معالم التأسيس لنظرية الاندفاع في الفلسفة الطبيعية عند ابن سينا – حلال إسماعيل

معالم التأسيس لنظرية الاندفاع في الفلسفة الطبيعية عند ابن سينا – حلال إسماعيل


ملخص:

إن موضوع الفلسفة الطبيعية في العالم الإسلامي هو موضوع غير مألوف وغير مدروس في دراسات تاريخ الفلسفة والعلوم، وخصوصا بعض الدراسات الفلسفية والعلمية حول العصر الوسيط التي شكلت مرجعا لمجموعة من الباحثين والدارسين الذين يعتمدون على هذه الدراسات دون إخضاعها للمساءلة الإبيستيمولوجية،ولذلك سنركز في هذا المقال على إشكالية أساسية نترجمها إلى الأسئلة التالية: ما هي أهم الإسهامات التي قدمها ابن سينا في مجال الفلسفة الطبيعية؟ ألا يمكن القول أن المقاربة الإبيستمولوجية هي المدخل الأساسي لقراءة تاريخ الأفكار النظرية قراءة كونية وشمولية؟

  • الكلمات المفتاحية: نظرية الاندفاع – الفلسفة الطبيعية- الحركة القسرية- الحركة – التفسير العلمي…

Abstract.

The subject of natural philosophy in the Islamic world is an uncommon and unpopular topic in studies of the history of philosophy and science, especially some philosophical and scientific studies on the medieval era that formed a reference for a group of researchers and scholars who rely on these studies without subjecting them to epistemological accountability, and therefore we will focus in this article on A basic problem we translate into the following questions: What are the most important contributions made by Avicenna in the field of natural philosophy? Is it not possible to say that the epistemological approach is the primary entry point for a comprehensive and comprehensive reading of the history of theoretical ideas

 – Key words: impetus theory – natural philosophy – forced movement – movement – scientific interpretation …


  • مقدمة:

  ساهم مجموعة من الفلاسفة في العالم الاسلامي خلال العصر الوسيط نظريا في تطور مجموعة من الأفكار الفلسفية والعلمية، وخصوصا ابن سينا في مجال الفلسفة الطبيعية، غير أن معظم الدارسين يقفزون على هذه الاسهامات بقصد أو بدون قصد، مما يجعل التأريخ لتاريخ الأفكار العلمية والفلسفية في المرحلة الوسيطية يشوبه نوع من الغموض وفقدان حلقات نظرية أساسية لا يمكن تجاهلها إن أردنا مقاربة تاريخ الأفكار النظرية مقاربة إبيستمولوجية نسقية. ولفهم ومقاربة هذه الإشكالية سننطلق من السؤال الاتي:  من منا يجد للفلاسفة في العالم الإسلامي ذكرا في تاريخ نشوء علم الديناميكا بوجه خاص أو علم الطبيعة بوجه عام؟

اسهامات ابن سينا العلمية والفلسفية في التأسيس لـ نظرية الاندفاع:

 إن الشائع المتواتر أن أراء أرسطو في الحركة ظلت مأخوذا بها، معتمدا عليها، موثوقا بصحتها طوال القرون التي فصلت بينه وبين غاليلي، وهي حقبة من الدهر تقديرها تسعة عشر قرنا، شهد العالم تطورات في الفكر والتفكير و أساليب البحث التي أضيفت من جرائها إلى العلم إضافات”[1]، ولذلك سنحاول في هذا الفصل دراسة ومقاربة بعض المحاور والقضايا الأساسية المتعلقة بمكانة العلم الطبيعي في فلسفة ابن سينا، و أهم الإسهامات التي قدمها في هذا المجال، وسنركز هنا على ” الشفاء” ثم كتاب ” النجاة “، وللإشارة فهناك غياب شبه تام للدراسات العلمية حول مجال الفلسفة الطبيعة عند ابن سينا، حتى كتب تاريخ الفلسفة وتاريخ العلوم في العصر الوسيط  تغييب القضايا العلمية المتعلقة بالفلسفة الطبيعية، ونجد فقط سرد لبعض الأفكار الفلسفية العامة والتعريف بالفلاسفة فقط، دون الإشارة  إلى أهمية الإشكالات والأسئلة العلمية التي اهتم بها مجموعة من الفلاسفة خلال العصر الوسيط بشكل عام والعالم الإسلامي بشكل خاص، وكما نعلم ” لم يكن العلم في ذلك العصر قد تشعبت فروعه على صفة تدعو إلى التخصص بمعناه الضيق المعروف الان. فكان المشتغلون بالعلوم النظرية أو العقلية كما كانت تسمى تتعدد نواحي نشاطهم العقلي، وكان الواحد منهم يجمع بين الرياضيات والفلسفة والمنطق والفلك والمناظر ومراكز الأثقال والطب”[2]، غير أنه غالبا ما يتم التركيز على حقول معرفية ونسيان مجالات أخرى، فمعظم الدراسات حول فلسفة ابن سينا تركز على جوانب محددة كإسهاماته في الطب ( القانون في الطب) وعلى قضايا فلسفية أخرى كالاهتمام بالإلهيات، فهذا هو التصور السائد لدى مجموعة من الدارسين لتاريخ العلوم في العصر الوسيط، لكن هناك دراسات أكاديمية علمية معاصرة في تاريخ العلوم فتحت الباب على مصراعيه أمام مجالات علمية لم تنل حظها من الدراسة، ومن بين الدارسين الذين أشاروا إلى أهمية الإسهامات العلمية في هذه المرحلة، نجد ” إدوارد كرانت ” و “ إرنست مودي ” في مجال الفلسفة الطبيعية في العصر الوسيط .

وفي هذا السياق، فإذا كان الفكر الفلسفي في العالم الاسلامي قد اهتم بالبحث في مجال الالهيات[3]، فإنه لم يكتف بذلك بل اهتم أيضا بموضوعات وقضايا أخرى تتعلق بالفلسفة الطبيعية مثل الحركة والسكون والزمان والمكان والمادة والصورة. ويعد ابن سينا من أهم الفلاسفة في العصر الوسيط الذين ساهموا بشروحات وإضافات هامة في مجال الفلسفة الطبيعية، غير أن هذا المجال لم ينل العناية الأكاديمية التي يستحقها مقارنة بما تم إنجازه من دراسات حول ابن سينا[4]  في مجال المنطق والالهيات. ولذلك، فإن دراسة الفلسفة الطبيعية، إذا استثنينا ما يتعلق منها بالنفس لازالت إلى حد كبير مجالا بكرا إذا أخذنا في اعتبارنا القسم المتعلق بالطبيعيات من كتابه ” الشفاء” على وجه الخصوص، باعتباره من اهم مؤلفات وكتب ابن سينا في العلوم والفلسفة. غير أن هذا الجانب كما قلنا سابقا لم يحظ باهتمام الباحثين المشتغلين بالفلسفة والعلم، ويرجع ذلك إلى أسباب عديدة، قد يكون أبرزها ما جرت عليه عادة كثير من الباحثين من النظر إلى مذاهب الفلسفة الاسلامية على أنها مذاهب في الألوهية فحسب، ومن هنا تم الاهتمام أكثر بالعلاقة بين الحكمة والشريعة، وقد غفلوا بذلك عن ميدان أساسي وهو الطبيعيات، ولذلك، فإن الاهتمام بمجال الفلسفة الطبيعية و إخراجه من عزلته الأكاديمية، قد يجعل مجموعة من الدارسين يعيدون النظر في آرائهم وتصوراتهم السائدة حول مكانة الفلسفة والعلوم في العصر الوسيط، كما أن الاهتمام  الأكاديمي بالعلم الطبيعي هو المدخل الأساسي كذلك لإعادة كتابة  وقراءة تاريخ الفلسفة والعلم في العالم الاسلامي قراءة نسقية كونية ، من أجل تجاوز وتصحيح بعض التصورات التي تختزل الفلسفة الاسلامية في محور و إشكالية أساسية هي إشكالية العلاقة بين الحكمة والشريعة، دون الإشارة إلى قضايا وإشكالات نظرية وعلمية أخرى اهتم بها الفلاسفة في العالم الاسلامي خلال العصر الوسيط.

ولهذا السبب، يعد البحث في فلسفة ابن سينا بشكل عام والفلسفة الطبيعية بشكل خاص ذات أهمية علمية و أكاديمية كبيرة، لأسباب عديدة من بينها، أولا: قلة الاهتمام بمجال الفلسفة الطبيعية، لأن الاهتمام بهذا الجانب العلمي قد يكشف النقاب عن مجموعة من القضايا والإشكالات العلمية الجديدة، التي من خلالها سنوضح قيمة و أهمية الاسهامات والاضافات التي تم تقديمها في هذا المجال، وبيان مكانتها في تطور الأفكار العلمية والفلسفية عبر تاريخ الفكر النظري.

يقول ابن سينا بخصوص تحديده للجسم الطبيعي ” إن لكل جسم طبيعته ومادته وصورة وأعراضها. وطبيعته هي القوة التي يصدر عنها تحركه أو تغيره الذي يتكون عن ذاته، وكذلك سكونه وثباته. وصورته هي ماهيته التي بما هو. ما هو ومادته هي المعنى الحامل لماهيته والأعراض هي الأمور التي إذا تصورت مادته بصورته ونمت نوعيته لزمته أو عرضت له من خارج” [5].من خلال هذا القول، فإن الموضوع الأساسي للفلسفة الطبيعية هو الجسم الطبيعي،  الذي اتخذت منه موضوعا لفهم أسبابه وعلله ومبادئه، وهذا ما جعل من الفلسفة الطبيعية  بمثابة العمود الفقري الذي انطلاقا منه تتأسس الأنساق والتقاليد العلمية والفلسفية عبر تاريخ الفكر النظري، كما أن التغييرات التي تعرفها الفلسفة الطبيعية على مستوى إشكالاتها وقضاياها تشمل وتطال المجالات النظرية والعملية الأخرى كالفلسفة والميتافيزيقا والأخلاق والسياسة، إضافة إلى ذلك فإن تصورات العالم في عصر من العصور ترتبط ارتباطا وثيقا بالفلسفة الطبيعية، ففيزياء الأرض الثابتة  في المنظومة الفكرية الأرسطية على أساسها تأسس تصور كوسمولوجي تراتبي مغلق للعالم ( فوق- تحت)، كما أن فيزياء الأرض المتحركة خلال القرن السابع عشر نتج عنها كذلك تصور كوسمولوجي لامتناهي للكون ( توحيد المادة والقوانين الفيزيائية).

ولذلك، فإن الانتقال من النسق الأرسطي إلى نسق علمي جديد خلال العصر الحديث، هو نتيجة لمجموعة من الاسهامات والاضافات التي بدأت معالمها الأولى انطلاقا من القرن السادس الميلادي مع يوحنا النحوي  john philoponus  وفلاسفة وشراح آخرين، ثم فيما بعد مع ابن سينا  Avicenne في مجال الفلسفة الطبيعية بشكل خاص. ومن أهم الإشكالات التي كانت مطروحة في النسق الأرسطي والتي شكلت موضوعا للدراسة والشروحات والنقد، هي إشكالية الحركة في المكان، وهي إشكالية علمية فيزيائية بالأساس. وكما نعلم فإن أرسطو يتصور العالم بأنه عبارة عن كرة محدودة على الشكل التالي:

التصور الكوسمولوجي للكون عند أرسطو[6] هو تصور منسجم من حيث عناصره، فالكون محدود ( دائري) ومركزه هو الأرض، كما أنه يجعل من القمر حدا فاصلا لهذا الكون، من خلال تمييزه بين عالم ما تحت القمر الذي يتكون من العناصر الطبيعية التالية:  الماء- الهواء – النار- التراب، وهو عالم التغير والفساد والفناء، أما عالم ما فوق القمر يتكون من عنصر الأثير، حيث الكمال والثبات. وفيزياء الأرض الثابتة هي  العنصر الأساسي داخل البراديغم الأرسطي وفي هذا السياق أصبحت الحركة عند أرسطو موضوعا للتفكير، حيث بدأت عملية البحث عن المبادئ والأسباب التي تتحكم في حركة الأجسام الطبيعية، لأن العلم عند أرسطو هو معرفة بالعلل والمبادئ الأساسية للأشياء، وقد طبق هذا التعريف في دراسته للطبيعة، حيث بحث في المبادئ والعلل التي تصدر عنها الأشياء في الطبيعة، غير أن تصور أرسطو في الفلسفة الطبيعية تضمن في ثناياه مجموعة من الإشكالات والقضايا التي ستكون موضوع شرح  وردود ونقد خلال العصر الوسيط، وخصوصا مع ابن سينا الذي أسس لتصورات في مجال الفلسفة الطبيعية من خلال نقده للآراء والمذاهب الفلسفية السابقة، وعلى أساس ذلك قدم إسهامات فلسفية وعلمية مهمة، وخصوصا من خلال تمييزه بين الحركة الطبيعية والحركة القسرية أو بين الميل الطبيعي والميل القسري وتصوره للوسط، وهذه الإسهامات تضمنت في ثناياها المعالم الأولى لـ نظرية الاندفاع  théorie de l’impetus[7] . لأن لكل فكرة أو نظرية علمية شروطها وأسسها في تاريخ الفكر النظري، ولذلك فالمقاربة الإبيستمولوجية هي المدخل الأساسي لفهم شروط وقوانين وكيفية تطور الأفكار الفلسفية والعلمية، ومن خلال هذه المقاربة يتضح لنا أنه حينما تظهر إشكالات علمية تعجز نظرية أو تقليد ما عن استيعابها والإجابة عنها، فإن هذا الأمر يؤدي إلى بروز تقليد علمي جديد يقدم التصورات والأجوبة المناسبة لطبيعة الإشكالات النظرية في مرحلة من مراحل تطور الفكر النظري، فتطور علم الفلك الحديث مثلا هو نتيجة للإشكالات التي بدأت منذ المرحلة اليونانية بشكل عام وخصوصا مع أرسطو ( مشكلة تحير الكواكب) و مع كلود بطليموس ثم  في العصر الوسيط مع مدرسة مراغة واسهامات علمية أخرى، وبذلك، فإن الثورة العلمية الحديثة في الفلك والفيزياء والفلسفة، هي نتيجة لمجموعة من الإسهامات والإضافات التي امتدت مع أرسطو ويوحنا النحوي وابن سينا وابن الهيثم وابن باجة ومدرسة باريس وأكسفورد  وصولا إلى القرن السادس عشر والسابع عشر مع كوبرنيكوس وغاليلي، وهذا يعني أن الثورة العلمية هي نتيجة لحلقات علمية متصلة عبر تاريخ الفكر النظري، وهذا ما سنحاول أن نوضحه هنا بخصوص نظرية الاندفاع التي ظهرت مع مدرسة باريس خلال القرن الرابع عشر الميلادي، غير أن هذه النظرية تجد أسسها ومعالمها الأولى في الاسهامات العلمية المنجزة في العصر الوسيط بشكل عام، وخصوصا اسهامات ابن سينا في مجال الفلسفة الطبيعية من خلال دراسته وتحديده لمفهوم الحركة، لأن الإشكال الذي كان مطروحا مع أرسطو واستمر في الفلسفة الطبيعية الوسيطية هو :  ما الذي يجعل الجسم يستمر في حركته بعد مفارقته لليد؟

يقول ابن سينا بخصوص عرضه لبعض التصورات حول حركات الأجسام الطبيعية ” وأما الذي يكون مع مفارقة المتحرك، مثل المرمى والمدحرج، فإن لأهل العلم فيه اختلافا على مذاهب. فمنهم من يرى أن السبب فيه رجوع الهواء المدفوع فيه إلى خلف المرمى والتئامه هناك التئاما بضغط ما أمامه. ومنهم من يقول إن الدافع يدفع الهواء والمرمى جميعا، لكن الهواء أقبل للدفع، فيندفع أسرع فينجذب معه الموضوع فيه. ومنهم من يرى أن السبب في ذلك قوة يستفيدها المتحرك من المحرك تثبت فيه مدة إلى أن تبطلها مصاكات تتصل عليه مما يماسه وينحرف به، فكلما ضعف بذلك، قوى عليه الميل الطبيعي والمصاكة فأبطلت القوة، فمضى المرمى نحو جهة ميله الطبيعي”[8] .

من خلال الشكل الاتي يتضح أن الجسم المقذوف يستمر في حركته ويقطع مسافة محددة في زمان ومكان محددين، لكن ما السبب الذي يجعله يستمر في حركته؟

قد اهتم ابن سينا بهذا الإشكال في مؤلفاته وخصوصا في كتابه ” الشفاء” في الجزء المتعلق بالطبيعيات، حيث سيقدم تصورا مختلفا عن التصور الأرسطي، فإذا كان أرسطو يرى أن الهواء هو عنصر يساهم في استمرارية حركة الأجسام، فإن أبن سينا[9] من خلال تمييزه بين الحركة الطبيعية والحركة القسرية سيؤسس لتصور نظري  في مجال الفلسفة الطبيعية الوسيطية.  ما معنى الحركة القسرية عند ابن سينا؟

هناك أشكال أو أنواع من الحركات الطبيعية من بينها الحركة الطبيعية و الحركة القسرية،” فالحركة التي بالقسر هي التي محركها خارج عن المتحرك بها وليس مقتضى طبعه. وهذا إما أن يكون خارجا عن الطبع فقط مثل تحريك الحجر جرا على وجه الأرض، وإما أن يكون مضادا للذي بالطبع كتحريك الحجر إلى فوق، وكتسخين الماء”[10]

من خلال هذا التعريف للحركة القسرية، يتضح أن هذه الاضافات التي قدمها ابن سينا تبدو مهمة وأصيلة  في ارتباطها بإشكالات تلك المرحلة، لأنها ستشكل النواة الأساسية ومن بين المعالم الأولى التي ستساهم في بناء تصور كوسمولوجي جديد فيما بعد، كما أن التمييز بين الحركة الطبيعية والحركة القسرية هو بمثابة الأرضية الأولى لتطهير المادة من خصائص إنسانية[11]، لأن الجسم الطبيعي في المنظومة الفكرية الأرسطية والوسيطية  يحن ويشتاق، وكأن الجسم الطبيعي  يقتسم ويشترك مع الإنسان خاصية الحنين والشوق والميل والتفكير. وانطلاقا من تحديد ابن سينا للحركة القسرية سيتضح أن ما يحرك الجسم الطبيعي هو تلك القوة التي نضعها في الجسم حينما نقذف به، بمعنى أن تلك القوة التي تجعل الجسم يستمر في حركته مصدرها خارج الجسم أو الموضوع، مصدرها الإنسان. ولفهم ذلك أكثر لابد من استحضار عناصر أخرى كعلاقة الحركة بالوسط، فالوسط حسب اختلاف درجاته فهو بمثابة عائق أمام استمرار حركة الجسم، بمعنى أن الوسط يضعف حركة الجسم الطبيعي، ” إذ ليس نفوذ المتحرك في الهواء كنفوذه في الأرض أو الحجارة، ونفوذه في الماء، فالرقة والغلط تختلف في الزيادة والنقصان، ونحن نتحقق أن السبب في ذلك المقاومة، وكلما قلت المقاومة زادت السرعة، وكلما زادت المقاومة زاد البطء، فيكون المتحرك تختلف سرعته وبطؤه بحسب اختلاف المقاومة، وكلما فرضنا قلة مقاومة وجب أن تكون الحركة أسرع وكلما فرضنا قلة مقاومة وجب أن تكون الحركة أسرع وكلما فرضنا كثرة مقاومة وجب أن تكون الحركة أبطأ”[12]، ولذلك فالهواء هنا هو عنصر مقاومة لحركة الأجسام، لأنه بمثابة عائق يضعف تلك القوة الاندفاعية الموجودة في الجسم المقذوف ” لأن الهواء إنما يمانع الثقال المحمولة  فيه عن الرسوب شديدة، يصير بها مقاوما لخرق الثقل”[13]، وبالتالي فالسبب الذي يجعل الجسم يستمر في حركته هو تلك القوة التي يتم وضعها فيه أثناء قذفه، كما أن الهواء – الوسط – هو عنصر مقاومة لحركة الأجسام، فالهواء لا يساهم في الحركة بل يضعف استمرارية حركة الأجسام حسب أوزانها أو ثقلها، فقوة الحركة وسرعة الجسم وتلك القوة الاندفاعية  تضعف تدريجيا بفعل مقاومة الوسط ، ليسقط الجسم في مكان وزمان محددين، لأن الحركة هي عملية تتم في زمان معين وداخل مكان محدد. ولذلك يتضح أن تلك القوة الاندفاعية التي  وضعت في الجسم أثناء قذفه هي التي تجعله يستمر في حركته بعد قذفه، ” لأن الحركة القسرية المفارقة للمحرك قد تكون موجودة وتحريك المحرك قد زال ومحال أن يكون ما يتجدد على الاتصال من الحركة موجودا وسببه غير موجود، فيجب أن يكون هناك سبب يستبقي الحركة وأن يكون ذلك السبب موجودا في المتحرك يؤثر فيه”.[14] ، من خلال تعريف ابن سينا للحركة القسرية وعلاقة حركة الأجسام الطبيعية بالوسط – الهواء- كعنصر مقاومة، يكون بذلك قد أسس للمعالم الأولى وللشروط النظرية لبروز نظرية الاندفاع كنظرية فيزيائية فيما بعد  في فيزياء عصر النهضة وتحديدا مع مدرسة باريس ومدرسة أكسفورد  خلال القرن الرابع عشر الميلادي، وهذا يعني أن الأفكار الفلسفية والعلمية حينما تتوفر لها الشروط الملائمة نظريا واجتماعيا  تنضج لتتحول الى نظريات علمية تجيب على إشكالات نظرية وعملية لعصر ما وداخل تقليد علمي محدد .

تأسيسا على كل ما سبق نستخلص أن الإشكالات العلمية هي المحرك الرئيسي لتطور الأفكار النظرية عبر التاريخ، ولذلك فإن الوقوف والتركيز على الإشكالات العلمية ستساعدنا في فهم العلاقة التي تربط بين الأنساق والتقاليد العلمية، لأنه حينما تعجز نظرية أو تقليد عن استيعاب والاجابة عن إشكالات  نظرية، فإن ذلك ما يساهم في بروز تصورات ونظريات علمية أخرى تستوعب الإشكالات الجديدة، وهكذا يتم الانتقال من تقليد علمي إلى آخر، وهذا يدل على أن تاريخ الفكر النظري عبارة عن حلقات متداخلة ومتكاملة ومتسلسلة فيما بينها، وهذا ما تعززه المقاربة الإبيستمولوجية باعتبارها مقاربة تسعى إلى فهم المنطق الداخلي لتطور الإشكالات والأفكار النظرية، وكيفية الانتقال من نسق أو تقليد علمي إلى آخر، فالإشكالات الأساسية التي كانت مطروحة في الفلسفة الطبيعية الأرسطية ستستمر بشكل من الأشكال في الفلسفة الوسيطية، كما أن تتبع الإشكالات عبر تاريخ الفكر العلمي والفلسفي سيساعدنا في فهم كيفية تشكل مجموعة من التصورات حول العالم والطبيعة والإنسان. إضافة إلى ذلك فإن تتبع كيفية تشكل نظرية الاندفاع ، هو بمثابة مدخل من بين المداخل الأساسية لفهم كيف يتم الانتقال من تصور كوسمولوجي للعالم إلى تصور آخر، كالانتقال من التصور الكوسمولوجي المغلق للعالم إلى تصور لانهائي للكون.

الفلسفة الطبيعية  منذ أرسطو على وجه الخصوص، هي نقطة الارتكاز الأرخميدية التي ترتبط وتتداخل مع مجالات وحقول معرفية فلسفية أخرى، حيث أن التغييرات العلمية التي تطال الفلسفة الطبيعية تطال حتى التصورات الفلسفية والميتافيزيقا والأخلاق. وما قدمه ابن سينا خلال العصر الوسيط في مجال العلم الطبيعي سيشكل حلقة أساسية من حلقات تطور الفكر النظري، لأن فلسفته الطبيعية تضمنت في ثناياها بعض المعالم التي ستكون بمثابة شروط نظرية لبروز نظرية الاندفاع خلال القرن الرابع عشر الميلادي، بعد عملية ترجمة[15] التراث الفلسفي اليوناني والتراث الفلسفي والعلمي المكتوب باللغة العربية في العالم الاسلامي إلى اللغة اللاتينية ” لأن التطور الذي عرفته الفلسفة الطبيعية خلال القرن  الثاني عشر والثالث عشر جاء نتيجة لترجمة أعمال أرسطو من اليونانية والعربية إلى اللاتينية”[16]، وفي هذا السياق  ستظهر سلسلة من الترجمات للتراث اليوناني والوسيطي، ابتداء من القرن الثاني عشر، وهكذا تتشكل الأنساق والتقاليد العلمية والفلسفية التي تحركها الإشكالات النظرية الداخلية ( إشكال حركة الأجسام الطبيعية) إضافة إلى عوامل أخرى تساهم أيضا بشكل من الأشكال في التطور الذي تعرفه التقاليد العلمية كعامل الترجمة أو العوامل الاجتماعية والسياسية، وهذا يعني أن تاريخ العلم عبارة عن حلقات نظرية متكاملة فيما بينها ” لأن كل جيل من العلماء يستفيد من خبرة الجيل السابق، حيث ينطلق اللاحق من المستوى الذي وصل إليه السابق في بلورة المسائل العلمية. لذا يسير اللاحق في طريق معبدة، يجد مفاهيم ناضجة نسبيا، وأدوات مهيئة للاختبار بل يجد مشاريع مختمرة في ذهن السابق لإجراء تجارب معينة”[17]. من هنا فإن ابن سينا انطلق من الإشكالات التي كانت في الفلسفة الطبيعية الأرسطية ولم يكتف بالشرح فقطـ، بل انتقد بعض التصورات والمذاهب الفلسفية السابقة ليقدم على أساس ذلك تصورا أصيلا في مجال الفلسفة الطبيعية خلال العصر الوسيط، من خلال تمييزه بين الحركة الطبيعية والحركة القسرية، وبين أن الوسط هو عنصر مقاومة لتلك القوة الاندفاعية التي يتم وضعها في الجسم حينما يتم اطلاقه من اليد القاذفة، فالجسم الدافع يكسب الجسم المنطلق لحظة الاطلاق قوة ما يحتفظ بها أثناء الحركة حتى تضعف بسبب مقاومة الوسط، وهذه هي أهم القضايا والمفاهيم التي قام عليها العلم الطبيعي عند ابن سينا: الحركة، الهواء، المقاومة، الزمان، المكان، السرعة….وهذه القضايا هي جعلتنا نرى أن الفلسفة الطبيعية عند ابن سينا تضمنت في ثناياها بعض المعالم والأسس والشروط الأولى لبروز نظرية الاندفاع في فيزياء عصر النهضة، لأن التلاقح والتكامل على مستوى التقاليد العلمية هو الذي ينتج نظريات علمية عبر تاريخ الفكر النظري كل ما توفرت الشروط العلمية والفلسفية والاجتماعية والسياسية لذلك، وهذا سنحاول توضيحه أيضا في الفصل الرابع. لكن السؤال الذي سنتختم به هذا الفصل هو ما مدى حضور اسهامات ابن سينا النظرية في مجال الفلسفة الطبيعية في فيزياء عصر النهضة؟ ألا يمكن القول بضرورة إعادة كتابة تاريخ العلم وقراءته قراءة نسقية كونية من  أجل كشف الخيط الناظم بين جميع حلقات تاريخ الفكر النظري بشكل عام والفلسفة الطبيعية بشكل خاص؟.


المراجع:

العربية:

ابن سينا: الشفاء، الطبيعيات، تصدير و مراجعة، الدكتور ابراهيم مدكور، تحقيق، سعيد زايد، منشورات مكتبة اية الله العظمى ، إيران.

بناصر البعزاتي : الاستدلال و البناء: بحث في خصائص العقلية العلمية دار الأمان، المركز الثقافي العربي- الرباط، الطبعة الأولى 1999.

مصطفى نظيف، ” اراء الفلاسفة الاسلاميين في الحركة ومساهمتهم في التمهيد إلى بعض معاني علم الديناميكا الحديث “، مجلة التفاهم ” بين الفلسفة والرياضيات من ابن سينا إلى كمال الدين الفارسي” ، إشراف الدكتور رشدي راشد، سلسلة دراسات تاريخية في الفلسفة والعلوم في الحضارة العربية- الاسلامية(3 )، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت 2016

  • الأجنبية:

Edward Grant.  A History of Natural of Natural philosophy, from ancient world to the Nineteenth century  .Cambridge university Press, First published in print format 2006 .

AYDIN SAYILI . ” Ibn Sina and buridan on the Motion of  the projectile, Ataturk Culture Center, Ankara, Turkey2017.

  [1] مصطفى نظيف، ” اراء الفلاسفة الاسلاميين في الحركة ومساهمتهم في التمهيد إلى بعض معاني علم الديناميكا الحديث “، مجلة التفاهم ” بين الفلسفة والرياضيات من ابن سينا إلى كمال الدين الفارسي” ، إشراف الدكتور رشدي راشد، سلسلة دراسات تاريخية في الفلسفة والعلوم في الحضارة العربية- الاسلامية(3 )، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت 2016 ص . 422 .

[2]  المرجع نفسه، ص. 425.

[3]  الالهيات:  إن لكل علم موضوعا ينظر فيه، فيبحث عن أحواله، وموضوع العلم الإلهي حسب الشهرستاني في كتابه ” الملل والنحل” هو الوجود المطلق، ولواحقه التي له بذلته، ومبادئه، وينتهي في التفصيل إلى حيث تبتدئ منه سائر العلوم، وفيه بيان مبادئها. وجملة ما ينظر فيه هذا العلم هو أقسام الوجود، وهي: الواحد، والكثير، ولواحقها، والعلة، والمعلول، والقديم والحادث، والتام، والناقص، والفعل، والقوة، وتحقيق المقولات العشر.

[4]  ابن سينا: هو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا، هو فيلسوف وطبيب  من بخارى، اشتهر بالطب والفلسفة، واشتغل بهما ولد في قرية ” أفشنة ” ولد سنة 980م  وتوفي في همدان ( في إيران حاليا) سنة 1037م، عرف باسم الشيخ الرئيس. ونشأ في بيت ثروة وجاه إذ كان أبوه وليا على أفشنة، ثم انتقل إلى بخارى. وفي بخارى بدأ ابن سينا تعلمه، زعم أنه أتم دراسة الادب واللغة قبل أن يجاوز عشر سنين، وفي ذلك الحين أم أحد دعاة المصريين ( الاسماعليين) بخارى، وكان والد ابن سينا و أخوه من الاسماعيلية، فزعم ابن سينا أنه كان يسترق السمع إلى أحاديثهم في الفلسفة والعقل والنفس وحساب الهند فيقبل بعضا ويرفض بعضا. بدأ ابن سينا تعلم العلوم العقلية على أبي عبد الله الناتلي، فدرس عليه الإيساغوجي والمنطق وهندسة أقليدس وكتاب المجسطي. وسرعان ما فاق التلميذ أستاذه. ثم درس ابن سينا العلوم على نفسه، غير أنه قرأ الفقه على اسماعيل الزاهد، كما قرأ شيئا من الطب على أبي سهل عيسى بن يحي الجرجاني. وبرع ابن سينا وعالج تأدبا لا تكسبا واختلف إليه الأطباء يدرسون  عليه ويستفيدون منه، وهو في السادسة عشرة من عمره. في هذه الأثناء مرض الأمير نوح بن نصر الساماني وحار الأطباء في علته فعالجه ابن سينا وشفاه فنال عنده حظوة عظيمة و أذن له الامير في الدخول إلى مكتبة القصر، وكانت حافلة بالكتب القيمة النادرة، فاستفاد ابن سينا منها علما كثيرا. وابن سينا فهو طبيب وعالم طبيعي ثم فيلسوف، وقد عرف ابن سينا الفلسفة الخالصة عن طريق الفارابي، ولكنه توسع فيها ففاق الفارابي، وهو بحق منظم الفلسفة والعلم في العالم الاسلامي كما كان أرسطو في اليونان. ودون ابن سينا المنطق تدوينا واضحا وافيا، في الشعر والنثر، حتى استحق لقب المعلم الثالث. وكذلك عرف بلقب الشيخ الرئيس لمكانته في علم الطب وفي التطبيب.

وكان ابن سينا بارعا في الرياضيات وفي علم الفلك وعلم الموسيقى. وكانت له مقدرة في العلوم الطبيعية وملاحظات صحيحة قيمة. ولم يفض أحد من فلاسفة الاسلام في موضوع النفس مثل ما أفاض ابن سينا. وله كتب كثيرة ومتنوعة الموضوعات منها:

  • كتاب القانون في الطب.
  • الشفاء: دائرة معارف فلسفية ( المنطق والطبيعيات والرياضيات والالهيات) وهو من أكبر كتبه الفلسفية .
  • النجاة: مختصر الشفاء وفيه ثلاثة أنواع من الفلسفة ( المنطق والطبيعيات والالهيات).
  • كتاب الإشارات والتنبيهات: وهو من مؤلفاته المتأخرة ، وحصيلة جانب أوفر استقلالا من جوانب تطوره الفكري.
  • تسع رسائل: الرسالة الأولى: في الطبيعيات فيما يتعلق بالأجسام خاصة. والثانية : في الأجرام العلوية، والثالثة: في القوى الإنسانية وادراكاتها فيما يتعلق بالحواس والعقل، والرابعة: في الحدود، أي تعريفات بعض الألفاظ الواردة في الفلسفة، والخامسة: تقسيم الحكمة وفروعها، والسادسة: في إثبات النبوة، والسابعة: في معاني الحروف الهجائية، وهي رسالة رمزية في موضوعها، والثامنة: في العهد، وهي رسالة في تهذيب النفس، والتاسعة: في علم الأخلاق.

[5]  ابن سينا: الشفاء، الطبيعيات، تصدير و مراجعة، الدكتور ابراهيم مدكور، تحقيق، سعيد زايد، منشورات مكتبة اية الله العظمى ، إيران، ص.23.

[6] «  Aristotle s Cosmos is of course a product of his natural philosophy. By a variety of means and in a number of treatises, Aristotle identified and described the basic components of our physical World… »

« Within the cosmos, Aristotle distinguished two major divisions : the celestial region and the terrestial . The diving line between the two regions was the concave surface of the lunar sphere. That surface divided two totally dissimilar regions…. The terrestrial region, which lay below the concave lunar surface, was a region of constant change and transformation. It consisted of four elements : earth, water, air and fire, arranged by nature in this order from the center of the world to the moon s concave surface » (Edward Grant.  A History of Natural of Natural philosophy, from ancient world to the Nineteenth century  .Cambridge university Press, First published in print format 2006.p .37.)

[7] Théorie de l impetus : Catégorie grâce à laquelle les physiciens du moyen âge expliquaient la persistance du mouvement. Selon la théorie de l impetus, Si un objet en mouvement ( par exemple une pierre jetée en l’air) continue à se mouvoir pendant une certain temps, c’est qu’il reçoit de son moteur ( par exemple la main qui lance la pierre) une force impresse ou impetus qui, s’épuisant progressivement, explique aussi du même coup que l’objet  finisse par s’arrêter . Une telle conception, en se construisant à partir de l’expérience concrète de l’élan, relève d’une physique qualitative, héritée d’Aristote Elle sera définitivement abandonnée au XVII siècle avec Galilée qui crée une science physique entièrement nouvelle, fondée sur la quantification et la mathématisation du réel.   ( Elisabeth Clément – Chantal Demonque- Laurence Hasnsen- Pierre Kahn : La philosophie de AZ . Hatier.P,217) .

[8]  ابن سينا: الشفاء، الطبيعيات، تصدير و مراجعة، الدكتور ابراهيم مدكور، تحقيق، سعيد زايد، منشورات مكتبة اية الله العظمى ، إيران، ص.324-325.

[9]  *  مكانة ابن سينا في مجال الفلسفة الطبيعية:  في كتاب الشفاء وتحديدا في الجزء المتعلق بالطبيعيات قدم ابن سينا تصورا سيكون بمثابة من بين الشروط النظرية التي ستساهم في بروز تصورات علمية فيما بعد في مجال الفلسفة الطبيعية ابتداء من  القرن الرابع عشر مع ” جون بريدان ” في تصوره لـ نظرية الاندفاع ، ثم مع غاليلي خلال القرن السابع عشر في مشروع ترييض الطبيعة وتأسيسه لمفهوم العطالة في الفيزياء الحديثة، وحسب علمنا فالدراسات العلمية لتطور الفلسفة الطبيعية قليلة جدا، دراسات تقف على أهم الاسهامات والحلقات الأساسية لتاريخ العلوم بشكل عام والفلسفة الطبيعية بشكل خاص، لكن رغم ذلك هناك بعض الدراسات  الرصينة حول العصر الوسيط  كدراسات ” إدوارد كرانت ” و ” إرنست مودي ” وبعض المقالات العلمية التي أنجزها بعض الباحثين. وفي هذا السياق سنعزز ما قلناه حول ابن سينا بنص للباحث ” AYDIN SAYILI من مقال له بعنوان ” :

” Ibn Sina and buridan on the Motion of  the Projectile »

بخصوص تصور ابن سينا حول حركة  الأجسام التي طرحت منذ أرسطو وشكلت كذلك موضوعا لردود يوحنا النحوي   على أرسطو، يقول الباحث ”  AYDIN SAYILI

«  Ibn Sina adopted this idea in its rough outline, but the violent inclination as he conceived it was a non- self- consuming one. It was a permanent force whose effect got dissipated only as a result of external agents such as air resistance. He is apparently the first to conceive such a permanent type of impressed virtue for non- natural motion. This view was practically abandoned until the 14th century when it appears again with John Buridan, Who called this acquired virtue Impetus .( Projectile » . Ataturk Culture Center 2017, Ankara, Turkey

 AYDIN SAYILI . ” Ibn Sina and buridan on the Motion of  the Projectle. P.477.)

«  Now, was Buridan Influenced by Ibn Sina in advocating the idea of non- self-consuming impetus in connection with the violent motion of the projectil ? This seems very likely , and it is the purpose of this paper to establish the reasonableness of Such a thesis or claim. Ibn Sina can have influenced Buridan in the field of dynamics especially through his book Kitab Al-Shifa . Not all of Shifa was translated into Latin. The portion of the text that bears most directly upon the topics which concern us here occurs in Chapters (fasl) 12 to 15, inclusive, of Section ( maqala) 4 of book ( fann) 2 entitled al-sama al-tabii , ( usually referred to as Natural causes and principles) of the part  entitled Physics ( al- Tabi iyat) . There is apparently some doubt as to whether these chapters of the Shifa were translated in full into Latin before the second quarter of the 14th century . whether they were available in Latin translation in the time of Buridan ( p.477-478 .).

[10]  ابن سينا: الشفاء، الطبيعيات، تصدير و مراجعة، الدكتور ابراهيم مدكور، تحقيق، سعيد زايد، منشورات مكتبة اية الله العظمى ، إيران، ص. 324.

[11]   تطهير المادة من الخصائص الإنسانية هو عبارة عن مسلسل تاريخي لتطور العلم وتحديدا الفلسفة الطبيعية، فحينما نقول أن الجسم الطبيعي  يحن ويشتاق، نكون هنا قد أسقطنا خصائص إنسانية على الجسم الجامد، وهذا ما يسمى بالتفكير الإحيائي- الانثروبومورفي- ومسلسل تطهير المادة التفكير والشوق ، يجد أسسه وبعض معالمه الأولى في لدى الفلاسفة الطبيعيين، الذين حاولوا دراسة الطبيعية بعناصر من داخل الطبيعة وإحداث نقلة للخطاب والتفكير من الميثوس إلى اللوغوس، وفي هذا السياق يقول ” إدوارد كرانت ” :

« Not only did the Pre-Socratics eliminate the gods as the causes of natural phenomena and replace them with natural causes . but they also adopted a number of different approaches to explain the apparent diversity and change they observed in the World around them »( Edward Grant.  A History of Natural of Natural philosophy, from ancient world to the Nineteenth century  .Cambridge university Press, First published in print format 2006 . p.8 .)

فمع الفلاسفة الطبيعيين تم االاهتمام بالبحث عن أسباب الظواهر الطبيعية دون إقحام الالهة أو القوى في ذلك.وعملية تطهير المادة من الشوق والحنين ومن الخائص الإنسانية بشكل عام  هي عملية تاريخية بدأت بعض معالمها خلال العصر الوسيط خصوصا مع يوحنا النحوي ثم مع ابن سينا وابن باجة….وصولا إلى الفترة الحديثة في القرن السابع عشر حينما ظهر مفهوم العطالة مع غاليليو غاليلي، وفصل وتمييز ديكارت  بين النفس والبدن. فتطهير المادة من التفكير والشوف والميل والحنين هو نتيجة للتطور الذي عرفته الفلسفة الطبيعية وخصوصا الفيزياء الحديثة، وما ينبغي أن نستخلصه هنا هو أن تطور العلوم داخل أي مجتمع ترافه ثقافة علمية تقوم على السببية والربط العلمي العقلاني بين الظواهر والأشياء داخل الطبيعة، كما أن ذلك أيضا هو ما انتج فلسفيا الذات الفاعلة والمفكرة والمسؤولة عن أفعالها، بمعنى أن الإنسان الفاعل هو الذي يفكر ويحن ويشتاق وليس الأشياء المادية، ويتحمل مسؤولية أفعاله، ولا يحمل المسؤولية  للموضوع وللأشياء الجامدة. وهكذا فإن الاهتمام بالعلوم وتاريخها هو المدخل الأساسي لترسيخ الثقافة العلمية داخل مجتمع ما، كما أن الاهتمام بتاريخ العلوم بشكل عام وتاريخ الفلسفة الطبيعية بشكل خاص، هو مدخل من بين المداخل لبناء ذهنية علمية وترسيخ الحس النقدي لدى الإنسان.

[12]  المصدر نفسه، ص.130.

[13]  المصدر نفسه، ص. 327.

[14]  بن سينا: الشفاء، الطبيعيات، تصدير و مراجعة، الدكتور ابراهيم مدكور، تحقيق، سعيد زايد، منشورات مكتبة اية الله العظمى ، إيران، ص. 132.

[15]  *    قد ساهمت عملية الترجمة في انتقال الفلسفة الطبيعية والوسيطية  إلى أروربا ابتداء من القرنين الثاني عشر والثالث عشر، بعد ترجمة مجموعة من الأعمال والشروحات والإضافات والاسهامات العلمية والفلسفية إلى اللغة اللاتينية، مما ساهم في بلورة تصور و نظرية الاندفاع فيما بعد. وهذا ما يؤكده إدوارد كرانت Edward Grant في نصوصه و كتبه  التي عناوين : A History of natural philosophy, from the ancient world to the Nineteenth century «  ”  ثم كتاب : The Natural of Natural philosophy in the Late Middle Ages.وفي هذا السياق سأعزز ذلك ببعض النصوص من كتب “إدوارد كرانت ” المكتوبة باللغة الإنجليزية ، وغير مترجمة حسب علمنا إلى اللغة العربية، فهي  كتب ونصوص  رصينة  يستحضر من خلالها اهم الاشكالات التي ساهمت في تطور الفلسفة الطبيعية عبر مجموعة عبر تاريخ الأنساق والتقاليد العلمية.

«… He also assumed that bodies were not moved from one place to another by air, as Aristotle had argued but by an impressed force, or impetus, which played a signficant role in the history of dynamics, influencing natural philosophers in Islam and the Latin west all way to Galileo. Philoponus belived that the medium through which a body moved served to resist the motion of that body, but not to move it, as Aristotle argued.

[16] Edward Grant.  A History of Natural of Natural philosophy, from ancient world to the Nineteenth century  .Cambridge university Press, First published in print format 2006 . p. 58 .

[17]  بناصر البعزاتي : الاستدلال و البناء: بحث في خصائص العقلية العلمية دار الأمان، المركز الثقافي العربي- الرباط، الطبعة الأولى 1999.ص.134.