هيغل زماننا – جوديث بتلر عن أخلاقيات التواقف / ترجمة: فاطمة الشملان

هيغل زماننا – جوديث بتلر عن أخلاقيات التواقف / ترجمة: فاطمة الشملان

سيغدو التفكير بأن لهيغل ما يقوله عن حياتنا أمرا مستغربا. ولكن ماذا إذا أمكن لفيلسوف كتب في أوائل القرن التاسع عشر أن يسلط الضوء على أكثر واجباتنا الأساسية تجاه بعضنا والكوكب؟ يرينا في كتابه فيمونولوجيا الروح أننا لسنا مخلوقات متوحدة ببساطة، منفصلين عن بعضنا البعض، مع أنه يعلم جيدا أننا أحيانا نرى أنفسنا بتلك الطريقة بالضبط. ففي منظوره، الأفراد الواعين لذاتهم ليسوا متوحدين تماما البتة لأنه وفي جزء يعتمدون على بعضهم ولا يمكنهم الاستغناء عن الآخرين. غير أنه يخرج بمزعم إضافي: لا يمكنني أن أبدأ بتأمل ذاتي إلا ككائن اجتماعي. أي عبر مسار مقابلة الآخر تكمن فرصتي في وعي الذات.

“متى ما وصلنا إلى معرفة ذاتنا، قبضنا على السبيل الذي نغدو به مرتبطين جوهريا بالآخرين.”

يستحضر هيغل لنا مشهدا دراماتيكيا حيث يسعى فرد ما إلى تدمير آخر، ومن ثَم في مشهد ممتد يسعى فرد ما إلى هيمنة الآخر. وينتهي الأمر بأن لا التدمير ولا الهيمنة ناجعان. أحد أسباب فشلهما أن سبل فعلهما تسعى إلى جحد كل من التواقف الاجتماعي والالتزام الأخلاقي المتبادل. تبين لو بالإمكان تدمير الآخر فبالإمكان تدمير الأول، وبهذا المعنى أقدارهم مترابطة، وأن خطة التدمير تعرضهما كلاهما للخطر لا محالة. غير أن ثمة إشكالية في معرفة الذات هنا كذلك: لا يمكن للمرء أن يملك معرفة يقينية عن الذات دون أن يتعرف عليه الآخر. لذا إذا اعتقدنا أنه يمكننا معرفة ذواتنا عبر الانطواء وبعيدا عن العالم الاجتماعي فإننا مخطئون، إذ عبر سياق العالم الاجتماعي فقط من الممكن اكتساب التقين عن ذات المرء. فخلال كوننا أحياء واجتماعيين فقط نملك فرصة معرفة ذواتنا، ومتى ما وصلنا إلى معرفة ذاتنا، قبضنا على السبيل الذي نغدو به مرتبطين جوهريا بالآخرين والظروف الحسية لوجودنا: الأرض كشبكة لصيرورة العيش.

ثمة درس أخلاقي لتعلمه أيضا عبر هذه المقابلة، أي وتحديدا، حياتي ليست حياتي وحدي أبدا، بما أنها تنتمي أ) لصيرورة عيش تتجاوزني وتضمني، وإلى ب) حيوات أخرى، كل الآخرين بهيئاتهم الحيوية والواعية كما هي. وهذا يعني لا يمكنني تدمير حياة الآخر دون مهاجمة مجموعة من الصيرورة الحية التي أنا جزء منها. أي بمعنى، عبر تدمير حياة الآخر، أدمر حياتي، هذا ليس القول بأني الفاعل الوحيد في المشهد. بل القول بأنه لا سبيل لي ككائن حي أن أُفرد نفسي عن الكائنات الحية. يمكن للمرء أن يقول، وقد حاولت، أنه يمكن لفكرة العيش التحالفي أن تكون حجة ممكنة لعدم العنف والمنبثقة من نص هيغل.

“لا يمكنني الهيمنة على الآخر دون أن أفقد بوصلة المساواة الاجتماعية التي تُعرِّف مثاليا كلانا.”

لا تظهر الروابط الاجتماعية التي تعّرفنا أول مرة إلا عبر تنحية العنف كخيار متاح. ينبثق العنف كاحتمالية فاصلة، غير أن الإقرار بأن العنف لن يجدي هو ما يدشن حسا من اللزوم الأخلاقي لإيجاد طريقة للحفاظ على ذات المرء والآخرين أحياء، بغض النظر عن الخلاف بيننا. يأخذ هيغل بالاعتبار العلاقات الغاضبة والمدمرة على أنها خديعة الهيمنة الاجتماعية القاتلة. يتفهم فورة الفرد الذي لا يريد لأحد أن يكون مثله أو مساويا له. بيد أنه يرشدنا إلى إدراك أني لا يمكنني تصفية الآخر دون أن أفقد بوصلة المساواة الاجتماعية التي تُعرِّف مثاليا كلا منا. في الوقت الذي يُصرف عن تدمير أو هيمنة الآخر كخيارات، أُدرك أني مربوط بهذا الآخر الذي هو مربوط بي وحياتي مربوطة بحياة الآخر.

في قراءتي لهيغل، هذا الاكتشاف بأني مربوط بالآخر وأن الآخر مربوط بي وأن كلانا مربوط بعالم حي، ينير وضعنا كمخلوقات حية وعلاقتنا التبادلية المتجسدة وحسا من الالتزام الأخلاقي المتبادل والذي هو التزام أيضا للمحافظة على عالم يجعل حياتنا ممكنة وجديرة بالعيش.

جوديث بتلر

22 نوفمبر 2019

المصدر: https://iai.tv/articles/hegel-for-our-times-judith-butler-auid-1273

error: