مجلة حكمة
التصوف التصوف: في أربع مقاربات فلسفية

التصوف: في أربع مقاربات فلسفية

الكاتبأسامة غالي

توطئة

لم يكن التصوّفُ بمنأى عن نظر الفلاسفةِ، فقد قاربوا مفهومه وتجلياته، ونظروا في مرجعياته، وأفادوا منه في تشيدِ آراء، ومناهج، ومقولات، وإذا ما قُصدَ إلى هذه المقاربات الفلسفيّة، تُلفى أربع مقاربات رئيسة، اتفق أنْ تكون في لحظةِ ازدهار التصوّف، وشيعوعته في الثقافةِ الإسلاميّة، وهي: مقاربةُ ابن سينا، وأبي ريحان البيروني، وأبي حامد الغزالي، والسهروردي المقتول.

1ـ مقاربة ابن سينا

كان ابن سينا من أوائل العقلانيين ـ في الثقافة الإسلامية ـ الذين عنوا بالتصوّف عنايةً خاصةً، ولم يتخذوا موقفاً سلبياً، فقدّمَ مقاربةً جديدةً بإجراء مختلف. حتّى صار إلى المفهوم وتجلياته ومصاديقه، فكانَ أن ميّزَ التصوّفَ بالتجرّد. وقد مثّلَ (التجرّد) تمثلاً قريباً إلى مرجعيته الفلسفية في التباين الذاتي بين البدن والنفس. قال: “إن للعارفين مقامات ودرجات يخصّون بها وهم في حياتهم الدنيا دون غيرهم. فكأنهم وهم في جلابيب من أبدانهم قد نضوها وتجردوا عنها إلى عالم القدس”([1]).

وإذ قرّر أن للصوفيّة العارفين مقامات ودرجات يختصون بها، فرّق ابن سينا ـ أيضاً ـ بينَ (الزاهد والعابد والعارف) تفريقاً عقلياً مداره أربعة: (الإعراض والإقبال والتبري والتولي)، فماز العابد من الزاهد بالإقبال على الآخرة، والزاهد من العابد بالإعراض عن الدنيا، والصوفيّ العارف بالتبري عن السوى، والتولي، أي القرب، إلى الحق، ونوه إلى جهةِ الاجتماع في مصداقٍ واحد. قال ابن سينا: “المعرض عن متاع الدنيا وطيباتها يخص باسم الزاهد، والمواظب على فعل العبادات من القيام والصيام ونحوهما يخص باسم العابد، والمتصرف بفكره إلى قدس الجبروت مستديماً لشروق نور الحق في سره يخص باسم العارف. وقد يتركب بعض هذه مع بعض”([2]).

يرفض ابن سينا أن تُخلط تجليات المفهوم بالمصاديق، وأن يُتوسع بالخاص. قال: “الزهد عند غير العارف معاملةٌ ما كأنّه يشترى بمتاع الدنيا متاع الآخرة، وعند العارف تنزّهٌ ما عمّا يشغل سرّه عن الحق، وتكبّر على كلّ شيء غير الحق. والعبادة عند غير العارف معاملةٌ ما كأنّه يعمل في الدنيا لأُجرة يأخذها في الآخرة هي الأجر والثواب.”([3]).

هكذا شرعَ في الدرجات والمقامات([4])، والمبادئ والغاية، وما يصدر عن الصوفيّ من (خوارق الاعتياد)، وهو ـ في كلّ هذا ـ يقصد إلى كمال النفس في القوة العملية([5])، وكان المنحى في إطار مقولات التصوّف العامة، ولم تكن العناية بالشخصيةِ منها، أي ما يصدر عن الصوفيّ من وجدانيات؛ لأنها لا تقع مبادئ برهان. والأمر الآخر أن ابن سينا،  عرض المقولات بمعزلٍ عمّا تفضي إليه من نتائج؛ لأن اختبار النتائج النظرية، كالاستناد إلى الكشف المعنوي، يرجع إلى الإجراء البرهاني.

اتجه ابن سينا ـ من هذه الناحية ـ إلى الإقناع في المنهج الخطابي، و حين يتجه بصناعةٍ من الصناعات الخمس، فإنه لا يريد تلفيقاً للمناهج، أو تحولاً بالفلسفة إلى جدلٍ وخطابةٍ، وإنما هي القضايا حين تكون مبادئ صناعةٍ أخرى، كالمتخيلات في صناعة الشعر. هذا ما اشتغل عليه أرسطو في كتابه فن الشعر، فدرس في ضوئه نماذج الأدب اليوناني شعراً ومسرحية.

إنّ عناية ابن سينا بالتصوّف، وقضاياه الميتافيزيقية، لا تصيره متكلماً، أو عقلاً مستقيلاً، كما ذهب محمد عابد الجابري([6])، إذ المنهج البرهاني لا يجري في الإثبات فقط، بل في النفي أيضاً. ومن هنا، إذا لم يتفق برهانٌ على إثبات المحمول للموضوعِ، أو نفيه، فإنّ القضية تبقى في حيز الإمكان. وقد كان ابن سينا في هذا النهج عقلياً بعيد الشأو، ولهذا نصح  في آخر (مقامات العارفين) بالقول:

 "إياك أن تكون تكيسك وتبرّؤك عن العامة هو أن تبرّى منكراً لكل شيء فذلك طيش وعجز، وليس الخرق في تكذيبك ما لم يستبن لك بعد جلّيته دون الخرق في تصديقك ما لم تقم بين يديك بيّنة، بل عليك الاعتصام بحبل التوقف وإن أزعجك استنكار ما يوعاه سمعك مالم تتبرهن استحالته لك. فالصواب أن تسرح أمثال ذلك إلى بقعة الإمكان ما لم يذرك عنه قائم البرهان.."([7]).

ينجم مما مرّ، أن ابن سينا حاولَ أن يضعَ التصوّف في مسارٍ موازٍ للبرهان، وأن لا تخُلط القضايا، وأن يعرّف بالتصوّف تعريفاً منطقياً بناءً على جواز الحركة في المقولات العرضية الأربع؛ لأنَ استكمال القوتين، النظرية والعملية، حركة في مقولة الكيف النفساني، وينتج، عن هذه الحركة، اتصالُ النفس بالعقل الفعّال. والاتصال، في منظور ابن سينا، استفاضة لا اتحاد كما تأوله الجابري([8]). لأن ابن سينا يمنع (اتحاد العاقل والمعقول). قال: “نحن إذا رأينا شيئاً في المنام فإنما نعقله أولاً ثم نتخيله، وسببه أن العقل الفعّال يفيض على عقولنا ذلك المعقول ثم يفيض عنه إلى تخيلنا.”([9]).  وإذا كان “يستعمل المصطلحات الصوفية، فيذكر الإرادة والمريد والزهد والعابد والعارف، والعبادة والتجلي،…إلا انه لا يفهمها كما فهمها الصوفيون، وانما يسقط عليها مفاهيمه الفلسفية، ويعقلنها ليظل أميناً لنهجه العقلي ونزعته الفلسفية.”([10])

ليس النصح إذاً، نصحاً وعظياً، وإنما قصدَ ابن سينا توكيد التفرقة بينَ مسارين. قال: “جلّ جناب الحق عن أن يكون شريعة لكل وارد، أو يطلع عليه إلا واحد بعد واحد. ولذلك فإن ما يشتمل عليه هذا الفن ضحكة للمغفل عبرة للمحصّل. فمن سمعه فاشمأز عنه فليتهم نفسه لعلّها لا تناسبه. وكلّ ميسّر لما خلق له”([11]).

2ـ مقاربة البيروني

إذا كانَ الصوفيّة ـ في القرن الرابع ـ قد توسلوا الأيديولوجيا في حيازة المفهوم، وأعادوا مصطلح التصوّف إلى مرجعيات دينيّة نصيّة، فإن أبا الرّيحان البيروني (ت 440هـ)، توسلَ طريقاً أخرى، وأعاد التصوّف، مصطلحاً ومفهوماً، إلى ثقافات مختلفة. قال البيروني:

“ومنهم من كان يرى الوجود الحقيقي لعلة الأولى فقط لاستغنائها بذاتها فيه وحاجة غيرها إليها وأنّ ما هو مفتقر في الوجود إلى غيره فوجوده كالخيال غير حق والحق هو الواحد الأول فقط، وهذا رأي السوفيّة وهم الحكماء فإن (سوف) باليونانية الحكمة وبها سمى الفيلسوف (بيلاسوبا) أي محب الحكمة ولما ذهب في الإسلام قوم إلى قريب من رأيهم سمّوا باسمهم ولم يعرف اللقب بعضهم فنسبهم للتوكل إلى (الصُفّة) وأنهم أصحابها في عصر النبي، ثم صحّف بعد ذلك فصيّر من صوف التيوس”([12]).

وليس بعيداً أن يكون إغفال هذه الصلة في المدوّنة الصوفيّة راجعاً إلى ما ينجم عنها من لوازم القول بالتأثر الخارجي، لاسيما أنّ التجربة في التصوّف تتقاطع مع مساعي النظر الفكريّ. قال الجنيد (297هـ): “ما أخذنا التصوف عن القيل والقال، لكن عن الجوع، وترك الدنيا، وقطع المألوفات والمستحسنات؛ لأن التصوّف هو صفاء المعاملة مع الله”([13]). وإذا ما أُضيف إليها قضية (الإسناد) المتصل بالنبوة الذي قرّ عندهم مسلماً؛ يبلغُ الأمر الوضوح.

لا يُعدم أن مستنداً ما استند إليه البيروني، فقال بهذه الصلة، كأن يكون تداولاً نخبوياً في لحظةٍ ما، لم يكن له حظ من الشياع والشهرة. هذا وإن البيروني لم يكن بعيداً عن لحظةٍ مهمة من لحظات التصوّف، أي القرنين الرابع والخامس الهجريين، وقد كان على اطلاع غزير ومسعى تحقيق، وقد تنقل بينَ بلاد متنوعة في الشرق، وكتبَ في ثقافات الأمم وتاريخ أفكارها.

ويُعدّ البيرونيّ أوّل من تلمّس هذه الصّلة بين التصوّف والأصل القديم، الذي انبجس منه. وما كان ذلك لولا اطلاعٌ على الفلسفات في عصره، ولاسيما الأفلاطونية الجديدة، ولولا تنقله في بلاد مختلفة كالهند، التي حقق مالها (من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة). فهذا أعان على إضاءة (الأبستمولوجيا) الصوفية ([14]).

لا يُعدم التقارب بين التصوّف وما شاع في الحاضنات المعرفية الأخرى، غير أن الأفكار التي تناولها البيروني قد نجمت في القرنين الثالث والرابع، أي في لحظة التثاقف العربي الإسلامي، ولم يكن التصوف بمنأى عنه. والتأثر هنا نال التفكير الصوفي، لا التجربة نفسها، لأنّ التفكير قد يتوسل خزيناً ثقافياً أو أيديولوجية ما. وهذا ما اتفق لتصوّف المعتزلة والأشاعرة، إذ خلطوا التجربة بالعقائد. و البيروني قد تأوّل جملةً من الأفكار كالحلول و قاربها بقضية التناسخ في الثقافة الهندية، أو المعرفة (الحدسية) و قاربها بنظرية (التذكر والنسيان) الأفلاطونية.

 أمّا اللحظات الأولى في التصوّف، فلا “يمكن التمسك بالافتراضات التي تذهب الى اقتباس المسلمين التصوف عن أصول أجنبية، إذ إنه منذ بداية الإسلام أحس نفر من المؤمنين المتحمسين بالدافع إلى التأمل في القرآن عن طريق المداومة على تلاوته أو “التعمق” Interiorize في روحه إذا صح هذا التعبير”([15]).

3ـ مقاربة الغزالي

بعد أن زاول الغزالي (ت٥٠٥هـ) العلوم العقلية، عادَ إلى حيرة الشكّ، وانتهى إلى التصوّف، وكانَ قد وجدَ ـ في منظوره ـ ما يغني عمّا درسه ودرّسه، فاختار عزلةً بعيدةً، وانشغل بأوراد الذكر، وعنايةِ التوجه، حتّى ظفرَ بالكشف. وقامَ بمحاجةٍ تحرز للتصوّف مكانةً لدى أصحاب السلطة، والقضاء على المشكلات والظنون المسبقة عند الفقهاء والمتكلمين([16])، فكانَ أن كتبَ المنقذ من الضّلال سيرةً في التحول، وإحياء علوم الدين منهاجاً في الطريق، والتهافت نقداً للفلاسفة، ومشكاة الأنوار تنويعاً على وحدة الشهود، وكتباً ورسائلَ أخرى كالمقصد الأسنى.

توّزعت مظانّ التصوّف عند الغزالي، وفي كلّ إجراء مختلفٌ، غير أن القصدَ، ههنا، إلى مفهوم التصوّف، وهذا ما يوفره كتابان: (المنقذ من الضلال)، و(مشكاة الأنوار).

توسلَ الغزالي في (المنقذ من الضلال) التجربة الجوانية في التصوّف، أي التجربة السلوكية، ووقفَ على الاختلاف الجوهري بين المناهج الأخرى، فكان أن قسمَها (أبستمولوجياً)، ووزّعها إلى أربع جماعات. قال:

"انحصرت أصناف الطالبين عندي في أربع فرق: 1ـ المتكلمون: وهم يدعون أنهم أهل الرأي والنظر. 2ـ الباطنية: وهم يزعمون أنهم أصحاب التعليم والمخصوصون بالاقتباس من الإمام المعصوم. 3ـ الفلاسفة: وهم يزعمون أنهم أهل المنطق والبرهان. 4ـ الصوفية: وهم يدعون أنهم خواص الحضرة وأهل المشاهدة والمكاشفة."([17])

هكذا مازَ التصوّفَ بالمعرفة الشهودية، ووضعه إزاء ثلاثة مناهج رئيسة في الفكر الإسلامي: الجدل/ علم الكلام. الاتباع الباطني/ الشيعة الإسماعيلية. البرهان/ الفلسفة. ثم انتصر للتصوّف على نحو القطيعة. ورأى أن التجربة في التصوف الطريق المستقيمة لدرك الوجود. وبهذا كان المفهوم، عند الغزالي، أوضح مما قرّ في المدوّنة. وإن كانَ قد اعادَ الصلة بما هو نصي: (الكتاب والسنة)، على الطريقة الأشعرية، غير أنها صلة بنسقٍ، وهذا ما جعله يتأول (الشطح) عند أبي يزيد البسطامي والحلاج.

لم يكتفِ الغزالي بتوسل التجربة في إقامة المفهوم، بل مضى نحو الإجراء في كتابه (مشكاة الأنوار)، فعممَ النور بنوع استعارةٍ، بناء على الآية: ﴿اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾([18]). ولما كانَ النور ينقسم إلى الظاهر بذاته والمُظهر لغيره، فإنّ الوجود، الذي هو مصداقه، “ينقسم إلى ما للشيء من ذاته وإلى ما له من غيره وما له الوجود من غيره فوجوده مستعار لا قوام له بنفسه، بل إذا اعتُبر ذاته من حيث ذاته فهو عدم محض. وإنما هو موجود من حيث نسبته إلى غيره، وذلك ليس بوجود حقيقي كما عرفت في مثال استعارة الثوب والغِنى. فالموجود الحق هو الله تعالى، كما أن النور الحق هو الله تعالى.”([19])

أعان هذا التقسيم على اجتراح صياغة أخرى لمفهوم التصوّف، غير أنه قد امتد عن آليات اشتغال عقليّة، ونتجت عنه ـ نظرياً ـ وحدة الشهود. قال الغزالي:

“العارفون – بعد العروج إلى سماء الحقيقة – اتفقوا على أنهم لم يروا في الوجود إلا الواحد الحق. لكن منهم من كان له هذه الحال عرفاناً علميّاً، ومنهم من صار له ذلك حالاً ذوقياً. وانتفت عنهم الكثرة بالكلية واستغرقوا بالفردانية المحضة واستوفيت فيها عقولهم فصاروا كالمبهوتين فيه ولم يبق فيهم متسع لا لذكر غير الله ولا لذكر أنفسهم أيضاً. فلم يكن عندهم إلا الله، فسكروا سكراً دفع دونه سلطان عقولهم، فقال أحدهم: (أنا الحق) وقال الآخر: (سبحاني ما أعظم شاني) وقال آخر: ( ما في الجبة إلا الله). وكلام العشّاق في حال السكر يطوى ولا يُحكى. فلما خفّ عنهم سكرهم وردوا إلى سلطان العقل الذي هو ميزان الله في أرضه، عرفوا أن ذالك لم يكن حقيقة الاتحاد بل شبه الاتحاد مثل قول العاشق في حال فرض عشقه: (أنا من أهوى ومن أهوى أنا).”([20])

