موت خرافة السعرات الحرارية – بيتر ويلسون / ترجمة: أسماء الوِليعي

موت خرافة السعرات الحرارية – بيتر ويلسون / ترجمة: أسماء الوِليعي


       اعتمدنا لأكثر من قرن على السعرات الحرارية في إخبارنا عمّا يُسمّنّا. يقول بيتر ويسلون: لقد حان الوقت لنبذ وحدة القياس الأكثر إضلالًا في العالم خلف ظهورنا.

 

        المرة الأولى التي ظنّ فيها سيلفادور كامتشو أنه سيموت كانت عندما كان في سيارة والده الكرايسلر مع صديقٍ له يستمع إلى الموسيقى. كان طالب الهندسة البالغ من العمر اثنان وعشرون عامًا قد ركن السيارة قرب منزله في مدينة تولوكا، ولم يلحظ مع الإضاءة الليلية الضئيلة أن ثمةَ رجلان موشومان يقتربان. كانت أغنية توري أموس “bliss” للتو قد بدأت عندما وجه أفراد العصابة أسلحتهم إلى الشاب.

        وهكذا بدأت محنة الـ٢٤ ساعة .  كان كامتشو قوي الإرادة والبنية وكان الأعند منهما فخُصّ بعصب العينين والضرب . ثم طرحه أحد اللصوص على الأرض واضعًا سلاحه على مؤخرة رأسه وقال لقد حان أجلك . أغمي عليه ثم أفاق فإذا به شبه عارٍ في حقلٍ ويداه مقيدتان خلف ظهره .

      نجا كامتشو من الموت ولكنه لم ينجُ من الأذى النفسي فقد أصيب بالاكتئاب . ثم ما لبث أن أفرط في الأكل والشرب حتى صار وزنه ١٣٠ كيلو بعد أن كان رشيقًا حيث كان وزنه ٧٠ كيلو.

       قرّبه ذلك من الموت للمرة الثانية ، بعد ٨ سنوات من المرة الأولى ، وكان ذلك في ٢٠٠٧. يتذكر أنه يستيقض وتطرف عيناه في ضوءٍ ساطع : كان يُحمل على نقالة جرحى إلى  جناح الطوارئ في المشفى، وقد أصيب باضطراب في نبضات القلب .

قال : ” أخبرني طبيب القلب أني سأموت خلال خمس سنوات إن لم أنحف وأتحكم بصحتي”.

      أجبرته الأزمة الثانية أن يعالج الصدمة النفسية السابقة في وقتٍ متأخر . ولكي يعالج ما يعرف باضطراب ما بعد الصدمة خضع لجلساتٍ إرشادية وأخذ عقاقيرًا مضادةً للاكتئاب والقلق . وحاول أن يخفف من وزنه لكي يعالج مشاكل صحته البدنية. دفعه هذا الجهد المبذول إلى الدخول في صلب قضية علمية مقلقة تعد من أوسع القضايا جدًلا في عصرنا : إلا وهي حروب السعرات الحرارية ، خلافٌ قوي حول الحمية وخسارة الوزن .

     اليوم بعد أكثر من عقد من التحذير المؤلم من طبيب القلب يعيش كامتشو في مدينة بازل في سويسرا . يعيش مرتاحًا واثقًا إلا أن يذكر موضوعان . عندما يروي قصة اختطافه إذ يطأطأ رأسه وتتلاشى ابتسامته ويبدو هادئًا ، مع أنه يقول أن قد شُفي من نوبة الهلع . الموضوع الحساس الأخر هو خسارة الوزن، الأمر الذي يجعله يهز رأسه غضبًا مما عانى هو وملايين غيره من ممارسي الحمية . ” أنه لأمرٌ سخيف ، قومٌ يعيشون بألم وتأنيب ضمير ولا يتلقون إلا نصائح مربكة أو خاطئة تمامًا” هكذا قال كامتشو بغضب.

     الإرشادات التي أعطها الأطباء وأخصائيو التغذية لكامتشو بالإضافة إلى بحثه في الشبكة العنكبوتية كانت كلها مجمع عليها . وهذا معروف عند ملايين ممن حاولوا ممارسة الحمية. يقول كامتشو: ” الجميع يقولون أن أردت أن تخسر وزنك فعليك أن تقلل من أكلك وتُكْثر من حركتك ولتقوم بذلك عليك أن تحسب سعراتك الحرارية”.

     في أثقل وزن وصل إليه كامتشو كان مؤشر كتلة جسمه – نسبة طوله إلى وزنه – تصل ٣٥.٦ أي أعلى من ٣٠ درجة وهو ما يعتبره الأطباء سمنة مفرطة . وتشر معظم الإرشادات الحكومية إلى أن الرجل يحتاج ٢٥٠٠ سعرة يوميًا ليحافظ على وزنه ( و٢٠٠٠ سعرة بالنسبة للنساء ) . أخبر أخصائيو التغذية كامتشو بأنه لو أكل أقل من ٢٠٠٠ سعرة يوميًا فإنه سينقص٣٥٠٠ أسبوعيًا أي سيخسر ٠.٥كيلو أسبوعيًا .

      علم أنه لابد من انضباط حقيقي لينقص قامته القصيرة لاسيما أنه يعمل عملًا مكتبيًا  إذ يعمل مهندس تخطيط في مشفى مكسيكي . ولكنه  شخص ذو عزيمة غير عادية، كسرعة إدراك خاطفيه. حيث بدأ يستيقض قبل الفجر يوميًا ليقطع ١٠ كيلو متر . وأيضًا بدأ يحسب كل لقمة يأكلها .

       يقول كامتشو ” كنت أكتب قائمة في في برنامج أكسل بالأطعمة التي أتناولها يوميًا وأسبوعيًا وشهريًا. أصبحت فعلًا هوسًا بالنسبة لي”. كان يذهب إلى برقر كينق ليتناول تاكو مقلي ومحشي بلحم الخنزير والجبن وترتا( خبز مكسيكي محشو باللحم والفصوليا المقلية والأفوكادو والفلفل). ويخرج لشرب الخمر والبيرة كما هو معتاد .

