المنطق والتجريبية عند ابن سينا – ديمتري جوتاس


  • منطق ابن سينا

إنّ نقطة الانطلاق لـ منطق ابن سينا هي أن العلم كله يتكوَّن إما من (التصوُّر) عن طريق (التعريف). – أي بأسلوب أرسطيٍّ جيّد: إدراك الجنس والفَصْل لشيءٍ ما -، أو (التصديق) لجملة حَمْلية عن طريق الأقيسة المنطقية. والاستمداد هاهنا بوضوح هو من بداية كتاب:. التحليلات الثانية لـ أرسطو (راجع: Lameer 2006). أخذ ابنُ سينـا هذا الكتابَ على محمل الجد، باتباعِ كلٍّ من المنهج الذي جعله هذا الكتابُ مركزًا للممارسة المنطقية،. واتباع سلفيْه المشّائيين البغداديين أبي بشر بن متّى والفارابي خصوصًا، اللذيْن جعلا منه حجرَ الزاوية في فلسفتهما وأذاعا فضائلَه (راجع. Marmura 1990).

يعني التصديقُ بجملة حمليّةٍ [لمقولة ما] التحقُّقُ من صحتها،. وهذا لا يمكِن فعلُه القيام به إلا من خلال اتخاذ هذه الجملة باعتبارها نتيجةً لقياس، ومن ثَمَّ بناء هذا القياس الذي سينتهي إلى هذه النتيجة. هناك ثلاثة حدود في القياس المنطقي، يوجد حدّان منها هما الأكبر والأصغر في النتيجة،. لا يمكن بناء القياس الذي ينتج هذه النتيجة إلا إذا اكتشف المرء أو خمَّن بشكلٍ صحيح ما الحد الأوسط ​الذي يُظهر الرابطة بين الحدّين. بمعنى آخر، إذا سعينا إلى التحقُّق من الجملة: «A=C»، فإنه يجب أن نبحث عن «B» مناسبٍ لبناء قياسٍ على هذا الشكل:

«A=B» + «B=C» \ «A=C»

نوقشت أهمية الحدّ الأوسط في كتاب: التحليلات الثانية (I.34)، حيث يحدد أرسطو،

«إنّ الفطنة والموهبة في الضرب على الحد الأوسط في وقت ضئيل» (Barnes 1994 trans).

التقط ابن سينا مفهومَ (موهبة الضرب) على الحد الأوسط​​، وترجمه حرفيًّا في النسخة العربية على أنها:.. الحدْس (أي: التخمين بشكل صحيح، والضرب على الإجابة بشكل صحيح)،. وجعله حجرَ الزاوية في نظرية المعرفة (Gutas 2001). جعلت هذه النظريةُ جوهرَ التحقق المنطقي بواسطة العثور على العنصر الوحيد الذي لا غنى عنه لجميع المعارف الفكرية،.. وهو الحد الأوسط، وشرحت سبب اختلاف الناس على أنه يرجع إلى مدى قدرتهم على تطبيق هذه الطريقة المنطقية بافتراض.. أنهم يتمتعون بمواهب مختلفة لفعل ذلك، كما هو الحال مع جميع الملكَات والقدرات الإنسانية.

لقد كان اتباع هذا الأسلوب في منطق ابن سينا أن يقوم بفحص نصوص أرسطو،. وأن يقرأها بالترتيب الذي وُضع في المنهج الخاص بها، واختبار صِحَّة كل فقرة. أما كيفيةُ فِعْلِ ذلك في الواقع العملي، واستخلاص أضرب القياس وأشكاله من المقاطع اللغوية المتضمنة في نصوص أرسطو؛. فيمكن رؤيتها في مقاطع عديدة في أعماله. وبحلول عامه الثامن عشر، استوعب المنهجَ الفلسفي وتحقق منه بما يرضي نفسَه كنظامٍ مترابط ببناءٍ منطقي يفسر كلَّ الواقع.

وفقًا للتصوُّر العلمي للكون في أيامه التي درس فيها المنهج الفلسفي – حيث: عالم أرسطو تحت القمر،. مع علم الكونيات البطلمي، ونظرية الفيض الأفلوطينية المحدثة في عالمِ فوق القمر –. فقد كانت جميع العقول (أي: جميع المفاهيم الكلية، ومبادئُ جميعِ الجزئيات،. أو كما يقول ابن سينا: “صُور الأشياء في حد ذاتها”): هي الموضوع الأبدي لتعقُّل المبدأ الأول، وبعد ذلك،. وفي ترتيبٍ هرميٍّ تنازُلي، انبثقت بواسطة عقول الأجرام السماوية المنبثقة من العقل الأول نهايةً بـ العقل الفعّال، وهو عقلُ عالمِ الأرض.

أثبت تعريف ابن سينا ​​للضرب على الحد الأوسط كعنصرٍ أساسٍ في التحليل المنطقي، من جهةٍ،. أن البنية القياسية لجميع المعرفة هي أيضًا طريقةُ تعقُّلِ العقول السماوية. ومن جهةٍ أخرى، فقد مكَّن ابنَ سينا ​​من توحيد وإدماج المستويات الأخرى من اكتسابها [أي المعرفة] من قبل العقل البشري داخل نموذجٍ توضيحي واحد. ونتيجة لذلك، فقد نجَحَ في إزالة الغموض عن مفاهيم، مثل الإلهام والعشق والرؤية الصوفية والوحي النبوي،. وشرح جميعَ ذلك كوظائف طبيعية للنفس الناطقة. على المستوى الأساسي، هناك تفكيرٌ خطابي [أي خطِّي أو منطقي]. يمضي فيه العقلُ في بناء الأقيسة خطوةً بخطوة بمساعدة الحواس الداخلية والخارجية،. ويكتسب المعقولاتِ بالضرب على [بحدس/بالعثور على] الحدود الوسطى (وهو شيءٌ ما يوصَف بواسطة مصطلحات الفيض.وأيضًا وفق المصطلح الأرسطي وإن كان ذلك أقلَّ وضوحًا – على أنه “اتصالبالعقل الفعّال، لمزيد من المناقشة انظر الهامش 6 الآتي).

وعلى مستوًى أعلى، حلَّل ابنُ سينا التفكيرَ غير الخطابي non-discursive thinking [المقصود غير المنطقي الصوري القياسي]، والذي لا يأخذ وقتًا ويُدرِك موضوعَه بفِعْلٍ تعقُّلي مفردٍ، على الرغم من أن المعرفة المكتسبة من خلاله ما تزال مبنيةً بشكل قياسيٍّ،. مع استكمالها للحدود الوسطى (لأن العقل الفعَّال في مركزِه، وهو مُنظَّم للغاية) (Adamson 2004). وناقش ابن سينا أيضًا الموهبة أو الاعتياد الذي يحدث مع التعقُّل، وهو ما أسماه الرؤية المباشرة أو التجربة (المشاهدة) للمعقولات. إنه يحدث بعد الاتصال المطوّل مع التقنيات العقلية من خلال الوسائل القياسية حتى يصلَ العقلُ الإنساني إلى درجةٍ. لا ينحبسُ معها وراء الحواس الداخلية أو الخارجية ويكتسبَ بعضَ الاعتياد أو «الإِلْفِ» مع موضوعاته،. «من دون أن ينعدم الحد الأوسط عن الحضور» [عبارة المباحثات التي عدلتُ عن نقلها حرفيًّا لصعوبتها: «أما المشاهدة فإلفٌ من القوة العقليّة للمعقول، لا يبرح الوسط [أي الحد الأوسط] عن التمثُّل»]. هذا النوعُ من التفكير يرافقه حالةٌ عاطفية من اللذة [العقلية] والمتعة (Gutas 2006a,b).

أما أعلى مستوًى من التعقُّل فهو مستوى النبي، حيث إنّه نظرًا لقدرته المتطورة على حدس الحدود الوسطى؛. فإنه يكتسب المعقولات [عبارة النجاة: «فترتسم فيه الصور التي في العقل الفعّال إمّا دفعةً أو قريبًا من الدفعة، ارتسامًا لا تقليديًّا»]، «بل بترتيبٍ يشتمل على الحدود الوسطى» (GS 6, 273–274; transl. Gutas 2014a, 184).

وكما يؤكّد ابن سينا، يتوافقُ هذا العلمُ، الذي يمثِّل الواقعَ ويفسِّر الأشياءَ فيه وطريقة وجودها؛. مع ما يوجد في الكتبِ أيضًا، أي مع الفلسفة، أو بشكلٍ أكثر تحديدًا مع العلوم الفلسفية المصنَّفة والمدروسة في التقاليد الأرسطية. ومع ذلك، فإن الهوية بين العلم المطلق، في حالةِ المعقولات الواردة في عقول الأجرام السماوية،. والفلسفةِ بحسبِ ما هي مسجّلةٌ في التقليد الأرسطي؛ ليست كاملةً. فعلى الرغم من أن الأرسطية هي التقاليد الفلسفية الأكثر جدارة بالالتزام بها، كما يقول ابن سينا؛ إلا أنها مع ذلك ليست مثاليةً،. ومهمة الفلاسفة هي تصحيحُها وتوسيعُها من خلال اكتساب المزيد من المعقولات عبر عمليات القياس. إنّ هذا الفهمَ هو الذي مكّن ابنَ سينا من الحصول على رؤيةٍ تقدُّميةٍ لتاريخ الفلسفة ووضْعِ إطارٍ لمشروعه الفلسفي. فعلى الرغم من أن العلْمَ الذي الذي يجري اكتسابُه، هو في حدِّ ذاته وعلى المستوى المتعالي للعقول السماوية الأبدية؛. هو نظامٌ مغلقٌ ومن ثَمَّ ثابتٌ؛ فإنه متطوِّرٌ على المستوى الإنساني وفي التاريخ.

