حوار خاص مع الفيلسوف النمساوي هانس كوكلر – حاوره: حميد لشهب


الفيلسوف والمفكر النمساوي هانس كوكلر Hans Köchler،  الرئيس السابق لقسم الفلسفة بجامعة إنزبروك النمساوية، ورئيس المنظمة العالمية للتقدم بفيينا، وهي منظمة مستقلة تستشيرها منظمة الأمم المتحدة في الكثير من القضايا، هو أحد المفكرين الغربيين القلائل حاليا الذين تبنوا في مشاريعهم الفكرية والعملية-السياسية الوقوف بجانب الشعوب الضعيفة. تبنى القضية الفلسطينية منذ عقود من الزمن، وهو صديق مخلص للعالم المسلم برمته، حيث يحاضر باستمرار وحصل على تشريفات متميزة من الكثير من هذه الدول.

كوكلر متخصص في فلسفة القانون والسياسة. ألف الكثير في فلسفة هيدجر ودَرَّسَهَا لسنوات عديدة بجامعة إنسبروك النمساوية. وفلسفة هيدجر هذه هي التي فتحت له آفاق شاسعة لتجاوز “المركزية الأوروبية”، المؤسسة على ذاتية ميتافيزيقية قوامها إرادة القوة و محاولة السيطرة على الطبيعة، بما فيها الإنسان، ومعانقة فلسفة “إنسية” منفتحة على ثقافات وحضارات مختلفة ومؤمنة بمبدأ حق جميع الشعوب في العيش الكريم والمساوات أمام القانون الدولي في الحقوق والواجبات.


 

غيّرت جائحة اليوم البشرية نسبيًا في غضون عام. ما هي برأيكم النتائج المتوسطة والطويلة المدى لهذه التغييرات؟

هانس كوكلر: قبل كل شيء ، سلط الوباء الضوء على مشاكل وتناقضات عالمنا المعولم. بسبب نشاط السياحة غير الخاضع للرقابة وعدم وجود ضوابط حدودية أو غير فعالة، انتشر الفيروس بسرعة كبيرة في جميع أنحاء العالم. على المدى المتوسط، ربما ستحاول البلدان بجدية أكبر إنتاج المزيد من السلع الأساسية بأنفسها -و خاصة في المجال الطبي. على المدى القصير، سيكون الناس أيضًا أكثر حذرًا عندما يتعلق الأمر بالسياحة الجماهيرية، وهي بالتأكيد ليست نموذجًا اقتصاديا مستدامًا. و في البلدان السياحية مثل النمسا، لا يحدث هذا من منظور حقيقي للإستدامة، بل بسبب انتهازية خالصة، لأن المرء يخشى أن يتم وضع البلد على قائمة تحذيرات السفر وأن يخسر عائدات السياحة. وفيما يتعلق بالبنية التحتية الطبية، نأمل أن تزداد قدرات المستشفيات على المدى المتوسط وتحسين معايير النظافة في ضوء الأوبئة المستقبلية. لا أتوقع حقًا إعادة تفكير أساسية في أسلوب الحياة والنظام الاقتصادي في المجتمع الصناعي والاستهلاكي الحديث. على المدى الطويل، من المرجح أن يعود المرء إلى العادات القديمة. ويرجع ذلك إلى ديناميكيات المنافسة العالمية الكبيرة، حيث تكون اعتبارات الصالح العام أقل أهمية من السعي وراء الربح. بمجرد ما يصبح الوباء تحت السيطرة نسبيا، فمن المحتمل أن تستأنف السياحة الجماعية العالمية على نطاق واحد. ومن ناحية أخرى، يمكن أن ينخفض السفر التجاري، حيث رأت الشركات الآن أنه يمكن القيام بالكثير من خلال مؤتمرات الفيديو، وبالتالي يمكن توفير الكثير من المال).إن عدم القدرة الفعلية لمجتمع المرح الغربي على كبح الجشع لمزيد من الرخاء والمتعة -بغض النظر عن الصالح العام- يعني أنه لا يمكن توقع أي خير لمستقبل الحضارة الغربية.

 

كيف ترون للخلاف حول اللقاحات داخل أوروبا؟

هانس كوكلر: إن التضامن الأوروبي موجود فقط على الورق والفساد يتغلغل في جميع المجالات، وبالخصوص في مجال “سوق اللقاحات Impfstoffbasar” (كما يسميه مسؤولو الاتحاد الأوروبي أنفسهم) في بروكسل. في هذا الوباء على وجه الخصوص، أثبت الاتحاد الأوروبي أنه كيان مختل، غير القادر على طلب سلعة حيوية (اللقاحات) بالتخطيط المسبق بكميات كافية ثم توزيعها بسرعة وبعدل – حسب الحصة المتفق عليها. بالإضافة إلى ذلك، أصبح من الواضح أن اشتغال بروكسيل البيروقراطي منفصل تمامًا عن هموم المواطنين. كان من الأفضل لو طلبت كل دولة اللقاح بنفسها وتفاوضت مباشرة مع المورد. أثبتت الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي مثل المغرب وتركيا وصربيا بأنها أكثر فاعلية من دول الاتحاد الأوروبي في شراء وإدارة جرعات التطعيم. كما أن منظمة الصحة العالمية (WHO) تصرفت بشكل غير فعال وغير كفء إلى حد ما في التوزيع العالمي للقاحات.

 

كيف تفسرون عزوف الاتحاد الأوروبي عن لقاحات من دول أخرى (روسيا والصين)؟

هانس كوكلر: يتعلق الأمر كله بحماية المصالح الأوروبية (الاقتصادية وكذلك الجيوسياسية)، وليس باهتمامات طبية. من وجهة نظر طبية بحتة، فإن بعض المستحضرات الروسية والصينية أكثر فعالية – وأيضًا أكثر أمانًا – من بعض المستحضرات المصنوعة في أوروبا أو الولايات المتحدة الأمريكية. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة أيضًا إلى أن الوكالة الطبية الأوروبية (EMA) فقدت الكثير من مصداقيتها بسبب سياسة الموافقة على اللقاحات وتكتيكات التأخير. وهناك مشكلة أخرى هي أن المسؤولين المؤثرين في هذه الوكالة كانوا من جماعات الضغط (لوبيات) لصناعة الأدوية. يفتقرون قبل كل شيء إلى الاستقلال الذهني (عن جماعات الضغط وكذلك عن الحكومات)، وهو استقلال لا غنى عنه عند اتخاذ القرارات في مثل هذه الأزمة الوجودية.

 

يبدو وكأن اللقاح الروسي يشق طريقه إلى الاتحاد الأوروبي. هل هذا، في رأيكم نجاح دبلوماسي لروسيا؟

هانس كوكلر: إنه ليس نجاحًا دبلوماسيًا إلى حد كبير، ولكنه نجاح طبي لروسيا، أي نجاح البحث العلمي الروسي. حتى الآن، تحاول بروكسيل جاهدة تأجيل عملية الموافقة الأوروبية على اللقاح الروسي. وبسبب النقص الكارثي في اللقاحات، تعرض بعض السياسيين لضغوط سياسية داخلية كبيرة لدرجة أنهم يفكرون في الموافقة على السماح بهذا اللقاح في بلدانهم. وينطبق هذا أيضًا وبشكل خاص على النمسا، التي قد تحذو حذو المجر. وفي ضوء المزاج السياسي السيئ وعقوبات الاتحاد الأوروبي والتهديدات بفرض عقوبات على روسيا، فإن المزيد من دول الاتحاد الأوروبي (بما في ذلك ألمانيا وإيطاليا) قد تؤيد الموافقة على اللقاح الروسي، وحتى النظر في الترخيص لإنتاجه محليا في بعض دول الإتحاد الأوروبي، ويكون هذا بشكل غير مباشر نجاحا دبلوماسيا لروسيا.

 

أظهرت هذه الجائحة كيفية تعامل الدول “الغنية” مع الدول “الفقيرة” في العالم. ما مدى مصداقية الدول الغنية اتجاه العالم الفقير؟

هانس كوكلر: هنا أيضًا، فإن الأمور مشابهة لتلك الموجودة داخل الاتحاد الأوروبي: لا يوجد هناك تضامن. يتضح هذا بشكل خاص في عدم الفعالية الكلية لآلية توزيع اللقاحات العالمية COVAX في إطار منظمة الصحة العالمية/الأمم المتحدة.