      “كنت دائمًا مرهق وجائع ومتقلب المزاج ومشتت. كنت أفكر في الطعام طوال الوقت ” أُخبر كثيرًا بأنه إن نفذ الخطة بشكل صحيح – أن يستهلك سعرات أقل من التي يحرق – فإن النتيجة ستظهر سريعًا . ” فعلتُ كل ما يفترض أن أفعل ” قالها وكأنه طالب في المدرسة أتمّ واجباته ولكنه أخفق في الامتحان. اشترى سوار اللياقة البدنية لِيحسب كم يحرق من السعرات خلال الجري . ” أُخبرت أن أتمرن لمدة ٤٥ دقيقة على الأقل أربع أو خمس مرات في الأسبوع . في الحقيقة أنا أجري لأكثر من ساعة يوميًا .” استمر في تناول أطعمة منخفضة السعرات والدهون لثلاث سنين، لكنّه لم ينجح . في تلك المرحلة خسر ١٠ كيلو ولكنه اكتسبها مرة أخرى على الرغم من تقليله للسعرات .

     ممارسو الحمية في العالم يعرفون مشاعر الاحباط التي شعر بها كامتشو جيدًا . فمعظم الدراسات تقول أن ٨٠٪ من الناس يستعيدون ما خسروا من أوزانهم على المدى البعيد. ومثل كامتشو عندما نفشل نفترض أننا كسولون أو طماعون وأننا ملومون.

أنها قاعدة عامة صحيحة عندما تأكل سعرات أقل بكثير مما تحرق فإنك ستنحف ( وستسمن عندما تأكل أكثر ). ولكن خطط الحمية الشائعة التي تروج لنا كل سنة تخالف تلك التي أعطيت لكامتشو .  السعرات كوحدة قياس علمية ليست موضع خلاف . ولكن حساب السعرات في الأطعمة بدقة أصعب بكثير مما توحي به الأرقام الدقيقة المكتوبة بثقة على علب الأطعمة . صنفان من الطعام متفقان في السعرات قد يهضمان بطرقٍ مختلفة. فالأجساد تختلف في معالجة السعرات الحرارية . وقد يختلف الجسد ذاته من وقتٍ لأخر. فوقت تناول الطعام عامل مهم . فكلما بحثنا أكثر، أدركنا أن حساب السعرات قد يساعدنا قليلًا في التحكم بأوزاننا أو الحفاظ على نظام غذائي صحي، ولكن حساب السعرات المستهلكة والمحروقة بهذه البساطة المضللة خطأ خطير .

     السعرات الحرارية موجودة في كل مكان في الحياة اليومية. إذ تحتل أعلى القائمة في بطاقة المعلومات التي توضع على الأطعمة والمشروبات المعلبة. والكثير من المطاعم تكتب السعرات الحرارية في كل طبق في قائمة الأطعمة. قياس السعرات الحرارية التي نحرقها أصبح شيئًا معتادًا . معدات النادي و أساور اللياقة على معاصمنا حتى هواتفنا تخبرنا كم نحرق من السعرات خلال التمرين الواحد أو خلال اليوم .

      لم يكن الأمر هكذا . افترض العلماء لقرون أن المهم هو كتلة الطعام المستهلك. في نهاية القرن السادس عشر اخترع طبيب إيطالي اسمه سانتوريو سانكتوريس (كرسيًا لقياس الوزن) متدلياً من ميزان ضخم، جلس على فترات منتظمة ليقيس نفسه، وكل ما يأكل ويشرب وكل ما يخرج من فضلات. وبعد ٣٠ عام من إدمان الكرسي استطاع سانكتوريس أن يجيب على بعض تساؤلاته حول تأثير استهلاكه للأطعمة على جسده.

     فقط في الآونة الأخيرة تحول التركيز إلى الطاقة التي تحتويها المواد الغذائية المختلفة. في القرن الثامن عشر اكتشف انطوان لافوازييه -نبيل فرنسي – أن الشمعة المحترقة لابد لها من غاز من الهواء – سماه أوكسجين- لِتوقد الشعلة وتنتج الحرارة وغيرها من الغازات. وطبق نفس المبدأ على الطعام مستنتجًا أن الطعام يوقد الجسد كنارٍ تحترق ببطء . وقد بنى مسعرًا  -جهاز كبير يتسع لخنزير هندي لقياس السعرات الحرارية- وقاس الحرارة التي تنتجها المخلوقات ليقدر مقدار ما تنتجه من طاقة. ولسوء الحظ فإن الثورة الفرنسية- لاسيما مقصلة الإعدام – قد أفسدت الأمر . ولكنه قد بدأ في أمرٍ. بنى علماء أخرون بعد ذلك ” مسعرًا قنبليًا” يحرقون فيه الطعام لِيقيسوا  الحرارة الناتجة عنه ومن ثم الطاقة المحتملة فيه.

     السعرات الحرارية ( calorie) مأخوذة من الكلمة اللاتينة (calor) والتي تعني حرارة ، وقد كانت في الأصل تستخدم لقياس كفاءة بخار المحركات: السعرة الحرارية الواحدة هي الطاقة اللازمة لتسخين كيلوغرام من الماء بمقدار درجة مئوية. وفقط في الستينات من القرن التاسع عشر استخدم عالم ألماني السعرة الحرارية لقياس الطاقة في الطعام. كان ويلبيور اتواتر -وهو مزارع كيميائي أمريكي- أول من روج لفكرة استخدامها لقياس الطاقة في الطعام وقياس الطاقة التي يحرقها الجسد في بعض الأنشطة مثل العمل العضلي وإصلاح الأنسجة وتقوية الأعضاء. وفي عام ١٨٨٧ كتب -بعد رحلةٍ إلى ألمانيا- سلسلة مقالات اشتهرت في مجلة (century) الأمريكية قال فيها”أن الطعام للجسد كالوقود للنار”. وقدم للناس “المغذيات الكبيرة”- الكاربوهايدرات والبروتين والدهون – وسميت بهذا الاسم لأن الجسم يحتاج الكثير منها.

        اليوم الكثير منا يرغب بمراقبة استهلاكه للسعرات الحرارية ليقلل من وزنه أو يحافظ عليه. أما اتواتر فقد حفزه أمرٌ أخر : بحث عن أغذية فعالة لتملأ بطون أولئك الجوعى في فترة كان فيها سوء التغذية أمرًا شائعًا.

      ولكي يعلم مقدار الطاقة التي تزود بها المغذيات الكبيرة الجسم، قام باطعام عينات من نظام غذائي أمريكي “متوسط” في تلك الحقبة – يعتقد أنه يحتوي على كمية وفيرة من دبس السكر ، ووجبة الشعير ، و أحشاء الدجاج – لمجموعة من الطلاب الذكور في قبو في جامعة ويسليان في ميدلتاون ، كونيتيكت.  استمر باطعامهم لمدة تصل إلى ١٢ يومًا في كل مرة يأكل فيها أحد المتطوعين وينام ويرفع الأثقال في حجرة ارتفاعها ستة أقدام وعرضها أربعة أقدام وعمقها سبعة أقدام.  حُسبت الطاقة في كل وجبة عن طريق حرق نفس الأطعمة في المسعر القنبلي.

      كانت الجدران مليئه بالمياه وسمحت التغيرات في درجة حرارتها لأتواتر أن يحسب مقدار الطاقة التي ولّدتها أجسام الطلاب. قام فريقه بجمع براز الطلاب واحرقوه أيضًا ليعرفوا كم بقي من الطاقة في أجسامهم في عملية الهضم.

قد يستغرق الطعامعند بعض الناسمن ٨ إلى ٨٠ ساعة ليسافر من الإناء إلى المرحاض.


      كان هذا أمرًا جديدًا في تسعينات القرن التاسع عشر  . وخلص أتواتر في النهاية إلى أن غراما من الكربوهيدرات أو البروتين يساوي  متوسط ​​أربعة سعرات حرارية من الطاقة المتاحة للجسم ، وأن غرامًا من الدهون يساوي في المتوسط ٨.٩ من السعرات الحرارية  ، وهو رقم تم تقريبه فيما بعد إلى تسعِ سعراتٍ حراريةٍ .  نحن نعرف الآن الكثير عن كيفية عمل الجسم البشري: كان أتواتر على حق في أن بعض الطاقة المحتملة في وجبة ما قد أخرجت ، لكن لم يعلم  أن بعضها كان أيضًا يستخدم لهضم الوجبة نفسها ، وأن الجسم يحرق كميات مختلفة من الطاقة  معتمدًا على الغذاء.  إلى الآن  بعد مرور أكثر من قرن على إشعال براز طلاب ويسليان ، تظل الأرقام التي حسبها أتواتر للمغذيات الكبيرة مقياسًا لقياس السعرات الحرارية في الأطعمة.  كانت تلك التجارب أساس حساب السعرات الحرارية اليومية لسلفادور كامتشو.

      غير أتواتر تفكير العامة حول الطعام بفكرته البسيطة” السعرات الحرارية ما هي إلا سعرات حرارية”. ونصح الفقراء بأن لا يأكلوا الكثير من الخضروات الخضراء لأنها لا تمدهم بما يكفيهم من الطاقة. ووفقًا لحسابه فإنه لافرق بين السعرات الحرارية التي في السبانخ وبين تلك التي في الشوكولاتة. وإذا امتص الجسم طاقة أكثر مما يستخدم فإنه سيخرن الفائض كدهون في الجسم، مما يؤدي إلى زيادة الوزن.

      سيطرت تلك الفكرة على تفكير العامة. وفي عام ١٩١٨ نُشر أول كتاب في أمريكا مستندًا على الفكرة التي تقول أن الحمية الصحية ليست إلا عملية جمع وطرح للسعرات الحرارية. “بإمكانك أن تأكل ما تحب: حلوى، فطائر، كيك، لحوم دهنية، زبدة، كريمة، شريطة أن تحسب السعرات الحرارية” هذا ما كتبه لولو هنت بيترو في كتابه”الحمية والصحة” “علمتَ الآن أن بإمكانك أن تأكل ما تحب فاجعل في قائمة طعامك شيئًا منها” وقد بيعت من كتابهِ ملايينُ النسخ.

      ومع حلول الثلاثينات من القرن التاسع عشر كانت فكرة السعرات الحرارية قد ترسخت في أذهان العامة وسياسة الحكومة. فقد حُصر التركيز على الطاقة التي في الطعام وأُهمل ما فيه من فيتامينات. ومع زيادة الأجور ومشاركة الإناث في القوى العاملة أصبح الناس في الستينات يكثرون من الأكل في المطاعم أو يشترون المواد الغذائية الجاهزة، لذا أرادوا معلومات أكثر عمّا يستهلكون. شاعت كتابة المعلومات الغدائية على المواد الغذائية ولكنها كانت عشوائية، فالكثير منها يحمل ادعاءات غريبة حول فوائدها الصحية. وفي عام ١٩٩٠ أصبحت كتابة المعلومات الغذائية على المنتجات أمرًا إلزاميًا وموحدًا في أمريكا.

       أيضًا تغيرت أهمية هذه المعلومات واستخدمها . ففي نهاية الستينات أصبحت السمنة مشكلة صحية ملحة حيث قلل الناس من الحركة وأكثروا من أكل المواد الغذائية الجاهزة والسكر. فلمّا كَثُر السمن في الناس أصبح تغيير النظام الغذائي محط اهتمام.

      وهكذا بدأت حربٌ على الدهون كان فيها حساب أتواتر للسعرات الحرارية حليفًا غير مقصود. لأن حساب السعرات الحرارية كان يعتبر حكمًا موضوعيًا على مدى جودة المواد الغذائية من الناحية الصحية.

