الخلافات التاريخية حول مفهوم الفطرة – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: إيمان معروف

الخلافات التاريخية حول مفهوم الفطرة – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: إيمان معروف


حول الخلافات في مفهوم الفطرة من فترة ما قبل التاريخ إلى أفلاطون والأرسطية ثم عصر النهضة؛ نص مترجم للـد. جيري سامت، والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


    إننا على ما نحن عليه ونمضي حياتنا على هذا النحو نتيجةً للتفاعل القائم بين طبيعتنا المتأصلة والعالم من حولنا، وهذا أمر لا جدال فيه. إلا أنّ من الطبيعي أن نتساءل عن مدى إسهام هذين العاملين الرئيسيين وعن طبيعة هذا التفاعل. ومن هنا يبدأ الجدل الفطري. لطالما كان محور النقاش حول مسألة الفطرة عبر تاريخ الفلسفة منصباً على حياتنا الفكرية: هل تنطوي طبيعتنا المتأصلة على أية أفكار أو مفاهيم أو تصنيفات أو معارف أو مبادئ، وما إلى ذلك، أم أننا نشأنا بدءاً من قوائم معرفية فارغة (لوحة بيضاء (Tabula Rasa أو اللوح الفارغ في إشارةٍ إلى الفكرة في نظرية المعرفة إبستيمولوجية القائلة أن الأفراد يولدون دون أي محتوى أو معرفة عقلية سابقة) واستقاء جميع معلوماتنا ومعارفنا من الوعي الحسي أو البصيرة. يدافع أتباع مذهب الفطرة عن نمط مختلف نوعاً ما عن الخيار الأول، بينما يميل التجريبيون نحو الخيار الثاني.

     يبدو هذا للمعاصرين وكأنه سؤال تجريبي مباشر لا يمكن النقاش فيه إلا علمياً. ولكن حتى لو سلّمنا أن الجدل الفلسفي كان سابقاً لأوانه (مثل التكهنات اليونانية حول المكونات الأسمى للعالم) فمن المهم أن ندرك أن السؤال قد أثار اهتماماً فلسفياً كبيراً ليس فقط بسبب أهميته المتأصلة بل بالدرجة الأولى بسبب ما تلاه (أو كان يعتقد أنه تلاه) من مواقف المنافسين. لقد اعتبرت مسألة الفطرة عنصراً أساسياً في حلّ مسائل هامة تتعلق بالأخلاق والدين ونظرية المعرفة (أبستمولوجيا) والميتافيزيقيا، وما إلى ذلك.

     كشفت دراسة استقصائية حول الجانب الفلسفي لمفهوم الفطرة أنه على الرغم من كونه مذهباً يسهل انتقاده فإنّ من الصعب القضاء عليه. فقد كان مفهوم الفطرة محطّ الأنظار فلسفياً على مدى فترتين، وكان يزدهر في كل فترة من هاتين الفترتين ثم يعود ليخبو. ولا يمكن تجاهل الدور المحوري الذي اضطلع فيه في العصور القديمة عبر فلسفة أفلاطون، لكنه استُبعد من النظام الأرسطي الذي هيمن على التفكير الفلسفي اللاحق. ومن ثمّ أعيد إحياء مذهب الفطرة في القرنين السابع عشر والثامن عشر. واضطلع بدورٍ هامٍ في نظرية المعرفة التي وضعها ديكارت، حيث شن الفيلسوف الانكليزي جون لوك هجوماً مستداماً عليه في بداية مقالته البحثية، في حين أصدر الألماني ليبنيز نقضاً مفصلاً ضد لوك. لكن نهج جون لوك التجريبي هو الذي كسب المعركة، وهُجر مذهب الفطرة كما لو أنه وجهة نظر متخلفة وغير موثوقة. كذلك فعلت المدرسة الكانطية في القرن التاسع عشر حيث وضعت مفهوم الفطرة على الهامش باعتباره غير ذي أهميةٍ فلسفية على الرغم من أن لهذه المدرسة بعض الميل للفطرة. ولكن في الآونة الأخيرة، وبدافع من ادعاءات نعوم تشومسكي بأن ثمة اكتشافاتٍ في علم اللغويات تدحض المذهب التجريبي لصالح مذهب الفطرة، عاد مفهوم الفطرة إلى الواجهة بقوة ليصبح موضوعاً رئيسياً على قائمة الجدل الفلسفي والعلمي مرة أخرى.

 

 

1. عصور ما قبل التاريخ: أمبادوقليس مقابل أناكساجوراس

    لطالما انجذب المفكرون التأمليون إلى واحد من قطبي الجدل دون الآخر حتى قبل تحديد المواقف المتعارضة حول مفهوم الفطرة. ولا نزال نشهد إلى اليوم تبعات الجدل حول النظريات المعرفية المتعارضة لفلاسفة من قبل عهد سقراط مثل أمبادوقليس وأناكساجوراس.

      لقد اعتبرت الفلسفة الشعرية لـ أمبادوقليس الذي رأى أن الواقع هو نتاج دورات متكررة من الحب والغضب، أنّ الإحساس والإدراك، وحتى الحكمة، هي مسألة معرفة “الشيء بشبيهه”.[1] في حين اعتبر منافسه أناكساجوراس أنّ “الإدراك الحسي يتحقق عن طريق الأضداد”.[2] ومن أهم سبل استقراء هذه الجزئيات الغامضة النظر إليها على أنها رمزٌ لأسلوبين مختلفين في النظر إلى مفهوم العقل. بالنسبة لـ أمبادوقليس، العقل مسخّرٌ لخدمة العالم. يستحوذ العقل على الواقع لأنه مضبوط سلفاً وفقاً لتركيبة هذا العالم ويتجاوب معه. وبالنسبة لـ أناكساجوراس، يتعين على العالم فرض تأثيره علينا ليصنع من خامات عقولنا صورة طبق الأصل من هيئته. وتصبح هذه الصورة للعالم الذي يفرض ‘معرفة’ العارف بمثابة الصفحة البيضاء للنظرية التجريبية في القرن السابع عشر. ولكن ثمة صلة أخرى. إنّ أمبادوقليس، رغم كل تقلباته بين الحب والغضب، يعتمد أساساً على التكهنات بلا خجل. في حين يبدو أناكساجوراس “صارماً، صافي الذهن،… و[صاحب] موقف منطقي سليم”. ويبدو هذا الاختلاف في الشخصية الفكرية جلياّ في النقاش اللاحق. يتفق أمبادوقليس كثيراً مع الفلاسفة العقلانيين المؤيدين لمذهب الفطرة في “رؤيتهم الخيالية للكون”، كما وصفها برنارد ويليامز. في حين يشارك التجريبيون البريطانيون نفاد صبر أناكساجوراس المنطقي على مثل هذه الشطحات الخيالية.

              الأمر الأخير الجدير بالملاحظة لدى هاتين الشخصيتين التاريخيتين، هو الطبيعة الراديكالية للغاية التي تميز مذهب الفطرة لدى أمبادوقليس. يمكن النظر في هذه الجزئية على تقول أن جميع أنماط فهمنا تنعكس بطريقة ما على تكويننا. على الرغم من التباين التام في التزاماتهم واهتماماتهم الفلسفية إلا أن الأتباع القدامى والحديثين والمعاصرين لمذهب الفطرة ينجذبون إلى هذه النسخة الشمولية من هذا المذهب. ولا نبالغ إن قلنا أنّ جميع من حاول دحض هذا الموقف الراديكالي، هم في الواقع منجذبون إليه. والاعتقاد السائد هو أن طبيعة هذه المفاهيم تحمل بحد ذاتها (الأفكار والمعرفة وما إلى ذلك) ما يدفعنا إلى اتباع موقف مؤيدي مذهب الفطرة.