ينتج مما مرّ أن التصوّف عند الغزالي ترقٍ ذاتي شهودي من الكثرة إلى الوحدة، وهو أشبه بتعريف أبي بكر الشبلي: “التصوف شرك لأنه صيانة القلب من رؤية الغير، ولا غير”([21]) ، وهذا ما اكتملت صياغته عند ابن عربي في نظرية (الأسفار)، غير أن الغزالي اقتصر في المفهوم على السفر الأول (من الخلق إلى الحق)، وهو مدار الشطح عند الصوفيّ قبل بلوغ السفر الثاني([22])

4ـ مقاربة السهروردي

إذا كان اشتغال الغزالي أدّى إلى قطيعةٍ ذاتية، فإن السهروردي لم يحدث قطيعة مع المناهج الأخرى، لا سيما البرهان، وإنما اجترح طريقاً تكاملياً، وهذا ما صرح به في حكمة الإشراق. قال السهروردي:

“الحكماء رجال اسرة واحدة وفروع شجرة مباركة، بما فيها من ثمار وخيرات فامبدوقل وفيثاغورس وأفلاطون وارسطو طاليس وبوذا وهرمس ومزدك وماني وان انتسبوا الى شعوب مختلفة هم ابناء الانسانية أولا، وبالذات رسل السلام والاصلاح.”([23]). ووزعَهم على طبقات: ” إحديها حكيم إلهي متوغل في التأله عديم البحث. وثانيتها حكيم بحّاث عديم التأله. وثالثتها حكيم إلهي متوغل في التأله والبحث. ورابعتها وخامستها حكيم إلهي متوغل في التأله متوسط في البحث أو ضعيفه… وأجود الطلبة طالب التألّه والبحث.”([24]). وقد انحازَ السهروردي إلى المعرفة. قال: “قد تتقدّم المعرفة على المحبة وقد تتقدّم المحبة على المعرفة. والمعرفة إذا كملت أفضت إلى المحبة والمحبة إذا تمت استدعت المعرفة. ولكن كثيراً من المحبين يتلذذون بالأنوار، ولا يعرفون حقائق العارفين. وقد شاهدت منهم جماعة. وما أحسن ما قال الجنيد: لا تضر زيادة العلم مع نقصان الوجد وانما تضر زيادة الوجد مع نقصان العلم.”([25]) .

هكذا استقام مفهوم التصوّف عند السهروردي، وقد كان عرفانياً في التجربة، و برهانياً في المنجز، إلا أنه توّسعَ في درك الحدّ (الماهية) بالمشاهدة. قال: “فمن أراد البحث وحده فعليه بطريقة المشائين، فأنها حسنة للبحث وحده محكمة. وليس لنا معه كلام ومباحثة في القواعد الإشراقية. بل الإشراقيون لا ينتظم أمرهم دون سوانح نورية. فان هذه القواعد ما تبتني على هذه الأنوار. حتى إن وقع لهم في الأصول شكّ يزول عنهم بالسلم [النفس] المخلّعة”([26]).


([1])  أبو علي حسين بن عبد الله  بن سينا، الإشارات والتنبيهات،  نشر البلاغة، إيران، ج3، ص 363.

([2])  ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، ج 3، ص 369.

([3])  ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، ج3، ص370.

([4]) الدرجة، في منظور ابن سينا، حال ضعيف، أو كيف نفساني غير فكري كمقولة الخوف، وإذا اشتد صار ملكةً، أي مقاماً. والاشتداد والضعف عند المشائين يقع في المقولات العرضية الأربع (الأين/ الكم/ الوضع/ الكيف). ويمتنعان في الجوهر.

([5])  للنفس قوتان: نظرية وعملية. ولما انتهى ابن سينا من مباحث القوة النظرية، نبه على استكمال القوة العملية في (مقامات العارفين). والاستكمال هو الحركة، والحركة هي الانتقال من القوة إلى الفعل في المقولات العرضية الأربع. فانتقال الفيلسوف من القوة إلى الفعل بالفكر، والعارف بالزهد والعبادة. وقد ذكر ابن سينا في كتاب التعليقات: ” النفس الإنسانية مُفتتة إلى قوتين: نظرية وعملية، والعملية تسمى قوة شوقية وهي تتفتت إلى قوى كثيرة هي المصرفة لجميعيها في البدن. وهذه القوة هي التي أمر بتزكيتها وتهيئتها لأن تكون لها ملكة فاضلة لئلا تجذب النفس عند المفارقة إلى مقتضى ما اكتسبته من الهيئات الرديئة.”. ابن سينا، التعليقات، مركز انتشارات، إيران، ص52.

([6]) محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية 2010م.ص 477.

([7])  ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، ج3، ص 418.

([8])  الجابري، بنية العقل العربي، ص 472.

([9])  ابن سينا، التعليقات، ص 96.

([10]) حسن عاصي، التفسير القرآني واللغة الصوفية في فلسفة ابن سينا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 1982م، ص 42.

([11])  ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، ج3، ص394.

([12])  أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني، تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، عالم الكتب، بيروت 1983م، ص27.

([13])  أبو عبد الرحمن السلمي، طبقات الصوفية (تح: نور الدين شريبه)، القاهرة، مكتبة الخانجي، 1986م.ص158.

([14]) البيروني، تحقيق ما للهند، ص 44، ص 59،ص 66.

([15])  شاخت وبوزورث، تراث الإسلام، (تر: حسين مؤنس وإحسان صدقي العمد)، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب  1988م.ج 2، ص 88.

([16])  شاخت ويوزورث، تراث الإسلام، ج 2، ص 104.

([17]) أبو حامد الغزالي، المنقذ من الضلال، جمعية البحث في القيم والفلسفة، الولايات المتحدة الامريكية، ص 172.

([18])النور،24/ 35.

([19]) أبو حامد الغزالي، مشكاة الأنوار (تح: أبو العلا عفيفي)، آفاق للنشر والتوزيع، القاهرة 2019م، ص77.

([20]) الغزالي، مشكاة الأنوار، ص 79.

([21])أبو الحسن علي بن عثمان الهجويري، كشف المحجوب (تر: إسعاد عبد الهادي قنديل)، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة 2007م. ج1 ، ص 234.

([22])  أول حركة في السلوكِ مغادرة منازل النفس، ثم يُطوى مقام القلب وهو مبدأ التجليات الأسمائية، فيتم السفر الأول. وقد فُسرَ بالسفرِ من الخلقِ إلى الحق، أو من الكثرة إلى الوحدة، وفي نهاية هذا السلوك يقع الشطح، لغلبة الوحدة وفناء الصوفي في الذات حال المحو، وهو مدار العشق والسكر، ويعود إليه ما روي عن أبي يزيد البسطامي: ( سبحاني ما أعظم شاني). وقد نسب إليه أنه أول من تفوه بمصطلح (الفناء) على رأي نيكلسون. وكذا ما قاله الحلاج: ( أنا من أهوى ومن أهوى أنا) . وهو منتمى كلّ تفوهات العشق والسكر والشطح. ثم إذا تجاوز الصوفيّ الفناء في الذات، مضى في السفر الثاني، ويُفسر بالسفر بالحق في الحق، أي التحقق بالصفات والاسماء الالهيتين، ويتم هذا السلوك في نهاية مقام الواحدية، ثم يسلكُ إلى مقام الأحدية في السفر الثالث، وهو ما يُفسر بالسفر من الحق إلى الخلق بالحق. ويقاربُ قرآنياً: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ النجم:53/ 8.9، ثم يتمُ سفره الرابع والأخير، ويُفسر بالسفر بالحق في الخلق. وإليه يعود مصطلح (البقاء بعد الفناء)، و(الفرق بعد الجمع).

([23])  قطب الدين الشيرازي، شرح حكمة الإشراق، انتشارات حكمت، إيران، ص32.

([24]) قطب الدين الشيرازي، شرح حكمة الإشراق، ص25.

([25])  شهاب الدين السهروردي، المؤلفات الفلسفية والصوفية، منشورات الجمل، بيروت 2014م، ص 169.

([26]) قطب الدين الشيرازي، شرح حكمة الإشراق، ص 29.