وبدا منطقيًا أن الطعام الغني بالسعرات والدهون مضرٌ للصحة . قياسًا على ذلك فإن الأطعمة منخفضة السعرات الحرارية والغنية بالسكر والكاربوهيدات أفضل من الناحية الصحية. وهكذا أصبح الناس يلومون الدهون باعتبارها سببًا لأمراض الحياة الحديثة، وفي عام ٢٠١٦ اكتشف باحث في جامعة كالفورنيا بمساعدة من لوبي السكر وثائق منذ عام ١٩٦٧ تبين فيها أن شركات السكر قد مولت دراسات في جامعة هارفرد تقول فيها أن الدهون هي سبب وباء السمنة المتزايد. إن وصف “الدهون ” الغذائية الموجودة في زيت الزيتون وشرائح لحم الخنزير والزبدة بالكلمة ذاتها التي نصف بها الشحم غير المرغوب فيه حول خواصرنا سهّل اعتبار الدهون شرًا.

        اقترح تقرير مجلس الشيوخ الأمريكي في عام ١٩٧٧ حمية للجميع منخفضة الدهون والكوليسترول وحذت حذوها حكوماتٌ أخرى. استجابت مصانع الطعام بحماس، فاستبدلت الدهون- أكثر المكونات سعرات حرارية في المغذيات الكبيرة- بالسكر والنشاء والملح. ويبدو أن الآلاف من المنتجات الرخيصة والشهية ومنخفضة الدهون والسعرات الحرارية التي استخدمها كامتشو في حميته كانت طويلة الأجل ومُربحة.

       إلا أن هذا لم يؤدِ إلى التحسن المتوقع في الصحة العامة. حيث تزامن ذلك مع الزيادة المذهلة في السمنة والتي لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية. فبين العامين ١٩٧٥ و٢٠١٦ ازدادت السمنة ثلاثة أضعاف على مستوى العالم، ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية فإن قرابة ٤٠٪ ممن تزيد أعمارهم عن ١٨ عامًا – أي ١.٩ مليار بالغ- يعانون من السمنة. وقد ساهم ذلك في الانشار السريع لأمراض القلب والأوعية الدموية( لاسيما مرض القلب والجلطة الدماغية) والتي أصبحت سببًا رئسيًا للموت على مستوى العالم. وفي عام ١٩٨٠ ازدادت نسبة مرض السكر من النوع الثاني والذي يرتبط غالبًا بأسلوب المعيشة والنظام الغذائي.

     لم تكن الدول الغنية وحدها من عانت من تلك المشكلة. ففي المكسيك عانت العائلات المدنية من الطبقة المتوسطة كعائلة كامتشو من مشكلة السمنة.  فقد كان لائقًا بدنيًا في طفولته ويحب أن يلعب كرة القدم. ولكن عندما بلغ سن العاشرة في عام ١٩٨٨ ازداد وزنه كأترابه ، نتيجة للتجارة المتزايدة مع أمريكا فقد رأوا الحلويات الرخيصة والمشروبات الغازية تملأ الدكاكين، في عملية تعرف بـ”استعمار كوكا” للمكسيك . يقول كامتشو:” فجأة ظهرت هذه النكهات التي لم نتذوقها من قبل كالشوكولاته والحلويات ود.بيبر، فأصبحت بدينًا بين ليلة وضحاها”. وقد قلل من الحلويات بعد أن سخر منه أعمامه  لخصره المنتفخ وظل لائقًا بدنيًا إلى حين اختطافه بعد ١٢ سنة. واستمر غيره من المكسيكين في السمنة حتى تفوقت المكسيك على أمريكا باعتبارها أكثر البلدان بدانة وكان ذلك في عام ٢٠١٣.

 

  لمكافحة هذه المشكلة ، أضافت الحكومات في جميع أنحاء العالم حساب السعرات الحرارية في السياسة.  تعزو منظمة الصحة العالمية “السبب الأساسي” للسمنة على مستوى العالم إلى “عدم توازن  بين ما يحرق المرء من سعرات حرارية وبين ما يستهلك”. استمرت الحكومات في عرض النصيحة ذاتها : احسبوا السعرات الحرارية وانقصوا منها.  وفي عام ٢٠١٨ أمرت الحكومة الأمريكية المؤسسات التجارية وآلات البيع الأوتوماتيكية بأن تضيف تفاصيل السعرات الحرارية على الأطعمة، وذلك لمساعدة المستهلكين لاتخاذ قرارت واعية وصحية. وحذت حذوها استراليا وبريطانيا . ونصحت الجهات الحكومية ممارسو الحمية بأن يسجلوا وجباتهم في ( calorie journal )

وهي دفاتر مخصصة لذلك لكي ينحفوا .لم يتغير الجهد التجريبي لعالِم القرن التاسع عشر ولم يُشكك فيه.

  

الملصقات على الأطعمة قد تقلل من سعراتها الحرارية بنسبة ٢٠٪

يستسلم ملايين من ممارسي الحمية عندما يفشلون في حساب سعراتهم الحرارية. إلا أن كامتشو كان ذو عزيمة. فقد كان يصوّر وجباته ليسجل ما يتناول بدقة، فيسجل السعرات الحرارية في جداول بيانات على هاتفه. كان يفكر في كل لقمة يتناولها. واشترى أدوات لحساب ما يحرق من سعرات إلا أنه لم يخسر الكثير من وزنه.

        كانت المشكلة في أنه حَسِبَ أن حساب السعرات كان دقيقًا. يقدم منتجو الأطعمة أرقامًا محددة بشكلٍ مثيرٍ للأعجاب، فمثًلا مطعم دومينو يكتب على بيتزا البيروني المضاعفة ٢٤٨ سعرة حرارية ( ليست ٢٤٧ولا ٢٤٩). لكن أرقام السعرات الحرارية المسجلة على علب الأطعمة وفي قوائم المطاعم خاطئة.

     وجدت سوزان روبرت، أخصائية التغذية في جامعة تافتس في بوسطن، أن الملصقات على الأطعمة المعلبة الأمريكية  ناقصة في حساب السعرات الحرارية الحقيقية بنسبة ٨٪. تسمح أنظمة الحكومة الأمريكية بتقليل السعرات على الملصقات بنسبة ٢٠٪(  لضمان عدم بخس المستهلكين من حيث التغذية التي يتلقونها). أما معلومات السعرات الحرارية على بعض الأطعمة المجمدة فإنها محرفة بنسبة ٧٠٪.

      ليست هذه هي المشكلة الوحيدة. حساب السعرات يعتمد على مقدار ما تنتجه الأطعمة من حرارة عندما تحرق في الفرن. لكن جسم الإنسان أشد تعقيدًا من الفرن. فعندما يحرق الطعام في المختبر فإنه يُسلّم سعراته الحرارية في ثانية. وعلى النقيض،فإن رحلة الطعام  في الحياة الحقيقية من إناء العشاء إلى المرحاض تأخذ في المتوسط قرابة اليوم ، وقد تستغرق عند بعض الأشخاص من ٨ إلى ٨٠ ساعة. تمتلك السعرات الحرارية في الكاربوهيدات والبروتين الكمية نفسها من الطاقة المخزنة لذا فهما يؤديان الأداء نفسه في الفرن. لكن عندما تكون تلك السعرات الحرارية في أجسادٍ حقيقية فإن الأمر سيختلف تمامًا. ومازلنا نكتشف أشياء جديدة، فقد اكتشف باحثون أمريكيون السنة الماضية أننا -ولأكثر من قرن- كنا نبالغ في تقدير السعرات الحرارية التي نستهلكها من اللوز بنسبة٢٠٪.

      تتأثر عملية تخزين الدهون -الوزن الذي يريد الكثيرون التخلص منه- بعوامل أخرى كثيرة. بصرف النظر عن السعرات الحرارية، فإن جيناتنا وبلايين البكتيريا التي تعيش في أحشائنا وطريقة إعداد الطعام والنوم كل هذه عوامل تؤثر في معالجتنا للطعام.  المناقشات الأكاديمية حول الطعام والتغذية غير منظمة مع الإشارة إلى هيئات بحثية ضخمة بحاجة إلى تنظيم. يقول تيم سبكتور، بروفيسور في جامعة كينقز في لندن،” لا يوجد مجال في العلوم أو الطب يفتقر إلى الدرسات الدقيقة كهذا المجال، بإمكاننا أن نصنع دي ان اي صناعي ونستنسخ الحيوانات ، ولكننا مازلنا لا نعلم إلا القليل عمّا يبقينا على قيد الحياة.

       ما نعلمه هو أن حساب السعرات الحرارية غير متقن وغالبًا مضلِل. فكر في البرجر التي تجنبها كامتشو في بداية محاولاته لخسارة الوزن. خذ قطعة منها وسيحللها اللعاب الذي في فمك، ويستمر اللعاب في التحليل عندما تبلع، وهكذا تنتقل اللقمة إلى معدتك . ومن خلال عملية الهضم يتحول البروتين والكاربوهايدرات والدهون التي في البرجر إلى مكوناتها الأساسية فتكون صغيرة بما يكفي لتمتصها الأمعاء الدقيقة في مجرى الدم لتغذي وتصلح بلايين الخلايا في الجسم. لكن تلعب الجزيئات الأساسية من المغذيات الكبيرة دورًا مختلفًا في الجسم.

     تتحلل كل الكاربوهيدرات إلى سكريات، وهي مصدر الطاقة الإساسي للجسم. لكن سرعة حصول الجسم على الطاقة من الطعام مهمة كأهمية مقدار الطاقة. تُمتص الكاربوهيدرات البسيطة بسرعة إلى مجرى الدم، ممدةً الجسم بالطاقة بسرعة، إذ يمتص الجسم السكر من علبة المشروب الغازي بمعدل ٣٠ سعرة حرارية في الدقيقة، بينما يمتص  سعرتين حراريتين في الدقيقة من الكاربوهيدرات المعقدة كالبطاطا والرز. وهذا أمرٌ مهم، لأن عملية الإمتصاص المفاجئ للسكر  تؤدي إلى الإطلاق السريع للأنسولين، وهو هرمون ينقل السكر من مجرى الدم إلى خلايا الجسم. وتظهر المشاكل عندما يكثر السكر في الدم. يمكن للكبد أن يخزن بعض الفائض لكن البقايا تخزن كدهون. لذا فإن استهلاك كمية كبيرة من السكر هي أسرع طريقة لانتاج الدهون في الجسم. وعندما يؤدي الأنسولين عمله تنخفض مستويات السكر في الدم مما يجعلك جائعًا وبدينًا.

     انتشار السمنة ليس إلا نتيجة للتمدن.  كان أسلافنا يتمتعون بكمية كبيرة من السكر ربما أربع مرات في السنة ، عندما يُنتج موسمٌ جديدٌ فاكهةً طازجةً.  أما الآن فيستمتع الكثيرون بهذا النوع من السكر يوميًا.  يستهلك الشخص العادي في العالم المتقدم 20 ضعف كمية السكر التي استهلكها الناس في زمن أتواتر.

     ولكن يختلف الأمر عندما تأكل كربوهيدرات معقدة كالحبوب. فهي مدموجة مع بعضها من الكاربوهيدرات البسيطة ، لذالك تتحلل هي أيضًا إلى سكر، ولأنها تفعل ذلك ببطء فإن مستوى السكر في الدم يظل ثابتًا. يحتوي عصير الفاكهة الذي أُوصي كامتشو بشربه سعرات أقل من أحدى كعكاته ذات الحبوب الكاملة لكن الخبز يحتوي على سكر أقل مما يشعره بالشبع لفترة أطول.

     وللمغذيات الكبيرة الأخرى وظائف مختلفة.  يعمل البروتين ، وهو المكون الرئيسي للحوم والأسماك ومنتجات الألبان ، كعنصر أساسي لبناء العظام والجلد والشعر وأنسجة الجسم الأخرى. ويمكن أيضًا استخدامه كوقود للجسم في حال غياب الكميات الكافية من الكاربوهيدرات.  ولكن نظرًا لأنه يتحلل ببطء أكبر من الكربوهيدرات ، فإنه غالبًا لا يُحول إلى دهون في الجسم.