 

تجتاز الفردانية الغربية حاليا امتحانا عسيرا. فمجتمع الاستهلاك والمرح ، الذي يبدو بأن شعار حكم الإمبراطورية الرومانية المتأخرة – panem et circenses (الخبز واللعب) – يطبق أكثر فأكثر عليه، لم تثبت بأنه مستعد لتحمل تحديات هذه الأزمة. إن الفهم الفردي، الطفولي في نهاية المطاف للحرية الذي يزيل عن الحرية مبدأ المسؤولية ويهدف فقط إلى الإعتباطية في الوقت الحالي، لا يمكنه رؤية التخلي المؤقت عن الحريات الفردية، كما هو مطلوب في زمن الأوبئة ، في السياق الأوسع للصالح العام. وهذا هو سبب عدم قدرة دول الغرب – مع استثناءات قليلة – على التصرف بطريقة هادفة ومنسقة. لم تتخذ الحكومات قرارات تطلعية، بل اتخذت قرارات بناءً على اللحظة تحت ضغط مجموعات المصالح، بحيث أن المرء لم ينجح في احتواء الوباء لمدة عام كامل. الحقيقة هي أنه بهذه الطريقة يتم قبول موت العديد من كبار السن والضعفاء صحيا، على الرغم من أنه كان من الممكن إنقاذ العديد من الأرواح لو كان هناك المزيد من الانضباط ولو كانت للحكومات الشجاعة الكافية لاتخاذ إجراءات غير شعبية. والملاحظ هو أن الدول الآسيوية تصرفت ع هذه الجائحة بمسؤولية أكبر. ويتبين بأن المقارنة الحضارية بين الغرب وهذه الدول تضر الغرب أكثر فأكثر. من خلال مثال كارثة القرن هذه، يمكن للمرء أن يرى على أي حال بأن الفردانية الغربية قد فشلت وبأن “النزعة الإنسانية” التي يتم التذرع بها كثيرًا قد فقدت مصداقيتها.

 

إن حضوركم المنتظم في المشهد الثقافي العربي، وخاصة في المغرب، وبفضل ترجمة بعض أعمالكم، يزيد عدد الطلاب الذين يشتغلون في أعمالهم الأكاديمية حول جوانب معينة من اهتماماتكم الفكرية. ما هي أهمية الترجمة للحوار بين الثقافات؟

من الناحية التأويلية، تعتبر ترجمة الأعمال الفلسفية جزءًا مهمًا للغاية مما يسميه جادامير Gadamer هانس كوكلر: “تاريخ التأثير”. تكشف الفكرة عن تأثيرها الكامل فقط في تعدد التفسيرات التي تتدفق فيها تجربة الفضاءات الحضارية والثقافية الأخرى – “بيئات معيشية” أخرى. وبهذه الطريقة، تنفتح آفاق جديدة للعمل على فترات زمنية أطول. وبهذا المعنى، فإن الترجمة هي بالفعل مساهمة أساسية في حوار مثمر بين الحضارات. إن ما أسميه شخصيا “ديالكتيك الصورة الذاتية الثقافية” يتم التعبير عنه بشكل واضح في فعل الترجمة. ومثلما لا يوسع القارئ أفق عالم الحياة من خلال اللقاء مع العمل فحسب، بل يعيد تشكيله أيضًا، يمكن للمؤلف أيضًا فهم موقفه بشكل أفضل (تجربة العالم) في الحوار مع القارئ – كمؤول- وتكون هذه العملية أكثر تمايزًا، كلما زاد التنوع الثقافي لآفاق التفاهم. وتلعب الثقافة العالمية المفعمة بالحيوية في المغرب دورًا بارزًا في الحوار بين الحضارات هذا.

 

في العديد من تصريحاتكم ومقابلاتكم الصحفية والإعلامية خلال “الربيع العربي” أصدرتم وقته نوعاً من التحذير “النبوءة”: “انفجار” المناطق العربية التي اندلعت فيها هذه “الانتفاضات”. كيف تقيمون الوضع اليوم؟

 

هانس كوكلر: لا يزال الوضع في بلدان ما سمي بـ “الربيع العربي” غير مستقر اجتماعياً وسياسياً. بشكل عام، تدهور الوضع المعيشي – اقتصاديًا أيضًا – في هذه البلدان. في ليبيا وسوريا واليمن لا توجد هنالك مؤشرات على كيفية استعادة وحدة الدولة. لقد أدى التدخل الأجنبي في هذه النزاعات إلى جعل الوضع أكثر كارثية، كما زاد من صعوبة إيجاد حل عملي متين. بعد عقد من الفوضى، أصبحت أوضاع حقوق الإنسان والديمقراطية محفوفة بالمخاطر في جميع هذه البلدان، لا سيما في أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان. و الاستقرار غير متوقع في المستقبل المنظور. والحكومات التي أشعلت الانتفاضات من الخارج أو تدخلت بشكل مباشر في النزاعات المسلحة (في سوريا وليبيا واليمن) هي المسؤولة بشكل أساسي عن مأساة السكان في هذه البلدان.

 

كان الاتحاد الأوروبي بالخصوص مخطئًا في حساباته فيما يتعلق بهذه الانتفاضات. ما جناه منها كانت تلك الجحافل من اللاجئين التي تقاطرت عليه من جميع الجهات. هل الاتحاد الأوروبي قادر على اتباع مساراته الدبلوماسية والسياسية بشكل مستقل، أم أنه يعاني أيضًا من “القمع الأمريكي”؟

 

لقد كان من الخطأ الفادح أن تتدخل بعض الدول الرائدة في الاتحاد الأوروبي، مثل إنجلترا وفرنسا، بشكل نشط ومنفرد في شؤون الدول العربية المعنية. وينطبق هذا بالخصوص على التدخل في ليبيا وسوريا. وتدفقات الهجرة غير المنضبطة منذ عام 2015 هي نتيجة غير مباشرة لهذه الميكافيلية الأوروبية الفاشلة، أي سياسة “تغيير الأنظمة”، التي لم تأخذ في عين الاعتبار العواقب المتوسطة والطويلة المدى في مجال الجغرافيا السياسية – وكذلك بالنسبة لأوروبا نفسها. أدى فراغ السلطة الذي نشأ في ليبيا نتيجة التدمير الدائم للدولة إلى جعل البلاد منطقة عمليات للجماعات الإجرامية التي تنظم الاتجار بالبشر من مناطق خارج بلدان “الربيع العربي” وتوجه تدفقات الهجرة إلى أوروبا. وكما هو الحال في التعامل مع الجائحة الحالية، أثبت الاتحاد الأوروبي أيضًا أنه غير كفء للغاية في تعامله مع أزمة اللاجئين والهجرة. إنه مثل التلميذ الساحر لجوته: لم يعد باستطاعة المرء ترويض الأرواح التي نادى عليها. تم القضاء على بعض حكومات هذه البلدان، لكن المرء لم يكن قادرا على إنشاء نظام جديد في هذه البلدان. في كل من ليبيا وسوريا، كانت الولايات المتحدة هي الفاعل الرئيسي للتدخل الأجنبي. وكما في حربي الخليج الأولتين، لعبت أوروبا دورًا داعمًا ولكن ثانويًا. وفيما يتعلق بعواقب هذا التدخل، لن تتأثر أمريكا مباشرة، بقدر ما دفعت أوروبا الثمن بسبب قربها الجغرافي من منطقة الأزمة. وهنا أيضًا، أوضح الفشل الأوروبي أنه لا يمكن أن يُتوقع من أوروبا أن تلعب دورًا مستقلًا في السياسة العالمية في المستقبل القريب.

 

يبدو أن الفلسطينيين فقدوا حقهم في أرضهم ودولتهم. هل ما فرضه ترامب على هذا المستوى هو “استحقاقه” أم أنه كان دائمًا جزءًا من سياسة الإدارة الأمريكية؟

هانس كوكلر: إن حق الفلسكينيين في إقامة دولتهم مكفول من خلال حق تقرير مصير الشعوب، وهو جزء من القانون الدولي العام وقد أكدته عدة مرات قرارات الأمم المتحدة. والسؤال حاليا هو ما إذا كان ممكنا إنفاذ هذا الحق غير القابل للنقاش، أي المفروغ منه. أصبح الأمر قاتمًا منذ مبادرات الرئيس الأمريكي السابق ترامب، حتى ولو لم يتم تنفيذ خطته الأصلية، خلال فترة ولايته، في ضم مناطق كبيرة من الاراضي الفلسطينية. والجدير بالذكر والملاحظة هو أن إدارة بايدن، التي تريد عكس كل ما بادر إليه ترامب تقريبًا، لا تريد أن تمس ما يسمى بـ “معاهدات إبراهيم”. وهذا مؤشر واضح على أن هناك مصالح في أمريكا، مستقلة عن تغيير الحكومة، تصب في مصلحة دولة الاحتلال في فلسطين. بشكل عام، يمكن القول بأن خطط السلام التي تتجاهل حقوق طرف واحد لا تستحق هذا التصنيف.