إن كل فيلسوفٍ، من خلال تفكيره المنطقي وقدرته على حدْس الحدودِ الوسطى بشكل صحيحٍ،. فإنه يُعدِّل ويُكْمِل عملَ أسلافه، ويصل إلى مستوًى من العلم هو أكثر اقترابًا من ذي قَبْل إلى العالم المعقول، كما يتحصَّل للعقول السماوية، ومن ثَمَّ إلى الحقيقة نفسِها. كان ابن سينا ​​مدركًا أنه وصل إلى مستوًى جديدٍ في السعي وراء الحقيقة الفلسفية والتحقق منها، لكنه لم يزعم أنه استنفدها جميعًا،. ففي أعماله اللاحقة أعرب عن أسفه بسبب قيود المعرفة الإنسانية، وحثَّ قرَّاءَه على مواصلة مهمة تحسين الفلسفة والإضافة إلى خزَّان المعرفة.

يمكن للعقل الإنساني أن ينخرط في عملية قياسيّةٍ بالترتيب الذي يتضمن الحدودَ الوسطى والذي يتطابق مع العقول السماوية للسبب البسيط [«الأول» في مصطلح ابن سينا]،. كما أصرَّ ابنُ سينا مرارًا وتكرارًا على أنَّ كلًّا من العقل الإنساني والسماوي «مجانِسان»، فكلاهما جوهرٌ غير مادّي.

ومع ذلك، فإنّ اكتساب كلٍّ منهم للعلم يختلف بسبب ملابساتهما المختلفة: فالعقل الإنساني يأتي إلى حيز الوجود في حالة القوَّة المطلقة، ويحتاج إلى الاتصال بالجسم القابل للفساد من أجل تحقيق ذاته،. في حين أن العقول السماوية تتصل بالأجسام الأبدية، وهي فِعْليّةٌ بشكل دائم. ومن ثَمَّ، وبتحرُّره من القيود، فإن علمَ العقول السماوية يمكن أن يكون عقليًّا تمامًا لأنها تتصوّر وتعلَّم المعقولاتِ بما يُسَبِّبُها،. في حين أن العقول الإنسانية في حاجةٍ إلى الحواس الجسدية، الخارجية والداخلية، من أجل إدراك أثرٍ للمعقول [أي: أثر حسّي للشيء المعقول] يمكن أن يرجِعَ الاستدلال القياسي إلى سببه [عبارة التعليقات: «النفس الإنسانية تدرك المعقولَ بتوسُّط محسوسِه. والأوّل والعقول المفارقة تدرك المعقولَ من عِلَله وأسبابه»].

هذا يجعل من الضروري أن يكون لدى ابن سينا ​​نظريةٌ تجريبية للمعرفة، والتي تنص على أن «الحواس هي الطرق التي تستفيد منها النفس الإنسانية المعارف»،. ويتحقَّقُ مدى استعداد الإنسان لتعلُّم المفاهيم الأولية ومبادئ المعرفة، التي تأتي إليه من غير سبيل الحسِّ؛ يتحقق ذلك نفسه عبر إدراك الجزئيات. (GS 12a, 23; Gutas 2014b-VII, esp. pp. 25–27). بالنسبة للمعرفة الإنسانية، يعمل العقلُ كمعالِجٍ للمعلومات التي توفِّرها الحواسُّ الخارجية والداخلية. من المهم أن ندرك أن هذا ليس لأن العقلَ ليس لديه تكوين يتمتع بمعرفةٍ عقليّة محضة،. مثل الأجرام السماوية، ولكن لأنَّ وجودَه في عالم الزمن تحت فلك القمر والمادّة القابلة للفساد؛ يحولُ دون فهمه للمعقولات من خلال أسبابِها. حيث إنّه بدلاً من ذلك لابد أن يصل إلى تلك المعقولات من خلال آثارها المحسوسة. ومع ذلك، بمجرد أن تتحرَّر النفسُ من الجسد بعد الموت – وحتى إذا ظلَّت في الجسد ولكن إذا اكتسبت الاستعدادَ لتصوُّر المعقولات من خلال التدريب الفلسفي – ؛ فإنه يمكنها أن تدرك المعقولاتِ من خلال أسبابها، وتُصبح مثلَ العقول السماوية، وهي حالة وصفها ابن سينا بالمصطلحات الفلسفية على أنها: السعادة، وبالمصطلحات الدينية على أنها: الجَنَّة.

منطق ابن سينا -ديمتري جوتاس