     الدهون أمرٌ مختلف.  فهي  تشعرك بالشبع لفترة أطول ، لأن جسمك يقسمها إلى أحماض دهنية صغيرة في عمليةٍ أبطأ من معالجة الجسم للكربوهيدرات أو البروتين.  جميعنا نحتاج إلى الدهون لعمل الهرمونات وحماية أعصابنا ( تشبه إلى حدٍ ما الطبقة البلاستيكية الرقيقة التي تحمي سلك الكهرباء).  على مدى آلاف السنين ، كانت الدهون أيضًا وسيلة مهمة لتخزين الطاقة عند البشر ، مما أبقانا على قيد الحياة في فترات المجاعة.  الآن ، حتى وإن لم نكن في مجاعة  ، فإن أجسامنا مبرمجة على تخزين الغذاء الزائد احتياطً  لحالة نفاد الطعام.  لا عجب أن مقياسًا واحداً لا يمكنه أن يحيط بهذا التعقيد.

     يفترض هوسنا بحساب السعرات أن كل السعرات متساوية وأن كل الأجسام تستجيب للسعرات بالطريقة ذاتها. هكذا أُخبر كامتشو ، وبما أنه رجل، فهو يحتاج إلى ٢٥٠٠ سعرة يوميًا ليحافظ على وزنه. لكنّ أبحاثًا متزايدة تقول أنه عندما يستهلك أشخاصٌ مختلفون الوجبة ذاتها فإنه سيختلف تأثير الوجبة على مستوى السكر في الدم وتكوين الدهون من شخصٍ لأخر حسب جيناتهم وأسلوب معيشتهم ومزيجهم الفريد من بكتيريا الأمعاء. 

 

         

إنك تمتص سعرات أقل عندما تأكل خبزًا محمصًا باردًا.

بيّن بحث أجري هذه السنة أن مجموعة من الجينات توجد عند البدناء أكثر من النحيفين، مشيرًا إلى أن بعض الناس عليهم أن يبذلوا مجهودًا أكبر من غيرهم ليحافظوا على رشاقتهم( وهذه حقيقة شعر  الكثير منا أنها صحيحة بديهيًا ). قد يؤثر الاختلاف في ميكروبيومات الأمعاء في طريقة معالجة الناس للطعام. وجدت دراسة أجريت على ٨٠٠ إسرائيلي في ٢٠١٥ أنه قد اختلف ارتفاع مستوى السكر في الدم بعامل أربعة عند استجابتهم للطعام ذاته.

     بعض الناس أمعائهم أطول بنسبة٥٠٪ من غيرهم، يمتص ذوو الأمعاء القصيرة سعرات أقل ويخرجون معظم الطاقة التي في الطعام فلا تزيد أوزانهم إلا قليل.

     قد تتغير أيضًا استجابة جسمك وفقًا لوقت تناول الطعام. انقص وزنك وسيحاول جسمك أن يستعيده، مما يؤدي إلى بطء عملية الأيض وتقليل الطاقة التي تستخدمها في شد عضلاتك. حتى مواعيد نومك وأكلك مهمة. قد يؤدي عدم النوم ليلًا إلى تحفيز جسمك لتكوين أنسجة دهنية، مما يلقي الضوء على سنوات جهد كامتشو في الصباح الباكر. قد يزداد وزنك عندما تأكل كميات قليلة من الطعام خلال ١٢ -١٥ ساعة أكثر من زيادته عندما تأكل الطعام ذاته في ثلاث وجباتٍ منفصلة خلال فترة أقل.

      ثمة نقطة ضعف أخرى في نظام حساب السعرات الحرارية: كمية الطاقة التي نمتصها من الطعام تعتمد على كيفية إعداده. الطعام المفروم والمطحون قد أدى جزءًا من عمل عملية الهضم ، مما يوفر لجسمك سعرات أكثر عن طريق تمزيق جدران الخلايا قبل أن تتناولها. ويعظم هذا التأثير مع الحرارة: يزيد الطهي من نسبة الطعام المهضوم في المعدة والأمعاء الدقيقة، من ٥٠٪ إلى ٩٥٪. ترتفع السعرات الحرارية القابلة للهضم عند الطهي في لحم البقر بنسبة ١٥٪ وفي البطاطا الحلوة قرابة ٤٠٪ ( يعتمد على ما إذا كانت مسلوقة أو مشوية أو مطبوخة في المايكرويف).  مهم جدًا هذا التأثير مما جعل ريتشار رانغام ، عالم الثدييات في جامعة هارفرد، يعتبر الطهيَ مهمًا لنمو الإنسان. يمكّن الطهي من التمدد العصبي الذي يجعل الإنسان عاقلًا: تستهلك تقوية الدماغ حوالي خُمس من طاقة الإنسان الإيضية كل يوم. ( يغنينا الطهي عن قضاء اليوم كله في المضغ ، عكس الشمبانزي.

     لا تقف صعوبة الحساب بدقة عند هذا الحد. يمكن أن تنخفض ما تحمله السعرات من عناصر ثقيلة بالكاربوهيدرات مثل الأرز والمعرونة والخبز والبطاطا ببساطة من خلال طهيها وتبريدها وإعادة تسخينها. عندما تبرد جزيئات النشاء فإنها تشكل بنية جديدة يصعب هضمها. عندما تأكل خبزًا محمصًا باردًا أو بقايا معكرونة فإنك تمتص سعرات أقل من لو كانت طازجة. واكتشف علماء في سريلانكا في ٢٠١٥ أن السعرات الممتصة من الأرز  بإضافة زيت جوز الهند خلال الطبخ ومن ثم تبريد الأرز قد تنخفض إلى النصف. هذا جعل النشاء أقل قابلية للامتصاص لذا فإن الجسم يمتص سعرات أقل( حتى الآن لم يُختبر التأثير الدقيق للأرز المطهو بهذه الطريق على الإنسان). هذا أمرٌ سيء إن كنت تعاني من سوء التغذية ونعمة إن كنت تحاول إنقاص وزنك.