 

يبدو أيضًا أن الفلسطينيين قد تُركوا لوحدهم مع مشكلتهم بعد أن تخلت عنهم معظم الدول العربية. ما هي الخيارات التي لا تزال أمام الفلسطينيين للحصول على حقوقهم؟

هانس كوكلر: إن الوضع مثير للقلق للغاية. فبدون دعم العالم العربي، ستكون جميع النداءات الهادفة إلى الاعتراف بحقوق الفلسطينيين غير فعالة في نهاية المطاف. إن الأمم المتحدة عاجزة في هذا الشأن، فقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ليست ملزمة قانونيا ، ومجلس الأمن، الذي لديه سلطة الأمر بإنهاء الاحتلال، مشلول بفعل الفيتو الأمريكي. لا يُقصد هنا قرار مجلس الأمن 242 الذي يُذكر باستمرار، على الرغم من أنه لم يُتخذ كإجراء قسري على أساس الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، بل كان مجرد اقتراح في إطار التسوية السلمية للنزاعات. في ظل انقسام الدول العربية والشلل الناتج عن ذلك في جامعة الدول العربية، لا يمكن للفلسطينيين إلا أن يأملوا في حشد المواطنين العرب أو دعم دول قوية ومستقلة خارج المنطقة، قد تهتم بدولة للفلسطين مستقلة، بمعنى توازن القوى في المنطقة. يجب أن تستفيد فلسطين من حقيقة أنها معترف بها من قبل الغالبية العظمى من دول العالم وأن تكثف دبلوماسيتها في جميع أنحاء العالم. ويجب في هذا الإطار أن تلعب المنافسة الحالية على ريادة العالم بين الولايات المتحدة وروسيا والصين دورًا في مداولات الدبلوماسية الفلسطينية. على أي حال، لن يكون هناك استقرار في المنطقة على المدى الطويل حتى يتم حل قضية فلسطين.

 

يقدم الغرب إيران على أنها تهديد حقيقي للنظام العالمي. ما الذي حققته إيران في تجربتها مع الغرب، بالمقانة مع العرب؟

هانس كوكلر: إن الغرب يبالغ في التهويل. ما يمكنني قوله من موقعي هنا هو أن إيران تسعى جاهدة من أجل الاستقلال الثقافي والعلمي والتكنولوجي، مثل كل الدول الكبرى سواء في الشرق أو الغرب. وتدخل الغرب كما تم توثيقه على سبيل المثال من خلال الانقلاب على رئيس الوزراء محمد مصدق الذي نظمته المخابرات الأمريكية والبريطانية عام 1953، أدى إلى تصلب الجبهات على مدى عقود. يتمثل الخطر المزعوم لإيران على النظام العالمي في المقام الأول في حقيقة أن الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، والتي هي دائمًا متحيزة في قضايا الشرق الأوسط، لا يريد قبول إيران كقوة إقليمية. وبالمناسبة، فإن القضية النووية توزن بمكيالين، حيث أنه حتى الآن لم يتم فعل أي شيء على الإطلاق لتنفيذ مطالب الأطراف في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية بفرض حظر أساسي على أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط.

 

ربما يكون الاختلاف عن العالم العربي، الذي تلمحون إليه، مرتبطًا أيضًا بحقيقة كون إيران دولة قومية موحدة، في حين أن العرب منظمون في عدد كبير من الدول التي تتنافس مع بعضها البعض -بل عاد بعضها البعض-، على الرغم من قدراتها الكبيرة بشريا واقتصاديا (في نطاق روابط البحث والتطوير الاقتصادي والتكنولوجي وما إلى ذلك)، وهي قدرات لا تستفيد منها على الوجه الأمثل حاليا. ولا يلوح في الأفق تغيير في هذا الوضع المصيري تمامًا.

 

ما هو مخرج الأزمة بين إيران والغرب في نظركم؟

هانس كوكلر: لا أريد الإدلاء هنا بأي توقع، لكنني عمومًا لست متفائلًا. وحتى لو اجتمع المرء الآن – بعد النهاية المؤقتة لعهد ترامب – مرة أخرى في فيينا وتفاوض من أجل إحياء الاتفاق النووي، فإن هذا لا يغير المصالح الجيوسياسية طويلة المدى. فالدول الأكثر نفوذاً في السياق الغربي – ليس فقط الولايات المتحدة، ولكن أيضًا دول منطقة الشرق الأوسط – لا تريد قبول إيران كقوة إقليمية تحت أي ظرف من الظروف.

