مجلة حكمة
الفيلسوف والمدينة

الفيلسوف والمدينة: حوار بين “روجي – بول دروا “و “رافائيل أنتهوفن”

ترجمةعبد الوهاب البراهمي

“هل يمكن للفيلسوف أن ينقطع عن العالم ، أم عليه الاهتمام بحياة المدينة؟”

” نكون أحرارا في مدينة نعيش فيها وفق القانون أكثر من وجودنا في صحراء”(سبينوزا)

“الفيلسوف حارس للجهل لا حارس لمعسكر ما!

“ليس مشكل الفيلسوف ما يحدث في الرّاهن، بل  الحاضر، في متانته… إنّ ممارسة الفلسفة هو الانخراط في حياة المدينة والحديث عنها : إنه دوما فعل سياسي ….ولا يمكننا ممارسة السياسة إلا على حساب الحرية التي تمنحها الفلسفة ، وعلى حساب القدرة على التفكير ضدّ أنفسنا. “.  (ر. انتوهوفن)

*****

– مجلّة “لوبوان”:

  لو طلبا من أغلبية معاصرينا الحديث عن صورة الحكيم ، فلن يشيروا إلاّ إلى دايلي لاما … هل أن الفلاسفة لم يعودوا حكماء للمدينة؟

روجي بول دروا:

   ليس الأمر جديدا!  لقد انفصلت صورة الحكيم عن صورة الفيلسوف عندما ابتكر الإغريق فضاء عقلانيا خالصا ، بانتزاع الفضاء ، إن صح التعبير ، من الأسطورة والوحي. فمن قبل، يمكن أن نكون حكماء بالدربة أو “بنور” خاص مثل بوذا ، دون أن نكون مثقفين. كان اختراع الإغريق هو الربط بين الكمال والعقل. بأن نقول:” إذا ما أردت أن تكون حكيما وتبلغ هذا الكمال القديم الذي سمعت عنه ولم نعد نملكه، فابدأ إذن بتوجيه عقلك توجيها سليما واجعل حياتك تحت إمرته”. الحكيم هو على نحو ما الحنين الذي يسكن الفيلسوف. إذ أليست صورة كائن بلغ ، في النهاية ، كمالا، هي في جانب كبير منها تمثّلا، مثلا أعلى ننشده؟ تحدث الرواقيون عن ذلك بعدُ :  يمكن أن لا يصير أي إنسان حكيما. فالتمثّل اليوم معطّل، ولهذا السبب بالتأكيد لا نجد حكماء. ثمّ لا احد، على حد علمي ، يكرس ثمانية أو اثنا عشر ساعة في اليوم ليصبح حكيما… نحن نحلم ، نشتري كتبا للتنمية البشرية، لكن لا احد يمكنه أن يقول:” أعملُ كل الوقت لأصبح حكيما . وليس من اليقين الوصول إلى ذلك، لكنني أخاطر بحياتي من أجل ذلك.” ! إن تمثّل الحكيم بوصفه مثلا أعلى منشود قد تقوّض وتلوّث . ولم يبق منه سوى النزر اليسير، لكنه غير مؤثّر في المجتمع.

رافييل انتوهوفن:

نعم . تقليديا- وبالمناسبة كان أوّل درس نتلقاه في القسم النهائي – يقال بأن الفلسفة هي ” حب الحكمة “. لدى فيثاغورس ثم أفلاطون ، ومنهما ورثنا هذا التعريف ، وبأن الرغبة تعبير عن نقصان. إذا ما رغبنا في الحكمة بالنسبة إلى الإغريق ، – وهو حال الفيلسوف- فذاك لأنها تنقصنا بالضرورة! وهذه بالمناسبة، طريقة في الطرح من البداية، بانّ حبّ الحكمة هو حبّ مجنون. لابد أن نكون مجانين في معنى ما حتى نرغب في الحكمة..

لكن يمكننا أن نعتبر أن الفلسفة ليست حبّ الحكمة بل حكمة الحبّ. فمن أبيقور إلى كليمان روسي، مرورا بسبينوزا، فإنّ لوجهة النظر هذه من يمثّلها في القديم مثلما هو الحال في الأزمنة الحديثة. فبالنسبة إليهم هي إحباط وحنين إلى الحكمة أكثر من كونها تمرين حبّ ماقبلي للعالم. وفي رأيي ، لنا هنا شيء ما يوفّق بين صورة الحكيم وصورة الفيلسوف. والذي يسمح بعدم تمثّل الحكيم بما هو المالك لمعرفةٍ، للفيلسوف تواضع عدم طلبها .

المجلة:

ما هو القاسم المشترك بين الحكيم والفيلسوف؟ ألا يساعداننا كليهما، على حياة أفضل؟

– روجي – بول دروا: 

يتعلق هذا بوجهات النظر. يبدو لي ، أن الاهتمام بالفلسفة منذ عشرين سنة، مرتبط من جديد بانشغال وجوديّ. نطرح من جديد السؤال عن معرفة إمكانية صلاحية هذا التمرين الغريب للتفكير في الحياة اليومية. سؤال غاب بوضوح شديد . أذكر أن أساتذتي في الجامعة يؤكّدون بأنّ ” السعادة ليست مسألة فلسفية”. واليوم إزاء ما يحدث من إفراط ظهرت من جديد فكرة وجوب الاشتغال بالفلسفة من أجل العيش على نحو أفضل.

رافييل انتوهوفن:

نعم، هذا هو الدور العام الذي نسنده للفلسفة اليوم.- وهو سوء فهم في نظري. لست على يقين  بأنّ الفلسفة تساعد على عيش أفضل. ولست على يقين بأنّ الفلسفة التي هي طريقة في التعوّد على دُوار الوجود والاضطلاع بكلّ المفارقات، يمكن أن تكون أفضل طريقة لنعيش حياتنا! لا أعتقد أن الحقيقة هي أفضل من وهم مريح…وحينما أُسأل إذا ما كانت الفلسفة تساعد على حياة أفضل، أكون منزعجا. وأجيب بأنها فنّ العيش، لكنها ليست بالتأكيد أفضل أسلوب للعيش.

   – روجي – بول دروا: 

يمكن ترجمة عبارة ” صوفيا” sophia  بالحكمة ، لكن أيضا ” بالمعرفة ” savoir . وكون الكلمة ذاتها تعني لدى الإغريق حكمة ومعرفة ، فذاك يبيّن بوضوح أنه يوجد بالنسبة إليهم ، تقاطع وتماه بين أن أكون حكيما  وبين أن أكون عارفا… أما بالنسبة إلينا، فقد انفصلت العبارتان: أن تكون عالِما لا يساعد على أن تكون حكيما.

 – رافييل انتوهوفن:

نعم. ففكرة أفلاطون ” بأنّ لا أحد شرّير عن إرادة ” ولكن عن جهل  – أي أن فكرة معرفة شرٍّ ما قوية كفاية حتى تقصيه، وأنه يكفي معرفة شيء ما حتى نتصرّف وفق ما نعرف – هذه الفكرة في نظري هي مجرّد وهم. فالمدخّن كما هو حالي، لا تغيب عنه معرفة أن التدخين يسبّب مرض السرطان. ولكن هذا لا يمنعه من التدخين. فكيف أن نعطي لما أعرف القدرة حقّا على تغيير سلوكي؟ هذه مسألة لم تصل الفلسفة، بوجه ما، إلى حلّها.إن التفاؤل الأساسيّ للإغريق الذين يعتقدون أنه، حينما نعرف شيئا ، يحسّن ذلك حياتنا، يتوافق مع فلسفة الأنوار.  مع فكرة أنّ التقدم التقني يفضي إلى تقدّم أخلاقي. ففي ذلك العصر لم يتجرأ على القول بخلاف هذا، سوى فيلسوف واحد، ” صعلوك”، هو روسّو. وقد تأكّدت تنبؤات روسو، التي يعتبرها الجميع منغّصة للفرح، في القرن20 حينما فهمنا أنه بإمكاننا أن نكون تقنيين ممتازين و وحوشا بأتمّ معنى الكلمة.

– المجلّة : نسمّي اليوم فيلسوفا ، من يقدّم دروسا في الفلسفة . فالفيلسوف هو جامعي بمعجمية خاصّة ؟ ومن يخرج عن الصفّ يعتبر أحيانا بمثل ” فيلسوف يوم الأحد”….    

   – روجي – بول دروا:

صحيح  أن الفلاسفة أصبحوا في الأغلبية – موظفين، وأساتذة. لكنها حركة حديثة العهد  تعود بدايتها إلى نهاية القرن 18 مع كانط ، ثم مع هيجل، الأستاذ الكبير في برلين. لكننا نجد قبلهما ، في تاريخ الفلسفة  كثيرا من الفلاسفة ليس لهم أي شان بتدريس الفلسفة، مثل ديكارت. أن نُتَهَمَ بممارسة ” فلسفة يوم الأحد”؟ فهو اتهام يتصّل كما يبدو لي، بهذا التوتّر الحديث الذي يجعل الفلسفة تخصّصا جامعيا، لا يجب أن يكون مشروعا إلاّ إذا كان أكاديميّا. . لقد قال برجسون يوما :” لا توجد مسألة فلسفية كبرى لا يمكن أن التعبير عنها في لغة الحياة اليوميّة”. ليختلف بهذا مع النقد الموجّه لأولئك الذين يتكلمون عن الفلسفة بطريقة بسيطة. ومع التقدير الذي أكنّه للجامعة والأكاديمية- سأكون أوّل من يفكر بأن الفلسفة الجامعية هي أمر سيءّ – ليس لها احتكار الفكر ولا فكر الفلسفة ، ولا تملك لوحدها تعريف هذا التمرين ولا هذا التخصّص.

  – رافييل انتوهوفن:

لحصر الفلسفة في ” الجامعة ” فضائله ، إذ الفلسفة ” معرفة”. لكن، يوجد ” تكبّر أكاديمي أو جامعي” يختزل  الفيلسوف في أستاذ فلسفة، والفلسفة في تاريخ الفلسفة. لا يوجد، والحال هذه ، من يسخر من ” فيلسوف الأحد”، سوى الجامعيين ! ويوجد أيضا على نحو مفارقي الجمهور العريض. يتظاهر الجميع بالنظر إلى ” فيلسوف يوم الأحد” بأنه أحمق. منذ أن أصبحت الفلسفة موضة ، وبرزت صورة ذات أهمية في وسائل الإعلام، صورة ” الفيلسوف في الخدمةphilosophe de service” . وهي شكل مأساوي، إذ أن مهمّته مستحيلة. يطلب من ” فيلسوف الخدمة” أن يتظاهر بمعرفة أشياء، والحديث بلغة من يداه في العجين، وأن يتظاهر بأنه فيلسوف ، وأنه في معرفة مطلقة شيئا ما ، الخ. لكن، يجب عليه  في نفس الوقت، أن يفسّر ويعبّر باختصار وبوضوح ليبيّن أن الفلسفة تهتمّ بالمشاكل اليوميّة! إنّ ” فيلسوف الخدمة” هو من يحمّله المستمع مهمّة متناقضة.

– المجلّة: بالضبط، لماذا يلجأ المجتمع أكثر فأكثر إلى “فلاسفة الخدمة” ؟ هل يوافق ذلك حاجة جوهرية ، وبحثا عن المعنى؟

   – رافييل انتوهوفن:

لا. فلو استدعيت ” فيلسوف خدمة” لبرنامج منوّعات، فلن يضيف أيّ عمق ، بل شيئا من سكر المثلجات، وشيئا من طلاء فلسفي . ولن نحتفظ بما قاله، بل بالطريقة التي بها يتكلّم وكونه مدعوّ بوصفه فيلسوفا . إنّ لـ “فيلسوف الخدمة “خاصية تجميلية. إنه ” الفلسفة في دقيقة” ، ” لحظة تشغيل الرأس” . بعد ذلك نصنع أشياء أخرى.

   – روجي – بول دروا:

أتفق معك . لكن لست على يقين أن يجب أن نتباكى على  وجود ” فلاسفة الخدمة”.

   – رافييل انتوهوفن:

لكنّني لا أشتكي من ذلك.

    – روجي – بول دروا:

لأنّي عشت فترة نتكلّم فيها بالعكس عن الفلسفة بوصفها موجودا متضرّرا . فحينما شرعت في نشر مقالات في جريدة ” لوموند” ، بداية سنوات 1970 ، كانت التخصّصات الهامة هي علم النفس التحليلي والبنيوية والألسنية والاثنولوجيا وعلم الاجتماع ، الخ. وتبدو الفلسفة في نظر العلوم الإنسانية الأخرى مثل مُحْتَضِر، مع بعض حراس المقبرة. وإذن، فإنّ للموضة الجديدة الحالية فعلا سلبيةٌ تتمثل في صناعة فلاسفة للخدمة ، لكن تبدو لي هذه السلبية صغيرة بالنظر إلى واقع الرجوع إلى الفلسفة.

      – رافييل انتوهوفن:

أليس لكم انطباعا بوجود علاقة ، بالتحديد، بواقع أنه لم يعد يوجد حكماء؟ لقد أصبحت الفلسفة موضة. وبقدر ما تنتشر ممارسة الفلسفة، بقدر ما ينقص تجسيدها. من الصعب العثور على توازن  بين التعليم من جهة، أي نقل رغبة ودهشة وبين ضرورة جعل الفلسفة ممارسة حتى لا تزول…

– المجلّة : ولكن، لماذا يكون عدم زوال الفلسفة أمرا مهمّا ؟ لمَ تصلح الفلسفة؟

      – رافييل انتوهوفن:

حينما يطلب الناس الفلسفة، فإنهم يطلبون المعنى. بيد أن الفلسفة تنقل الشك ، لا المعنى.  وفي الجملة ، فإنّ ما نتلقّاه،  ليس بالمرّة ما نطلبه، لكن هنا بالضبط تأخذ الفلسفة كامل معناها.

         – روجي – بول دروا:

 نعم، ينتظر الناس غالبا من الفلسفة قواعدَ للحياة:” قل لي ما يجب فعله؟” لكن ، يجب آن يتّجه هذا الطلب إلى القساوسة أو إلى علماء النفس. فحينما تحلّ كارثة، لا نسمع في الراديو :” وقع إرسال فلاسفة إلى عين المكان”. ! ما يطالب به الفلاسفة هو التحوّل إلى ” مُرشدين” ، ومعلمي تفكير ، أو فنّ العيش …

       – رافييل انتوهوفن:              

إنه مطلب دائم…

      – روجي – بول دروا:

نعم، لكن يجب بالطبع الرفض. إذن ، لم يصلح، فيلسوف؟ ربّما أولا لتعقيد اللعبة. للتشجيع على أن نطرح على أنفسنا أسئلة ليس لنا رغبة في طرحها أو لم تخطر على بالنا. ولا يتعلّق الأمر بتقديم أجوبة، بل ببساطة بتحريك وزعزعة الأسئلة. يمسك الفيلسوف بدور ضروريّ، دور” ذاكرة بعيدة المدى ” للمدينة.  في عصر تطارد فيه أخبار الغد أخبار اليوم، وحيث يكون المهمّ هو الربع ساعة التي تأتي، وأسمّي ” ذاكرة بعيد المدى” تعامل الفيلسوف الحينيّ مع  المدى البعيد. فأفلاطون بالنسبة إليهم، معاصر، وأخ صغير، أو لست أدري من يكون أيضا …هذه زمنية لا يملكها عصرنا في مكان آخر. إنّ الفيلسوف في النهاية هو ” حارس الجهل” . في صلب مجتمع يعتقد فيه الجميع المعرفة، و حيث يتكاثر عدد الخبراء، يظل الفيلسوف من يقول :” بقدر ما تزداد معرفتنا ، يزداد إدراكنا لما نجهل “. ويبدو لي أن التذكير بأنّ معرفنا محدودة، وأنّ المعقولية ذات حدود وأننا باستمرار قبالة ألغاز أكثر منها معارف ، هي وظيفة حاسمة ، حيويّة في مجتمع اليوم. 

       – رافييل انتوهوفن:  

إنّ معرفة فيم يصلح الفيلسوف، مسألة يعود طرحها كثيرا. ويمكننا أن نجيب عنها بطرق مختلفة. بأنّ الفلسفة تصنع المواطنين. وبأن الفلسفة تسمح بالفهم قبل الحكم. وبأنها أي الفلسفة ، من هذا الجانب، تصنع السلم، حيثما يكون للأفراد ميلا إلى الإدانة. وبأن الفلسفة تضع آليات حيث اعتدنا رؤية ضحايا. إنّ الفلسفة، ولكلّ هذه الأسباب فهي نافعة جدّا. غير أن روجي بول على حقّ : المنفعة الأولى للفلسفة هي الإجابة عن سؤال بسؤال. فإذا ما سألت فيلسوف عمّا تصلح الفلسفة ، ثمّة إمكان أن يجيبك:” لم يصلح طرح مثل هذا السؤال، أو بأكثر دقّة ماذا يوجد خلف هذا السؤال؟”. ذلك أنّه بالنسبة إلى فيلسوف هذا سؤال يفترض مثلا بأنه، حينما نكون نافعين، فلا نصلح لشيء. أو أن الفلسفة تصلح لشيء ما لكننا نتساءل عما هو. وباختصار، فإنّ الفلسفة هي طريقة في الحفر في الأسئلة، وليست للإجابة عنها. فإذا ما أجبنا عنها كنّا على السطح.  أتفق مع فكرة الإزاحة عن المركز. وفيما يخصّ مسألة ” الذاكرة ذات المدى البعيد”، سأضيف بأنه ، حينما نقرأ نصا فلسفيا  قديم بعمر 2000 أو 2500 سنة ، نجد فيه غالبا بعض الصفحات تصف وضعية عشناها البارحة، مسألة طرحناها بالذات هذا الصباح . ونكتشف إذن شيئا خارقا : كوننا لا نملك أيّ أصالة ، وليس لنا شيئا متفرّدا.

      – روجي – بول دروا:

نعم هي خصوصية الخطاب الفلسفي بالنسبة إلى المسائل العلمية والجغرافية. لا تريد خرائطية الإغريق أن تقول لنا الشيء الكثير، بينما حينما ننغمس في حوار أفلاطوني أو في مقالة لأرسطو! فسيكون لنا انطباع بالقدرة على قراءتهما كما لو كانا بالأمس.

     – رافييل انتوهوفن:

لأنّ الفلسفة تطرح مسائل لاراهنة، لا أبدية ولكنها دوما دقيقة. وسيكون من العبث في هذا الخصوص الاعتقاد بانّ الفلسفة تُحْرِز تقدّما. لم نحرز تقدّما في الفلسفة منذ أفلاطون أو منذ أرسطو، وكانط الخ.

    – روجي – بول دروا:

سأدقّق أكثر هذه الفكرة.

   – رافييل انتوهوفن:

هل تعتقد أنّنا أحرزنا تقدّما في الفلسفة؟

   – روجي – بول دروا:

لا، ولكنّني أعتقد أن هناك مسائل تختفي. توجد مسائل مدرسية قروسطية، على سبيل المثال، لا تكلّمنا. يوجد أيضا جانب من التاريخية في الأحاسيس. ربما هو نيتشه يتحدّث معي ، لكن لست على يقين بأنّ ما يسمّيه أفلاطون حبّا أو كراهية أو ما يسمّيه أبيقور صداقة هو بالتحديد ما يمكن أن نشعر به.

  – رافييل انتوهوفن:

بالطبع تغيّرت الأزمان. لكن ليس تقدّما خطّيا مثل التقدم العلمي. فحيثما توجد موضوعية في العلم ، توجد في الفلسفة ممارسة. تقريبا مثل ممارسة الفنّانين . فبالنسبة إلى بروست ، يكون الفنان ” حافزا جديدا في كل مرّة”. إنّ القول الفلسفي هو دوما غير متوقّع لأنه يجدّد أسئلة دائمة.  أحب حقا  هذه الفكرة عن ” ذاكرة بعيدة المدى” التي ترافق فكرة ” حارس الجهل”. أن أكون فيلسوفا ، هو أن أقدر، حينما أدرّس الفلسفة، على أن أبيّن لمن لا أكلمه إلاّ في النهاية ، هو أنّنا لا نعلمه شيئا. وأنه يعرف بعدُ كلّ ما يتعلّم، لكنه لا يعرف أنه يعرفه. أن نولّده. وأن نبيّن له أنه يحمل في ذاته ” الذاكرة بعيدة المدى” لمهنة الإنسان، وأنه آخر القيّمين على تاريخٍ يسبقه. تذكّرنا الفلسفة بأنّنا ” ذاكرة بلا ذكريات” . وأنّ هناك مسائل تتجاوزنا، وتسبقنا. وحينما نكون حراس الجهل ، فإننا ننشغل بالشعور بالمعرفة ، بكلّ ما يتعلق بالاعتقاد، مثلما جاء في جملة نيتشه ” لابد من أن نلحق الضرر بالحمق”.  ؛ وفي صدى لسيوران الذي يقول:” لا يملك الاعتقاد إلاّ من لم يتعمّق في شيء”.

  – روجي – بول دروا:

سأضيف بأن الفيلسوف هو من يختبر الوجود.

   – رافييل انتوهوفن:

تماما.

    – روجي – بول دروا:

أو هو ، حتى نقيم مماثلة مع  اليوغا، مجموع مواقف: كونه يضع نفسه ، في وجوده، في هذا النظام للعلاقة بالنسبة إلى ذاته وإلى الآخرين. فيزياء التفكير. نشعر بذلك في الحين عندما نقرأ للفلاسفة. وبالخصوص حينما نقرأ لأولئك الذين يزعزعوننا ويصدموننا! من النافع القراءة لمفكّرين نحبّهم، لكن يجب أن نقرأ لأولئك الذين نقول عنهم:” كيف أمكن أن نفكّر في شيء كهذا؟” وبذل الجهد في التفكير مليّا في هذا الموقف الآخر، الذي لا نمارسه عفويا والذي لا يستجيب لتكويننا. ثمّ تحليل “إذا ما وضعت نفسي في هذا الموقف ، فما سأرى ، وماذا سأحسّ؟”.

   – رافييل انتوهوفن:

أخمّن في كلّ ما قلتَ قراءة معمّقة لكلّ الفلاسفة الذين يفكّرون في تحطيم الذات ، وفي الطابع اللّين والشفاف للهويّة. إنّ التجربة الفلسفية هي تجربة تحوّل. في المعنى الدقيق لصيرورة إلى الآخر. أفكّر ضدّ الآخر، واستمع لصوتٍ ليس صوتي. خذوا النص الأكثر حميمية لباسكال، “النصب التذكاري” ( التميمة”). فهو ليس مكوّنا سوى من شواهد من الإنجيل : النص الذي يعتبره الأكثر خصوصية بالنسبة إليه وأقربها إليه، هو نص ليس فيه جملة كتبها هو! ولا يهمّ إن تعلق الأمر بالإنجيل في هذه الحالة ، فهذا نموذج للاستعداد – لغياب الأفكار المسبقة وللبراءة الطفولية. إنّ البراءة ، اشتقاقيا ، هي أن نكون الصفحة البيضاء ، وأن نترك كتابة كلمات فينا ليست كلماتنا. هذا الاستعداد أو الإتاحة هي شرط الدوار الفلسفي.  لقد جعلني الدرس الذي تلقيته لأوّل مرّة عن كتاب “النصب التذكاري” لباسكال، أحسّ بأن الفلسفة يمكن أن تنفذ إلى قلوبنا، لا إلى العقل فحسب- وهي ما يكون له وقع حسن، بما أن باسكال هو الفيلسوف الذي فسّر بأنّ للقلب أسبابا لا يعرفها العقل ! لقد كان لي أستاذ رائع ، عزّز ثقتي في رغبتي في تعاطي الفلسفة.

   – روجي – بول دروا:

ربّما نجد هنا شيئا ما من حكمائنا في البداية. يوجد دائما، في الإطار المدرسي أو الجامعي علاقات إنساني بإنساني، معلّم بتلميذه. تمرّ الفلسفة عبر لقاءات مع أناس، وأقوال، وطرق في الكلام. يمكننا أن نذكر أيضا روسّو الذي يقول:” من أكون؟ إنّني قلبي”. يقدّم الفلاسفة أنفسهم بمثابة ضرب من الآلات النظرية ، البرهانية ، المحاطة بأدوات مفهومية ، لكنها في الغالب قٍناعا، رفضا لحقيقة أنه يوجد في البدء الانفعال، الصدمة والتأثّر وأشياء للتغيير ، للإيضاح. وما هو بديهي هو وجود نقطة مشتركة بينهم والقصاصين والشعراء والفنانين … غير أن الفلاسفة يصنعون منها شيئا آخر.

   – رافييل انتوهوفن:

تماما! لقد نسينا هذا البُعْد، بدايةَ ” حفيد رامو” لديدرو ” جاء فيها ” أفكاري هي دُمَاي”. توجد متعة التفكير، في اكتشافنا أفكارا لم نكن نملكها، في طريقة استعادة فكرة كانت لنا بعدُ. توجد بالطبع أيضا لحظات قلقٍ. ولن أذهب إلى حدّ القول بأن ّ جميع أعمال الفلاسفة لحظات متعة.

   – روجي – بول دروا:

أغلبها!

 إنّ ما أجده رائعا، في تعلّم الفلسفة، هو حينما نحصّل سيادة مُعجمية حتى لو كانت خفيفة . لحظةَ تكون كلُّ كلمة جديدة مفتاحا إضافيا… كما لو كنتَ تعرف قراءة الهيروغرافيا ولو قليلا: وما يبدو لك معجمية خاصة ، يصبح  واضحا قليلا ، مضيئا قليلا. توجد متعة عنيفة أحيانا ومؤلمة: توجد فلسفات جافّة من الصعب قراءتها لكن من المُبهج فهمها ، مثل فلسفة كانط.  

– المجلّة: هل يمكن للفيلسوف أن ينقطع عن العالم ، أم عليه التدخّل في حياة المدينة؟

   – روجي – بول دروا:

الانقطاع عن العالم ، هذا مستحيل، اللهم أن نرتمي في الإيتنا  Etna مثل امبيدوكليس. نحن لا ننقطع عن العالم . إنّ لاو- تسو Lao-Tseu باختفائه في الطبيعة  لا ييهرب ، بل يلتحق بما يبدو له العالم الحقيقيّ. يمكننا دائما الانقطاع عن مظاهر العالم ، لكن ليس الانقطاع التام. نظل دوما جزءا من العالم.

   – رافييل انتوهوفن:

ومسألة الفيلسوف حبيس برجه العاجي أو الفيلسوف الناسك؟

    – روجي – بول دروا:

يتحدّث أفلاطون عن ذلك صراحة في أمثولة الكهف : لن نسمح للفيلسوف بأن يظلّ في خارج الكهف متأمّلا عالم المثل ، تحت النور. عليه أن يعود من جديد إلى الآخرين في الكهف.

   – رافييل انتوهوفن:

وبرجوعه إلى الكهف  سيقع الفتك به!

    – روجي – بول دروا:

وهو ما يعني أنه يجب بالضرورة النزول من جديد في الشحم الوسخ ووضع اليد فيه.

    – رافييل انتوهوفن:

قال نيتشه ذلك في بداية ” هكذا حدث زارادشت”، ينزل الفيلسوف من هضبته. إنّ بداية زارادشت هي بداية انحطاطه. الفيلسوف هو الذي ينزل من جديد إلى الكهف، مخاطرا بحياته، بما أن ما سيقوله للبشر يعسر استيعابه، مما يحملهم على قطع رقبته. ليس الفيلسوف أبدا  في برج عاجي ، من حيث أنه ، وحتى لو وجد فيه، فهو متضامن مع. إن القطع مع شيء ما هو بمثل القطع مع شخص ما. فأنت متصل به بحكم القطيعة معه. فحينما نقطع مع ممارسات المدينة ، فنحن نعرّف بأننا في حال قطيعة مع هذه الممارسات، وبالتالي نظلّ في علاقة بها. وعلى العكس، إذا ما اندمجت في المدينة ، وإذا ما تبادلت الكلام مع الآخرين ، وإذا ما عشت فيها عضوا في مجموع ، فأنت تمنح نفسك وسائل الفهم بدل الحكم. ليست عزلة الفيلسوف قطيعة ، بل هي الانخراط في عالم يسمح بفهم آليات حتى لا نرتهن لها. هذا ما يؤكّده سبينوزا بقوله:” نكون أحرارا في مدينة نعيش فيها وفق القانون أكثر من وجودنا في صحراء“. إنّ الوجود في برج عاجي هو الارتهان إلى البشر الذين نودّ العيش دونهم. فبدل أن يخون الفيلسوف مهمّته السماوية في تفاهة اليومي، يمنح نفسه ببساطة الأدوات حتى لا تفصل الفلسفة عن العمل ..

– المجلّة : تتحدثون عن عمل . ولكن كيف للفيلسوف أن يساهم في حياة المدينة ؟ هل عليه ، كما تفعلان أنتما ، الكتابة في الصحف؟  

    – رافييل انتوهوفن:

يتعذّر فصل الفيلسوف عن عصره. فليس له إذن مبررا لعدم التفكير فيه. لكن حذار: إنّ هذا الموقف، الذي يحدث لي أن انساق إليه، ليس موقف الفيلسوف، وسرعان ما يصبح موقف السفسطائيّ. لابد من الحذر إذن. أنا جدّ مرتاب  في شأن الوضع المقرف المتمثل في ضبط خطابة توفّر أدوات الكلام في كلّ شيء، بتكثيف كاف للقول حتى نمنح للقارئ الشعور بأنه يفكّر. ليس مشكل الفيلسوف ما يحدث في الراهن. بل مشكله هو الحاضر، في متانته.

    – روجي – بول دروا:

سأكون أقلّ صرامة . إنّ الكتابة في الصحف تتعلق بالتأكيد بمستوى آخر. لكن إن وجد في مقال ما ، نزر قليلا من الأفكار، وتأملات فلسفية ومرجعيات فهذا لا يزعجني. لأنّني أعتقد أن وجود النزر قليل أفضل من عدمه. وأنه يبدو لي من النافع، في مجمل المشهد الصحفي ، وجود بعض العناصر المختلفة قليلا- واسمح لنفسي بأن أرجو أن يكون بعض من الفلاسفة كذلك.

  – رافييل انتوهوفن:

لم أقل بأن المحتوى الصحفي هو أقل جدارة من محتوى الفيلسوف. هناك مسافة علينا قطعها بالنسبة إلى التجربة. لنأخذ موقف ريمون آرون مثلا . لقد كان هذا الصحفي الكبير – صاحب أكثر من أربعة آلاف افتتاحية –  بلا نزاع، فيلسوفا. لقد كان هدفه، أن يكون ” مشاهدا ملتزما”، بعبارته ، أي أن لا ننسى انتمائنا إلى عصر، وكونه كان يهوديا ، وأن له هذا المسار الجامعي أو ذاك ، وباختصار أنه السيد ريمون آرون، والبحث انطلاقا من هذا عن الموضوعية.  

– المجلّة: لقد ذكرت الحكيمَ والمدرس والصحفيّ والكاتب والفنان . فماذا نقول عن الفيلسوف بوصفه” رجل سياسة”؟

  – روجي – بول دروا:

مستشار الأمراء ، هو المهرّج! من يفترض منه أن يقول للملك ما لا يقوله له لأحد.

  – رافييل انتوهوفن:

نعم ، والخطر، هو أن يصبح المهرّج متزلّفا…

– المجلّة : و” الفيلسوف – الملك”؟

  – رافييل انتوهوفن:

يوجد نص يدعو إلى ” الفيلسوف – الملك”، هو جمهورية أفلاطون.  لكنه نص يمكن أن نؤوله اليوم بوصفه تقريظا لحكومة الخبراء ، أي التكنوقراطية.

   – روجي – بول دروا:

لا بل حتى ، كما يقول كارل بوبر ، مدحا للكليّانية.

  – رافييل انتوهوفن:

نعم ، تماما. إذن ما من حاجة لأصير ملكا.  ومثلما قلت منذ قليل ، فإنّ ممارسة الفلسفة هو الانخراط في حياة المدينة والحديث عنها : إنه دوما فعل سياسي. لقد كان سقراط، الذي تهرّب كامل حياته من مسؤولياته المدنية، شخصية سياسيّة بامتياز. وحينما نمارس الفلسفة، فنحن متيقّظون لكلّ الحقائق التي نلتقي بها. بيد أن الانخراط في السياسة هو أن نصبح متحدّثا باسم حقيقة واحدة لا يمكننا ممارسة السياسة إلا على حساب الحرية التي تمنحها الفلسفة ، وعلى حساب القدرة على التفكير ضدّ أنفسنا. هل تتخيلون سياسيّا يفكّر ضدّ نفسه؟ مستحيل. فإذا تجادلنا  أنا وروجي بول ، فقد يحدث أن لا نتّفقا . وأن نقول لبعضنا ” أنت على حقّ”.  لكن لو كنتُ “أريات لاكييه و كان هو “آلان مادلان”، فمن المستحيل أن نقول ” أنت على حق”. ومع ذلك، فكلينا يزعم الحديث باسم العقل.

   – روجي – بول دروا:

هذا حقيقيّ. توجد طريقتان في تنزيل الفيلسوف ضمن المجال السياسي. فإمّا ، على صورة الوصف الذي قدمه سقراط عن نفسه ، أن نجعل منه ” ذبابة الخيل” ، حشرة تلدغ الشعب النائم ، فتوقظه وتلدغه وتضع اليقينيات الكاذبة موضع شكّ . ويبدو هذا العمل التظنّني كفعل تحريري . فهو يكوّن مواطنين. على هذا النحو كانت الفلسفة، سواء في الأقسام النهائية مثلما هو الحال في البلدان التي تحررت من أنظمة ديكتاتورية، تساهم في نشأة الفكر النقدي. ترأست سنة 1995 فريق بحث لليونسكو عن الموضوع :” الفلسفة والديمقراطية في العالم”. وكانت المفاجأة الكبرى، اكتشافي أنّ الفلسفة كانت في أوج انتشارها على الكرة الأرضية. يوجد في بلدان الأنظمة الماركسية السابقة وفي الديكتاتوريات العسكرية السابقة، مع ازدهار لحرية التعبير، ميل جديد إلى المسائل الفلسفية. يمكن للفلسفة إذن أن تكوّن فكرا نقديا حتى فيما وراء الأمم. ! ندرّس اليوم أرسطو أو ديكارت في بلدان لم تكن فيها لخمسين سنة قد ترجمت أعمالهما.

أما الطريقة الثانية في تنزيل الفلسفة ضمن المجال السياسي، هي ” الفيلسوف -الملك” . ذاك الذي، وانطلاقا من معرفة تدّعي الاكتمال ـ يقرّر الحُكْم. إنّ الأفلاطوني الصادم بالنسبة إليّ هو لينين القائل:” إنّ نظرية ماركس هي الأقدر لأنها حقيقيّة”. وباسم علم – هو هنا قوانين التاريخ التي اكتشفها ماركس- سنحكم ممتلكين للحقيقة.

  – رافييل انتوهوفن:

نعم، إنّ فكرة كون الفلسفة مالكة للحقيقة هي فكرة خطيرة. أن يكون الفيلسوف ” مفكّكا” للمعارف المكتسبة فذاك يمنعه بالتحديد عن الزعم السعي إلى ممارسة السلطة.

  – روجي – بول دروا:

الفيلسوف حارس للجهل ،أي  نعم . لكن أن يكون حارسا لمعسكر فلا!

  – رافييل انتوهوفن:

هو من قال ذلك!

دوّن الحوار ” كارولين راكابيه”

مجلة ” لوبوان” عدد :2 : جويلية / سبتمبر 2010.ستاذ الفلسفة