ الجندر (Gargallo 2004: 21)، مع ذلك، من المهم الإشارة إلى أن المصطلح كان مستخدَمًا بالفعل من قِبَل الباحثين، ويحمل في طيَّاته دلالاتٍ متنوِّعة (Schutte 1998b: 88).
تُرجمت كلمة (الجندر) إلى اللغة الإسبانية بـ (género)، وهي ترجمة رديئة بالنسبة للكثيرين.
وقد انتقلت كلمة Género، التي تترجم إلى اللغة الإنجليزية بمعنى (النوع) أو (النوع)، إلى سياق أمريكا اللاتينية عبر النشر الأكاديمي، وأثارت جدلًا حول مدى ملاءمتها لتطابُقِها مع الظروف النسوية في المنطقة، وجاء المنظور الجندري، الذي يوظف نموذج الفردية الراديكالية التي اتسم بها العقد، ليقف إلى جانب مفهوم التمكين باعتباره مفهومًا يمكن أن يستهدف احتياجات المرأة على وجه التحديد، وقد استخدمت الأمم المتحدة لغة الجندر والتمكين كجزء من أهدافها الرامية إلى تعميم مراعاة المنظور الجنساني وتمكين المرأة خلال المؤتمر العالمي للمرأة الذي عقد في بكين عام 1995، وهي لحظة شهدت تصاعد التوترات حول نزع الطابع السياسي عن النسوية في أمريكا اللاتينية (Bastian Duarte 2012: 157).
واستخدمت الدُّوَل الحديثة العهد بالديمقراطية استخدام موضوعات النوع الاجتماعي والتمكين بشكلٍ أكبر، ووجدت المناضلات النسويات أنفسهنَّ في علاقة مختلفة مع الدولة مع تبنِّيها لغة النوع الاجتماعي، فبعد أن كانت أداة للقمع، لا سيما في ظلِّ الحكم العسكري، كان على النسويات في أمريكا اللاتينية الآن أن يتعاملن مع دور الدولة بشكل مختلف تمامًا، وهو دورٌ استوعب مصطلحات الحركة التي بدأت في معارضة قمعها، لقد فَهِمَت الديمقراطيات الليبرالية حديثة التكوين النساء كأسواقٍ محتملةٍ للتحديث والتنمية، وبالتالي نشرت لغة الجندر والتمكين (Alvarez 1998: 271). غير أن الطريقة التي أدارت بها الدولة الفقر كجزءٍ من مهمَّتِها التحديثية كانت غارقةً في الفردية مع تركيزٍ ضئيلٍ على المجتمعات المحلية.
أثَّرت التحوُّلات السياسية والاقتصادية على تطوُّر الأفكار النسوية، أصبح النشاط مؤسسيًّا ونَمَتِ الحركة النسوية في اتجاهات مختلفة، ومع اقتراب عقد التسعينيَّات من نهايته، وجد ما بدأ كحركة اجتماعية عفوية ذات أفكار راديكالية حول النظام الأبوي والعسكرة والديمقراطية -طريقه إلى أروقة المؤسسات والمنظمات التي خنقت النشاط النسوي، كان إضفاء الطابع المؤسسي على الحركة النسوية عميقًا لدرجة أن وعدها السياسي بدا ضائعًا، ومع ذلك، وكما يتَّضِح من بداية القرن الحادي والعشرين، لم يكن الأمر كذلك. لم يكن إضفاء الطابع المؤسسي من دون نقد، وقد شهدت بدايات العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ظهور أصواتٍ جديدةٍ أخذت على عاتقها مهمة النسوية الليبرالية المهيمنة من خلال التركيز على النقد المناهض للنيوليبرالية وإنهاء الاستعمار الذي بدأ في فضح الممارسات المهيمنة للنسويَّات في أمريكا اللاتينية.
1.5 أصوات منشقة: الأفكار النسوية في أمريكا اللاتينية في القرن الحادي والعشرين.
خضعت مؤسَّسة النسوية للتدقيق في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، جادل النسويُّون المستقلُّون أنه مع استمرار تطبيع الممارسات النسوية، فشلوا في تفسير أوجه عدم المساواة بين النساء، ومع اقتراب القرن من نهايته، برزت أصواتٌ (هامشية) وناقدةٌ، مجادلةً بأن النسوية الليبرالية تميل إلى تجاهل الاختلاف وعدم المساواة والإقصاء بين النساء الموجودات في مواقع اجتماعية وثقافية مختلفة إلى حدٍّ كبيرٍ (Coba & Herrera 2013: 18)، وقد عكس اللقاء الثامن (نوفمبر 1999) الذي عُقد في خوان دوليو، جمهورية الدومينيكان، حضور هذه الأصوات الناشئة بوصْفِها (الآخر) في النسوية المهيمنة: النساء من السكان الأصليين، والنساء المنحدرات من أصل أفريقي، والمثليَّات اللواتي كان موقفهنَّ هامشيًّا بالنسبة إلى اللقاءات النسوية Encuentros. وخضعت مزاعم الشمولية والتنوُّع في اللقاءات للتدقيق النقدي؛ حيث جادلن بأن هُوِيَّاتهنَّ كانت محجوبة في ظل النسوية الليبرالية التي اعتبرت الجندر سمةً من سمات الوحدة التأسيسية للقاءات، وشكلت هذه الـخلافات أساسًا للنقد الاجتماعي والسياسي الجديد الذي ميَّزَ الأصوات الناشئة.
وردًّا على التحوُّلات النيوليبرالية في الثمانينيَّات والتسعينيَّات، جلبت بدايات القرن الحادي والعشرين خطابًا مناهضًا للنسوية في أمريكا اللاتينية معادٍ للنيوليبرالية تغذى من المواقف المناهضة للاستعمار والأبوية، وكان من بين هذه المواقف مواقف تدعو إلى إنهاء استعمار النسوية العالمية من خلال مراعاة محاور العرق والإثنية والجنسانية في صياغة الهُوِيَّة، وتميز العقد الأول من القرن الحادي والعشرين أيضًا بمحاولة الحد من نفوذ مؤسَّسات الجندر، في الوقت عينه، لم يكن هناك زخمٌ لإعادة تشكيل الحركة الاجتماعية في أعقاب التحولات النيوليبرالية (Coba & Herrera 2013: 19).
نشهد حاليًّا ظهور أفكار بدأت في إعادة تشكيل طريقة تفكيرنا في النسوية الأمريكية اللاتينية، ومع ذلك، فإن مشروع إعادة التشكيل لا يزال في طور التكوين. في هذا السياق، دخلت الأفكار النقدية حول العِرْق وتاريخ العنصرية إلى الاهتمامات السائدة، والتي تم التعبير عنها في الغالب من وجهات نظر منحدرة من أصل أفريقي (Curiel 2007).
علاوةً على ذلك، وجهت النسويات المثليَّات انتقادات للنسوية الليبرالية ليس فقط بسبب عدم اهتمامها بالعرق والعنصرية، بل أيضًا بسبب تركيزها على الغيرية كجزء من الأجندة النسوية، ويرى أحد المواقف البارزة أن ثمة رابطًا لا ينفصم بين النسوية والنسوية من حيث أن تبنِّي النسوية الواعية للذات يستلزم تحولًا في التعامل مع الذكورة المهيمنة على المستويات كافة، بما في ذلك مجال الرغبة (Espinosa Miñoso 2011: 403)، كما كشفت النسويات من الشعوب الأصلية عن رؤًى نقدية في العلاقات بين المجتمع والدولة والانتماء السياسي، وتمثل أفكارهنَّ حول التوازن بين الانتماء الإثْنِي ونقد التحيز الجنسي دعوةً للنسوية الليبرالية المهيمنة لإعادة النظر في مفهومها للثقافة والمجتمع، وهو ما يخاطر باختزال نساء الشعوب الأصلية إلى أهدافٍ للتنمية (Bastian Duarte 2012: 164). ويأخذ ظهور هذه الأفكار النقدية النسوية الليبرالية على النسوية الليبرالية من خلال دعوة هيمنة نماذج الطبقة الوسطى، البيضاء/ المستيزا والمعيارية الغيرية للمشاريع النسوية على أنها ليست إقصائية فحسبُ، بل ضارة للغاية، وتجدر الإشارة إلى أنَّ معظم هذه المواقف تتخذ من إنهاء الاستعمار مشروعًا توجيهيًّا وتؤكِّد أن العنصرية والغيرية الجنسية متجذرة في الاستعمار الذي لا يزال أثره يعمُّ أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.
في عام 2007، تأسست مجموعة أمريكا اللاتينية للدراسات والتكوين والعمل النسوي (GLEFAS) بهدف خلق مساحة للحوار داخل الحركة السحاقية والنسوية في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وكذلك مع الحركات الاجتماعية وحركات النضال الاجتماعي والنضال من أجل الأرض في المنطقة، يصفون أنفسهم بأنهم يسعون إلى إنتاج تحليل سياسي من منظور نسوي مثلي مناهض للعنصرية والعسكرية والاستعمار والرأسمالية، وتماشيًا مع رؤيتهنَّ الفلسفية، نشرْنَ كتاب “Tejiendo de otro modo”: Feminismo, epistemología y apuestas decoloniales en Abya Yala (2014b) كثمرة لندوة عقدت في تشابل هيل، نورث كارولينا في عام 2012، يجمع الكتاب بين مجموعة متنوعة من الأصوات المعاصرة التي تتدخل في المفاهيم المهيمنة للنسوية في المنطقة من أجل إفساح المجال أمام مجموعة تقدر تنوع المعارف، يتحدث الكتاب من الهامش، ويتخذ الكتاب من الهامش ادِّعاءه المركزي بأن إنهاء الاستعمار يترافق مع إلغاء الأبوية، ومن ثَمَّ، فهو يعكس تحوُّلًا في الكتابات النسوية المعاصرة في أمريكا اللاتينية التي تمهد الطريق لاعتبارات نقدية للرأسمالية والإمبريالية والديمقراطية والهُوِيَّة، تغير هذه الأصوات الجديدة المعارضة المشهد النسوي في أمريكا اللاتينية بأفكار فريدة من نوعها تدعو إلى إعادة التفكير في معنى أن تكون نسوية اليوم.
2. القضايا والمناقشات الرئيسية
2.1 الاستقلال الذاتي النسوي في أمريكا اللاتينية
الاستقلالية مفهومٌ أساسي، وإن كان محلَّ نزاعٍ، في النسويات في أمريكا اللاتينية، إنه مفهومٌ تأسيسيٌّ إلى حدِّ أنَّ الهُوِيَّة النسوية تتوقف على مفهوم الاستقلالية، ومع ذلك، فإن كيفية تعريف الاستقلالية كانت موضع جدلٍ واسعِ النطاق؛ حيث تم استخدام المصطلح بصفات مختلفة. فقد استُخدم الاستقلال الذاتي من الناحية المفاهيمية لإقامة تحالفات بين المجموعات النسائية في أمريكا اللاتينية التي تسعى إلى القضاء على الاضطهاد القائم على النَّوع الاجتماعي، كما استُخدمت أيضًا لتجنُّب استتباع جهات فاعلة مثل الأحزاب السياسية والمنظمات غير الحكومية والدولة ووكالات التمويل، والنتيجة هي توتُّر بين الاحتفاظ بالاستقلالية الأيديولوجية والمالية وتوسيع نطاق وتأثير النسويات، وبالتالي، فإنَّ الاستخدام المتباين للاستقلالية يدعو إلى التساؤل عن كيفية تعريفها (ألفاريز وآخرون 2003: 542).
تعود جذور تاريخ الاستقلالية النسوية في الحركة النسوية في أمريكا اللاتينية إلى نشاط السبعينيَّات والثمانينيَّات؛ حيث تم التذرُّع بها في معارضة النسويات المناضلات (militantes) المنخرطات في الأحزاب السياسية لليسار، وعُرف الاستقلال الذاتي، في هذا السياق، على أنه الاستقلال عن أيِّ تنظيمٍ يفهم النضال من أجل تحرير المرأة كهدف ثانوي، على الجانب الآخر، وقف أولئك الذين اعتبروا النضال من أجل التغيير الاجتماعي الثوري متزامنًا مع المشاركة النسوية ودعَوا إلى المشاركة المزدوجة (Alvarez et al. 2003: 542)، وانطوى صعود اليسار السياسي في العديد من بلدان أمريكا اللاتينية على مقاومة الأنظمة السياسية، وعكست مسألة تجذر التكريس في العلاقة بين النسوية وإمكانيات التغيير الاجتماعي، وكشف النشاط النسوي عن الطريقة التي كان ولا يزال فيها التفاوض على الاستقلالية مفهومًا متطورًا، ومع تقدم عقد الثمانينيَّات وتغير المشهد السياسي في الثمانينيَّات، أصبحت فكرة النسوية المستقلة زائدة عن الحاجة، ومن ثَمَّ، ظهر فهمٌ للاستقلالية التشاركية التي حافظت على أهمية الاحتفاظ بالموقف النسوي أثناء التفاوض أو المشاركة في الممارسة الاجتماعية (Alvarez et al. 2003: 543).
وقد برَزَ مفهوم الاستقلالية خلال اللقاءات التي امتدَّت بين السبعينيَّات والتسعينيَّات من القرن الماضي، وألقى مزيدًا من الضَّوء على مسألة الإدماج.
إذا كان الاستقلال الذاتي ينطوي على التزامات بتحرير المرأة، فإن الاستقلال الذاتي يشير أيضًا إلى المشاركة في مشروع نسوي، ومع ذلك، فإن ماهية معايير الإدماج تحت مسمَّى النسوية أمرٌ قابلٌ للنقاش، ومع خضوع النسوية في أمريكا اللاتينية لعملية إضفاء الطابع المؤسسي، اتسمتْ مشكلة الإدماج بمنطقين؛ ودعا منطق الدعوة إلى تعزيز سياسة النوع الاجتماعي المتأثرة بالنسوية من خلال المنظمات الحكومية أو غير الحكومية، ومن جهةٍ أخرى، نأى منطق التضامن الهُوِيَّاتي عن المؤسسات الرسمية وظلَّ متمحورًا حول الحركات النسائية من خلال تطوير الأفكار النسوية في المجتمع والسياسة (Alvarez et al. 2003: 548)، لكن أيًّا من هذين المنطقَين لم يستلزم بالضرورة إدماج جميع النساء، كما يتَّضِح من الانتقادات المعاصرة للممارسات المهيمنة للنسويَّات في أمريكا اللاتينية التي لم تنتبه إلى أهمية العِرْق والطبقة والعنصر والجنسانية في تشكيل التبعية (Alvarez et al. 2003: 565).
ما يتقاطع مع هذا المنطق هو الطريقة التي يتوقف بها الإدماج في النسوية على الممارسة، وتتوقف كيفية فهم الاستقلالية على فهم الممارسة النسوية، وتتشكل هذه الممارسات خلال ديناميكيات الإدماج والإقصاء، وفي نهاية المطاف، سيعاد تعريف الاستقلالية من خلال الالتزام الفردي والجماعي بتحويل حياة النساء والمجتمع ككلٍّ (Alvarez et al. 2003: 557).
في الوقت الحاضر، لا يوجد تعريفٌ مستقرٌّ للاستقلالية النسوية، بل تعدُّدية في الفهم تتبع مجموعةً متنوعةً من المقترحات لفهم المشاركة والممارسات النسوية.
2.2 سياسات الترجمة والموقع الجغرافي
لقد كان الاهتمام بالعَلاقات بين الأمريكتين إحدى القضايا النظرية الرئيسية للنسوية في أمريكا اللاتينية التي انعكست في الدراسات الوفيرة حول هجرة الأفكار، فقد أبدت النسويات في أمريكا اللاتينية، مثلها مثل فلسفة أمريكا اللاتينية، قلقًا بشأن أصالة الأفكار التي انتقلت من المراكز المعرفية (مثل الولايات المتحدة وأوروبا)، ولكن، على عكس فلسفة أمريكا اللاتينية، استجابت النسويات في أمريكا اللاتينية لهذا القلق من خلال تطوير نظريات تهتم بالديناميكيات التي تنتقل بها الأفكار والطريقة التي يتم بها إعادة التفاوض على الأفكار وإعادة توقيعها أثناء انتقالها عبر المواقع.
بشكلٍ عامٍّ، تبرز الادعاءات المتعلِّقة بالطرق التي يتم بها إعادة تشكيل الأفكار عند دخولها في سياقات جديدة على المخاوف المتعلقة بانتقال الأفكار في اتجاه الشمال والجنوب، والتي لا تبقى غير متبادلة فحسب، بل تشير أيضًا إلى مركزية أمريكا الشمالية وأوروبا كمراكز لإنتاج المعرفة، لقد جادلت النسويات في أمريكا اللاتينية بشكلٍ نقديٍّ ضدَّ الفهم العام القائل بأنَّ الأفكار تتشكل في (الشمال) وتنتقل إلى (الجنوب) (Connell 2014)، ومن أجل الدفاع عن هذا الموقف، يُجادَل بأنَّ فعل الترجمة هو بحدِّ ذاته مهمة سياسية ذات موقع مادي تعيد صياغة الأفكار أثناء انتقالها إلى سياقات مختلفة.
إنَّ الأفكار التي تظهر في سياق أمريكا اللاتينية هي في حدِّ ذاتها فريدة من نوعها بالنسبة للظروف التي تولد شروط صياغتها، ومع ذلك، فإنَّ الظروف لا تكفي لخلْقِ التفرُّدِ، بل إنَّ عمليَّات الترجمة التي تنطوي عليها حركة الأفكار عبر الأمريكتين هي التي تحوِّل المعنى.
يمكن فهْمُ الترجمة على أنها أي فعل من أفعال الوصف أو التفسير أو النشر، ودائمًا ما تنخرط الترجمة في علاقات القوة التي تتشكل من خلال عدم التماثل بين الأشخاص واللغات والمناطق (Lima Costa 2014a: 21). في سياق الأمريكتين، تحدث حركة الأفكار عبر علاقات القوة غير المتكافئة، تواجه الأفكار حواجز الطرقات ونقاط التفتيش المهاجرة أثناء محاولتها عبور الحدود (Lima Costa 2014a: 21).
ونتيجةً لذلك، يعكس الحوار عبر الأمريكتين عدمَ تناسُقِ القوى، وقد أدى ذلك إلى فكرةٍ خاطئةٍ مَفادُها أن لا شيء ينبع من الجنوب العالمي، بل يتم استيراده إلى المنطقة من الشمال العالمي فقط، وتزداد الترجمة تعقيدًا بسبب (وسطاء النظرية)؛ مثل (الأكاديميين، والمانحين، والمنظمات غير الحكومية النسوية) الذين يتوسطون في حركة الأفكار (ليما كوستا 2014 أ: 25)، وبينما تنتقل الأفكار، تتحول معانيها، ويتوقف تحولها على الثقافة أو النظام الذي يستقبلها (Lima Costa 2014a: 29). ومن ثَمَّ، فإنَّ الهجرة الخطابية ليست محايدة، وفي هذه العملية، يأتي الموقع ليؤطِّر كيفية فهم إعادة تشكيل الأفكار، إنَّ التفكير في الترجمة من خلال مصفوفة الهجرة الخطابية يُسلِّط الضوء على الطريقة التي يلعب بها الاختلاف والسلطة دورًا حاسمًا في كيفية إضفاء الشرعية على المعرفة عبر الاختلاف.
إن وضع الترجمة في مركز الممارسات النسوية يعترف بأنَّ الترجمة أمر لا غنى عنه من الناحيتين (السياسية والنظرية) للتحالفات النسوية والمناهضة للعنصرية وإنهاء الاستعمار ومناهضة الإمبريالية (Alvarez 2014: 1)، وتؤطر الترجمة كظاهرة مترجمة من حيث إنها لا تنطوي على موقع ثابت، بل تربط كذلك بين جغرافيات السلطة؛ على سبيل المثال: (الوطنية والمحلية)، ومواقف الذات؛ على سبيل المثال: (الجندر/الجنس، والعرق) (Alvarez 2014: 2).
في هذا الحيز المفاهيمي، تتشكَّل أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي مع عدم تجانُس اللاتينية داخل الولايات المتحدة وداخل أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي التي توجد وتتحرك عبر مساحات حدودية متعددة (Alvarez 2014: 2)، تتشكل الهويات في الترابط بين الحدود، وهي مساحات التقاء مكثف تميز الانتقالات عبر المنطقة.
فالذاتية قائمةٌ على المكان، كما أنها تستند إلى المكان، وتخطئ أو تنزاح مع حركة الأفكار، في هذا السياق، يبرز الاختلاف كتضاريس غنية يمكن من خلالها إشراك الآخرين، بالنسبة للبعض، فإنَّ الاختلاف الذي يتوسط المواقف الكلامية يتسم دائمًا بدرجات من عدم التماثل؛ إذ لا يمكننا أبدًا أن نكون شفافين تمامًا مع بعضنا البعض عبر شروط التغاير، ومع ذلك، فإن شرط عدم قابلية التماثل ليس كافيًا للتخلِّي عن الترجمة، بل هو ضرورة حتمية لسماع الآخرين في اختلافهم وعبره (Schutte 1998a: 61).
تتمثل إحدى طرق التعامل مع ظروف عدم قابلية التماثل في إدراك تعقيدات وتنوُّع مواقف الكلام التي نتعامل معها، وقد قيل: إنَّ مصطلح (الترجمان) يساعد في توضيح تعقيدات الاختلاف هذه، وتجسيدًا لكلٍّ من عمليات الترجمة (الترجمان) والتأثيرات المادية للموقع (لوكا)، يُسلِّط مصطلح الترجمان الضوء على الأبعاد المتعددة التي تشكل شروط الاختلاف (Alvarez 2014: 4)، وتبعًا للمزاعم المتعلقة بالترجمة، فإن الترانسلوكا كموقع موضوعي يهتم بحركة الأجساد، والنص، ورأس المال، والنظرية على طول محور الشمال والجنوب؛ حيث تنتج معرفات جديدة لفهم عولمة الأمريكتين (Alvarez 2014: 4).
إنَّ الترانسلوكاس هم مترجمون يسافرون حول العالم، ووسطاء ثقافيون وسياسيون، وبالتالي هم أيضًا وكلاء لتجاوز الثقافات (Alvarez 2014: 8)، يهدف المصطلح إلى إلقاء الضَّوء على الطريقة التي يتمُّ بها صياغة الذاتية من خلال الحركة عبر نصفي الكرة الأرضية بوساطة الموقع والترجمة، إنَّ الاهتمام بأبعاد الحركة في نصفي الكرة الأرضية يوضِّح شروط التغاير التي تولِّد عدم التماثل، لكنه يُسلِّط الضَّوء أيضًا على الطريقة التي تتوسَّط بها الترجمة في عمليات تشكيل الهُوِيَّة.
كما أنَّ الحجج المتعلقة بالهجرة الخطابية والترجمة، تجسد الروابط بين أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي والولايات المتحدة كجزء من الشتات المتشابك (Alvarez 2014: 7)، إنَّ هذا التشابك هو تشابُكٌ يمتد في العديد من الاتجاهات في نصف الكرة الأرضية ونتيجة لذلك، يجعل من أمريكا اللاتينية أفقًا معرفيًّا غير متجانس، من اللاتينيات في الولايات المتحدة إلى اللاتينيات من أصل أفريقي في أمريكا اللاتينية، فإنَّ الأفكار المنتجة على الحدود والترابط بين نصفي الكرة الأرضية وداخلهما وعبرهما تُفهم على أفضل وجهٍ من خلال تقدير ممارسات الترجمة، ومن ثَمَّ، فإنَّ التفكير في أمريكا اللاتينية كموقع معرفي، في تعدُّد أبعاده، يتطلب سياسة للترجمة يمكنها أن تُعزِّز بناء التحالفات عبر الأمريكتين، على الرُّغم من التباين.
وإذا ما أخذنا النظريات النسوية للترجمة على محملِ الجِدِّ، فإن النظريات النسوية للترجمة تثبت أن الأفكار هي نتاج واقع الأمريكتين ، ولا يمكن مقارنتها مع سابقاتها (المحلية أو المستوردة).
إنَّ الخطابات المنتجة في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي ليست مجرَّد عمليات إعادة تشكيل بديلة للأفكار، بل هي أيضًا تمزُّقات في الممارسات المعرفية السياسية، إنها تُشكِّك في المفهوم القائل بأن إنتاج المعرفة هو سمة طبيعية لأماكن معينة (Femenías 2007: 14)، وبالتالي، فإنَّ حركة الأفكار تولِّد مساحات جديدة ومتنوعة يمكن من خلالها التفكير في مواقع الاختلاف (Femenías 2007: 15).
3.2.3 النوع الاجتماعي في سياق الأمريكتين
ومن النقاشات الرئيسية الأخرى التي برزتْ كجزء من النقاش النسوي الأوسع في أمريكا اللاتينية حول سياسات الترجمة ما يتعلَّق باستخدام مصطلح الجندر، والذي دخل، كما أشَرْنا سابقًا، إلى الإطار الأمريكتين مع ترجمة دراسة غايل روبين إلى اللغة الإسبانية، وقد تُرجِم المصطلح إلى اللُّغة الإسبانية باسم género، وترجمته المباشرة أقرب إلى (النوع)، اعترضت نسويات أمريكا اللاتينية على شرعية الجندر كفئة من فئات التحليل النسوي (Schutte & Femenías 2010: 403).
قبل إدخال مصطلح الجندر، استخدمت النسويات مفهوم النظام الأبوي بسهولةٍ كبيرةٍ؛ لأنه كان يوفر إطارًا يرتكز على الظروف الأيديولوجية والاجتماعية والاقتصادية التي سمحت بالتعبير عن قضية اضطهاد النساء (Schutte & Femenías 2010: 403).
ومن نواحٍ عدَّةٍ، كان النظام الأبوي بمثابة صمغٍ لرفْعِ الوعي في الحركات النسائية في أواخر القرن العشرين في أمريكا اللاتينية، ما ساعد على الربط بين النساء من خلال تحديد وضعِهنَّ التَّبَعيِّ المشترك في ظل ظروف النظام الأبوي.
خلال الملتقى الثاني في عام 1982 (ليما، بيرو) أُعلِن أن النظام الأبوي هو الفئة الأساسية التي سَعَتِ النسويات في أمريكا اللاتينية إلى فهْمِ واقعهنَّ من خلالها، وقد استُخدمت كتفسيرٍ لحركة النساء، لكنها توسَّعت أيضًا كتفسيرٍ لظروف الغيرية الجنسية الإجبارية والقمع والعنف ضد النساء والأطفال وحظر الإجهاض وأشكالٍ مختلفةٍ من الظلم الاجتماعي (Gargallo 2004: 92)، كما تم ربْطُها بأُطُرٍ سعَتْ إلى تحديد دور العسكرة والرأسمالية في قمع النساء، وبالتالي، وفرت إطارًا منهجيًّا يمكن من خلاله صياغة مطالبات حول السلطة والقمع والهيمنة التي وحدت النساء على جبهاتٍ عدَّةٍ.
كانت البطريركية معقلًا مفاهيميًّا للنسوية الأمريكية اللاتينية شبيهًا بما كانت عليه الإمبريالية بالنسبة إلى نضالات التحرُّر الوطني (Gargallo 2004: 92)، كان هذا المفهوم قويًّا من الناحية التفسيرية؛ لأنه كان قادرًا على تفسير الوقائع المعقدة، وفي الوقت عينه كان يقدم تفسيرًا للتجارِب المشتركة للنساء، ولسوء الحظ، كانت القوة التفسيرية للمصطلح واسعةً جدًّا لدرجةٍ جعلت الخصوصيَّات التاريخية مبهمةً لأنه لم يكن من الممكن أن يوجد شيءٌ على هامشها (Gargallo 2004: 92).
وبدلًا من التركيز على النظام الأبوي، أصبح المنظور الجنساني (perspectiva de género) أو التركيز على النوع الاجتماعي (enfoque de género) الإطار المنهجي الذي يمكن من خلاله الحديث عن المرأة وقضايا المرأة في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية. استُبدلت المرأة كفئة تأسيسية بالجندر، الذي أصبح مصطلحًا شاملًا سهَّل الاستخدام بحيث يمكن لأي شخص استخدامه كمرجع لقضايا المرأة (Schutte & Femenías 2010: 404). وقد استلزمت السهولة التي استُخدم بها هذا المصطلح تخفيفَ حدَّة الانتقادات الراديكالية النضالية الراديكالية للنظام الأبوي التي ميزت التنظير النسوي في العقود السابقة.
تم إدماج الجندر في السياسة العامة والبرامج الاجتماعية من قبل المنظمات الحكومية والحكومية الدولية، مما يعكس الطريقة التي يمكن من خلالها اعتماده كجزء من المعجم حتى في السياسات غير المستوحاة من النسوية (Lima Costa 2014a: 2626)، على الجانب الآخر، خشي الفاتيكان أثناء تحضيره لمؤتمر المرأة لعام 1995 من استخدام كلمة الجندر؛ لأنها قد تنطوي على قبول المثلية الجنسية وتدمير الأسرة الأبوية ونشر النسوية (Lima Costa 2014a: 28).
على الرُّغم من أن حركة الجندر عبر نصفَي الكرة الأرضية لما تكتمل بعدُ، إلا أنه من المهمِّ إدراك الطريقة التي تتم بها حركة الجندر في الظروف المادية ومن خلالها.
إنَّ إحدى الطرق البارزة لترجمة المفاهيم وترحيلها هي من خلال المجلات الأكاديمية، وقد كشفت المناقشات حول استخدامات الجندر عن تأملات أوسع حول كيفية وصول المفاهيم إلى الوزن المعرفي، ويشكل سوق الاستشهاد العابر للحدود الوطنية أحد الأبعاد الرئيسية في هذه العملية؛ إذ يكشف من يتم الاستشهاد به؟ وأين؟ ومن قبل من؟ المسارات التي تنتقل عبرها النظريات في السياقات العالمية (Lima Costa 2014b: 142).
في ضوء السفر المفاهيمي واستخدام الجندر، تطلب النسويات في أمريكا اللاتينية النظر في الطريقة التي يؤثر بها الامتياز العالمي للغة الإنجليزية كوسيط لغوي على ما يُسمح بتداول المعرفة (Lima Costa 2014b: 142)، وعلاوةً على ذلك، تُبرِز هذه التأمُّلات حقيقةَ أنه لا يمكن النظر إلى اللُّغة الإنجليزية كوسيطٍ شفافٍ؛ لأن وضعها المتميز يمهد الطريق لما يتمُّ تناوُلُه باعتباره يستحقُّ الترجمة في المقام الأول، ومن ثَمَّ، لا ينبغي أن يكون من المستغرب أن يكون الجنسانية قد قطعت شوطًا كبيرًا، إنَّ مرورها هو علامة على ضرورة تهيئة الظروف لخلق ظروف (الترجمات الخاطئة) المثمرة التي تخلق مساحات للتطور المفاهيمي غير المتجانس (Lima Costa 2014b: 144144).
2.4 التفاوض على الهُوِيَّات المعقدة
على الرُّغم من أنَّ النوع الاجتماعي كان محورًا رئيسيًّا للتحليل، إلا أن الفكر النسوي في أمريكا اللاتينية ركز أيضًا على أهمية مراعاة تعقيدات الهُوِيَّة.
من الناحية المفاهيمية، لا يكفي النوع الاجتماعي بمفرده لتفسير تعقيدات الهوية، وقد أوْلَتِ النسويات في أمريكا اللاتينية اهتمامًا خاصًا للطرق التي تشكل فيها الطبقة والعرق (الإثنية) والجنسانية مكونات ضرورية لفهم التجربة المعاشة للهُوِية، والتي لا يمكن أبدًا تصوُّرُها على أنها نقية أو أحادية البعد (Feménias 2007: 16).
إنَّ فكرة أن الطبقة الاجتماعية هي بُعدٌ رئيسيٌّ في حياة المرأة هي فكرة متجذِّرة في النشاطات النسوية في أمريكا اللاتينية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وكما ذُكِر سابقًا في القسم (1) (عن تاريخ الحركة النسوية في أمريكا اللاتينية)، فقد تم تأطير نضال النساء من أجل المساواة في ذلك الوقت من حيث الوصول العادل إلى السلع الاجتماعية (مثل: التعليم).
وكان تأثير هذه الدَّفْعة هو تحوُّل الحياة المادية للأشخاص الذين يعيشون في فقر بشكلٍ عامٍّ، ولطالما كانت الاعتبارات المتعلقة بأهمية الظروف الطبقية في فهْمِ محنة النساء والفقراء متجذرة في الأفكار النسوية في أمريكا اللاتينية، وتلاقت المشاريع النسوية المهتمة بالنهوض بالمرأة في المجتمع المدني مع الحركات العمالية والمقاومة المناهِضة للإمبريالية؛ على سبيل المثال: (لويزا كابيتيو).
عاد هذا الاتجاه للظهور من جديد خلال حركات المقاومة في السبعينيَّات التي ربطت المشاريع النسوية بالأحزاب الثورية لليسار في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية، ونتيجة لذلك، لطالما كان الاهتمام بالأبعاد الطبقية جزءًا من المنهجية النسوية، ومع ذلك، لم يكن هذا الاهتمام دون خطأ، فقد جادلت النظريات المعاصرة من أعمال النساء المنحدرات من أصل أفريقي بأن الاهتمام الطاغي بالطبقة جاء على حساب تحليل الدور الذي لعبته العنصرية في تهميش وإقصاء السكان المنحدرين من أصل أفريقي والسكان الأصليين (Curiel 2007).
تتنوع التأملات حول (العرق/ الإثنية) في المنهجية النسوية في أمريكا اللاتينية، مما يدلُّ على التباين العرقي الذي ولَّده الشرط الاستعماري، فالاستعمار لم يؤسس المفاهيم المعاصرة للعرق (الإثنية) فحسبُ، بل ولَّد ظروفًا للتشكُّل العرقي في ظل أنظمة الاستغلال والتبعية، وعلى وجه التحديد، استلزم التاريخ الاستعماري لأمريكا اللاتينية إخضاع الشعوب الأصلية والمنحدرة من أصول أفريقية (Schutte & Femenías 2010: 407).
من الناحية الاقتصادية، استلزم الاستعمار استعباد واستغلال هذه الشعوب، أما ثقافيًّا، فقد ضمن الاستعمار فرض نظام اجتماعي رمزي رسخ البياض كقاعدة وسلطة ثقافية (Schutte & Femenías 2010: 407)، في الوقت عينه، تظهر معايير الجندر والطبقة الاجتماعية من خلال إنتاج العرق الذي ينعكس أثره الاقتصادي من خلال الربط بين البياض والصعود الطبقي، بالتالي، صاغت النخب السياسية مشاريع بناء الأمة في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي بأيديولوجيات أبوية غارقة في العنصرية والطبقية، وقد ترتَّب على تأثير هذه الأيديولوجيات تصنيفٌ طبقي اجتماعي عنصري يعكس امتيازات البيض ويترك النساء متضرراتٍ بشكل غير متناسب (Curiel 2007: 98).
في ظلِّ هذه الخلفية، سعت التأملات النسوية حول (العرق/ الإثنية) إلى تقويض عنصرية الأيديولوجيات القومية التي أدت إلى إخضاعهنَّ وتهميشهنَّ، إحدى هذه الأيديولوجيات هي أيديولوجية (المستيزاج) التي ظهرت كجزء من مشاريع بناء الأمة في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، فضلت الميستيزاجي تشكيل شعب مختلط عرقيًّا، ولكنها جاءت مشبعة بالمركزية الأوروبية، وميزت تبييض الأمريكتين، وضمنت الميستيزاخي عدم المساواة الهيكلية؛ لأنها أضفت طابعًا عنصريًّا على الفوارق الطبقية مع الإبقاء على العنصرية أسطورة.
في أعقاب هذه الظروف، جاءت إسهامات بارزة في النقاش حول (العرق/الإثنية) في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي من النساء المنحدرات من أصل أفريقي ونساء الشعوب الأصلية اللاتي تمَّ تهميشهنَّ بشكل منهجي في هذه العمليات الاجتماعية، وهم يجادلون بأنَّ الميستيزاجي يعمل كتكملة للاستعمار الذي لا يزال يستتبع التبعية والتهميش في الحياة الاجتماعية (Curiel 2007: 98).
كما أشارت النساء المصنَّفة عنصريًّا في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي إلى عنصرية المنهجية النسوية السائدة التي اعتبرت الأنوثة حالة فئوية مشتركة لكنها تجاهلت أهمية الخصوصيات التي يحددها (العرق/الإثنية) والهوية الطبقية، وبذلك، فتحت أصوات النساء المنحدرات من أصول عرقية آفاقًا جديدةً للتحقيق النسوي النقدي المعاصر، فعلى سبيل المثال، أظهرت النساء المنحدرات من أصل أفريقي كيف أن منهجيات دراسة النساء من الحقبة الاستعمارية قد أضرَّت بقراءة حياة النساء المستعبدات في بُعدٍ واحدٍ كضحايا للعبودية فقط، متجاهلةً الطرق التي شاركت فيها الكثيرات في أعمال المقاومة، من الأفضل فهْمُ أفعال مثل إهدار الأمتعة المنزلية أو الإجهاض الذاتي لتجنُّب استعباد الأطفال على أنها أفعال استعباد منزلي ويجب قراءتها كجزء من تاريخ النساء المنحدرات من أصل أفريقي في الأمريكيتين (Albert 2003).
في هذا السياق، تستلزم الدعوة إلى تحليلٍ متعدِّد الأبعاد للنساء المنحدرات من أصل أفريقي أيضًا إثبات أن المجالين العام والخاص ليسا كِيانين منفصلين بالنسبة إلى النساء المنحدرات من أصل أفريقي كما تدَّعِي النسوية المهيمنة (Curiel 2016: 49).
من هنا، برزت الدعوة إلى تسويد النسوية كوسيلةٍ لتوضيح العلاقة بين العنصرية والتمييز الجنسي من أجل فهمٍ أفضل لتاريخ النساء في مختلف أنحاء الأمريكيتين (Carneiro 2005).
وعلاوةً على ذلك، قدمت النساء ذوات الأصول العرقية في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي أطُرًا بنَّاءة جديدة لتصور الهُوِيَّات العرقية والإثنية، يمكن العثور على إحدى هذه المحاولات في تطوير مصطلح الأمريكانية-الأفريقية (Amefricanidad)، وهو مصطلح صاغته الباحثة الأفرو-برازيلية ليلى غونساليس، التي تقاوم استخدام مصطلح لاتيني بسبب أسُسِه الأوروبية، تمامًا مثل الطريقة التي يقلل بها مصطلح الامتزاج العرقي ( mestizaje) من البعد الأصلي والأفريقي لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي (Curiel 2007: 99).
واستنادًا إلى استخدام مصطلح الأمريكانية-الأفريقية، جادل آخرون في استخدام المصطلح باعتباره نظرية معرفية متميزة تعزِّز من ظهور النسوية المنحدرة من أصل أفريقي في المنطقة (Alvarez & Caldwell 2016: v).
يتتبع الأمريكانية-الأفريقية أهمية الجذور الأفريقية والأصلية للهوية، لكنه يسعى أيضًا إلى التفكير من داخل تلك الهُوِيات في سعيه إلى مقاربةٍ متقاطعةٍ للعنصرية والاستعمار والإمبريالية (Alvarez & Caldwell 2016: v).
يتتبع الأمريكانية-الأفريقية الهُوِيَّة العرقية، لكنه في الوقت عينه يشير إلى التعددية في قدرته على التقاط الميراث المتعدد لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.
من خلال إبقاء تأثير الحالة الاستعمارية في مركز النظرية، قامت النسويات المعاصرات في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي بتقييم نقدي لمعايير الجنسانية، وهو موضوعٌ لطالما أبقَتْه النسوية الليبرالية المهيمنة على الهامش.
تَنبُع الحركة المثلية في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي من المنظمات المثلية الجنسية المختلطة بين الجنسين التي كانت في حوار مع الحركة النسوية في أواخر القرن العشرين (Bastian Duarte 2012: 165)، لكن، في معظم تلك الفترة، كانت المناقشات حول التفضيل الجنسي تُنحَّت جانبًا ضمن الأجندة النسوية الليبرالية.
النسوية السحاقية، شأنها شأن البانوراما الأوسع للنسوية الأمريكية اللاتينية، غير متجانسة، مع ذلك، ثمة قاسمٌ نظريٌ مشتركٌ واحدٌ: حتمية تحويل الأفكار والممارسات المتعلقة بالمعيارية الغيرية والمثلية والعلاقات الجندرية (Bastian Duarte 2012: 169).
ما هو على المحك في تحليل النسوية المثلية هو الطريقة التي تتخلَّل بها المعيارية الغيرية في كلِّ جوانب التجرِبة المعيشية، بما في ذلك التقاطعات بين الجنسانية والعرق والدينية والطبقة الاجتماعية والجندر؛ على سبيل المثال: ربطت النسويات المثليات المنحدرات من أصولٍ أفريقيةٍ بين العنصرية والتمييز الجنسي والمعيارية الغيرية من خلال المجادلة بأن الأبعاد الإلزامية للمثلية الجنسية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بإعادة إنتاج الممارسات العنصرية والتمييز الجنسي (Curiel 2016: 50)، وجادل آخرون بأن هناك علاقةً وثيقةً بين المثلية والنسوية ترتكز على الإقرار بأن تحرر النساء يرتكز على إلغاء الأبوية، وهو ما ينطوي غالبًا على إعادة التفاوض في العلاقات مع الرجال والذكورة على كافة المستويات (Espinosa Miñoso 2011: 404).
تتضمن المناقشات حول تعقيد الهُوِية العلاقةَ بين الفرد والجماعة، فالعلاقة بين الظروف الجماعية البنيوية وتكوين الهُوية الفردية تَحضُر في العلاقة بين الظروف الجماعية البنيوية وتشكيل الهُوية الفردية إلى الطرق التي لا يكون فيها البشر صانعي معنى منعزلين، ولكن، عندما تعكس شروط صنع المعنى موروثات الاستعمار أو القمع أو النظام الأبوي أو الغيرية الإلزامية أو الغيرية الجنسية الإلزامية، فإنَّ المفاوضات المتوترة مطلوبة بين الفرد والجماعة، وقد تفاوضت النسويات الأصليَّات على القيمة السياسية والشخصية للانتماء الإثني مع المطالبات النسوية الفردية (Bastian Duarte 2012: 164)، لطالما ركَّزت الحركة النسوية الليبرالية الجديدة على أهمية الحقوق الجنسية والإنجابية للنساء، لكن في حين أن هذه القضايا قد تمثل جوانب أساسية في حياة الكثير من النساء، إلا أنها لا تُمثِّل قضايا أساسية في نضالات نساء الشعوب الأصلية.
على سبيل المثال، موضوع العنف هو أحد المواضيع التي تقع في صميم الاهتمامات النسوية للعديد من الاتجاهات السياسية، ولكن، من منظور النسوية الأصلية، لا يُبنَى العنف من منظور العنف المُجندَر فحسبُ، بل يتولَّد أيضًا من قبل أولئك الذين استولوا على أراضي الشعوب الأصلية ودمروها (Bastian Duarte 2012: 163)، بالتالي، لن يكون الفهم الذي يُظهر العنف المتمحور حول الفردانية فقط كافيًا لتوليد شروط المساواة بالنسبة إلى النسويات من الشعوب الأصلية اللواتي تشكل هُويَّاتهنَّ الجماعية الوسيلة الأساسية للحفاظ على أنظمتهنَّ الثقافية (Bastian Duarte 2012: 164). ويتَّبِع معنى المساواة والعدالة بالنسبة إلى نسويات الشعوب الأصلية في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي خصوصية سياساتهنَّ التي تأخذ دور المجتمع المحلي كمحورٍ للهُوية، وبالتالي تستدعي طرقًا جديدةً للتفكير في العلاقة بين المطالب النسوية الفردية والتحول الجماعي (Bastian Duarte 2012: 165).
على الرُّغم من أن الشعوب الأصلية في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي لا تقيم جميعها في مجتمعاتها المحلية؛ لأن العديد منها هاجر إلى مناطق أكثر حضرية، إلا أنه من المهم تقدير الطرق التي يعمل بها المجتمع المحلي بالمعنى المتعدِّد الأوجه كمَيزة مهمة للمشاريع التحويلية.
3. الفلسفة النسوية الأمريكية اللاتينية
تنبثق الفلسفة النسوية في أمريكا اللاتينية في حلقة الوصل بين النظرية والممارسة. فقد غَذَّى النشاط الاجتماعي في القرن العشرين إنتاج النظريات التي تشكل تقاليد الفلسفة النسوية الأمريكية اللاتينية، وكذلك مكانتها في الأكاديمية، ومع ذلك، لا تزال دراسة الفلسفة النسوية الأمريكية اللاتينية نادرة ومهملة (Gargallo 2015).
لقد كانت العلوم الاجتماعية هي المحرك الأساسي للتقدم المؤسسي للنظرية النسوية وحتى الآن، وتتخلف الفلسفة في تناوُلِها للقضايا النسوية كفلسفة (Schutte 2003, 208)، لقد تم إنكار وجود الفيلسوفات النسويات الأمريكيات اللاتينيات إلى حدٍّ كبيرٍ، وتمَّ محْوُ خصوصيات إسهاماتهنَّ النظرية في ظل التوجه الجنسي والأوروبي المركزي للفلسفة، إنَّ الاعتراف بوجودهنَّ هو فعل سياسي يتعارض مع البنية المهيمنة لتاريخ الفلسفة.
يتطلب أخذ الفلسفة النسوية الأمريكية اللاتينية في الحسبان إعادةَ بناء تاريخي وفلسفي يفهم حقيقة أنَّ النساء من أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي كُنَّ مُفكِّرات منذ فترة طويلة، إنَّ العمل الفلسفي الذي لا يزال يتعين القيام به يتطلب التعامل مع أفكارهنَّ.
الفلسفة النسوية الأمريكية اللاتينية هي فلسفة سياسية (Gutíerrez Castañeda 1994: 186)، فالأفكار التي دفعت التحوُّل الاجتماعي في حركات القرن العشرين ترتكز على السياسة التي أدركت ضرورة التغيير الاجتماعي، وينعكس البعد السياسي للفلسفة النسوية في أمريكا اللاتينية في حقيقة أنَّ العديد من الفيلسوفات النسويَّات الأمريكيَّات اللاتينيَّات كُنَّ مناضلات، وغالبًا ما يعكس امتداد فكرهنَّ مشاركتُهنَّ في حركات المقاومة.
يمكن أن تعني المقاومة أنواعًا عديدةً من المشاريع السياسية، وفي سياق الفلسفة النسوية في أمريكا اللاتينية، يُفهم فعل الاقتباس على أنه سياسي لأنه يعمل على بناء شريعة فلسفية تُضفِي الشرعية على أصوات النساء المستبعدات منذ فترةٍ طويلةٍ من الممارسة الفلسفية، على هذا النحو، تدعم النسوية مفهومًا واسعًا للسياسة يزعزع المساحات التي تعمل فيها، ويطمس الحدود بين العام والخاص (Gutíerrez Castañeda 1994: 187).
إنَّ تتبُّع التاريخ الفلسفي للمفكِّرات النسويات في أمريكا اللاتينية مهمَّة تستحق الاهتمام العلمي، وحتى الآن هناك ثغرة في المصادر، إحدى العقبات الرئيسية هي (اللغوية)؛ حيث لم تتم ترجمة الكثير من المصادر النصية، وعلاوةً على ذلك، فإن الموارد نفسها ليست وفيرةً، على الرُّغم من صدور بعض المنشورات البارزة، يُعَدُّ كتابَا (أنتولوجيــــة الكتابينAntología del pensamiento pensamiento feminista nuestroamericano: tomo 1 del anhelo a la emancipación (2010a) ، وأنتولوجية الكِتَاب النسوي: tomo 2 movimiento de liberación de las mujeres (2010b) من تنسيق فرانشيسكا غارغالو – من أوائل المنشورات واسعة النطاق التي تناولت الكتابات الفلسفية النسوية في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وهي مصادر غير حصرية، تشهد على الإسهامات النظرية والجدلية والمنهجية للكاتبات النسويات في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي الممتدة من القرن الخامس عشر إلى القرن العشرين، وبينما تنقذ هذه المختارات الكاتبات اللاتي غالبًا ما يُضيَّعْنَ في صفحات التاريخ، فإنها تتخذ أيضًا من أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي (بوصفها أمريكانا) نقطة انطلاق نظرية، وبالتالي، فهي تتيح اعترافًا جماعيًّا بتاريخ الفكر النسوي الذي لا يعتمد على أمريكا الشمالية أو أوروبا في تحديد هُوِيته، توضح هذه المختارات كذلك أنَّ الفكر الفلسفي النسوي الأمريكي اللاتيني ليس جديدًا، فهو يستند إلى تاريخ من المقاومة للظروف الاجتماعية والسياسية التي أعاقت الاعتراف بالنساء كمنتجات للمعرفة (Gargallo 2009: 418).
وقد قيل: إن الفلسفات النسوية المبكرة هي من أولى المنظومات الفكرية التي تفسر سياسات الشرعية؛ حيث تمنح الظروف الاجتماعية امتيازًا للإنتاج المعرفي لمجموعةٍ ما من أجل إقصاء أصوات الآخرين ونزع الشرعية عنها (Gargallo 2009: 420)، إن نقد الشرعية هو نقدٌ يتبع الفلسفة النسوية الأمريكية اللاتينية في القرنين (العشرين والحادي والعشرين).
على سبيل المثال: دافعت خوانا إينيس دي لا كروز (1651-1695)، وهي واحدة من أكثر الكاتبات اللواتي يُستشهد بهنَّ في هذا التقليد، عن الحياة الفكرية للمرأة، الأمر الذي استلزم شجْبَ معايير الذكورة المهيمنة، وقد ارتبطت صورتها ككاتبةٍ نسويةٍ بدائيةٍ بالسُّحَاقية، إذ عاشت حياةً رهبانيةً وقاومت بذلك هيمنة الذكورة (Gargallo 2009: 419)، لقد تحدى وجودها كمثقفةٍ سلطة عصرها وانعكست مقاومتها في كتاباتها.
يمكن العثور على مثال آخر في فكر لويزا كابيتيلو (1879-1922)، والذي يعود إلى مشاركتها في الحركات العمالية في بورتوريكو والولايات المتحدة خلال حياتها، وبوصفها قارئة في مصنع سيجار، فقد كانت تعمل (قارئة) في مصنع سيجار، وكانت تعمل كوسيط فكري وثقافي من خلال قراءة كل شيء للعمال من الأخبار إلى النظرية السياسية، أصبحت كابيتيلو قارئة في الوقت الذي كان فيه أربعون في المئة من عمال التبغ وسبعة وثمانون في المئة من القوى العاملة الزراعية في بورتوريكو أُمِّيِّين (Ramos 1992: 14)، ومع ذلك، فإن وجود القراء، مثل كابيتيلو، جعل القوى العاملة في مجال التبغ من أكثر القوى العاملة وعيًا اجتماعيًّا (Ramos 1992: 21)، استمدَّ نشاطُها دعمًا فكريًّا من الفلسفة الفوضوية الأوروبية التي انتقلت إلى بورتوريكو من خلال ترجمات لمؤلفين مثل (تولستوي، ودوستويفسكي، وديدرو، وباكونين، وكروبوتكين، وماركس، ونيتشه) (Ramos 1992: 27)، تركت كابيتيلو بصمة في الحركة العمالية في بورتوريكو، لكنها أصبحت مهاجرة عابرة للحدود الوطنية بعد أن طُردت من بورتوريكو بسبب حملة القمع الحكومية على الفوضويين (Ruiz 2016: 3)، في حياتها القصيرة التي امتدَّت لاثنين وأربعين عامًا، ستقيم في مدينة نيويورك ومدينة يبور ولا هابانا بينما واصلت نشاطها من خلال تنظيم الإضرابات العمالية، ومناهضة مؤسسة الزواج، والانخراط في مقاومة منمقة من خلال ارتداء ملابس الرجال، ونشر أربعة كتب (راموس 1992: 66)، كانت مساهمة كابيتيلو الأكثر أهمية هي إنتاج أفكار متجذرة في حركة حقوق العمال التي انتقلت عبر الدول واستلهمت هي نفسها من سفر الأفكار.
تمَّ إضفاء الطابع المؤسسي والمهني على الفلسفة كمجال للدراسة في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي في السنوات الممتدة من 1940 إلى 1960، وبالتالي، ليس من المستغرب أن تحصل النساء بعد ذلك على تعليم جامعي رسمي في الفلسفة.
كانت ماتيلدي كارانزا (1892-1981)، المولودة في سان خوسيه بكوستاريكا، أول امرأة في كوستاريكا تحصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة. التحقت بجامعة ويسكونسن، كما أنها من أوائل النساء اللاتي حصَلْنَ على درجة الدكتوراه من الجامعة، تمحور فكْرُها الفلسفي حول أهمية التعليم من أجل التحوُّل الاجتماعي، وهو ما يتماشى مع سياساتها المناهضة للتمييز والمساواة، ومع ذلك، كان تأثيرها الأبرز هو تحطيم الأسطورة القائلة بأن النساء غير مؤهلات للفلسفة، مما مهد الطريق أمام النساء من الأجيال الأخرى (Prada Ortiz 2013: 32–33).
درست آنا إيزابيل ألفارو (1944-1990)، المولودة في ألاخويلا بكوستاريكا، الفلسفة في جامعة كوستاريكا، تمحورت التزاماتها الفلسفية حول دور التعليم في التنمية الوطنية؛ حيث اعتبرت أنَّ التعليم هو عامل تحوُّلٍ اجتماعيٍّ، ونتيجة لذلك، رأت ألفارو دَوْرَ الجامعة كجزء لا يتجزأ من التغيير الاجتماعي، كانت التزاماتها بالقدرات التحويلية للتعليم متجذِّرة من الناحية المنهجية في تعدُّد التخصُّصات والتنوع الثقافي.
والجدير بالذكر أنَّ ألفارو أوْلَتْ أهمية للقوة الإبداعية للمرأة في فلسفتها التعليمية؛ حيث دافعت عن قدراتها الإبداعية وعكست هذا الالتزام في تحالفاتها السياسية مع النساء الفقيرات (Prada Ortiz 2013: 55).
وعلى نفس المنوال، دخلت مونيليسا لينا بيريز مارشاند، وفيكتوريا جونكو بوساداس، وأولغا فيكتوريا كيروز مارتينيز، وروزا كراوز، وإلسا سيسيليا فروست، وفيرا ياموني، وماريا ديل كارمن روفيرا غاسبار الفلسفة الأكاديمية في المكسيك في منتصف القرن العشرين من خلال حلقات خوسيه غاوس (غارغالو 2015، مصادر أخرى على الإنترنت)، ومن أبرز هؤلاء: فيرا ياموني (1917-2003) وماريا ديل كارمن روفيرا، اللتان أدركتا أهمية ممارسة الفلسفة من منظور أمريكي لاتيني مع التركيز على خصوصيات المرأة؛ ستطبق روفيرا هذه المنهجية على التاريخانية، وياموني على النزعة الإنسانية (Gargallo 2009: 423)، وتكتسب ياموني أهمية خاصة لأنَّ عمَلَها وموقعها في الأكاديمية أثَّرَ في أجيال عديدة من الفيلسوفات النسويات، لقد كانت مفكرة عابرة للحدود الوطنية وُلِدَت من أبوين لبنانيَّين في كوستاريكا، على الرغم من أنها قامت بمعظم دراستها وتدريسها وكتابتها في المكسيك، تتلمذت ياموني على يد غاوس، وخصَّصت جزءًا من مسيرتها الفكرية للاشتباك مع أعمال غاوس، ولا سيما نقده في كراهية النساء، كما خصصت وقتًا إضافيًّا لترجمة النصوص من الإنجليزية والعربية إلى الإسبانية، مما يعكس التزامها بتهيئة ظروف الوصول الفلسفي (Prada Ortiz 2013: 71)، غير أنها تُذكَر على وجه الخصوص كمفكرة نسوية من خلال عملها عن سافو وفيرجينيا وولف وسيمون دي بوفوار، بالإضافة إلى تحليلها النسوي لدور المرأة في تاريخ الفلسفة، وقد استكشفت كتاباتُها مفاهيم التماثل والاختلاف قبل فترة طويلة من تحوُّلِها إلى مرتع للتحليل الفلسفي النسوي في التسعينيَّات (Prada Ortiz 2013: 87)، إن تأثيرها كفيلسوفة نسوية عميق؛ إذ يُشار إليها كأول من أدخل الفلسفة النسوية إلى المكسيك من قبل تلميذتها غراسييلا هييرو التي أصبحت شخصية بارزة في الفلسفة النسوية في أمريكا اللاتينية في الثمانينيَّات والتسعينيَّات (Prada Ortiz 2013: 83).
انعكس التحول الاجتماعي في السبعينيَّات والثمانينيَّات على مجال الفلسفة، ومع بدء النساء في ترسيخ وجودهنَّ في الأوساط الأكاديمية، تطوَّرتْ أفكارهنَّ بشكل متزايد، وعلى أكتاف الأمهات الرمزيات وسياسات العصر، بدأت الفلسفة النسوية في أمريكا اللاتينية في الانتشار كنظام فكري متنوِّع اتخذ من التنظير النسوي شكلًا من أشكال السياسة، ومع ذلك، تنوَّعت نقاط الانطلاق للتحليل، فقد طورت غراسييلا هييرو، تلميذة ياموني، أخلاقيَّات نسوية مستنيرة بالنفعية التي استكشفت العلاقة الحميمة بين الأخلاق والسياسة التي تُركِّز على التحرر والمتعة، بالنسبة إلى هييرو، تتمحور السياسة النسائية حول تقديم مطالبات حول دور المرأة في مجتمعٍ تُفهم فيه حالة الأنوثة على أنها سمةٌ متغيِّرةٌ للحياة البشرية (Hierro 1990).
عملت هييرو، مثلها مثل ياموني والنساء اللاتي سبقْنَها؛ كأمٍّ فلسفية رمزية للكثيرين؛ حيث أثرت بشدة على جيلٍ من الباحثات النسويات.
أكدت إيلي بارترا، وهي إحدى تلميذات هييرو، أن النسوية هي تيار نظري مكرس للكشف عن معنى أن تكوني امرأة، بالنسبة لها، المشروع النسوي سياسي لأن النسوية فلسفة سياسية (Bartra 2001: 12).
وتؤكد ديانا هيلينا مافيا من الأرجنتين، المتأثرة ببارترا، أن النسوية هي موقف سياسي ونظرية نقدية تفسح المجال لمراجعة المُثُل السياسية (Rietti & Maffía 2005).
أما ماريا لويزا لويزا فيمينياس، وهي تكتب أيضًا من الأرجنتين، فتؤكِّد على وجود صلةٍ بين النسوية والسياسة، لكنها تعتبر أنَّ النسوية الأمريكية اللاتينية تتميَّز بتقديرها الفريد للتقاطعات بين الجندر والطبقة و(العرق/ الإثنية) والدين التي تشكل مجتمعةً شروط الوجود (فيمينياس 2007)، أما أورانيا أونغو مونتينيغرو من بنما فتعرف النسوية كنظريةٍ سياسيةٍ للمرأة تعكس العَلاقة بين المرأة والسياسة (Ungo Montenegro 2000).
وعلى الرُّغم من تباينهم في توصيفهم للعلاقة بين النسوية والسياسة، إلا أنَّ جميع هذه المواقف تشترك في فهمٍ عامٍّ مَفادُه أنَّ مناقشة النسوية الأمريكية اللاتينية فلسفيًّا تعني الانخراط في النظرية السياسية بطريقة توضِّح العلاقات المتنوعة والمعقدة بين النساء والنوع الاجتماعي والسياسة، هذه القائمة ليست شاملة بأي حال من الأحوال، ولا ينبغي نسيان شخصيات أخرى؛ مثل روزاريو كاستيلانوس من المكسيك وسيليا أموروس من إسبانيا؛ لأنهما أثَّرَتَا في المواقف التي طورها هؤلاء المفكرون.
وعلاوة على ذلك، قدمت فيلسوفات؛ مثل أوفيليا شوت، المولودة في كوبا وتكتب في الولايات المتحدة، إسهامات ملحوظة في مشهد الفلسفة النسوية في أمريكا اللاتينية، مذكرة القُرَّاء بأن التقليد النسوي يحتل جزءًا من تقليد أوسع للتحرر السياسي والنظري في أمريكا اللاتينية.
كل هؤلاء النساء تجرأن جميعًا على أن يكنَّ مفكرات في أوقات لم يكن يُسمع فيها عن امرأة أمريكية لاتينية في الفلسفة، وقد شكَّلْنَ أساسًا لشريعة من المفكرين الذين مهدوا الطريق لأصوات جديدة وناشئة.
لا يزال عمل أوفيليا شوت في الولايات المتحدة أحد أهم الإسهامات في الفلسفة النسوية في أمريكا اللاتينية لأنها مسؤولة عن خلق مساحات أكاديمية جسرت الأفكار عبر نصف الكرة الأرضية للجمهور الناطق باللغة الإنجليزية؛ في عام 1988 نشرت كتاب (الفلسفة والنسوية في أمريكا اللاتينية: وجهات نظر حول الجنس والثقافة) (Schutte 1988)، والذي يوفر إطارًا لفهم الخصوصية الاجتماعية والثقافية لظروف المرأة في أمريكا اللاتينية (Schutte 1988: 63).
في عام 1994، شاركت في تحرير عدد خاص في مجلة (هيباتيا) عن الفلسفة النسوية الإسبانية والأمريكية اللاتينية، ضم مقالات لسيليا أموروس، وماريا لويزا فيمينياس، وغراسييلا هييرو، وغريسيلدا غوتيريز كاستانييدا، ويُختتم العدد الخاص بقائمة بمراكز وبرامج الدراسات النسائية في أمريكا اللاتينية وإسبانيا حسب البلدان، وتضم الأرجنتين وكوبا وكوستاريكا والمكسيك وإسبانيا (Schutte 1994: 194).
بجمعه هذه الأصوات معًا، يشير شوت إلى ولادة النسويات الفلسفية في أمريكا اللاتينية من خلال الإشارة إلى التفسيرات الجديدة للفلسفة التي تسائل الروابط بين المعرفة والجندر والسلطة (Schutte 1994: 143)، ويعكس هذا العدد الخاص تأطير كتاب (الفلسفة النسوية في أمريكا اللاتينية وإسبانيا – 2007) الذي حررته إيمي أوليفر وماريا لويزا فيمينياس.
لا تزال الفلسفة النسوية في أمريكا اللاتينية وإسبانيا واحدة من أهم تجميعات الفلسفة النسوية في أمريكا اللاتينية باللغة الإنجليزية التي تضم مجموعة من الموضوعات بما في ذلك الأخلاق، والجندر، والتاريخ، والنظام الأبوي، والترجمة، والجنس.
من الناحية الجدلية، ترسي شوت الأساس الفلسفي لمنهجية فلسفية نسوية أمريكية لاتينية قوية على مدار مسيرتها المهنية، في كتابها (الفلسفة والنسوية في أمريكا اللاتينية: وجهات نظر حول الجندر والثقافة) (1988) تبدأ في تأطير الفلسفة النسوية في أمريكا اللاتينية كحقلٍ ينطلق من الوعي الجندري في سياق التمييز والاضطهاد مع إستراتيجيات بحثية محددة يمكنها أن تعالج وضْع النساء والفتيات في أمريكا اللاتينية على نحوٍ مناسبٍ (Schutte 1988: 65).
بناءً على هذه الرُّؤى، يتناول الفصل الأخير من كتابها (الهُويَّة الثقافية والتحرر الاجتماعي في الفكر الأمريكي اللاتيني- 1993) تحليل العلاقة بين الهُوِية الثقافية والنظرية النسوية والتحرُّر من خلال استكشاف السوابق التاريخية للنظرية النسوية في أمريكا اللاتينية، وإستراتيجيات البحث النسوية التعددية وخصوصية أمريكا اللاتينية في علاقتها بقضايا الجندر، بالإضافة إلى النماذج التقييمية والتشاركية التي تبني السياسات النسوية في المنطقة (Schutte 1993)، توضح رؤاها فيما يتعلَّق بخصوصية الحالة الأمريكية اللاتينية والجندرية تعقيدات السياق التي تولد شروط إمكانيات الفكر النسوي الأمريكي اللاتيني التي تتطلب التركيز على مواضيع العنف ضد المرأة، والمرأة والتنمية، والمرأة والعمل المنزلي التي تشير إلى الاستيلاء الأبوي على أجساد النساء وعملهنَّ من أجل إعادة الإنتاج الاجتماعي (Schutte 1993: 215).
في نهاية المطاف، تُنتج خصوصية السياق الجندري في أمريكا اللاتينية العلامات الموجهة للمنهج النظري النسوي الأمريكي اللاتيني: مفهوم نقدي للمعرفة، والربط بين النظرية والممارسة، والمشاريع التقدمية ومفاهيم الحرية والتحرر، والسياسات التحويلية للثقافة (Schutte 2011).
هنا يجب أن يكون التحوُّل تحريريًّا؛ من حيث أنه يحتاج إلى تجاوز امتيازات الاستعمار الأوروبي المركزي والحداثة الأنغو-أوروبية المركزية، والتحول هو تحَدٍّ مستمر يطلق العنان لوجهات نظر النساء الجنسية، ووجهات النظر المقموعة من قبل اتحادات السلطة الذكورية المهيمنة (Schutte 2011: 800).
وفي هذا السياق، شنَّت الأصوات المنشقة في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين نقدًا لإنهاء الاستعمار الذي أصبح سِمَةً من سمات الدراسات الفلسفية النسوية الأمريكية اللاتينية المعاصرة.
بتأثير من الإسهامات المحورية لماريا لوغونيس (2007، 2008)، عالجت الدراسات النسوية الأمريكية اللاتينية المعاصرة في مجال إنهاء الاستعمار النزعة المركزية الأوروبية، والأسس الاستعمارية، وإغفال الهُوِية في الفلسفة النسوية، كانت لوغونيس صوتًا أساسيًّا في تشكيل تقليد نسوي مناهض للاستعمار؛ حيث كانت أول باحثة تصوغ مفهوم استعمار الجندر.
في حديثها مع أبحاث البيروفية، أنيبال كيخانو (2000) أكَّدت أن نظام الجنس الحديث متجذرٌ في المشروع الاستعماري الذي يفرض نظامًا جنسيًّا ثنائيَّ الشكل، مؤطرًا من خلال المعيارية الغيرية.
واستكمالًا لـ(كيخانو)، تؤكد أن النظام الجندري الاستعماري/ الحديث تطلب تصنيف البشر وغير البشر واختراع التقسيمات العرقية للبشر، ومع ذلك، تضيف بشكل نقدي أن الجندر لعب دورًا مهمًّا في هذه العلاقات، وهي نقطة يغفلها كيخانو. ونتيجة لذلك، فإن وضع النساء البيض، الموجودات إلى جانب الرجال البيض المستعمرين، كان يعمل على رابطة مختلفة ملتزمة بإعادة إنتاج الإنسانية العنصرية. لم تشارك شعوب العالم المستعمَر في النظام الجندري الحديث قبل فرضه، ومغزى هذه الحجة هو أن الجندر والجنسانية متلازمان مع العرق ويتشكلان في المشروع الاستعماري الذي سعى إلى إخضاع الشعوب المستعمرة ومن خلاله، وبالتالي، فإن التنظير حول الجندر يستلزم إلقاء نظرة على موروثات الاستعمار الذي بنى إمكانيات العالم الحديث من خلال تصنيف الناس إلى إنسانية عنصرية وجندرية.
يُشكِّك هذا النقد في أيِّ فكرة عن الجنسانية المشتركة في الأنوثة لأنها تفشل في تفسير الاختلافات العرقية والطبقية التي تتقاطع مع تشكيلات الهُوِيات في الأمريكيتين.
من أبرز وأشمل النصوص التي تجمع أصوات أمريكا اللاتينية المناهضة للاستعمار كتاب Tejiendo de otro modo: النسوية والأسبستمولوجيا والأصوات المناهضة للاستعمار في أبي يالا (2014 ب)، الذي حرره (يودركيس إسبينوسا مينيوسو وديانا غوميز كوريال وكارينا أوتشوا مونيوز)، يقدم الكتاب مداخلة نقدية في نسويات أمريكا اللاتينية المعاصرة من مواقع وتجارِب متنوعة للنساء (Escobar 2014: 11)، متجذرًا في الممارسات المعرفية لإنهاء الاستعمار، يعيد الكتاب تصوُّر أمريكا اللاتينية كمصطلح (أبيا يالا) (السكان الأصليون في بنما وكولومبيا) لما أطلق عليه المستعمرون (أمريكا). ويترجم (أبيا يالا) إلى (أرض النضج الكامل) أو (أرض الدم الحيوي) ويتخذ الكتاب كنقطة انطلاق منهجية للتنظير لطرق المعرفة من خلال عدسة إنهاء الاستعمار. يتمسَّك المساهمون بالادِّعاء بأن إنهاء الاستعمار لا يمكن أن يحدث دون إزالة الأبوية. بعبارةٍ أخرى، يجب أن تتضمَّن مقاومة الرأسمالية والعنصرية ورُهاب المثلية وكل أشكال الهيمنة المرتبطة بنظامنا الاجتماعي الحديث إستراتيجيَّات إلغاء الأبوية (Escobar 2014: 11).
على هذا النحو، يسلِّط النص الضوء على أهمية تقاطع النسويات في أمريكا اللاتينية مع الفكر اللاستعماري، ويقدِّم مثالًا على الأصوات النقدية الجديدة الناشئة التي تُسهِم في النمو والانتشار.
وتنتج هذه المنحة بشكلٍ خاصٍّ علمَ أنسابٍ نسويٍّ أمريكي لاتيني ملتزم بإعطاء الأولوية لأصوات المهمَّشين أو المهمَّشات بشكل منهجي، وتكريم النسويات البيض المهيمنات من الطبقة العليا/ الوسطى، اللواتي فشَلْنَ في تفسير الاختلاف (Espinosa Miñoso et al. 2014a: 14)، وتشكل هذه الدراسة شهادةً إضافيةً على حقيقة عدم قدرة فئةٍ مهيمنةٍ واحدةٍ على حل مشكلة التوحيد (Espinosa Miñoso et al. 2014a: 20).
لا يقوم مشروع النسويات اللاستعمارية على تفضيل فئةٍ من التحليل على أخرى؛ على سبيل المثال: (العِرْق) على (الجندر)، بل يقترح نقدًا منهجيًّا يركز على الإطار المفاهيمي للنسويات الأمريكية اللاتينية المهيمنة، لافتًا الانتباه إلى الطُّرُق التي أعاد فيها هذا الإطار تكريس الطبقية والتمييز الجنسي والعنصرية والمعيارية الغيرية.
إن مشروع النسويات اللاستعمارية هو حركة في طور التشكل، لكن جوهره يسعى إلى جمع إنتاجات المفكرين والمثقفين والناشطات النسويات والنسويات المثليات والنساء المنحدرات من أصول أفريقية والشعوب الأصلية والمولَّدات الفقيرات والحليفات الملتزمات بالاستعادة التاريخية للنظرية والممارسة المناهضة للعنصرية من الموقع المعرفي لأبييا يالا (Espinosa Miñoso et al. 2014a: 32).
يمكن العثور على مثالين بارزين للنظرية النسوية لإنهاء الاستعمار في أعمال (سيلفيا ريفيرا كوسيكانكي، وريتا سيغاتو).
سيلفيا ريفيرا كوسيكانكي هي عالمة اجتماع ومؤرخة نسوية بوليفية، اشتهرت بتحليلها التاريخي النقدي لسوسيولوجيا الصورة، والتي ترى أنَّ الصور لديها القدرة على بناء سردياتٍ نقديةٍ قادرةٍ على إلغاء تأطير أشكالٍ مختلفةٍ من الاستعمار المعاصر (Rivera Cusicanqui 2010)؛ تولد الصور، أكثر من الكلمات، تراتبية النصي على المرئي الذي يأتي لإعطاء علامات الهُوية معنى، ومع ذلك، تخفي الكلمات المعنى، بينما يمكن للصور أن تكشف عن طبقات دفينة من المعنى الذي قد لا يتم النطق به.
إلى جانب غلبة النص وما يحمله من كونية استعمارية مفترضة يحملها النص، توجد عوالم أخرى من المعنى الذي يميزه مصطلح ch’ixi، الذي يصفه ريفيرا كوسيتشانكي بأنه ذلك الذي يتسم بالتبعيض من حيث أنه يخضع لفكرة الأيمارا التي تقول بأن الأشياء يمكن أن تكون وغير موجودة في الوقت نفسه، تكمن قوة غير المتمايز في كونه مقترنًا بالأضْدَاد (Rivera Cusicanqui 2010: 70)، في خطوةٍ نقديةٍ تحوليةٍ نقديةٍ مماثلة، تطور الأنثروبولوجية الأرجنتينية البرازيلية ريتا سيغاتو خطوط بحثها في مفترق الطرق بين نقد الاستعمار والأنثروبولوجيا المستجيبة (Segato 2022: 1). تجادل بأن المشروع الأنثروبولوجي يحتاج إلى أن يكون منفتحًا على أن يتمَّ استجوابه من خلال الاختلاف داخل (نحن) المجتمع الأخلاقي الذي يسمح للآخر بالحكم علينا وإخبارنا (من نحن؟) وما هو متوقع منا (Segato 2022: 3).
تفتح الأنثروبولوجيا المتجاوبة مع الاستعمار التي تطورها سيغاتو الباب أمام أسئلة حول طبيعة النظام الأبوي، ودور الدولة، والطرق الحميمة وغير المعلنة التي يتم فيها تشكيل العرق والطبقة الاجتماعية بشكل مشترك، والتي تم استكشافها جميعًا في كتاب (لا كريتيكا دي لا كولونياليداد أونشو إنسايوس) (2013) الذي تُرجم مؤخرًا إلى الإنجليزية في 2022.
وجدت التقاليد النسوية الأمريكية اللاتينية المناهضة للاستعمار حلفاء مؤثرين في التقاليد النسوية اللاتينية/ الجنسية في الولايات المتحدة، تبلورت النسوية اللاتينية/ الجنسية خلال الستينيَّات والسبعينيَّات كجزء من مجموعة واسعة من النضالات السياسية الساعية إلى تحقيق العدالة الجندرية والاجتماعية التي تأتي لتشكل مشهدًا واسعًا من النظريات.
إنَّ مصطلح (لاتينية/إكس) واسع النطاق، لكنه بعيد كل البعد عن التوحد، إذ يمكن أن يشمل مجموعة من الهويات؛ على سبيل المثال: (اللاتينيات من أصل أفريقي، والأفرو-لاتيني، والأفرو-كاريبي، والنيوريكيات، والشيكانا)، وهو يشمل بشكل رمزي ظروف الهُوِيَّة للهجرة والهجرة والشتات إلى الولايات المتحدة من بلدان أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.
على الرغم من أن النسوية اللاتينية/ الجنسية هي مجال واسع النطاق، إلا أنها تلتزم عمومًا بنظام فكري يحاول تفكيك أنظمة القمع المتشابكة، مما يعكس ظروف المناطق الحدودية والعرق/ الإثنية والجنس والجنسانية والهجرة والدين بطرق فريدة من نوعها، والأهم من ذلك أن النظرية النسوية اللاتينية/ الجنسية تولي اهتمامًا وثيقًا للتجربة المعيشية وقدمت إسهامات ملحوظة في نظريات الهُوِيَّة التي تتجاوز حدود الولايات المتحدة.
وهنا تبرز أهمية شخصيات؛ مثل (غلوريا أنزالدوا، وشيري موراغا، وإيما بيريز، وخوانيتا راموس، ونورما ألاركون، وشيلا ساندوفال، وماريانا أورتيغا، وأوفيليا شوت، وماريا لوغونيس)، وتجدر الإشارة إلى أنَّ أعمال أنزالدوا أثَّرت على تصور لوغونيس لاستعمار الجندر، الذي يقع في قلب النظرية النسوية لإنهاء الاستعمار في كلٍّ من أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة، على الرُّغم من أن النظريات مرتبطة دائمًا بمواقعها، إلا أنها تتنقل أيضًا بطرق تتطلب الانتباه إلى عمليات إعادة التعيين التي تمرُّ بها من خلال حركة المرور الخاصة بها، ولهذا السبب، دعَتْ بعض المفكرات النسويات اللاستعمارية إلى إيلاء اهتمامٍ أكبر لخصوصيَّات التغير التي قد تضع حدودًا للتطبيق النظري للأفكار (Mendoza 2014: 101)، ومؤخرًا، تستكشف مجموعة المقالات (نظريات الجسد) (2020) خصوصيات عيش التغير في الجسد بطرقٍ تربط بين التوجهات النسوية اللاتينية والأمريكية اللاتينية حول نقد إنهاء الاستعمار، ونظرية المقاومة والسياسات الائتلافية، ومن ثَمَّ، كان التقليد النسوي اللاتيني/ الجنسوي مؤثرًا في حدِّ ذاته ولا يزال يمهد طرقًا ائتلافية مع مفكرات أمريكا اللاتينية والكاريبي داخل الولايات المتحدة وخارجها.
4. خاتمة
إنَّ تاريخ الأفكار النسوية في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي واسع النطاق، ومع ذلك، لا يزال هذا التاريخ لا يحظى بالتقدير الكافي في المساحات الأكاديمية في أمريكا الشمالية وأوروبا، ومما يضاعف من إغفال النسوية في أمريكا اللاتينية أن معظم مصادرها الأساسية لا تزال غير مترجمة من الإسبانية، مما يجعل انتقال الأفكار صعبًا، بالنسبة للبعض، قد لا يكون عدم إمكانية الوصول اللغوي مشكلة لأنه يشير إلى الحاجة إلى مراكز معرفية لاستيعاب الاختلاف، وبالنسبة للبعض الآخر، فإنه يسلِّط الضوء فقط على الكم الهائل من العمل الذي لا يزال يتعيَّن القيام به، وفي كلتا الحالتين، فإن التقليد النسوي في أمريكا اللاتينية هو تقليدٌ يذكِّر قارئه من الناحية المنهجية بأن النظرية ترتكز دائمًا على الممارسة، وبالتالي، فإن وضع أفكار النساء وسعيهنَّ للتحول الاجتماعي في مركز النشاط الفلسفي والنظري يتطلب وضع أفكار النساء ودفعهنَّ للتحول الاجتماعي في سياقها.
وبالنسبة للممارسات الفلسفية على وجه التحديد، تذكِّرُنا نسوية أمريكا اللاتينية بأن النساء كنَّ يفكِّرْنَ منذ وقت أطول بكثيرٍ مما يُنسب إليهنَّ، وما على الفلاسفة سوى أن يبدؤوا بالسؤال: ما الذي كنَّ يفكِّرْنَ فيه؟
Rivera Berruz, Stephanie, “Latin American Feminism”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Summer 2023 Edition), Edward N. Zalta & Uri Nodelman (eds.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/sum2023/entries/feminism-latin-america/>.
المراجع
- Albert Batista, Celsa, 2003, Mujer y esclavitud en Santo Domingo, Dominican Republic: INDAASEL.
- Alvarez, Sonia E, 1998, “Feminismos Latinoamericanos”, Estudos Feministas, 6(2): 265–284.
- –––, 2014, “Introduction to the Project and the Volume/Enacting a Translocal Feminist Politics of Translation”, in Alvarez et al. 2014: 1–18. doi:10.1215/9780822376828-001
- Alvarez, Sonia E. and Kia Lilly Caldwell, 2016, “Promoting Feminist Amefricanidade: Bridging Black Feminist Cultures and Politics in the Americas”, Meridians, 14(1): v–xi. doi:10.2979/meridians.14.1.01
- Alvarez, Sonia E, Elisabeth Jay Friedman, Ericka Beckman, Maylei Blackwell, Norma Stoltz Chinchilla, Nathalie Lebon, Marysa Navarro, and Marcela Ríos Tobar, 2003, “Encountering Latin American and Caribbean Feminisms”, Signs: Journal of Women in Culture and Society, 28(2): 537–579. doi:10.1086/342589
- Alvarez, Sonia E., Claudia de Lima Costa, Vernoica Feliu, Rebecca Hester, Norma Klahn, and Millie Thayer (eds.), 2014, Translocalities/Translocalidades: Feminist Politics of Translation in the Latin/a Américas, Durham: Duke University Press. doi:10.1215/9780822376828
- Ángel, Albalucía, 1975 [2015], Estaba la pájara pinta sentada en el verde limón, Spain: Ediciones B Grupo Z.
- Anzaldúa, Gloria E., 1987, Borderlands/La Frontera: The New Mestiza, San Fransisco: Aunt Lute Books.
- Aspe, Virginia, 2018, Approaches to the Theory of Freedom in Sor Juana Inés de la Cruz, Mexico: Univesidad Panamericana.
- Bastian Duarte, A., 2012 “From the Margins of Latin American Feminism: Indigenous and Lesbian Feminisms”, Signs: Journal of Women in Culture and Society, 38 (1): 153–178.
- Carneiro, Sueli, 2005, “Noircir le féminisme” (Ennegrecer el feminismo), Jules Falquet (trans.), Nouvelles Questions Féministes, 24(2): 27–32. doi:10.3917/nqf.242.0027 (fr)
- Castellanos, Rosario, 1957, Balún canan. Mexico: Fondo de Cultura Económica.
- –––, 1975, El eterno feminino, Mexico: Fondo de Cultura Económica.
- –––, 2005, Sobre cultura feminina, Mexico: Fondo de Cultura Económica.
- Coba Liset and Gioconda Herrera, 2013, “Nuevas voces feministas en América Latina: ¿continuidades, rupturas, resistencias? Presentación del Dossier”, Íconos: Revista de Ciencias Sociales, 45: 17–23. doi:10.17141/iconos.45.2013.3103
- Connell, Raewyn, 2014, “Rethinking Gender from the South”, Feminist Studies, 40(3): 518–539.
- Curiel, Ochy, 2007, “Crítica poscolonial desde las prácticas políticas del feminismo antirracista”,Nómadas, (26): 92–101. [Curiel 2007 available online]
- –––, 2016, “Rethinking Radical Anti-Racist Feminist Politics in a Global Neoliberal Context”, Manuela Borzone and Alexander Ponomareff (trans.), Meridians, 14(2): 46–55. doi:10.2979/meridians.14.2.04
- Escobar, Arturo, 2014, “Prefacio”, in Espinosa Miñoso, Gómez Correal, and Ochoa Muñoz 2014b: 11–12.
- Espinosa Miñoso, Yuderkys, 2011, “The Feminism-Lesbianism Relationship in Latin America: A Necessary Link”, J. Flores, (trans.), in J. Corrales and M. Pecheny, The Politics of Sexuality in Latin America, Pittsburgh: University of Pittsburgh Press, pp. 401–405.
- –––, 2014, “Etnocentrismo y colonialidad en los feminismos latinoamericanos: complicidades y consolidación de las hegemonías feministas en el espacio transnacional”, in Espinosa Miñoso, Gómez Correal, and Ochoa Muñoz 2014b: 309–324.
- Espinosa Miñoso, Yuderkys, Diana Gómez Correal, and Karina Ochoa Muñoz, 2014a, “Introduccíon”, in Espinosa Miñoso, Gómez Correal, and Ochoa Muñoz 2014: 13–40.
- ––– (eds.), 2014b, Tejiendo de ‘otro modo’: feminismo, epistemología y apuestas decoloniales en ‘Abya Yala’, Colombia: Editorial Universidad del Cauca.
- Femenías, María Luisa, 2007 “Esbozo de un feminismo latinoamericano”, Estudos Feministas, 15(1): 11–25. doi:10.1590/S0104-026X2007000100002
- Femenías, María Luisa and Amy A. Oliver (eds.), 2007, Feminist Philosophy in Latin America and Spain, Amsterdam: Rodopi.
- Gargallo, Francesca, 2004, Las ideas feministas latinoamericanas, Mexico City: Universidad de la Ciudad de México.
- –––, 2009, “El feminismo filosófico”, in Enrique Dussel, Eduardo Mendieta, and Carmen Bohórquez, (eds.), El pensamiento filosófico latinoamericano, del Caribe y “latino” (1300–2000), Mexico City: Siglo XXI Editores, pp. 418–433.
- ––– (comp.), 2010, Antología del pensamiento feminista nuestroamericano, Venezuela: Biblioteca Ayacucho.
- 2010a, tomo 1 del anhelo a la emancipación
- 2010b, tomo 2 movimiento de liberación de las mujeres
- Gutiérrez, Mario, 2012, “Marta Acevedo: la marcha que ha durado décadas”, in 20 años por todas las mujeres, Mexico City: GIRE, pp. 42–45.
- Hierro, Graciela, 1990, Ética de la libertad, Mexico: Editorial Fuego Nuevo.
- –––, 2001, La ética del placer, Mexico: UNAM.
- Kirkwood, Julieta, 1986, Ser política en chile: Las feministas y los partidos, Santiago de Chile: FLASCO.
- Lamas, Marta (ed.), 1996, El género: la construcción cultural de la diferencia sexual, México City: PUEG.
- Lima Costa, Claudia de, 2014a, “Introduction to Debates about Translation: Lost (and Found?) in Translation: Feminisms in Hemispheric Dialogue”, in Alvarez et al. 2014: 19–36. doi:10.1215/9780822376828-002
- –––, 2014b, “Feminist Theories, Transnational Translations, and Cultural Mediations”, in Alvarez et al. 2014: 133–148. doi:10.1215/9780822376828-008
- Lugones, María, 2007, “Heterosexualism and the Colonial/Modern Gender System”, Hypatia, 22(1): 186–219. doi:10.1111/j.1527-2001.2007.tb01156.x
- –––, 2008, “Coloniality of Gender”, World and Knowledges Otherwise, 2(2): 1–17.
- Mendoza, Breny, 2014, “La epistemología del sur, la colonialidad del género y el feminismo latinoamericano”, in Espinosa Miñoso, Gómez Correal, and Ochoa Muñoz 2014b: 91–103.
- Merrim, Stephanie (ed.), 1999, Feminist Perspectives on Sor Juana Ines de la Cruz, Detroit: Wayne State University Press.
- Millán, Márgara, 2014, “Politics of Translation in Contemporary Mexican Feminism”, in Alvarez et al. 2014: 149–167. doi:10.1215/9780822376828-009
- Moreno, Marvel, 1980, Algo tan feo en la vida de una señora bien, Bogotá: Pluma.
- Ochoa, Enriqueta, 1987, Retorno de Electra, México: SEP-Diógenes, Colección Lecturas Mexicanas n. 72.
- Oliver, Amy, 2007, “Latin American Feminist Philosophy: Early Twentieth-Century Uruguay,” in M.L. Femenias and A. Oliver (eds), Feminist philosophy in Latin America and Spain, New York: Rodopi, pp. 31–41.
- Femenias and A. Oliver (eds), Feminist philosophy in Latin America and Spain, New York: Rodopi, pp. 31–39.
- Palacios, Antonia, 1949, Ana Isabel, una niña decente, Argentina: Ed. Losada.
- Palacios, Mariá Julia, 2007. “A Critical Examination of Women’s History,” in M.L. Femenias and A. Oliver (eds), Feminist philosophy in Latin America and Spain, New York: Rodopi, pp. 95–105.
- Pereda, Carlos, 2006, “Latin American Philosophy: Some Vices”, Journal of Speculative Philosophy, 20 (3): 192–203. doi:10.1353/jsp.2007.0007
- Pitts, Andrea, Mariana Ortega, and José Medina (eds)., 2020, Theories of the Flesh: Latinx and Latin American Feminisms, Transformation, and Resistance, New York: Oxford University Press.
- Bartra, Eli, 2001, “Neofeminism in Mexico”, Working Paper Series #33. Durham: Duke University Press.
- Prada Ortiz, Grace, 2013, El pensamiento filosófico desde las mujeres: Matilde Carranza, Vera Yamuni y Ana Alfaro, Costa Rica: EUNA.
- Quijano, Aníbal, 2000, “Coloniality of Power, Eurocentrism, and Latin America”, Nepantla, 1(3): 533–580.
- Ramos, Julio, (ed.), 1992, Amor y anarquía: Los escritos de Luisa Capetillo, Rio Piedras: Ediciones Huracán.
- Rietti, Sara and Diana Maffía, 2005, “Género, Ciencia y Ciudadanía”, Arbor, 181(716): 539–544. doi:10.3989/arbor.2005.i716.411
- Rivera Cusicanqui, Silvia., 2010. Ch’ixinakax utxiwa: Una reflexión sobre prácticas y discursos descolonizadores, Buenos Aires: Tinta Limon.
- Ruiz, Vicki L., 2016, “Class Acts: Latina Feminist Traditions, 1900–1930”, American Historical Review, 121(1): 1–16. doi:10.1093/ahr/121.1.1
- Saporta Sternbach, Nancy, Marysa Navarro-Aranguren, Patricia Chuchryk, and Sonia E. Alvarez, 1992, “Feminisms in Latin America: From Bogotá to San Bernando”, Signs: Journal of Women in Culture and Society, 17(2): 393–434. doi:10.1086/494735
- Schutte, Ofelia, 1988, “Philosophy and Feminism in Latin America: Perspectives on Gender Identity and Culture,” The Philosophical Forum, XX(1–2): 62–84.
- –––, 1993, Cultural Identity and Social Liberation in Latin American Thought, New York: SUNY Press.
- –––,1994, “Philosophical Feminism in Latin America and Spain: An Introduction,” Hypatia 9(1): 142–146.
- –––, 1998a, “Cultural Alterity: Cross-Cultural Communication and Feminist Theory in North-South Contexts”, Hypatia, 13(2): 53–72. doi:10.1111/j.1527-2001.1998.tb01225.x
- –––, 1998b, “Latin America”, in Alison M. Jaggar and Iris Marion Young (eds.), A Companion to Feminist Philosophy, Malden: Blackwell Publishing, p. 87–97.
- –––, 2011, “Engaging Latin American Feminisms Today: Methods, Theory, and Practice”, Hypatia, 26(4): 783–803. doi:10.1111/j.1527-2001.2011.01200.x
- Schutte, Ofelia and María Luisa Femenías, 2010, “Feminist Philosophy”, in Susan Nuccetelli, Ofelia Schutte, and Otávio Bueno (eds.), A Companion to Latin American Philosophy, Oxford: Wiley-Blackwell, pp. 397–411. doi:10.1002/9781444314847.ch28
- Segato, Rita, 2013, La critica de la colonialidad en ocho ensayos y una antropologia por demanda, Buenos Aires: Prometeo Libros.
- –––, 2022. R. McGlazer (Trans.), The Critique of Coloniality: Eight Essays, UK: Routledge.
- Ungo Montenegro, Urania Atenea, 2000, Para cambiar la vida: política y pensamiento del feminismo en América Latina, Panamá: Instituto de la Mujer, Universidad de Panamá.
- –––, 2002, Conocimiento, libertad y poder: Claves críticas en la teoría feminista, Instituto de la Mujer de la Universidad, Panamá.
- Valle Ferrer, Norma, 2006, Luisa Capetillo, pioneer Puerto Rican feminist, New York: Peter Lang Publishing.
- Vaz Ferreira, C., 1933, Sobre feminismo, Uruguay: Sociedad Amigos del Libro Rioplatense.
أدوات أكاديمية
How to cite this entry. Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society. Look up topics and thinkers related to this entry at the Internet Philosophy Ontology Project (InPhO). Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.
مصادر أخرى على الإنترنت
- Gargallo, Francesca, 2015, “Las filósofas mexicanas: que las hay, las hay”, blog post, July 3, 2015.
- Gargallo, Francesca, 2007, Feminismo latinoamericano, originally published in Revista Venezolana de Estudios de la Mujer, 12(28) (2007): 17–34.
- Maffía, Diana and Sara Rietti, 2000, “Género, ciencia y ciudadanía,” unpublished manuscript.
- GLEFAS: Grupo Latinoamericano de Estudios, Formación y Acción Feminista.
- Mujeres en Red (feminist newsletter in Spanish).
مداخل ذات صلة
autonomy: personal | colonialism | feminist philosophy, interventions: liberal feminism | feminist philosophy, topics: perspectives on class and work | feministphilosophy, topics: perspectives on race andracism | feminist philosophy, topics: perspectives on sex and gender | Latin American Philosophy | race
Acknowledgments
The research for this essay was supported (in part) by a Summer Stipend from the Research Center for the Humanities and Social Sciences (2017) at William Paterson University and the Woodrow Wilson Career Enhancement Fellowship (2017–2018). I would like to thank Andrea J. Pitts, Mariana Ortega, Adriana Novoa, and Jamilett Aguirre for their advice, encouragement, and support in the research process as well as the reviewers whose suggestions greatly helped the framing of the essay.