 

باعتباركم من الفلاسفة الغربيين القلائل الذين تربطهم صداقات فكرية وشخصية مع عموم العالم الإسلامي، كيف تنظرون إلى العالم العربي اليوم؟

هانس كوكلر: يقف العالم العربي في نقطة تحول. فبسبب الانقسام المستمر لدول الجامعة العربية، نشأ وضع الآن – بعد زعزعة الاستقرار الواسعة النطاق التي سببها “الربيع العربي” الفاشل-، يمكن اعتباره من طرف القوى خارج المنطقة كدعوة للتعامل مع العرب وفقًا للمبدأ الروماني القديم divide et impera (فرق تسد)؛ ويرجع ذلك إلى المبادرات الأمريكية في السنوات الأخيرة مثل الاعتراف الفعلي بالضم غير القانوني للقدس والجولان وإطلاق “خطة سلام” مع التنازل عن الأراضي لقوة الاحتلال، وبالتالي أصبحت دولة فلسطين غير قادرة على الإستمرار، وعقد “اتفاقيات السلام” أحادية الجانب مع دول المنطقة، وبالتاي أصبحت “مبادرة السلام العربية” لعام 2002 في خبر كان. هذه الأمثلة كلها تصب بوضوح في سياسة “فرق تسد” التي نهجها وينهجها الغرب اتجاه الدول العربية.

 

فالمنافسات التاريخية العربية الفارسية في الخليج، وبالنظر إلى الحروب الأهلية في سوريا واليمن، يدعم التصرف وفق القول المأثور “عدو عدوي صديقي”، تقضي على آخر مساحة للحرية من أجل استراتيجية مستقلة في الشؤون العربية الحاسمة (مثل فلسطين). وهذا يقوض بشكل عام شرعية الموقف العربي تجاه العالم غير العربي. أتذكر بحنين كبير السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، عندما كان لا يزال هناك شيء مثل روح التفاؤل العربية.

وانتهى ذلك التفاؤل بشكل مفاجئ بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ونهاية القطبية السياسية العالمية. واليوم، يتم إعادة تأسيس خطوط الصدع القديمة والتبعيات التي كان يعتقد المرء أنه تغلب عليها مع نهاية إنهاء الاستعمار.

 

لأنكم تكتبون كثيرًا باللغة الإنجليزية، فإن تأثيركم الفكري واضح على نطاق واسع في البلدان الإسلامية في جنوب آسيا والجنوب الشرقي لها وفي البلدان الإسلامية في الاتحاد السوفياتي السابق. والدليل على ذلك هو حضوركم الفكري والفيزيقي في هذه البلدان منذ سنوات. هل هناك اختلافات بين هذه الدول والعالم العربي على المستوى الثقافي؟

هانس كوكلر: فيما يتعلق بدول ما بعد الاتحاد السوفيتي، من الواضح أنه بعد انهيار الاتحاد كان على هذه الدول أن تعيد بناء هويتها تدريجياً. ففي الفراغ السياسي والاجتماعي والثقافي الناجم عن انهيار النظام الشيوعي، كانت هناك عودة تدريجية للتقاليد الوطنية المنسية (في سياق الشعوب التركية) ولا سيما الدين كعامل يخلق الهوية. عاشت هذه لفترة طويلة، سواء أكانت تريد ذلك أم لا  في “تعايش” مع النموذج السوفيتي العلماني للدولة والمجتمع. ومن الواضح أن إعادة التفكير في الهوية الخاصة لا يمكن أن يتم بدون احتكاك. من واقع تجربتي الشخصية، فإن بلدان فضاء ما بعد الاتحاد السوفياتي قد طورت حساسية خاصة لضرورة الحوار بين الثقافات، وعلى وجه التحديد بسبب التغيير المفاجئ في النظام. ويتجلى هذا بشكل خاص في المبادرات المتنوعة لأذربيجان وكازاخستان في مجال الحوار الإسلامي الغربي، ولكن أيضًا بين الأديان.

 

فيما يخص جنوب آسيا والجنوب الشرقي لها ، بالإضافة إلى التأثير التاريخي للقوى الاستعمارية الغربية (إنجلترا وهولندا)، كان للقرب من الحضارات الهندية (الهندوسية) والصينية (خاصة الكونفوشيوسية) تأثير على تأسيس الهوية. ومع ذلك، فإن الاختلافات الاجتماعية والثقافية بين دول المنطقة كبيرة جدًا أيضًا. والشيء المشترك بين هذه الدول جميعًا هو أنه في أعقاب العودة الأقوى للهوية الثقافية التي بدأت في جميع أنحاء العالم الإسلامي منذ نهاية الحرب الباردة، نمى التأثير العربي (من حيث التقاليد، وليس في السياسة). وتلعب إندونيسيا دورًا خاصًا في تطوير موقع جديد للإسلام في عالم العولمة الحديث.