 

3. أفلاطون (والتقاليد الأرسطية)

              كما هو الحال مع معظم المسائل الفلسفية، يعد أفلاطون أول من تداول مسألة الفطرة بشكل مباشر في تاريخ الغرب وأول من مارس بعضاً من تطبيقاتها واسعة النطاق. أثيرت هذه المسألة لأول مرة في كتاب الحوارات “مينو”، حيث طرح مذهبالذكريات anamnesis، الذي ينص على أن التعلم ككل هو مسألة استذكار، وأن كل شيء تعلمناه يوماً موجود للتو فينا قبل أن نتلقاه من المعلمين.[3] بالتالي استناداً لهذا الرأي، فإنّ الإدراك الحسي والبحث عن تفسيرات يعيدان لنا ذاكرة كل ما نمتلكه أساساً بالفطرة. وبين الحوار أنّ سقراط دعم هذا الرأي من خلال التأكيد على فكرة أنه عند طرح الأسئلة الصحيحة على عبدٍ أميّ، يمكن لهذا العبد أن “يستكشف بنفسه” نسخة من نظرية فيثاغورس. لكن سقراط لا يفسر ادعاء (الاستذكار Anamnesis) بالقدر الكافي الذي يشبع فضولنا. ومن غير الواضح بالضبط، من بين أمور أخرى، ما الذي يمكن اعتباره معرفةً مكتسبة ضمن هذا السياق، وما الذي يعتبر فطرة؟ أو كيف يتفاعل الإدراك الفطري مع الإدراك الحسيّ أو الاستفسار لينتج عنهم إثارة المعرفة. ومع ذلك، تعامل أتباع مذهب الفطرة مع فكرة العبد في حوارات مينو Meno على أنها الدعامة الأساسية لرأيهم (أشارت الفلسفة”الأفلاطونية” إلى مذهب الفطرة في مواضع مختلفة). وبصرف النظر عن المشكلات التفسيرية التي ذكرت للتو، لم يشار يوماً إلى كتاب الحوارات “مينو Meno” على أنه دعامة أساسية للدفاع عن مذهب الفطرة، لأنّ من السهل جداً التشكيك في ادعاء سقراط بأن ثمة من أطلع العبد مسبقاً على الحل. يرى المشككون أن “استجواب” سقراط بدا وكأنه تلقين ضمني للعبد بالإجابات الصحيحة. وبالمحصلة ظلت هذه البرهنة مشهورة باعتبارها إنجازاً تربوياً تعليمياً رائعاً، ولكن ليس كوسيلة مقنعة للدفاع عن مذهب الاستذكار.

           في الحوار الأخير عن النفس “فيدو Phaedo”، يجادل سقراط بأن مفهوم المساواة الذي ينطوي عليه تصور تكافؤ زوج من العصي قد لا يكون له مصدر تجريبي وبالتالي لا بدّ أن يكون فطرياً.[4] وهنا التركيز ليس منصباً على المعرفة بحد ذاتها، بل على تطبيق المفهوم، ويقدم أفلاطون نظرية المُثُل كجزء من تفسيره: لدينا إدراك فطري لمُثل المساواة، وهذا (الإدراك) للمُثل متداخل نوعاً ما مع إدراكنا الحسّي لتساوي زوج العصي. ولكن لا يمكن اعتبار الحالة مقنعة أيضاً لسببين على الأقل: أولاً، من الصعب فهم كيف يفترض أن يسير الحوار حول مفهوم المساواة بالضبط، وثانياً، ما زلنا غير متأكدين من محتوى نظرية المُثُل لصاحبها أفلاطون.

              على الرغم من ضعف الحجج، تبدأ نقاشات أفلاطون في وضع النقاط على الحروف فيما يتعلق باتباع المذهب الفطري. وفي أعقاب ملاحظة وايتهيد الشهيرة، أصبح المرء قادراً على الجدل بأن جميع العناصر الرئيسية التي تشكل النظرية اللاحقة لأتباع مذهب الفطرة كانت من ضمن توقعات أفلاطون. والعناصر التي تحمل أهمية خاصة هي (1) شكل الحجة (يطلق عليها الآن اسم فقر الحوار المحفز): يجب أن يكون جزء من x فطرياً بسبب عدم كفاية التجربة الحسية، و (2) التركيز على المعرفة والمفاهيم الرياضية.

          على الرغم من أن مذهب الفطرة هو محض فرضية حول التطور المعرفي، إلا أنه مذهب جذاب بالنسبة لأفلاطون بسبب دلالاته الميتافيزيقية والمنهجية الأعمق. في كتابه مينو Meno، يحل مذهب الفطرة ما يسمى أحياناً بمفارقة الاستقصاء. المفارقة: الاستفسار في الطبيعة عن x يكون ذو مغزى فقط إذا لم نكن نعرف طبيعةx, ولدينا طريقة لنحدد فيما إذا كان المعنى المقترح لطبيعة x’s صحيحاً. ولكن إن كنا لا نعرف طبيعة x،                  كيف يفترض بنا أن نحدد ما إذا كان الحل صحيحاً؟ يرى حلّ أفلاطون القائم على نظرية الاستذكار أنّ الاستفسار هو نوع من الاسترجاع العميق للذاكرة الجواب الصحيح على سؤالنا موجود للتو في داخلنا. وعندما ينجح الاستفسار فإنه يذكّرنا بتلك الإجابة بنفس الطريقة التي نتذكر فيها اسم شخص ما بمجرد النظر إلى وجهه. بمجرد أن يحضر الاسم إلى الذهن، فإننا ندرك (بطريقة ما) أننا نعرفه. وبهذه الطريقة، تمنحنا الفطرة الأساس المنطقي لممارسات سقراط الفلسفية. لقد أدركنا ذات مرة الأفكار السامية المستنيرة التي تمثل الطبيعة الحقيقية للأشياء. يقبع أثر هذا الفهم المبكر عميقاً داخلنا بانتظار أن يصحو عبر الاستفسار. لذلك من المنطقي الشروع في بحث فلسفي عن طبيعة الحقيقة والعدل والتقوى والشجاعة وما إلى ذلك.

          استناداً إلى مذهب الفطرة، يصل سقراط في نهاية المطاف إلى مذهب ما قبل الوجود (ويقصد بها أنّ ثمّة مرحلة من وجودنا سبقت هذه الحياة وأن تلك المرحلة هي التي منحتنا خلاصة معارفنا) ويتابع الاستناد إلى مذهب ما قبل الوجود هذا كتبرير أو حجة لخلود الروح. رافق هذا الجدل حول العلاقة بين الفطرة والخلود سقراط حتى فراش الموت، (النقاش حول مذهب الفطرة في حوارات الفايدو) حيث موضوع النقاش هو جوهر الروح اللامادي وخلود الروح. أدرك أفلاطون أن العلاقة بين الفطرة والخلود ضعيفة، لكن الرابطة المزعومة سوف تطارد (أو تنوّر، اعتماداً على وجهة نظر المرء) المذهب االفطري أثناء تطوره في العصر الحديث.

          يعدّ أفلاطون من أنصار المذهب الفطري، لذلك من المتوقع أن يكون أرسطو من أنصار المذهب التجريبي. فهما يختلفان بالفعل حول الفطرة، لكن إقحام أرسطو في الخلاف حول الفطرة أمر معقد. يرفض الفكر الأرسطي مذهب الفطرة الأفلاطوني ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى رفضه حاجة أفلاطون إلى حجة التحفيز. السرّ هنا هو رفض أرسطو لنظرية المثل المتعالية بالنسبة للأرسطيين، مثال الشيء ليس حقيقة متعالية تسعى جاهداً لتحقيقها وتفشل في الوصول إليها، وبل هو جزء لا يتجزأ من الشيء نفسه. الأشياء المادية هي مثلٌ مجسّدة في المادة. بالنسبة لأرسطو، يستند فهمنا لطبيعة أو شكل الأشياء إلى الإدراك الذي يعتبره أرسطو عملية يتم من خلالها نقل مثال (صورة) الأشياء – الشكل المحسوس والشكل الملموس- إلى الذهن (والمادة التي يتركها وراءه).[5] لذلك ليس هناك حاجة إلى التحفيز لتحريض أنصار مذهب الفطرة. سيطرت التناقضات حول هذا النهج المناهض لمذهب الفطرة على الفكر الأوروبي على مدى ألفي عام، وانعكس نهج أرسطو الفلسفي الأكثر واقعية والأقل تأملاً من خلال انتشار المذهب التجريبي في القرن السابع عشر  والقرن الثامن عشر . لكن من شأن ذلك أن يحجب الكثير من الاختلافات خاصة في وجهتي نظرهما حول الإدراك والعقل مما وضع أرسطو على رأس أتباع المذهب التجريبي.

4. الانتشار العقلاني لمذهب الفطرة: ديكارت وليبنيز

             إنّ التواصل الذهني الصافي هو جوهر إحياء مذهب الفطرة في العصر الحديث. منذ الانطلاقة الأولى لثقافة الغرب، كان من المألوف أننا لا نكتفي بالإحساس بالعالم بل نجعله قابلاً للفهم فلا يصبح محسوساً وحسب بل واضحاً أيضاً. تفسر فلسفة أفلاطون الوضوح الذهني من جانب المثل الفطرية التي نتذكرها بتجربة الشعور. بينما تشرح فلسفة أرسطو مفهوم الوضوح من حيث نظرية الإدراك الأكثر ثراءً – بمعنى أنها تجعلنا نتقبل الطبيعة الواضحة للأشياء من خلال الأشياء نفسها. لقد عملت الثورة العلمية في القرن السابع عشر، من خلال تأكيدها على التمييز بين الصفات الأولية والثانوية وتصورها المادي للعالم الملموس، على تقويض النظرة الأرسطية للإدراك تماماً. يمكن توضيح المشكلة في ظل الوعي البصري الجديد. وفقاً للصورة العلمية الحديثة، فإننا حين نرى يحمل الضوء المنعكس عن جسم ما نمطاً من المنبهات إلى العين. وتسبب هذه المنبهات إثارة تنبيه الدماغ، ينتج عنها بطريقة ما) نتائج بصرية واعية. كيف يمكن أن نفسر ثراء إدراكنا للعالم بالنظر إلى أن التنبيهات فقط هي التي تصل إلى الأعضاء الحسية؟ وهكذا يبدو أنه لا توجد طريقة طبيعية لدمج نقل الأشكال المرئية الأرسطية في هذا الوصف، ونعود من جديد إلى مشكلة الوضوح. في التأمل الثاني، يكشف ديكارت عن هذه الفجوة بين ما تستقبله الحواس وما يعرفه العقل ويفهمه. إذا نظرنا إلى قطعة من الشمع الذي يعبر عن نفسه من خلال مجموعة عرضية من الصور الحسية الفعلية والممكنة، يسأل ديكارت كيف توصلنا إلى إدراكه ككائن عديم اللون والرائحة وذو طبيعة ثابتة وخاصة تخضع لقوانين الرياضيات؟ جواب ديكارت هو أننا جميعاً لدينا فكرة مجردة غير حسية عن الكائن المادي. إن الإدراك الحسي يمكننا من “ملء” هذه الفكرة المجردة بالتفاصيل المحتملة لوضعنا الفعلي. لكن الوضوح أي الفهم الشامل الأكبر للعالم  وللأشياء المادية  والفضاء والسببية، والله، وغير ذلك، يقوم كله على هذه الأفكار المجردة. لكن من أين تأتي هذه الأفكار المجردة العامة، في ظلّ انعدام الإحساس؟ وهنا يبرز مذهب الفطرة كإجابة مثالية جذابة لهذا السؤال. يجب أن نأتي إلى العالم محملين مسبقاً بالتصنيفات (المفاهيم، والمبادئ، والأفكار العامة، إلخ) التي تمكننا من فهم ما نراه ونسمعه في الواقع. يمكن أن يستخرج العقل هذه الهبة الفطرية للوصول إلى فهم أولي للأشياء.

        ويمكن رؤية مذهب الفطرة عند العمل وراء الكواليس في حجة ديكارت عن الشمع، ولكن هذا المقطع مصمم أكثر لتخليصنا من فكرة أن إدراكنا العميق لطبيعة الكائنات يأتي من الحواس أكثر من كونه نابعاً عن الدفاع عن الفطرة. من خلال فهم الآثار المترتبة على نقاش مثال الشمع نصل إلى مفهوم مجرد للفطرة ذو طبيعة ممتدة مكانياً. كما تبرز الفطرة في العمل، ولكن مرة أخرى وراء الكواليس، في الحجة الرئيسية للتأمل التي تأخذنا من حقيقة أن لدينا فكرة عن الله إلى حقيقة وجود الله خارج العقل. إن هذه الفكرة (الفطرية) لكائن لا نهائي لا حصر له (أثر الله علينا كمخلوقاته، كما يقول ديكارت) هي ما يجعل من الممكن لنا أن نعرف أن هناك عالماً يفوق أفكارنا وأن أفكارنا ليست على خطأ منهجياً. لكن في النقاش الذي دار في التأمل الثالث، لا يصف ديكارت مفهوم الفطرة ومتى وكيف توصلنا إلى أن فكرتنا عن الله لا تتعلق إلى حد ما بأننا نملكها كما أننا لم نتمكن من بنائها من خلال الفكرة التي نتصورها عن عقلنا. كما أن هذه الحجة تعتبر من المسلمات أن المبدأ السببي الذي مفاده أن سبب الفكرة يجب أن يكون له على الأقل “درجة من الواقع الرسمي” مثل “الواقع الموضوعي”. إنه مبدأ غامض، ومن الصعب تخيل كيف فسر ديكارت مدى سهولته للمتأمل إلا من خلال الادعاء بأنه يعتمد على رؤية واضحة ومميزة لطبيعة السببية التي من المفترض أن تمنح عفوياً بشكل فطري. في كلتا الحجتين، كما في معظم أعماله الرئيسية، لا يتناول ديكارت مفهوم الفطرة وجهاً لوجه . يعود جزء من المشكلة إلى أنه ليس من السهل دمج الادعاء بأن هناك أفكاراً أو مبادئ فطرية في تعريف ديكارت للعقل والوعي. الفطرة موجودة في العقل قبل التجربة. يقترح ديكارت في مرحلة ما أن الأفكار قد تكون في العقل بشكل فطري بالطريقة التي يمكن أن ينتشر بها النقرس في الأسرة. إلى الحد الذي يتم فيه قراءة هذا كنظرية نزعة، فإنه سيتعرض للنقد الشديد في الهجوم التجريبي على الفطرة.

            يقوم ليبنيز، المدافع العقلاني الآخر عن مذهب الفطرة، بتوضيح النظرية بعدة طرق مهمة في مقالاته الجديدة عن الفهم الإنساني. إنه يتحدى تشبيه لوك للعقل بقائمة فارغة من خلال تقديم صورة منافسة للعقل ككتلة من الرخام تشبع عروقها شكل هرقل (52). النقطة الأكثر أهمية هي صقل ادعاء فقر التحفيز. يفترض ليبينز أن تجربتنا في العالم عبارة دماً عن جزئيات عابرة، لكن معارفنا قد تكون عامةً وأحياناً ضرورية (50). بالعودة إلى مثال مينو، يمكن للعبد أن يرى أن المربعات التي نحتها سقراط في التراب تربطها علاقة معيّنة، لكنه انتهى إلى معرفة أن مثل هذه الصلةيجب أن تجسد أي مجموعة محتملة من المربعات التي تحقق الوصف الأولي لسقراط؛ وأنها منطبقة على جميع الفضاءات الممكنة حسب عبارة ليبنيز المعروفة. يجادل ليبنيز بأن العقلانية يجب أن تنطوي على أكثر من مجرد تحريض من الخبرة العابرة. يجب أن تعتمد في نهاية المطاف على الأفكار والمبادئ الفطرية التي تسمح لنا بفهم ليس فقط كيفية حدوث الأشياء ، ولكن أيضاً لماذا يجب أن تحدث بهذه الطريقة .

            يتناول ليبنيز أيضاً مسألة كيفية دمج مذهب الفطرة في نظرية المعرفة ونظرية العقل الأوسع نطاقاً. من أهم مساهماته في هذا المجال: (1) الدفاع عن الحالات الذهنية اللا واعية (53)، (2) الإيحاء بأن ليس كل من هباتنا الفطرية يجب إدراكها كأفكار وأفكار (غير واعية)، ولكن قد تكون بدلاً من ذلك “إجرائية” – طرق التفكير والتفكير الفطرية (84)، (3) التمييز الواضح بين وجود شيء فطري فينا وبين كونه معروف بالفطرة، و (4) الفكرة الاستفزازية، التي ألمحت أيضاً في ديكارت، إلى أن هباتنا الفطرية ليست مجرد كيس من العناصر التي اعتقد الله أنه سيكون من الجيد بالنسبة لنا أن نبدأ بها، ولكنها بطريقة منهجية إنعكاس طبيعتنا – على سبيل المثال، حقيقة كوننا مواد ويمكننا التفكير في طبيعتنا توفر لنا بطريقة أو بأخرى فكرة فطرية عن المادة (كما قال ليبنيز: نحن “فطريون لأنفسنا” (51-2)). اتفق ليبنيز مع أفلاطون على أن مسألة الفطرة هي موضع الخلاف الأكثر أهمية بينه وبين لوك ومن الممكن اعتبارها من المسائل الجوهرية في الفلسفة. لقد شكك في أن معارضة لوك لمذهب الفطرة كانت هجوماً غير مباشر على الروحانية، وبالتالي تحدٍ لفكرة الحياة الآخرة والخلود، وبالتالي تحدٍ للدين والأخلاق والنظام العام.

                   أخيراً، نلاحظ أن هناك بالفعل فلسفتين متباينتين لـ ليبينز لكنهما متصلتان. يمثل ما تقدم محاولة ليبنيز “تعميم” تفكيره والمساهمة في توسيع نطاقه ليشمل الجدل الذي ميّز القرن السابع عشر حول العلم ونظرية المعرفة والفطرة. ولكن هناك ليبنيز آخر نجده في كتاباته الميتافيزيقية التأملية الأعمق، والأكثر ميلاً لـ أمبادوقليس، وخاصة في عمله “المونادولوجيا”. وتشبه غاية ليبنيز هناك إلى حد كبير عمل أتباع نظرية الأوتار المعاصرين – أي للنظر إلى ما وراء الصورة العلمية وكشف الطبيعة الوجودية والميتافيزيقية الأعمق للواقع. النقطة المهمة بالنسبة لنا هي أن العناصر البسيطة النهائية في هذا النظام – الكائن الفرد- تمثب تجسيداً للعالم الكامن وراءها، لكن هذا التجسيد لم ينتج عن العالم. بالنسبة إلى ليبنز، إن العلاقة السببية بين العالم والعقل هي مجرد مظهر. والحقيقة هي أن كل كائن فرد يحتوي على مجموعة مسبقة من تجسيدات العالم والتي هي جزء من طبيعته الأساسية. يمكن التفكير في “الكشف” أو “الإنجاز” التسلسلي لتجسيدات العقل، على أنها تدفق للوعي. لكن الكائنات المنفردة لا تتفاعل، بل تتناغم تيارات الوعي من خلال تناسق إلهي محدد مسبقاً (يشبهه ليبنيز بزوج من الساعات المتزامنة). وبذلك نكون قد وصلنا (مرة أخرى) إلى الاستنتاج الجذري بأنّ كل فكرة وتجربة هي فكرة أو تجربة فطرية. يمكن أن لا يكون هناك أصل خارجي لعنصر عقلي في ماندالوجية ليبنيز، ويمكن قول الشيء نفسه عن ميتافيزيقيا سبينوزا، ثالث أهم العقلانيين العظماء.

           كما أن المفكرين الثلاثة المؤيدين لمذهب الفطرة الذين ذكرناهم حتى الآن هم عقلانيون أيضاً؛ أي أنهم جميعاً يرون أن المنطق يسمح لنا بتجاوز الخبرة والتوصل إلى فهم أعمق للعالم. هناك تقارب طبيعي بين مذهب الفطرة والعقلانية، ولكن يجب التأكيد أنه على الرغم من الميل إلى تطابق الاثنين، إلا أنهما مختلفان. يتمحور مذهب الفطرة حول الظروف الأولية لحياتنا العقلية. وتتمحور العقلانية حول طبيعة ما يمكن أن نعرفه. ويعد مذهب الفطرة عنصر دعم لهذه الفلسفات العقلانية الأكبر. لكن هذا يثير تساؤلاً طرحه نقاد مذهب العقلانية في القرن السابع عشر – بمعنى، حتى لو تم منح ذلك هناك كيف يمكن للمفاهيم والمبادئ الفطرية أن تدعم مذهب العقلانية ما لم نكن نعرف بشكل مستقل أنها صحيحة؟ خلاف ذلك، ليس لدينا أي ضمان بأن هذه المواد الفطرية تكشف عن الطبيعة النهائية للعالم (ناهيك عن جميع العوالم الممكنة). من المغري الاعتقاد بأن اجابة الـقرن السابع عشر ستكون إضافة فرضية مفادها أن مثل هذه الأفكار والمبادئ الفطرية هي منحة من الله، وأن الله لن يخدعنا. لكن هذا الجواب غير كافٍ. فمن الصعب أولاً تجنب تهمة الدوران في دائرة مفرغة، ولكنها من ناحية ثانية عقائدية أيضاً فيما يخص خطط الله. كيف نعرف، كما قال أحد النقاد، أن المقصود هو نقض عناصر الفطرة (المزعومة) التي بدأنا بها عبر التجربة؟

              يمكن للعقلاني أن يقاوم إغراء التوسل إلى الله وأن يتجنب الطريق المسدود الذي يؤدي إليه. يرى ديكارت أن وجود عناصر الفطرة فينا هو بالطبع أمر محتمل، لكن مبرر الحقائق الأعمق التي نستمدها مما هو فطري لا تنطوي على أي تفسيرات منظقية لأصلها. وذلك لأن لدينا أفكار فطرية ييرشدنا إليها العقل بالطريقة المجردة التي نعرفها. لكن مبدأ أن المادة لا يمكنها التفكير هو حقيقة بديهية (حسب ديكارت) لأننا نرى بوضوح وبلا شك أنها ثابتة. إن الوضوح والتميز كمعيار للحقيقة له مشاكله الخاصة التي تختلف عن المشاكل الواضحة والمدمرة التي أثيرت أعلاه. بمجرد أن نفصل بين مذهب الفطرة والعقلانية، يمكننا أن ننظر إلى الوراء وأن نحدد العناصر العقلانية غير الفطرية لدى أرسطو، وأن نفهم العناصر العقلانية لدى أنصار المذهب التجريبي ولوك المناهض اللدود لمذهب الفطرة. يقدم كلاهما لنا أشكالاً من العقلانية بعيدة عن مذهب الفطرة. على نفس المنوال، فإن مذهب الفطرة المعاصر المستوحى من مذهب الفطرة اللغوي لدى تشومسكي يعارض مذهب العقلانية بشدة.[]

 

5. التجريبية والهجوم على مذهب الفطرة: لوك وهيوم

           يبدأ النقاش الحديث حول الفطرة فعلياً مع جدلية لوك ضد المبادئ الفطرية والأفكار الفطرية في الفصول الافتتاحية لمقاله حول التفاهم الإنساني، والذي صادف أنه الوثيقة التأسيسية للمذهب التجريبي الحديث. وكان الهدف من الجدلية هو نزع الشرعية عن الفطرة كتفسير محتمل لمعرفتنا وفهمنا، وبالتالي افساح المجال لوصف المذهب التجريبي الذي تم التوسع فيه في بقية المقال. وتنقسم حجج لوك إلى شقين: أولاً، أن الحقائق التي يستشهد بها أنصار مذهب الفطرة لدعم وجهات نظرهم ليست حقائق على الإطلاق؛ ثانياً، حتى لو قبلت تلك الحقائق من أجل الجدال، فإن وصف المذهب التجريبي هو الأفضل، لأنه أبسط. تكمن البساطة في حقيقة أن كلا الطرفين يقبلان حقيقة دور التجربة في اكتساب المعرفة. يفترض التجريبيون وجود التجربة فقط؛ بينما يعتقد أنصار مذهب الفطرة أن هناك تجربة إلى جانب المبادئ والأفكار الفطرية. إذا تمكنا من وصف المعرفة دون الأفكار والمبادئ الفطرية وما إلى ذلك، فإن أنصار المذهب التجريبي سيفوزون. نظراً لمنطقية الموقف كما يفهمها لوك، فإن الهجوم السلبي الجدلي كله على الفطرة يصب في هذا المضمار. لا يمكن الفوز بجائزة الإبستيمولوجية الحقيقية التي يسعى إليها إلا من خلال تقديم وصف مرضِ إيجابي بعيد عن الفطرة حول كيفية استخلاص المعرفة من التجربة. لكن لوك على الأرجح محق في اعتقاده بأن مفاهيمه التجريبية ستكون أكثر إقناعاً إذا لم يكن هناك بدائل يقدمها أنصار مذهب الفطرة لتحديها.

         لماذا يرى لوك أنّ مذهب الفطرة غير ضروري بل وغير منطقي أيضاً؟ الأهم هو أنه إذا حمل العقل مبادئ فطرية- أياً كانت – فسوف نكون على دراية بها، وبالتالي سيتم الموافقة عليها كلياً. لكنه يبرهن بأن الأطفال والبلهاء لا يمكنهم حتى فهم مثل هذه الادعاءات، ناهيك عن موافقتهم عليها. كما أنه يبرهن على أن المواقف الاحتياطية المختلفة – كالموافقة عندما يفهمون، والموافقة عندما يشرعون في التفكير، والقدرة على الموافقة في ظل الظروف المناسبة – كلها تحول هذه الإدعاءات إلى نوع من التافهة. والنتيجة أن الفطرة هي إما بديل حقيقي للتجربة، لكنها إما مزيفة بشكل واضح، أو صحيحة بشكل تافه ولكنها غير متوافقة مع المفهوم التجريبي.

        ويكمن جزء كبير من هجوم لوك في وجهة النظر الديكارتية القائلة بأن ادعاء وجود شيء ما “في العقل”، سواءً كان فطرياً أم لا، هو إعطاءه مكاناً في وعينا. إذا نجحت فرضية ليبنيز الجريئة للحالات الذهنية غير الواعية فسوف تكتسح معظم حجج لوك ضد الفطرة. لكن علينا أن نضع في اعتبارنا أن الخلافات على الرغم من أنها كانت مؤثرة تاريخياً، فهي تشكل عرضاً جانبياً نوعاً ما. القضية الحقيقية هي ما إذا كان بإمكان أنصار المذهب التجريبي بناء وصف مقبول للمعرفة البشرية دون الإشارة إلى أي أفكار ومبادئ فطرية. لمواجهة هذا التحدي، قدم لوك (وإلى حد كبير هيوم) ما يمكن تسميته كفاية الحجج المضادة التحفيزية. وضع لوك نظرية عن الخبرة (التصور والتفكير) كمصدر لجميع أفكارنا، ورسم سرداً للأقسام العقلية التي يمكن الاستفادة منها في هذه الأفكار، وطبق هذه المواد على أفكارنا المتعلقة باللانهاية، والعدد، والفراغ والمادة، وفهمنا للمبادئ العامة للسببية، وهلم جرا. كانت تلك الأفكار والمبادئ المجردة التي ادعى العقلانيون أن من غير الممكن استخلاصها من التجربة الإدراكية. يريد لوك إثبات أن هذه الأفكار والمبادئ يمكن الحصول عليها دون الحاجة إلى أي بذور فطرية مسبقة. يعتقد لوك أن مفتاح الفهم والتفاهم يكمن في التقدير الصحيح لما يمكن أن تنجزه كلية المنطق لدينا عند إعدادها للعمل على الأفكار الواردة في تجربتنا.

           عند النظر في تنفيذ لوك لهذه الخطة نكتشف ميلاً يزداد قوة عند المفكرين التجريبيين اللاحقين مثل هيوم وخلفائه في القرنين  التاسع عشر والعشرين . يمكن تضليل المرء بسهولة من خلال التفكير بأن ثمة اتفاق عام على كلّ من جانبي هذا الخلاف حول التفسير : يمكننا أن نسمي ذلك فهمنا أو إدراكنا الواضح للعالم. عندئذٍ سيدور الخلاف حول الفطرة حول النظرية التي يمكن أن تقدم أفضل تفسير لهذا “التفاهم” المتفق عليه. لكن هذا النموذج الإيجابي لديناميات اختيار النظرية لا يتناسب مع الخلاف الحقيقي. منظور كونيان هو الأقرب إلى الحقيقة. قام التجريبيون بإعادة تكوين التفسير حتماً – بعض العناصر في التفسير الأصلي يمكن أن تفسر بشكل أفضل من خلال الوصف التجريبي ، ولكن أن يتم شرح قدر كبير منه على أنه عقلاني فهذا بعيد المنال. مثالنا السابق على ادعاء ديكارت البديهي بأن المادة لا يمكنها التفكير هو مربط الفرس. تم انتقاد نظام لوك لعدم قدرته على استبعاد قدرة المادة على التفكير. لكن بالنسبة إلى لوك، لم يكن هذا الاحتمال مستبعداً، على الرغم من تصور ديكارت الواضح والمميز للعكس. لذا فإن لوك لا يقبل العبء التوضيحي المتمثل في تقديم وصف تجريبي لكيفية فهم زيف المذهب المادي وحقيقة الازدواجية. لا تمتد معرفتنا لهذا العالم بقدر ما يعتقد العقلاني، وبالتالي فإن العبء التوضيحي الحقيقي أخف مما يعتقده العقلاني. يصل هذا النمط من التفسير إلى ذروته لدى هيوم، الذي يرى بوضوح أكثر من لوك أن حقيقة كون العقل قادر على جعل العالم واضحاً هو بحد ذاته افتراض فلسفي يجب شرحه مطولاً. ويستبدله هيوم بوصف طبيعي لكيفية تتبعنا للطريقة التي يظهر بها العالم لنا، وكيفية جمع النتائج لإرشادنا في المستقبل.
 إن فهمنا للعالم، وفقاً لفلسفة هيوم، يخفف إلى شيء لا يعتبره العقلانيون تفاهماً على الإطلاق؛ إن تصوره للعقل البشري هو مجرد ظل شاحب لأفكارهم.

               يشمل المذهب التجريبي الصرف الذي نجده لدى هيوم أيضاً تحولاً مفاجئاً لمذهب الفطرة. إن بديل الفطرة، وفقاً لـ لوك، هو أن الأفكار تأتي عبر الحواس من العالم الخارجي المحيط بنا. ولكن يمكن القول أن التجريبية لدى هيوم لا مجال فيها للتفكير في العالم الخارجي، ولا للأفكار المستنسخة عن خصائص الأشياء أو التي تسببها أشياء في هذا العالم (وهي نقطة أكد عليها أيضاً التجريبي البريطاني البارز، الأسقف بيركلي). يخبرنا هيوم، بطريقة فكاهية، أن الجدل حول الفطرة خاطئ تماماً وأن جميع انطباعاتنا فطرية ، لأنها أصيلة في الذهن  [17] على هذا المنوال فإن الفطرة بالنسبة لـ هيوم هي أمر مضلل كذر الرماد في العيون. ما يهم التجريبية ليس تاريخ الأفكار في العقل وما قبلها أو بعدها، بلطبيعة تلك الأفكار. ولا تعد معاداة الفطرة المسألة الأشد أهمية بالنسبة للتجريبي، بل ما يمكن أن نسميه مذهب المعرفة التجريبية ، أي فرضية أن جميع أفكارنا تمثل حالات حسية معينة. يمكننا تلخيص ذلك بالقول أن أفكارنا يجب أن تكون “نسخاً من التجارب”. ما يهم هو أن تكون الفكرة الناتجة تجريبية بالمعنى الصحيح. بالنسبة إلى هيوم، لن نتمكن أبداً من العبث لإنتاج فكرة مجردة، لأنه لا وجود لمثل هذه الفكرة – جميع الأفكار تجريبية أو ذات بنية من هذا القبيل..)[8]

 

6. دور مذهب كانط

         عادةً ما يعزى لـ كانط نقاشات في تاريخ الخلاف بين المذهبين الفطري والتجريبي ترقى إلى المستوى المطلوب. ومن المؤكد أنّ كانط ليس تجريبياً؛ بل يرى فلسفته كاستجابة لتحدي التجريبية البشرية. ومع ذلك، فهو ينتقد النسخ العقلانية من مذهب الفطرة في كل دور. وأعتقد من وجهة نظري، أنّ كانط من أتباع مذهب الفطرة.[9] السبب في هذه الحالات الشاذة هو أنه أكثر بكثير من مجرد أحد أتباع مذهب الفطرة، ويحدد دوراً مختلفاً جداً لما هو فطري فينا عن الدور الذي حدده أسلافه العقلانيون.

        “أكثر” هنا هو نهج كانط المميز للميتافيزيقيا ونظرية المعرفة؛ أي المثالية الفائقة. افترض هيوم أنه نظراً لأن المعرفة تقوم على التجربة، فإن معرفتنا للعالم لا يمكن أن تتعدى تسجيل واستخراج الضوابط من تلك التجربة. كان احتمال ما وصفه كانط بالمعرفة البديهية أي فهم مبادئ الهيكلة الضرورية للواقع، كان يفوق قدراتنا. يعتبر كانط أن امتلاكنا لتلك المعرفة أمر مسلم به ويدفعنا لإنشاء نظام يشرح كيف تكون هذه المعرفة ممكنة. وكان رده على تحدي هيوم بالقول أن البنية المميزة للتجربة هي جزء من طبيعتنا. نحننفترض الضوابط. إذا اعتبرت هذه الضوابط كمساهمة لنا، وفهمنا مبادئ الهيكلة القائمة في العمل، يمكننا أن نفهم حقيقة المعرفة البديهية التركيبية. لكن الثمن الذي ندفعه هو أن هذه المعرفة هي معرفة عالم المظاهر، وليست معرفة الأشياء كما هي في حد ذاتها.

          يقسم كانط هذه المبادئ إلى أشكال الحدس الحسّي وفئات. المكان و الزمان هي مبادئ ترتيب ما قبل التجريبية التي تمنحنا تجربة حسية للعالم المكاني والزماني. تلعب الفئات دوراً موازياً للتفاهم. من خلال فئة السببية ، على سبيل المثال، نفرض بنية سببية على الأحداث التي نتصورها. تسمح لنا البنية المفروضة بالانتقال من ذاتية الأحاسيس المتعاقبة إلى تجربة عالم موضوعي. خذ بعين الاعتبار تشابهاً: بنية البكسل لكل صورة تلتقطها الكاميرا الرقمية هي نتيجة لمبدأ يفرض على كل صورة بواسطة طبيعة الكاميرا. بنية البكسل التمثيل  ليس التقاط ميزة من واقع الكاميرا المستقلة. وبالمثل، فإن البنية المكانية الزمانية والفئوية لتجربتنا  ليست سمة من سمات الواقع المستقل عن العقل.

                 كانت شكوى كانط الرئيسية ضد مذهب الفطرة العقلاني أنه يقبل أن على الفطرة أن تتوافق مع الواقع المستقل، لكنه لم يستطع شرح كيف يمكننا ترسيخ مثل هذه التوافق و استخدامه لوصف الطيف الكامل لمعرفتنا. ولهذا، فشل في مواجهة تحدي هيوم.[10] يرى كانط أن الموقف مذنب في عدد من الأخطاء القاتلة ذات الصلة.

  1. مذكرة. كيف يمكننا أن نثبت أن المبادئ الفطرية صحيحة في العالم؟ ينتقد في مقدمته النقدية مذهب الفطرة لكراسيوس المعاصر لأنه حتى لو كان الله مصدراً للمبادئ الفطرية، فليس لدينا طريقة لتحديد أياً من المبادئ المرشحة يمكن الاعتماد عليها وأياً منها يمكن أن تمر مرور الكرام (بالنسبة للبعض).[11]

  2. المذهب النفسي. بدا في بعض الأحيان أن كانط يشير إلى أن النزعة النفسانية لمذهب الفطرة العقلاني في حد ذاتها مشكلة وتجعل من المستحيل شرح كيف يمكننا معرفة الصلات الموضوعية الضرورية (على عكس الضرورات الذاتية).[12]

  3. مفاهيم مشروطة. يشرح كالان 2013 كانط على أنه يقدم حجة على طراز هيوم مفادها أن العقلانية الفطرية لا يمكن أن تفسر كيف يمكن أن نتوصل إلى مفهوم الضرورة الموضوعية، إذا كان كل ما نملك هو المبادئ النفسية الفطرية.

إن المشكلة الجذرية للمذهب الفطري العقلاني، كما نراها من خلال عدسة المثالية التجريبية لـ كانط، هي أنها تحتاج إلى التعبير عما هو أكثر من كونه شيء فطري لدينا – فهي إطار للمفاهيم والأفكار والمبادئ وما إلى ذلك. يجب القول أنها موجودة فينا فقط يجب أن نعترف بأننا نشكل التركيبة التي نجدها في تجربتنا. تنشأ مشكلات مذهب الفطرة العقلاني من محاولة الانتقال من بنية العقل إلى البنية المتأصلة في العالم. بمجرد أن نتخلى عن فكرة أننا نسعى إلى بنية العالم الأصيلة والمستقلة عن العقل، فلا بدّ أن تُحل المشاكل.

           من أفلاطون حتى كانط، كان من المفترض أن يخدم مذهب الفطرة النزعة الواقعية. مهما كان تصوّر الواقع – الأشكال لدى أفلاطون، والمادة والعقل لدى ديكارت، وما إلى ذلك – فإن فهمنا لهذا الواقع كان ممكناً لأننا مزودون بخريطة لذلك الواقع قبل أن نبدأ رحلتنا. يرفض كانط التطلعات الواقعية لهذا التقليد. بالنسبة له ، لا يمكننا أبداً فهم الطبيعة المطلقة للأشياء كما هي في حد ذاتها. لا يمكن للمعرفة النظرية أن تتعمق إلا بمقدار البنية التي نفرضها الضرورة الوحيدة التي يمكننا فهمها هي تلك التي صنعناها بشكل عفوي.

                لقد ناقشنا شكوى كانط الرئيسية حول تقاليد أتباع مذهب الفطرة، على الأقل كرد على تحدي أتباع المذهب التجريبي. لكنه يقول أيضاً أنه ليس لدينا ممثلات فطرية للمكان، والزمان، والسببية، أو لأي من المبادئ التي افترضنا أنها بديهية (زويلر 1989). بالعودة إلى التشبيه السابق: لا تتضمن الحالة الأولية للكاميرا أي صور / تمثيل للبنية التجريدية الفطرية للبكسل التي تفرضها الكاميرا. ولكن على عكس الكاميرا، يمكننا الحصول على ممثلات لقيود الترتيب هذه – حيث تُعد مصطلحات كانط هذه “أفكاراً بديهية مطلقة عن المكان والزمان والسببية والجوهر وما إلى ذلك. تلعب هذه الأفكار البديهية الصافية دوراً مهماً في فهمنا كيف أن معرفة الرياضيات والميتافيزيقيا والعلوم الطبيعية ممكنة. في هذا الصدد، يوافق كانط مع لوك على أننا لا نمتلك أي مبادئ أو أفكار فطرية. كلاهما يرى أن جميع أفكارنا لها أصولها في التجربة. لكن لوك يعتقد أننا نبني هذه الأفكار من خلال الاستخلاص من التجربة وإعادة تجميع العناصر المجردة. يرى كانط أنه لا يمكن استخلاص هذه الممثلات أو الأفكار من التجربة؛ بل يجب أن تكون نتاج تفكير دقيق في طبيعة التجربة. [13][13]

                يمكن أن يساعد مثال الكاميرا في إلقاء الضوء على تحول مهم. تخيل أن الكاميرا تالفة وأن الدقة في جزء من الشاشة قليلة. سوف ينعكس هذا القيد المكتسب حديثاً على كل صورة تالية، وسيكون هذا العنصر منخفض الدقة ميزة ‘متوقعة أوبديهية’ لكل صورة: سيكون ذلك بمثابة مساهمة في البنية التمثيلية للكاميرا، وليس للمشهد. النقطة المهمة هي أن الميزة الرئيسية لعناصر إطار عمل كانط هي الدور الذي تلعبه في هيكلة التجربة، وليس ما إذا كانت موجودة كجزء من الشرط الأولي. من حيث المبدأ، يمكن أن تلعب التغييرات المكتسبة هذا الدور.[14] ففي هذا الصدد، حوّل كانط التركيز المعرفي من الأسئلة الوراثية ذات الأصول إلى أسئلة حول مصادر الضمان. يمكن القول أن هذا التحول قد نقل مذهب الفطرة إلى هامش الاهتمام الفلسفي إلى أن أعيد إحياؤه في القرن العشرين.

7. الانتصار (المؤقت) لمناهضي مذهب الفطرة

       من حيث السباق التاريخي، فاز المذهب التجريبي، وكما يحدث حتماً في مثل هذه الانتصارات، انتصر مناهضوا المذهب الفطري على أنصار المذهب الفطري. أصبح مذهب الأفكار الفطرية يُنظر إليه على أنه متخلف وغير علمي بسبب ارتباطه ارتباطاً وثيقاً بالعقائد الميتافيزيقية واللاهوتية التي فقدت مصداقيتها، وبالتالي فهو غير متوافق مع النهج الطبيعي للطبيعة البشرية. تطورت التجريبية إلى حد كبير على امتداد استمرارية أتباع هيوم (ومع مناهضة التعنت الفكري لدى أناكساجوراس). اتفق أنصار الوضعية المنطقية و أنصار التجريبية المنطقية في القرن العشرين مع هيوم على أنه ليس لدينا معرفة بديهية بالبنية الواضحة للعالم.  [15 ] لا يمكن الوصول إلى المعرفة البديهية إلا في العلوم الرسمية، وهذا فقط لأن هذه المعرفة تدور في النهاية حول بنية مفاهيمنا أو لغتنا. وقد ارتقى آخرون، بعد كين، خطوة إلى الأمام واتبعوا جون ستيوارت ميل في رفض جميع الادعاءات المتعلقة بمعرفة الحقائق الضرورية. بالنسبة لـ كوين، فقط الأدلة الحسية لدينا هي التي تبرر في النهاية الادعاء بأن 2 + 2 = 4. [16][] في كلا الرأيين، بمجرد أن نتحدث عن الطبيعة الحقيقية ومقدار معارفنا، يتبين أن المذهب الفطري هو إسراف غير ضروري.

           حتى دون “الأمتعة” الميتافيزيقية واللاهوتية في القرن السابع عشر، فإن وجهة النظر أتباع مذهب الفطرة، والخلاف بأكمله المحيط بهم، أصبح ينظر إليه على أنه ولد في حيرة مفاهيمية حول المهمة الصحيحة لنظرية المعرفة. الأسئلة الفلسفية الحقيقية تدور حول طبيعة أفكارنا و حول بنية و تبرير معرفتنا. يصرف المذهب الفطري الانتباه عن هذه القضايا، ويصرف انتباهنا عن الادعاءات التجريبية حول  أصول نشأة الأفكار والمعتقدات. يؤكد أتباع كانط، البديل الرئيسي  للمشروع التجريبي في القرن التاسع عشر، على العديد من هذه الأفكار. تأثر المزاج العلمي الحديث بكلتا الطريقتين، وفي النهاية تم تحديده من خلال المذهب التجريبي. نتعرف على العالم فقط من خلال مواجهتنا الحسية معه؛ ولا نعرف عنها أي شيء مسبقاً. لذلك فقد أُدين مذهب الفطرة ثلاث مرات: لقد نبع من الفكر الديني الخرافي، واعتبر مزيفاً من الناحية التجريبية، ولا مغزى له من الناحية الفلسفية.

 

8. الخلاصة: اختيار أحد الجانبين

            على الرغم من أن ساحة المعركة التاريخية للصراع حول الفطرة تجسدت في نظرية المعرفة، فإننا إذا عدنا خطوة إلى الوراء، سنرى الدفاع العقلاني عن المذهب كجزء من مجموعة أوسع من الالتزامات الميتافيزيقية واللاهوتية والأخلاقية. قد يبرز مختلف أتباع المذهب الفطري عناصر مختلفة، لكن الصورة الأساسية للطبيعة البشرية التي تنبثق من الجانب الفطري في النقاش التاريخي هي شيء من هذا القبيل. نحن البشر، المتميزون عن كل الأشياء الأخرى المخلوقة، لسنا كاملين وسط هذا العالم المادي. إننا نسترشد في تفكيرنا وعملنا من خلال هدية خاصة من خالقنا الذي رأى أنه من المناسب أن يزرع في نفوسنا الحقيقة الأعمق لطبيعة العالم، وإرشادات خاصة حول كيفية تعاملنا معها. يجب أن نكتشف هذه الحقيقة الداخلية، ونلتزم بها في مواجهة المسار الذي يصرف انتباهنا في كثير من الأحيان.

            بالنظر إلى لوك كصوت للجانب الآخر من الخلاف، نجد مجموعة مختلفة من الدوافع. يجعل المذهب الفطري الفهم يبدو مشابهاً للثروة الموروثة إلى حد كبير. إنه يشير إلى أنه بدون إرثنا الفطري، لن تكون لدينا الموارد لفهم العالم الذي نعيش فيه. إلى هذا الحد، يقف المذهب الفطري ضد روح المبادرة الفردية. يمكن أيضاً إساءة استخدامه بسهولة كأداة للاستبداد الفكري، لأن أولئك الذين ليس على عاتقهم مهمة الكشف عن هذه الحقائق الفطرية النادرة يجب أن يأخذوا زمام المبادرة من أولئك الذين لديهم. أما بالنسبة لأتباع المذهب التجريبي، فتعدّ هذه دعوة للإيمان بالخرافات والغموض وسوء المعاملة. لا يؤمن التجريبي بأن ما نعرفه يُمنح لنا كهدية. بل هو نتاج عملنا الفردي. لقد منحنا الله القدرة العامة على التفكير، وهذا يشمل القدرة على اكتساب المعرفة من التجربة؛ إن مهمتنا هي ممارسة تلك القدرة. نحن نملك تماماً معرفتنا: نجمع المواد الخام ونضيف عملنا العقلي لابتكارها. ينجذب لوك أكثر إلى كرامة العامل منه إلى وضع الأرستقراطي الذي حصل على شرف موروث خاص.

            أدت العوامل التي دفعت رفض لوك للمذهب الفطري في نهاية المطاف إلى الصورة السائدة الآن التي رسمها أتباع مذهب الطبيعية للبشر. في هذه الصورة نحن بشر كائنات مادية تتواصل مع بقية العالم الطبيعي، وليس لدينا أي عنصر إلهي في طبيعتنا وليس لدينا مرشد إلهي لمساعدتنا على نحو دائم، ولا ملاذ لنا سوى بناء فهمنا لعالمنا بالاعتماد على تجربتنا. ولكني أختم بنقطتين حول هذه التطورات. الأولى تتعلق بـ “لوك”، قائدنا المناهض للمذهب الفطري، وشعوره بالرعب مما أحدثه مذهبه التجريبي. الصورة العقلانية الأساسية التي رسمتها آنفاً هي الصورة التي كان لوك سيقبلها، مع بعض التحفظات الصغيرة. لقد كان ثنائياً وألوهياً (موحداً)، كان يؤمن بالحياة الآخرة، ورأى أن كلية العقل التي وهبنا إياها الله قادرة على اكتشاف أهم الحقائق عن عالمنا وحياتنا – أي وجود الله وطبيعة واجباتنا الأخلاقية. النقطة الثانية هي أنه على الرغم من أن طبيعتنا المعاصرة كانت مستوحاة من التجريبية المناهضة للفطرة، فقد شهدت إحياءً للتفكير الفطري. إن نقطة التحول في هذا الإحياء، عمل تشومسكي في علم اللغويات، هي مجال منفصل عن المخاوف التي أدت إلى تنشيط الخلاف التاريخي حول الفطرة.[17] لكن الأبحاث المعاصرة في التطور المعرفي، وعلم الوراثة، وعلم النفس التطوري، وغيرها من المجالات قد وسعت تفكير تشومسكي في المذهب الفطري لتشمل المفاهيم والمبادئ التي كانت في قلب النقاش التاريخي (الله، والأخلاق، والشخصية / العقل، والسببية، والرياضيات، وعلم الوجود الأساسي، وما إلى ذلك).

 

 


المراجع

المصادر الأولية

  • Aristotle, De Anima, in The Complete Works of Aristotle, J. Barnes (ed.), Princeton: Princeton University Press, 1984.
  • Ayer, A.J., 1936, “The A Priori”, ch. 4 of Language Truth & Logic, London: Victor Gollancz Ltd, 1950.
  • Chomsky, N., 1965, Aspects of a Theory of Syntax, Cambridge: The MIT Press.
  • –––, 1966, Cartesian Linguistics: A Chapter in the History of Rationalist Thought, New York: Harper & Row.
  • –––, 1975, Reflections on Language, New York: Pantheon.
  • Descartes, R., 1641, “Meditations on First Philosophy,” in Haldane and Ross (eds.), The Philosophical Works of Descartes, Cambridge: Cambridge University Press, 1911.
  • –––, 1647, “Notes Directed Against a Certain Program”, in Haldane and Ross (eds.), The Philosophical Works of Descartes, Cambridge, Cambridge University Press, 1911.
  • Hume, D., 1739, A Treatise of Human Nature, L.A. Selby-Bigge (ed.), Oxford: Oxford University Press, 1978.
  • –––, 1748, An Enquiry Concerning Human Understanding, Beauchamp (ed.), Oxford: Oxford University Press, 1999.
  • Kant, I. [TPa], Theoretical Philosophy, 17551770, D. Walford (ed. and trans.), in collaboration with R. Meerbote, Cambridge: Cambridge University Press, 1992.
  • ––– [TPb], Theoretical Philosophy after 1781, H. Allison and P. Heath (eds.), G.Hatfield, M. Friedman, H. Allison and P. Heath (trans.), Cambridge: Cambridge University Press, 2002.
  • Kirk, G.S. & Raven, J.E., 1957, The Presocratic Philosophers, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Kuhn, T.S., 1970, The Structure of Scientific Revolutions, 2nd edition, Chicago: University of Chicago Press, esp. ch X.
  • Leibniz, G.W., 1704, New Essays on Human Understanding, P. Remnant and J. Bennett (trans. and eds.), Cambridge: Cambridge University Press, 1981.
  • –––, 1714, “Monadology”, in G.W. Leibniz: Philosophical Texts, R.S. Woolhouse and R. Francks (trans. and eds.), Oxford: Oxford University Press, 1998.
  • Locke, J., 1690, An Essay Concerning Human Understanding, P.H. Nidditch (ed.), Oxford: Oxford University Press, 1975.
  • Plato, Meno, in The Collected Dialogues, Edith Hamilton and Huntington Cairns (eds.), Princeton: Princeton University Press, 1961.
  • –––, Phaedo, in The Collected Dialogues, Edith Hamilton and Huntington Cairns (eds.), Princeton: Princeton University Press, 1961.
  • Quine, W.V.O., 1951, “Two Dogmas of Empiricism,” in From a Logical Point of View, Cambridge, MA: Harvard University Press.

 

المصادر الثانوية

  • Adams, R. M., 1975, “Where Do Our Ideas Come From? – Descartes vs. Locke,” in Stich (1975).
  • Beiser, F., 2002,German Idealism: The Struggle Against Subjectivism, Cambridge, MA: Harvard University Press
  • Broughton, J. & Carriero, J. (eds.), 2010,A Companion to Descartes, Malden: Blackwell.
  • Callanan, J., 2013, “Kant on Nativism, Scepticism and Necessity,” Kantian Review, 18: 1–
  • De Pierris, G., 1987, “Kant and Innatis,” Pacific Philosophical Quarterly, 68: 285–
  • De Rosa, R., 2004, “Locke’sEssay, Book I: The Question-Begging Status of the Anti-Nativist Arguments,” Philosophy and Phenomenological Research, 69(1): 37–
  • Falkenstein, L., 1990, “Was Kant a Nativist?” Journal of the History of Ideas, 51: 573–
  • Gorham, G., 2002, “Descartes on the Innateness of All Ideas,” Canadian Journal of Philosophy, 32(3): 355–
  • Harris, John, 1974, “Leibniz and Locke on Innate Ideas,” Ratio, 16: 226–42; reprinted inLocke on Human Understanding, I. C. Tipton (ed.), Oxford: Oxford University Press, 1977.
  • Jolley, N., 1987,Leibniz and Locke: A Study of the New Essays on Human Understanding, Oxford: Oxford University Press, 1987. (Analysis of Leibniz’s response to Locke, with attention to the connection between Leibnizian doctrines and modern discussions.)
  • Kemp Smith, N., 1999,Commentary to Kants Critique of Pure Reason, New York: Humanity Books.
  • Kitcher, P., 1990,Kants Transcendental Psychology, Oxford: Oxford University Press
  • Nelson, A., 2010, “Cartesian Innateness,” in Broughton & Carriero 2010, pp. 319–
  • Newman, L. (ed.), 2007,The Cambridge Companion to Lockes Essay Concerning Human Understanding, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Rickless, S.C., 2007, “Locke’s Polemic Against Nativism,” in Newman 2007, pp. 33–
  • Schmaltz, T., 1997, “Descartes on Innate Ideas, Sensation, and Scholasticism: The Response to Regius,” in Stewart 1997, pp. 33–
  • Scott, D., 1995,Recollection and Experience, Cambridge: Cambridge University Press. (An analysis of Plato’s doctrine of recollection; also traces the development of the innateness doctrine in the ancient world, and compares the ancient sources to the positions taken in the modern period.)
  • Stewart, M. A., 1997,Studies in Seventeenth-Century European Philosophy, Oxford: Clarendon Press.
  • Stich, S. (ed.), 1975,Innate Ideas, Berkeley: University of California Press. (Includes relevant sections of Plato’s Meno, the Locke-Leibniz debate, and Adams’ interpretive paper on the modern debate on innateness; see below. The papers in the last section represent the first wave of philosophical responses to the Chomskyan Nativist program in linguistics.)
  • Vanzo, A., 2018, “Leibniz on Innate Ideas and Kant on the Origin of the Categories,” Archiv für Geschichte der Philosophie, 100(1): 19–
  • Wall, G., 1974, “Locke’s Attack on Innate Knowledge,” Philosophy, 49: 414–19; reprinted inLocke on Human Understanding, I. C. Tipton (ed.), Oxford: Oxford University Press, 1977.
  • Wendler, D., 1996, “Locke’s Acceptance of Innate Concepts,” Australasian Journal of Philosophy, 74(3): 467–
  • Winkler, K., 1993, “Grades of Cartesian Innateness,” British Journal for the History of Philosophy, 1: 23–
  • Zoeller, G., 1989, “From Innate to ‘A Priori’: Kant’s Radical Transformation of a Cartesian-Leibnizian Legacy,” The Monist(Kant’s Critical Philosophy), 72(2): 222–

أدوات أكاديمية

 

How to cite this entry.

 

Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.

 

Look up this entry topic at the Indiana Philosophy Ontology Project (InPhO).

 

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الإنترنت

[Please contact the author with suggestions.]

مقالات ذات صلة

concepts | Descartes, René | Descartes, René: epistemology | Descartes, René: theory of ideas | Hume, David | innateness: and contemporary theories of cognition | innateness: and language | Leibniz, Gottfried Wilhelm | Locke, John | Plato: middle period metaphysics and epistemology | rationalism vs. empiricism


[1] Samet, Jerry, “The Historical Controversies Surrounding Innateness”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Summer 2019 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/sum2019/entries/innateness-history/>.