     أيضًا قد تُمتص أجزاء مختلفة من الفاكهة والخضروات بشكلٍ مختلف : فعلى سبيل المثال الأوراق القديمة أكثر صلابة. يسهل هضم الأجزاء الداخلية النشوية من لب الذرة السكرية لكن يستحيل أن يتحلل قشر السليولوز و يعبر في الجسم من دون ما ضرر . فكر في اللحضة التي تنظر بها إلى المرحاض بعد أكل الذرة السكرية.

      ومثل كثير من ممارسي الحمية فشل كامتشو في تتبع ما يستهلك من سعرات حرارية بدقة. وأيضًا فشل في تتبع ما يحرق. ثمة رسالة من كثيرٍ من السلطات العامة ومنتجي الطعام، لاسيما شركات الوجبات السريعة التي ترعى الأحداث الرياضية، تقول لن يجعلك الطعام حتى غير الصحي منه بدينًا ما دمت تمارس الرياضة بما يكفي. وبالتأكيد للرياضة فوائد صحية واضحة. ولكن ما لم تكن رياضيًا محترفًا فإن دور الرياضة في خسارة الوزن سيكون أقل بكثير مما يعتقده كثيرٌ من الناس. إن ما يصل إلى ٧٥٪ من متوسط بذل الشخص العادي للطاقة يوميًا لا يأتي من التمارين الرياضية بل من الأنشطة اليومية العادية و من أداء الجسم لوظائفه كهضم الطعام وتزويد الأعضاء بالطاقة والحفاظ على طاقة الجسم منتظمة. حتى شرب الماء المثلج- الذي لا يولد طاقة- يجبر الجسد على حرق سعرات حرارية ليحافظ على درجة حرارته المفضلة، صانعًا الحالة المعروفة الوحيدة لاستهلاك شيء مع سعرات “سلبية”. هناك تعبير شائع بالإنجليزية يخبرنا ألا ” نقارن التفاح بالبرتقال” ونفترض أنهما متماثلان . لكن السعرات الحرارية تضع البيتزا والبرتقال أو التفاح و الآيس كريم في نفس المقياس وترى أنهما متماثلان.

      بعد ثلاث سنوات من حساب السعرات بإخلاص غير كامتشو طريقته. وعندما كان يستعيد صحته بعد مارثون سان دييقو  مارس تدريب كروس فيت، وهو نظام رياضي يشمل تمارين قاسية ورفع أثقال. وهناك قابل أُناسًا يستخدمون طرقًا مختلفةً ليتحكموا بأوزانهم. ومثله يتمرنون بانتظام. ولكن يأكلون طعامًا طبيعيًا بدلًا من أن يحصروا سعراتهم الحرارية، وهو ما يسميه كامتشو: “أشياء من مصنع حقيقي وليست من مصنع صناعي”.

     ملَّ الأحساس بالجوعِ والفشل فقرر أن يجرب. تخلص من المنتجات الجاهزة منخفضة السعرات، وركز على نوعية طعامه بدلًا من كميته. توقف عن الإحساس بالجوع طوال الوقت. يقول كامتشو:” يبدو الأمر بسيطًا لكنّي استمعت إلى جسمي وكنت آكل عندما أجوع وفقط عندما أجوع وكنت أكل طعامًا حقيقيًا وليس طعامًا منتجًا”. وعاد إلى تناول أشياء قد حرم نفسه منها لزمنٍ طويل. و تناول شرائح لحم الخنزير لأول مرة منذ ثلاث سنوات واستمتع بتناول الجبن والحليب كامل الدسم وشرائح اللحم.

      شعر فورًا بانخفاض إحساسه بالجوع وأحس بالسعادة. وما يدهش أكثر أنه وبسرعة بدأ بخسارة الدهون الزائدة. “نومي أصبح أفضل وخلال بضعة أشهر توقفت عن تناول أدوية الاكتئاب والقلق” هكذا قال. “تبدّل حالي من الإحساس الدائم بالذنب والغضب والخوف إلى الإحساس بالتحكم بالنفس وفي الحقيقة أنا فخورٌ بجسمي. فجأة أستطيع أن استمتع بالأكل والشرب مرة أخرى”.

     ثبت وزنه وفي ٢٠١٠ انتقل إلي هايدلبرغ في ألمانيا، عالم بعيد عن شوارع المكسيك المكتظة، ليدرس الماجستير في الصحة العامة. “خطرت عليّ فكرة أن أجمع بين تجربتي الشخصية والعمل الأكاديمي لأساعد الناس في التغلب على هذه العوائق المتعددة التي واجهتها.” وبعد أن انهى الماجستير شرع في الدكتوراه في كيفية معالجة السمنة في المكسيك.

      اليوم هو متزوجٌ بعالمةٍ ألمانية، أريكا قانثر، والتي درست أنظمة الطعام حول العالم. يحتوي نظامهم الغذائي أشياء اعتاد أن يتجنبها، مثل صفار البيض وزيت الزيتون والمكسرات. يواظب الزوجان على وجبة نباتية يومان في الأسبوع أما بقية الأيام فإنه يلتهم شرائح اللحم والكلى والكبدة وبعض أطباقه المكسيكية المفضلة بارباكوا( خروف صغير) والكارنيتاس(لحم الخنزير) وتاكو مع اللحم المشوي.

     تستمتع زوجته بصنع المعجنات الحلوة المكسيكية التقليدية والتي تسمى بان دي مورتو (خبز الموت)  في السابق كنت أجري لساعتين إضافيتين لأعوض أكلها لكنّي الآن لا أهتم، فقط أتأكد أنها متعة، وليست عملاً يوميًا. أمضى سنوات يحاول أن يترك الكحول، ويشرب كأسًا أو اثنين من الخمر عدة مرات في الأسبوع، ويذهب لشرب البيرة مع أصدقاء النادي.

     يجهد نفسه بالتمرين ثلاث أو أربع مرات في الأسبوع،  وهو مفتول العضلات كلاعب رجبي محترف.وقد ثبت وزنه على ٨٠ كيلو ، لديه القليل من الدهون، إلا أنه لايزال يعتبر بدينًا في جداول مؤشر كتلة الجسم، والتي تعتبر الكثير من الرياضيين المحترفين بدناء. و لا ينتكس إليه القلق هذه الأيام إلا عندما يسمع توري أموس تغني “بليس” -الأغنية التي كان يسمعها قبل اختطافه- ويقول”إن هذا لأمرٌ مؤسف لأنها أغنية عظيمة”.

     يمكن أن يوصف كامتشو اليوم بإنه منشق عن السعرات ، فرد في مجموعة قليلة لكن متزايدة من الأكاديميين والعلماء الذين يقولون أن الاستمرار في حساب السعرات يجعل السمنة وباء بدلًا من علاجها. يقول أن حساب السعرات عطّل قدرتنا على أكل الكمية الصحية من الطعام ، ووجهنا إلى خيارات سيئة. وفي ٢٠١٧ كتب ورقةً أكاديمية كانت أحد أشد الهجمات على نظام السعرات نشرت في مجلة راجعها أمثاله . يقول “في الحقيقة أني لأخجل مما كنتُ أعتقد، كنت أفعل كل ما في استطاعتي لأتبع النصائح الرسمية لكنها كانت خاطئة تمامًا وأني لأشعر بالغباء لعدم الشك فيها.”

 

يمتص الجسم ٣٠ سعرة حرارية في الدقيقة من المشروب الغازي، بينما يمتص سعرتين في الدقية من البطاطا.

إذا كانت الكثير من الأدلة تشير إلى أن حساب السعرات غير دقيق في أفضل الأحوال، ويساهم في زيادة السمنة في أسوئها ، فلماذا استمر؟

     إن بساطة حساب السعرات هو ما يفسر جاذبيتها. من الصعب فهم المقاييس التي تخبر المستهلكين بمدى معالجة الأطعمة أو ما إذا كانت ستُسكت الجوع. لم يتلقَ أي منها قبولًا واسعًا، في مواجهة القوى الهائلة للسعرات.

     تعرف المؤسسة العلمية والصحية أن النظام الحالي معيب. وقد حذر أحد كبار مستشاري منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة في عام٢٠٠٢ من أن  “عوامل”  أتواتر من ٤-٤-٩ في قلب نظام عد السعرات الحرارية كانت “تبسيطًا مفرطًا للغاية” وغير دقيقة لدرجة أنها قد تضلل المستهلكين فتدفعهم إلى اختيار  منتجات غير صحية لأنها تقلل من السعرات الحرارية في بعض الكربوهيدرات.  وقالت المنظمة إنها ستولي “مزيدًا من الاعتبار” لإصلاح النظام ولكن الدافع للتغيير بعد ١٧ عامًا ضعيف  .  حتى أنها رفضت فكرة المواءمة بين العديد من الطرق المستخدمة في بلدان مختلفة – قد تعطي لصقة المعلومات في أستراليا عددًا مختلفًا عن تلك الموجودة في أمريكا لنفس المنتج.

     يعترف أيضًا مسؤولون في منظمة الصحة العالمية بمشكلة النظام الحالي ولكن يقولون أنها قد رسخت في سلوك المستهلك والسياسة العامة ومعايير الصناعة فالتغيير سيكون مكلفًا جدًا ومشوشًا. لم تعاد التجارب التي أجراها أتواتر قبل قرن بلا حاسبات ولا أجهزة كمبيوتر على الرغم من التطور الكبير في  فهمنا لكيفية عمل أجسامنا. هناك القليل من التمويل أو الحماس لمثل هذا العمل. وكما تقول سوزان روبرتس في جامعة تافتس، إن جمع البراز وتحليله” هو أسوأ عمل بحثي في العالم”.

     يقول كامتشو أن نظام السعرات الحرارية أخرج منتجي الأطعمة من القضية” بإمكانهم أن يقولوا لسنا مسؤولون عن المنتجات غير الصحية التي نبيعها، علينا فقط أن نبيّن ما تحويه من سعرات حرارية وندع الأمر لك لتتحكم بوزنك. حاجَّ كامتشو وغيره من المنشقين عن السعرات في إن السكر والكاربوهيدرات عالية المعالجة تخرب الأنظمة الهرمونية للناس. أن ارتفاع مستويات الأنسولين يعني أن الكثير من الطاقة تحول إلى أنسجة دهنية ويبقى القليل منها لِيُمد به الجسم.  وهذا بدوره يُشعر بالجوع ويؤدي إلى التناول المفرط للطعام. بعبارة أخرى قد يكون الجوع والإعياء المستمران الّذان عانى منهما كامتشو وغيره من ممارسو الحمية أعرضًا للسمنة وليسا سببًا للمشكلة. ومع ذلك لا تزال الكثير من مصانع المواد الغذائية تدافع عن الوضع الراهن. ولِنغير طريقة تقييمنا للطاقة والقيم الصحية للغذاء لابد أن نضعف نموذج الأعمال في كثيرٍ من الشركات.

     المنظمة الرئيسية الوحيدة التي حوّلت التركيز إلى غير السعرات هي مؤسسة مكرسة لمساعدة عملائها على تخفيف الوزن : ويت واتتشرز. في ٢٠٠١ قدمت شركة الحمية الأشهر في العالم نظام نقاط ابتعد عن حصر التركيز على السعرات إلى تصنيف الطعام وفقًا لمحتوى السكر والدهون المشبعة وتأثيرهما على الشهية. يقول كريس ستيرك المدير العام للشركة في بريطانيا، قامت الشركة بهذا التغيير لأن الاعتماد على نظام السعرات في خسارة الوزن قد “عفا عليه الزمن”، ” العلم يتطور يوميًا وشهريًا وسنويًا، ناهيك عن القرن التاسع عشر.”

     يعرف الكثير منا بديهيًا أن السعرات الحرارية ليست كلها متماثلة. قد تحتوي المصاصة والتفاحة على أعداد متماثلة من السعرات لكن بلا شك التفاحة خيرٌ لنا. ولكن بعد قضاء عمر من السماع بشأن السعرات الحرارية ودورها فيما يسمى بإرشادات لحمية مضمونة، فإننا نُعذر لتخبطنا بشأن الكيفية الأفضل لتناول الطعام. وقد حان الوقت لإنهاء الجدال.

المصدر

error: