كذبةٌ سَلَف لأكاذيب خَلَف – حمزة المزيني

كذبةٌ سَلَف لأكاذيب خَلَف – حمزة المزيني


كذبةٌ سَلَف لأكاذيب خَلَف

يبدو أن استعمال الكذب لمدح اللغة العربية ليس جديدًا. ولعل الأعزاء يذكرون تغريداتي عن تسجيلين على “اليوتيوب” يورد فيهما شخصان مدَّعيان كثيرًا من المعلومات الكاذبة عن اللغة العربية، ويستشهدان كذبًا بآراء وأقوال لبعض الغربيين تمتدح اللغة العربية وترى أنها ستكون آخر ما يُتكلم من اللغات في العالم.

والأول هو المهرجُ المعروف سعيد شربيني الذي أجرت معه قناة “الرحمة” المصرية التي تقوم على تعميم الخرافات وخدعة البسطاء تحت مسمى “الدعوة”، عدة مقابلات يزعم فيها أن علمًا جديدًا “علم اللغة الكوني”، The Universal Science of Linguistics   “تأسس منذ حوالي 30 سنة وتم الاعلان عنه رسميًا في تشرين الثاني عام 2003 في جامعة لندن. ثم تبعتها بعض الجامعات الاميركية بالبحث والدراسة”.

ويزعم أنه في نهاية القرن الواحد والعشرين لن يبقى من اللغات إلا ثلاث لغات إحداها اللغة العربية، و”أن الكونجرس الأمريكي وافق على قرار كتابة صيغ التحذير على معلبات المخلفات النووية التي تلقى في أماكن غير مأهولة بالسكان في أمريكا، والتي يتوقع المسؤولون الأمريكيون أن يصل إليها الإعمار السكاني بعد 100 سنة، (وافق على كتابة التحذير) باللغة العربية وليس بالإنجليزية أو غيرها، فقط، يقول الشربيني، لأنهم يعلمون أنها هي اللغة التي ستبقى”.

و”أن جماعة من العلماء الروس وضعوا النفايات النووية في أماكن بعيدة يُتوقع العثور عليها بعد أربعة أو خمسة قرون، فأرادوا أن يكتبوا رسالةً لهذه الأجيال المستقبلية، فبحثوا وفتشوا واستفتوا أهلَ الخبرة باللغات ليعلموا اللغة التي يمكن أن تبقى بعد هذه القرون الطويلة، فلم يجدوا لغة يمكن أن تبقى هذه المدة الطويلة إلا اللغة العربية، فكتبوا رسالتهم باللغة العربية”.

و”أن الوثائق الرسمية المهمة والمعاهدات الدولية في بريطانيا لا تكتب الآن إلا باللغة العربية”. إضافة إلى خرافات ومعلومات خاطئة كثيرة عن اللغات وعددها وأعداد الأصوات فيها.

ويُلقَّب سعيد الشربيني بــ”الأستاذ الدكتور” مع أنه لم يكمل رسالته للدكتوراة في كلية الدراسات الآسيوية والإفريقية بجامعة لندن عن “لهجة فيفا” في المملكة على الرغم من قضائه سنين طويلة وهو يحاول ذلك. ومن ادعاءاته الطريفة قوله في تسجيل جمع من ينتسبون إلى “شربيني” إنه “قطع المسافة بين مكة المكرمة وجبل فيفا مشيًا”. ويزعم “أن شَعْر رؤوس المنتسبين إلى “شربيني” لا يسقط بالطريقة التي يسقط بها شعر الناس حيث يسقط إلى الأمام بل ينعقف إلى الخلف”! وغير ذلك من الشطحات.

والثاني هو المهرجُ المغربي المشهور أبو زيد الإدريسي الذي ظل سنين طويلة أستاذا مساعدا في اللسانيات بإحدى الجامعات المغربية ونائبا عن حزب العدالة والتنمية. وقد ردد الهراء نفسه في تسجيل صوتي آخر على اليوتيوب يقسم فيه بأغلظ الأيمان على صحة ما يقول من هذه الأكاذيب نفسها. ويعمم هذان المهرجان هذه الأكاذيب على الناس ويدغدغون عواطفهم بها.

ومن العجيب أن هذا الكذب ليس وليد الفترة الحاضرة؛ فقد وجدت ما يماثل هذه الأكاذيب نفسها والاستشهاد بغربيين على أن اللغة العربية ستكون آخر لغة بشرية يتكلم بها تعود إلى بداية القرن العشرين في مصادر عربية تعود إلى بداية القرن العشرين الميلادي.

فقد كنت أبحث في “الشيخ جوجل” عن مقال الشاعر اللبناني المعروف جبران خليل جبران عن “مستقبل اللغة العربية”، ومن بين المقالات الكثيرة التي وجدتُها عن هذا الموضوع مقال كتبه الأستاذ الدكتور محمود أحمد السيد، عضو مجمع اللغة العربية بدمشق، بعنوان “مستقبل اللغة العربية ومتطلبات العصر القادم[1] قال فيه:

 “ويرى نفر من المفكرين أن اللغة العربية ستبقى في المستقبل محافظة على كيانها، ولن تعرف الأفول والانقراض مادام القرآن الكريم حارساً لها، ومحافظاً عليها، فها هو ذا جول فرن، الكاتب القاصُّ الفرنسي، ذو الخيال العلمي، يقول في إحدى قصصه: “إن قوماً اخترقوا باطن الكرة الأرضية وخطر لهم أن يتركوا هنالك أثراً يدل على مبلغ وصولهم، فتركوا هنالك حجراً نُقشت عليه عبارة باللغة العربية. ولما سألوا جول فرن: لماذا اخترت اللغة العربية من بين اللغات العالمية كافة؟ أجاب: لأنها لغة المستقبل، ولا شك أنه سيموت غيرها في حين تبقى هي حية حتى يُرفع القرآن نفسه”.

ويشير في حاشية على مقاله إلى أخذه هذا الكلام من كتاب الشيخ محمد الخضر حسين (شيخ الجامع الأزهر الأسبق): (دراسات في العربية وتاريخها ـــ الناشر المكتب الإسلامي ــ مكتبة دار الفتح ــ المطبعة التعاونية في دمشق ــ دمشق 1960 ص 14).

وإذا عدنا إلى ما كتبه الشيخ محمد الخضر حسين في كتابه المشار إليه نجده يقول:

“كتب “جول ڤرن” قصة خيالية بناها على سياح يخترقون طبقات الكرة الأرضية وبدا لهم أن يتركوا هنالك أثراً يدل على مبلغ رحلتهم فنقشوا على الصخر كتابة باللغة العربية، ولما سئل جول ڤرن عن وجه اختياره للغة العربية، قال انها: لغة المستقبل، ولا شك أنه يموت غيرها، وتبقى حية حتى يرفع القرآن نفسه”.

ويشير الخضر حسين في حاشية ناقصة التوثيق إلى أخذه هذا النص من “من مقال بعنوان “عليكم باللغة العربية” للأستاذ محمود بك سالم. ولا يذكر توثيقًا لهذا المقال.

وعثرت بعد بحث على مقال محمود سالم بك المشار إليه، وهو بعنوان “عليكم باللغة العربية: سيدة اللغات”، نشرته مجلة المنار (ج6، مجلد 14، (27 يونيو 1911م) ص ص 441ـــ 447)، وقالت عنه: “مقالة لمحمود بك سالم رئيس جماعة الدعوة والإرشاد (نشرها بمجلة الطلبة المصريين). وورد النص الذي ذكر فيه كاتب المقال الكلام المنسوب لفرن في ص445، وهو:

