في رحاب فكر نيتشه – حميد لشهب

في رحاب فكر نيتشه – حميد لشهب


يطل نيتشه في كل صوره بشارب كثيف وبنَظَرَات حادة، تتخللها عدوانية ملحوظة أو حقد مبهم دفين لا يعرف المرء لا سببه ولا مصدره. نظرات “متشائمة” فوق شارب يوحي أو “يوهم” بأن صاحب الوجه غير مرتاح في جلده أو أن له الكثير مما يود قوله، تتزاحم الأفكار في عقله والكلمات في فمه وتتسبب في توتره الدائم.

ما سر هذا الشارب الموضوع بعناية فائقة تحت الأنف، يشبه إلى حد ما مكنسة لكثافته واختلاط الشعر الأبيض والأسود فيه، ينحني على شكل قوس اتجاه الشفة العليا، يمر على طول زاوية الفم في اتجاه الذقن، ولا يتوقف إلى قريبا من العنق؟ للإنصاف، بفرط العناية المستمرة لنيتشه بشاربه، فإنه يعطي انطباعا خاصا للمشاهد، وأصبح من الخاصيات الشخصية لنيتشه نفسه. لا يدري المرء، كيف يكون بالإمكان تصوره دون هذا الشارب. في العمق، إذا ما نظرنا له، على الرغم من اعوجاجه الطفيف، بمنظار المحلل النفسي، فإننا نجد بأنه يرمز للقضيب، وكأن لسان حال نيتشه يود أن يقول بأنني رجل حقيقي.

كانت روح عصر نيتشه “تفرض” على الرجال الاحتفاظ بكل شعر الوجه على شكل لحية أو على الأقل جزء منه، على شكل شوارب. وعلى العموم كان من عادة المفكر والفيلسوف منذ غابر الأزمان ترك اللحية تكبر، في غالب الأحيان جراء “الكسل” وعدم الرغبة في تخصيص وقت للعناية بالمظهر الخارجي، لأن المرء مشغول بعالمه الداخلي وما ينمو فيه من أفكار ونظريات وتأملات.

إذا رجعنا إلى الفكرة النيتشوية القائلة بضرورة خروج الذات عن ذاتها من حين لآخر، لكي تعود إليها من جديد، وفي كل خرجة من خرجاتها تلبس قناعا أو أقنعة متعددة، فلربما يمكن اعتبار شارب نيتشه قناعا ملازما له لإخفاء شيء لم ينتبه له المرء بما فيه الكفاية في شخصيته. إنه بمثابة حاجز في وجه العالم الخارجي. فالوجه الذكوري/الرجولي “المُشورب”، بملامح قاسية لا غبار عليها، يخفي الوجه الآخر لنيتشه: خدين لينين، أذنين رقيقتين، عينان عميقتين وجبهة عالية. هذا إذن ما أوصلنا له التحليل السيميائي السريع لصورة وجه نيتشه، وهو تحليل قد يساعدنا على المضي قدما لاستخلاص أمور أخرى إضافية ومهمة. لا نعتقد بأن النظرة الحادة لنيتشه فطرية، بل اكتسبها مع الوقت، أو بالأحرى تمرن عليها، بحيث تخفي ما كان نيتشه يعرفه، لكنه لا يراه وهو أمام المرآة. ذلك أن فيلسوف “إرادة القوة” كان يحمل في ثنايا دواخله خصائص أنثوية، أكثر مما يمكن للمرء اعتقاده.

قد يتفاجأ المرء، وبالخصوص الذين يتصورون نيتشه “كرجل” الفلسفة، إذا ما أكدنا بأن مؤلفاته بمصطلحاتها الخاصة تُضمِر توجها أنثويا لا غبار عليه. لربما أَهْدِم بهذا، انطلاقا من اهتمامي الخاص بنيتشه، الصورة المتداولة عنه، لكنه هدم ضروري لفهم فلسفته وفكره بطريقة مغايرة. فبعدما نادى إلى “الخروج من الذات” بانتظام والعودة لها في “هكذا تكلم زرادشت”، ها نحن نكتشف هنا بأن سبب خروجه عن ذاته الأخير دون رجعة في “العلم الفرح” قد يكون هو عدم تمكنه من التعامل بطريقة أحسن مع الوجه الآخر له، الوجه الأنثوي الرقيق. ففعل مقاومة هذا الوجه مُوثق بما فيه الكفاية في حياته. كتب مرة لأمه، بأن عضلاته أصبحت كعضلات جندي تقريبا، نتيجة المشي. كان يولي اهتماما خاصا للتعبير عن عدوانيته: “طبقا لنوعي فإنني محارب. فالهجوم هو أحد غرائزي. إمكانية أن يكون المرء عدوا، عدوا، لربما يفترض هذا طبيعة قوية”. رأى نيتشه مثل هذه الطبيعة في نفسه، وصدَّقه الآخرون. اعتُبِر الهدَّام الغير الرحيم للقيم، كان “كالمطرقة التي تتكلم”، لم يترك أي جانب من جوانب الأخلاق والمسيحية واقفا. وبما أن مبتغاه كان هو “خلق” السوبرمان، فإنه كان يرى بأن مثل هذه الأخلاق تُعلي من قيمة الضعفاء وتُذِلُّ الأقوياء، وعوض تقديم الخلاص للإنسان، فإنها تأتي له بالسم المخفي. وهذا ما دفع به للاعتقاد بأن الفلاسفة يمشون منذ 20 قرن في الاتجاه الخاطئ: الخداع الأخلاقي والميتافيزيقي. وكانت أفكارهم ومفاهيمهم هراء في نظره، يعني مجازات تتستر على أصلها وتخفي حقيقة أنها مجرد أكاذيب. لم يستثن فكر نيتشه أية إمكانية لفضح الدوغمائيين في جولاته الفلسفية. ونلتقي خطوة بعد خطوة بالوجه الآخر له عندما يهتم بالطريقة التي يقترب بها الفلاسفة من الحقيقة، ويتساءل ما إذا لم تكن الحقيقة أنثى، ويلاحظ كيف يُعتبر المفكرون الذكور حواجز أمامها وهم يحاولون الاقتراب منها. يقول في هذا الإطار: “لنفترض بأن الحقيقة أنثى -، كيف؟ ألا يُعتبر الشك مشروعا في كون كل الفلاسفة، طالما أنهم كانوا دغمائيين، لم يفهموا جيدا النساء؟”.

هكذا إذن، فالرجال يريدون دائما الوصول إلى هدفهم بسرعة، لهم شعور قليل بسحر المُضْمَرِ ولعب الحجاب: فـ “هذا الذوق السيء، هذه الرغبة في الحقيقة، “الحقيقة بأي ثمن”، وحماقة الشباب هذه في حب الحقيقة”. من يريد رؤية الحقيقة العارية؟ لربما للحقيقة أسبابها في عدم ترك الآخرين يرونها، طبقا لنيتشه. والسؤال هو لماذا يريد المرء رؤيتها، عوض حبها؟

لربما كان علينا أيضا منذ البداية التنقيب عما يفهمه نيتشه من كلمة رجل ومن كلمة امرأة. ميز بينهما في تفكيره، قسمهما إلى أعلى وأسفل، عدواني وسيء، جبان وغبي. وفي إطار هذا التقسيم يعتبر المرأة ضعيفة، تبحث في الرجل عن المحارب “الشجاع غير المكترث المُزْدَرى العنيف – هذا ما تريد منا الحكمة القيام به: إنها أنثى ولا تُحب إلا المحارب”. هذا هو الإزار الغليظ الذي غطى به نيتشه الغابة الكثيفة في تعامله مع المرأة/الحقيقة، لكن عندما ننبش قليلا نجد بأن المرأة عنده ليست على هذا الوجه، وليس مكانها في المطبخ أو رعاية الأطفال. إننا نكتشف العكس تماما: “يريد الرجل المرأة بسلام، لكن المرأة على وجه الخصوص غير مسالمة”. وعكس ما يمكن للمرء أن يتخيله لمثل هذا التأكيد النيتشوي، فإنه يعلل هذا بكون من تريد محاربا، لا يمكن أن تكون مسالمة. أكثر من هذا يؤكد بأن لها إرادة قوية للسلطة وللقوة، وتجعل من المحارب رَعِياً، تتحكم فيه وتبسط عليه سيطرتها. بل يرى بأنها “شريرة بطريقة لا توصف”، وهذا هو أهم شيء، لأنه يجعل منها “أذكى من الرجل” وباستطاعتها “دهس القَدَر” بمثل هذا الذكاء والفطنة. لا يمكن لأي شيء أن يقف أمامها عندما تتقدم للأمام. يجب على الكل فسح المجال أمامها وهي في طريقها، سواء تعلق الأمر بالإنسان أو بالله. وإذا كان القدر ليس فقط أعلى حاجز يواجهنا، بل أيضا الحائط حيث تتكسر عظامنا إن حاولنا تجاوزه، فإن المرأة، حسب فكر نيتشه، تكسر عظام هذا القدر إن وقف في سبيلها.

ولن تفتر دهشتنا لموقف نيتشه اتجاه المرأة وتمثله لها، إلا إذا فهمنا بأن الهيكل العظمي الذي “صنعه” للسوبرمان لم يكن مخصصا للرجل، بل للمرأة: “إن المرأة الكاملة هي أسمى نوع من الإنسانية أكثر منه من الرجل الكامل: وهي إلى هذا شيء جد ناذر”، كما كتب في مؤلفه “الإنسان المفرط في إنسانيته Menschliches, Allzumenschliches”.

قد نقول الآن، إن القشرة الظاهرية لوجه نيتشه بشوارب مفرطة في الذكورية، تُخبئ كُنهه نيتشه الحقيقي الذي يعتبر المرأة أكثر خطرا وأكثر محاربة وانتقاما ومزاجية من الرجل، بل أكمل من الرجل. لو كان أسلافه من الفلاسفة سمعوا هذا في زمانهم، لشحبت وجوههم، لأنهم كانوا مهووسين بالبحث عن الحقيقة، منغمسين في عوالهم الثنائية، المرتبة بدقة وبجمالية غير معتادة. انتقدهم نيتشه أيضا لأنهم فضلوا الجلوس على كراسيهم، لإنتاج عوالم شبه خيالية عوض مواجهة الحياة الحقيقة. لم يكن نيتشه يثق في الفكر الذي أنتج وصاحبه جالسا، للتذكير فقد كان نيتشه مولعاً بالمشي وبالخصوص في الجبال ومسالكها الوعرة. وللتذكير أيضا فإن ما قام به في فكره الفلسفي هو أنه تعود على النبش في أساس البرج العاجي الذي بناه الفلاسفة من قبله، بل حفر حفرة كبيرة في هذا الأساس. فحيث ما كانوا يرون الأشياء النهائية/الكاملة، كان نيتشه يرى الجسد والغرائز فقط. استهزأ من نفاقهم وندائهم لتحمل المسؤولية والالتزام الأخلاقي. أشعل فكر نيتشه النار في بيوت ذكورية الفلاسفة، هدم كل ما وجده في طريقه الفلسفي من مخلفات السلف وسحق التسلسلات الهرمية القديمة. دعا للرقص والموسيقى الفلسفيين إلى حد الثمالة، لأن ما يهم هي الأشياء القريبة والجسد والحياة المُكثفة والأفراد، وتضييع الذات من أجل ذات تساويها، وتقدم لها جبهتها وتتحداها إلى أقصى الحدود. والمقصود هنا هو دعوة نيتشه لمغادرة الإرث الفلسفي الغربي برمته، لأنه لم يكن شجاعا على مر العصور للخروج من ذاته ومعانقة ذوات أخرى بثمالة فلسفية عميقة. و”أمر” كل فلاسفة عصره مغادرة هذا التراث، ناصحا من لا يريد ذلك العمل على حمل سوط في جيبه، أو كما قال في زرادشت: “أأنت ذاهب عند النساء؟ لا تنس السوط”. ولكيلا يسيء المرء الفهم، فإن ضربات السوط ستكون من نصيب الرجل، كما تعبر عن ذلك صورة أخرجها نيتشه بنفسه: على الصورة لو أندرياس سلومي Lou Andreas-Salomé وبيدها سوط وهي في عربة يجرها نيتشه وبول ري Paul Rée.

لا يتعلق الأمر في نصنا هذا بمحاولة فهم تصور فكر نيتشه للمرأة وموقفه منها، فقد أُشبع هذا الموضوع دراسة شرقا وغربا، حتى وإن كان من واجبنا أن نذكر في هذا المقام بأن أهم دراسة عربية لحد الآن تعود لفتحي المسكيني[1]، الذي أعطى قراءة متميزة لنيتشه والمرأة. ولربما يكون من المهم كذلك التذكير بجاك دريدا، الذي أكد بأن ما كان يقصده نيتشه من كلامه عن المرأة، لم تكن المرأة البيولوجية والاجتماعية بكل أبعادها النفسية والثقافية إلخ، بل كان يقصد “الحياة” عموما، لأنه كان يُتقن، طبقا لدريدا، اللعب بالأقنعة والرموز. ومهما كانت رمزية المرأة في فكر نيتشه : “الحياة” كما قال دريدا، أو “الحقيقة” كما حاولنا أن نتبين هنا، فإن ما يهمنا هنا هي الشجاعة المنقطعة النظير التي كان يتحلى بها “لمواجهة” ثقافة محافظة إلى النخاع الشوكي، إقصائية، رافضة لكل ما لا يصب في مجراها ومصلحتها، وفارضة لوجهة نظر أحادية لا تقبل إلا ما يُنتج في “مصانعها” الفكرية. وإذا كان التاريخ الفكري والفلسفي للبشرية إرث لكل البشر للاستفادة منه والتفاعل معه إيجابا أو سلبا، فلربما نتمنى أن تجود الساحة الثقافية عندنا بنيتشه عربي مسلم، يقلب رأسا على عقب كل ما يربطنا بفكر تيقن المرء بأنه “فاجر”، لأن المشكل الحقيقي في العالم الإسلامي هو أن التزمت الفكري، لا يتلاعب فقط بالدين ويسخره لمآربه، بل يتلاعب بذات المواطن ولا يتركها تسافر من حين لآخر لتعود، لأن ما يهابه ليس الخروج في حد ذاته، بل الرجوع؛ الذي قد يحمل معه ما يخشاه الفكر المتزمت. والفكر الطاغي عندنا “فاجر” لأنه يقدم لنا بيد الفضيلة ومكارم الأخلاق ويسلب منا باليد الأخرى كل شيء، بما في ذلك حقنا في العيش الكريم. والتزمت الممارس في مجتمعاتنا هو قناع يجب استئصاله، إن كنا نريد أن نخرج مرة عن ذواتنا ونتجنب التزمت، كما قال نيتشه: “تجنبوا هؤلاء المتزمتين، إنهم نوع بئيس مريض، جنس رعاع، ينظرون بخبث إلى هذه الحياة، وعينهم عين سوء على هذه الأرض. تجنبوهم. أقدامهم ثقيلة وقلوبهم تختنق رطوبة، لا يعرفون الرقص، فكيف للأرض أن تكون خفيفة بالنسبة لهذا النوع إذن؟”.


[1] الهجرة إلى الإنسانية، فتحي المسكيني، كلمة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2016.