 “وقد أجاد أحد علماء الافرنج المشهورين بعلومهم الواسعة اذ كتب قصة خيالية فرض فيه سياحا في أجواف الأرض تحت قعر البحر العميق وجعل هؤلاء السياح يخترقون طبقات القرى الأرضية حتى وصلوا الى وسطها أو ما يقرب من ذلك ولما أرادوا الرجوع الى وطنهم فكروا في ترك أثر يحفظ ذكرهم الى أبد الآبدين اذا وصلت علماء الأجيال المستقبلة الى محط رحالهم فاتفقوا فيما بينهم ان ينقشوا على الصخور كتابة باللغة (العربية) هذا ولما سئل (جول فرن) كاتب هذه القصة عن سبب اختياره تلك اللغة العربية قال انها لغة المستقبل ولا شك في ان يموت غيرها وتبقى هي حية حتى يرفع القرآن نفسه . . . “.

ولم يذكر محمود بك سالم المرجع الذي رجع إليه في هذا الكلام.

أما جول فرن (Jules Verne 8 فبراير 1828 ـــ 24 مارس 1905م) الذي استشهد به هؤلاء فهو الروائي الفرنسي الذي اشتهر بروايات الخيال العلمي. ومنها رواية “رحلة إلى مركز الأرض” وترجم د. أحمد خالد توفيق ملخصًا لها نُشر في سلسلة “روايات عالمية للجيب” (د.ت). وتحكي الرواية الخيالية قصة عالم جيولوجيا (البروفيسور ليندبروك) غريب الأطوار الذي وجد مخطوطًا مكتوبًا باللغة “الرُّونيَّة” الألمانية القديمة كتبه عالم جيولوجيا آخر قبل ثلاثمائة عام يروي فيه رحلته الاستكشافية إلى باطن الأرض حيث سلك طريقًا بدأه بالدخول من فوهة بركان هامد في آيسلندا. وبدأ ليندبروك رحلته مصطحبا معه ابن أخيه ودليلا. وتعرض الفريق لكثير من الحوادث التي رواها ابن الأخ. وفي الصفحات الأخيرة من الرواية (ص110) وجدوا صخرة من الجرانيت محفورا عليها بأبجدية اللغة “الرونية” الحرفان “آ. س.” وهما الحرف الأول من الاسم الأول والحرف الأول من الاسم الأخير للعالم الذي اتَّبعا طريقه وهو “آرنيه ساكنوسم”. ولم يصل القوم إلى باطن الأرض بل انساقوا مع التيار تحت الأرض حتى وجدوا أنفسهم أخيرًا في إحدى القرى الإيطالية!

ولم يُذكر في الرواية أن ليندبروك ورفيقيه كتبوا أي شيء بأي لغة.

واستكمالا للبحث عن هذا الزعم راجعت ترجمة الرواية إلى الإنجليزية ولم أعثر على ذكر لمثل هذه الحادثة. كما رجعت إلى ما كُتب عن “فرن” في دائرة المعارف البريطانية وفي ويكيبيديا اللتين لم تذكرا شيئا مثل هذا أو قريبًا منه في رواياته الكثيرة التي عرضا لها ومنها روايات المغامرات العلمية كلها.

ورجعت إلى عدد من المراجعات والمقالات التي كُتبت عن روايات “فرن” بالإنجليزية والعربية ولم أجد أحدًا أشار، ولو من بعيد، إلى هذه الحكاية.

وأرجو، أخيرًا، ممن لهم اهتمام بروايات “فرن” أن يبحثوا فلعلهم يجدون ما لم أجده عن هذا الادعاء!

ويشهد هذا بكذبٍ يتناسل ويصدِّقه علماء عرب كبار ويستشهدون به في مقالاتهم وكتبهم ويضللون به من يثق بهم.

واللغة العربية غنية عن هذه الأكاذيب، بل ربما كانت هذه الأكاذيب دليلا على سذاجة علماء كبار كنا نثق بحكمتهم ورجاحة عقولهم وحرصهم على صدق القول.

error: