نحو رؤية نقدية مقارنة بين “أنتوني جيدنز وميشيل فوكو” – ندى بنت عبدالله بدران

مستخلص:

ورقة عمل “نحو رؤية نقدية مقارنة بين أنتوني جيدنز وميشيل فوكو” تهدف الى مقارنة شاملة نقدية بين الفكر الجيدنزي والفوكوي نظريا ومنهجيا وفكريا ؛ وذلك من خلال استقراء بعض مؤلفاتهم و عدد من المراجع العربية والأجنبية..

بالرغم من تناول الباحثين لهذين العالمين من قبل ؛ إلا أن هذه الورقة العلمية تقدم قراءة نقدية مختلفة لكل منهما مبتدئة بالتعريف بهما والمؤثرات التي صنعت أفكارهما ومرورا بإبراز جوانب المقاربة والمفارقة بينهما و قراءة الواقع الجديد في ظل فلسفاتهما النظرية وما استحدثوه من فروع لعلم الاجتماع.. 


مقدمة:

العالم الجديد من حولنا يشهد تحولات وظواهر ومشكلات حديثة ومغايرة عمَا ألفته المجتمعات قبل الحداثة وقبل الثورات الصناعية وما أفرزته العولمة ؛ مما تطلب قراءة جديدة بديلة للقراءات أو المنظورات الكلاسيكية أو مكملة لها.

إن هذا التحول العالمي كان محط أنظار واهتمام ونقاش العلماء والفلاسفة والمفكرين ، فإنبثق عن هذا الاهتمام عدد من النظريات النقدية لتنقل لنا تلك الصورة التقليدية للنظرية بتفسيراتها الكلاسيكية إلى الصورة الحديثة توافقا مع المجتمع الإنساني المتغير ؛ فمن العلماء النقديين من والف بين التقليدي والحديث ، ومنهم من رفض هذا التوليف واهتم بإبراز منظورات ومفهومات جديدة بحجة أن لكل مرحلة نظرياتها التي تفسرها ..

في هذه الورقة سيتم إلقاء الضوء على اثنين من هؤلاء العلماء النقديين وهما أنتوني جيدنز وميشيل فوكو ؛ وستكون الرؤية النقدية وفقا لنشأة كلا منهما وانتاجه العلمي والفكري وجوانب المفارقة والمقاربة وقراءة الواقع الجديد برؤيتهما الجديدة. راجية من الله التوفيق في عرضها وسلامة ربط أفكارها ومحتواها..

أولا: نشأة أنتوني جيدنز وميشيل فوكو :

وُلِد أنتوني جيدنز  في إدمنتون إحدى ضواحي لندن عام 1838م تربى في عائلة تنتمي إلى الطبقة المتوسطة الدنيا ، حصل على درجة البكالوريوس في تخصصي علم النفس وعلم الاجتماع من جامعة هل عام 1959م  ، ثم الماجستير من مدرسة لندن للاقتصاد ، في حين أن الدكتوراه  حصل عليها من كلية كنجز بجامعة كمبردج عام 1974م .(الغريب ،2016م،ص477-478)

أما ميشيل فوكو فيلسوف نقدي فرنسي ، وُلِد  في بواتييه بفرنسا عام 1926م ، وهو من أسرة بسيطة ، مما مميزه في تفكيره تعلمه في مدرسة الأساتذة العليا وهي مدرسة فرنسية كبرى وتعد لاحتراف العمل في العلوم الإنسانية.(طرابيشي،2006م، ص469-470)

والملاحظ أن كلاهما كانا من أسر بسيطة ، و درسا في أهم الجامعات الأوروبية  التي تميزت بعمق التخصص البحثي في المجالات الانثربولوجيه والسياسية والاقتصادية مما جعل لهما ثقلا في تاريخ النظرية الاجتماعية .

كما وأنه من خلال تاريخ مولدهما نستطيع أن نقول أن قدومهما للدنيا كان مع  بزوغ نتائج ثورة صناعية (القرن التاسع عشر) تحولت على اثرها المجتمعات من مجتمعات يقوم انتاجها على العمل اليدوي الى مجتمعات صناعية تعتمد على الآلات والتخصص العميق وتقسيم العمل الدقيق، وزيادة الدخل الاقتصادي وتحسن المستوى المعيشي ، وتغير شامل في جميع الأنظمة السياسية والاجتماعية والثقافية والإقتصادية ، هذه التبعات  أثرت على فكر كل من جيدنز وفوكو ومنظوراتهما.

علم النفس يعتبر نقطة الإلتقاء الأكاديمية بينهما ، فكلاهما درَس التخصص إلى جانب اهتمامهما بعلم الاجتماع والفلسفة لكن فوكو كان مولعا به  أكثر وسبب ذلك التجربة القاسية التي عاناها “الإكتئاب ” ومحاولة الانتحار نتيجة للظروف التي مر بها ؛ هذه التجربة جعلته يحتاج الى طبيب نفسه يخلصه من مشكلته فتأثر كثيرا بالتخصص كذلك بجينالوجية نيتشه وفلسفاته وذلك على المستوى الشخصي والفكري والمنهجي .

أما عن الأعمال التي شغلها كلا من فوكو وجيدنز فتنوعت بين الوظائف الأكاديمية والبحثية والإدارية ؛ حيث حاضر جيدنز في عديد من الجامعات البريطانية منها جامعة ليستر عام 1961م ، وجامعة كمبردج في عام 1969م ، كما عمل أستاذا زائرا لجامعات خارج بريطانيا ، ومُنح درجات شرفية وفخرية من عدد من المؤسسات والجامعات .(جيدنز ، 2006م ، ص7-8)

كما ساهم في الأنشطة البحثية والأنشطة المتعلقة بالسياسة العامة في بريطانيا ، وشارك في تأسيس دار بولايتي للنشر عام 1985م .(الغريب ، 2016م،ص477)

أما  فوكو فإنتقل  الى السويد عام 1955م ، حيث عمل دبلوماسي وطني في جامعة اوبسالا ؛ ثم سافر بعدها الى بولندا عام 1958م وعمل رئيسا لجامعة وارسو.

اتجه بعد ذلك الى التدريس في المانيا وكان ذلك عام 1960م ؛ وتولى منصب شاغر في قسم الفلسفة بجامعة كليرمون فيران ، أُختير في هذه الفترة ليكون في لجنة لمناقشة كيفية إعادة تنظيم الجامعات ..

يعتبر فوكو من العلماء النادرين الذين درسوا في جامعات عربيه حيث درس علم النفس في جامعة تونس عام 1966م وبعدها عاد الى باريس وتم اختياره رئيسا لقسم الفلسفة ، وفي عام 1980م كان أستاذ زائر في جامعة كاليفورنيا في بيركلي.(ميشيل فوكو ،2013م)

أما جيدنز لم يكتفِ بالعمل الإداري والأكاديمي والبحثي لكنه عمل في المجال السياسي حيث كان مستشارا لرئيس الوزراء البريطاني توني بلير، كما كان له جهود أخرى سياسية وهذا جعله يتحدث ويحلل وينظر بلغة المنظر السياسي ولقائه بـنوربرت الياس ساهمت بشكل كبير في إنطلاقته النظرية. (الغريب، 2016، صفحة 477)

شهرة جيدنز وفوكو لا تقتصر على مجتمعهما المحلي فقط أو بلد النشأة وإنما يمكن اعتبارهما علماء تميزوا في تاريخ النظرية والفلسفة ؛ منظوراتهما منطلقة من التغيرات النسقية والتطورات الشمولية ، قدم كلا منهما رؤيته الخاصة به والقائمة على التأويل ، ابتكرا مناهج تحليلية مختلفة ورؤى تنظيرية مغايرة ومفاهيم خاصة بهم ليعبروا بها عن واقع مليئ بالجديد .

ثانيا :الإنتاج العلمي لكلٍ من انتوني جيدنز وميشيل فوكو:

 تميز جيدنز وفوكو في انتاجهما العلمي كما وكيفا ؛ فكميا لهما عدد ضخم من الكتب العلمية في النظرية والمنهجية وتُرجم منها للغة العربية ، وكيفيا لم يكرروا أو يستنسخوا إنما كانت بصمتيهما الإجتماعيه والخاصة بهما مترجمة في مفاهيمهما ونظرياتهما المبتكرة في عالم الحداثة.

 ومن أهم كتب جيدنز “النقد المعاصر للمادية التاريخية ” و”تشكيل المجتمع” و”الحداثة والهوية الذاتية” و”الطريق الثالث” (جيدنز، 2006م، صفحة 9)، فيلاحظ من مسميات كتبه تركيزه على البنية الاجتماعية وما فيها من تغيرات لكن لم يهمل في ذات الوقت الفرد وهذا ما كان يتضح في نظريته التشكيل البنائي التي حاول فيها الموالفة بين وحدة التحليل الكبرى “البناء”  والصغرى “الفرد والوعي”.

في حين أن الفيلسوف فوكو كانت مؤلفاته تواريخ للعلوم الطبية والاجتماعية و مفاهيمه أعمق لإنه انطلق من الذات وما تعانيه من قسوة السلطة والرقابة الخارجيه إلى تحليل الخطاب وتاريخ الجنون وذلك يبدو جليا في كتبه “نظام الخطاب ” و”المراقبة والعقاب” و”تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي”و”حفريات المعرفة” فقدم للنظرية مفاهيم مغايرة عما هو مألوف.( (طرابيشي،2006م، ص469-470)

ثالثا: جوانب المقاربة والمفارقة بين منظورات جيدنز وفوكو:

1-مفهوم القوة والسلطة :

أدرك كلا من جيدنز وفوكو أهمية القوة والسلطة في الحياة الاجتماعية  ، وتعاملا معها على أنها ظواهر بناءة وليست هدامة أو مسيطرة على الحرية ؛ لكن الإختلاف بينهما يكمن في الكيفية التي استطاعا من خلالها ابراز هذا المفهوم.

فوكو يؤكد أن هناك علاقة بين المعرفة والقوة والسلطة وقدم المعرفة من خلال تحليلات حفرية وجينالوجية .(حمداوي ، 2015م،ص115)

 إن السلطة برأي فوكو منتشرة وموزعة كالخِطابات لا تقف عند العلاقة بين المواطن والدولة أو بين الطبقات أو داخل المؤسسات أو الأجهزة السياسية أو الشرطة ، لكنها تعد ممارسة وليست ملكية ولا امتياز طبقة على أخرى. أما العقاب فكان هدفه التعذيب لا الإصلاح والتغيير .

في أواخر القرن الثامن عشر كانت هنالك ثلاثة اشكال تنظم سلطة العقاب ؛ الأول هو تملك السلطة وحق العقاب والإنتقام من الجسد المحكوم ، أما الشكلان الآخران فيرجعان إلى نظرية وقائية نفعية وتأديبية لحق العقاب والذي يرجع الى المجتمع بأكمله. (الكعبي، 2019م، ص521،526)

بالتالي مؤمن فوكو بأن كل واحد ممكن أن يمتلك السلطة والمعرفة وهذا سيؤدي الى  تحقيق السلطة الحديثة -التحكم الانضباطي- القائمة على الرقابة الذاتية التي تهدف إلى التقويم والإصلاح لا الإنتقام والتعذيب .

بمعنى أن فوكو اعتبر السلطة ميكانيزم للوصول للمعرفة وآلية تطبيق هذا الميكانيزم المراقبة التصاعدية وتطبيق الأحكام والفحص.(كوتينق،2017م،ص13)

ولو طبقنا منظور فوكو السلطوي المعرفي على واقعنا اليوم نجد أن الطبيب والمعلم والمدير والأب والقائد يمتلكون السلطة والإختلاف في عملية التطبيق ومستوى القوة والقانون وآلية تطبيقه. القانون والقوة مفهومان متلازمان لا يمكن فصلهما فلا يمكن نتصور مؤسسة بدون سلطة ولا يمكن تصور سلطة بدون قانون يفرض القوة والإنضباط ، ويؤكد فوكو على علاقة المعرفة والعقل بتقنيات وتكنيكات المراقبه . وعلى سبيل المثال استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراقبة  الإختبارات عن بعد في الجامعة الإلكترونية يعد نوعا من الفحص ؛ حيث أن الطلاب في هذه المرحلة يخضعوا للمراقب الذكي وعليهم برأي فوكو أن يتعاملوا مع الإختبارات الإلكترونية وكأنها حضورية تحت رقابة مشددة ثم أنه من خلال هذه الاختبارات تستخرج المعرفة من الطلاب و على ضوء النتيجة التي تظهر ؛ يأتي دور الأستاذ كمتحكم فإما أن يرصد الدرجة كما هي أو يعطيهم فرصة أخرى للتحسين.

أما جيدنز فإعتبر القوة هي قدرة الفاعل على تعبئة الموارد بهدف تحديد الوسائل لتحقيق غايات ونتائج معينة تعتمد على أفعال الآخرين ، كما أنها ترتبط بالسعي الى تحقيق المصالح الذاتية والجماعية .(الحوراني،2008م، ص70-72).

 ويتبادر إلى أذهاننا سؤال بعد كل ذلك وهو ما الذي يجعل أمريكا القوة المهيمنة اقتصاديا على العالم؟!

بحسب رؤية جيدنز فإن مركزية وهيمنة أمريكا تعود الى خطتها الاستراتيجية في كيف تأخذ وتعطي ، تفيد وتستفيد وتبقى بذات القوة المركزية ..

كذلك رؤية جيدنز تفسر لنا محليا كيف أصبحت حقوق المواطنين بشكل عام والمرأة  بشكل خاص مركزية في زمن الحزم ورؤية 2030م ؛ أُعطيت الكثير من حقوقها المسلوبة تمكينا لها وتحقيقا للخطط الاستراتيجية للتنمية المستدامة.

2- علماء مابعد الحداثة:

ينتمي كلا من الاتجاه الفوكوي و الجيدنزي إلى ما بعد الحداثة ؛ لأنها نشأت في مرحلة انتقالية مليئة بالتغيرات التكنولوجية والثقافية والاقتصادية ، كما كان لهما الأثر الكبير في نقد بعض الرؤى الكلاسيكية و إعادة صياغة النظرية الاجتماعية  وإبراز مفاهيم جديدة تفسر الواقع الجديد المتعولم والمليء بالتغيرات .

 انتقد فوكو العلوم الإنسانية “البيولوجية والسيكولوجية والاجتماعية ” لأنها برأيه تقدم حقائق علمية بسيطة عن الطبيعة البشرية ولا يمكن اعتبارها حقائق مؤسسة علميا.(كوتينق ،2017م ، ص4)

إن منهجه الجديد الآركيولوجيا – الجينالوجيا يرفض صفة العلم ولا يكتفي فيه بالوصف والتحليل إنما ابراز التمفصلات الخطابية وآليات تشابك القوة والمعرفة والشاهدة على تقاطع الكلمات والأشياء . كما رأى في الأركيولوجيا منهجا للحداثة البعدية والتي تختلف عن المنهجية الكلاسيكية التي تقوم على التجريد . (فوكو ، 1990م ، ص10)

من خلال الأركيولوجيا أعاد تشكيل المعرفة والثقافة ؛ فلكل زمان ومكان معارفه ، فصحيح أن الإنسان كان موجودا لكن لم يكن هناك أي معرفة بهذا الإنسان.

وكان مؤمن بأن أي خطاب علمي له مجموعة مفاتيح ؛ فكل عالم يدخل يقرأ النص من زاويته بفكره وعقله وتحليله الخاص ، مما يعني أن القراءات المتعددة المختلفة الزوايا لها الأثر الكبير في الإثراء النظري والمعرفي .(حمداوي،2015م،ص114-115)

 إذا كان فوكو انتقد العقل التاريخي فجيدنز انتقد رؤية ماركس لأنه حاول أن يفهم الحداثة منطلقا من رأس المال والاقتصاد، وفيبر لأنه انطلق من العقلنه في تفسيره للحداثه ، في حين أنه يرى أن الحداثة لا يمكن اختزالها في قالب وتفسير واحد ؛ فالعالم الحديث منظومة متكاملة تؤثر عليها عوامل متعددة كالرأسمالية والتصنيع والنزعة الفرديه …الخ.(دورتيه وآخرون ،2010م،ص167)

فوكو و جيدنز لم تكن منظوراتهما مبنية على رؤى مجردة ؛ بل على واقع ومحيط اجتماعي مُعاش.

يظهر ذلك في مجتمع المخاطرة لدى جيدنز الذي يعتبر أهم مفهوم أورده في كتابه “الطريق الثالث” وهو مصطلح يختلف عن مفهوم الخطر حيث يشير الى الخطر المقدر بوعي فيما يتعلق بالاحتمالات المستقبلية ،(جيدنز،2003م،ص47) ويقصد به جيدنز المجتمع الذي تتزايد فيه الفجوة الطبقية بين الأغنياء والفقراء (الحمش،2011م،ص6) ، وتتعاظم فيه قوة الرأسمالية المتوحشة التي تسعى الى الربح بأي طريقة واتساع رقعة المهمشين وزيادة العنف والبطالة والجريمة. تعتبر فكرة الطريق الثالث هي التوليف بين قيمة العدالة الاشتراكية والحرية الرأسمالية.

وقد أصبحت الثقافة برأي جيدنز كوكبية وبلا هوية  بفضل العولمة ؛ لأنها ساهمت في تغيير كينونة الأفراد والمجتمعات.(مناصريه ،2013م،ص255-256).

بالتالي آمن بحتمية النسق العالمي الجديد ؛ المتمثل في العولمة وثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال ووسائل الاعلام والتي اخترقت كل منزل ..

عالمنا اليوم بحسب رؤية جيدنز يسوده الاغتراب والاضطراب والشك ، بسبب الحداثة الانعكاسية (ليله ،2018م ،ص157-160) التي تعني السبب والنتيجة ؛ يعني أن الحيز الاجتماعي ليس فقط مكان الفعل ولكن أيضا مكان التفكير في الفعل. الانعكاسية هي ملك للفعل الاجتماعي الذي يقود الفعل للتأثير على الفاعل والعكس.(عبدالعزيز ،2018م،ص242)

                                            الوعي

السبب                             النتيجة

إن مفهوم الحداثة ينعكس على تحول المجتمع الصناعي الى مجتمع المخاطرة ، الأخطار الناجمة قد تكون نابعة من تهديد داخلي أو خارجي ؛ وهنا يأتي دور الوعي في كيفية التعامل مع هذه المخاطر.

إن ما قامت به المملكة العربية السعودية تجاه الهجمات على منشآت أرامكو   عام 2019م ، والتي استهدفت معملين تابعين للشركة ، أحدهما يُعدُّ أكبر معمل لتكرير النفط في العالم  ؛ ليعتبر دليل على قدرتها السريعة في إدارة الأزمة والتقليل من حجم آثارها السلبية.

حتى أنه لم يحدث تأخير أو إلغاء تسليم أيّ شحنة إلى العملاء العالميين بسبب تلك الهجمات. لقد أثبتت الشركة مرونتها التشغيلية حيث ظلت مورد آمن لأسواق النفط العالمية.) )

وأما عالميا وإدارة الدول للمخاطر فيتضح ذلك في دراسة أجراها مجموعة باحثين بعنوان “إدراك مخـــــــــاطر جائحة كـــــورونا (covid-19) حول الـــــعالم ونشـــرت في مجـــــــلة journal  of risk research”” العلمية وكانت تستهدف تقييم ادراك المخاطر العامة لوباء كورونا عالميا من خلال عينات مجتمعية وطنية بلغت 6991 شخص ، ومثلت هذه العينات عشر دول أوروبية وأمريكية ، وتوصلت إلى أن التنبؤات الأكثر أهمية لإدراك المخاطر تمحورت حول التجربة الشخصية مع الفايروس ، والقيم الفردية والإجتماعية ، ومعرفة معلومات عن الفايروس من الأصدقاء أو العائلة ، وتوفر عامل الثقة بالحكومة والعلم والطب وكذلك المعرفة الذاتية بالإستراتيجية الحكومية.

وعلى الرغم من وجود تباين كبير بين الثقافات ، وجد أن المحددات الأكثر أهمية فيما يزيد عن نصف الدول التي خضعت للدراسة هي وجهات النظر الفردية والتجربة الشخصية والقيم الاجتماعية والتأثير المعلوماتي للأصدقاء والعائلة. وبحسب الدراسة فإن تبني سلوكيات صحية وقائية في الدول العشر كان سببا في ادراك المخاطر وادارتها. (sarah dryhurst, 2020)

كما أننا كأفراد بفعل الانعكاسية الاجتماعية نستطيع التحكم في ظروفنا الحالية والمستقبلية فما نعانيه اليوم من اختراقات بسبب الرقمنه يجعلنا نتفادى كل ذلك مستقبلا بفضل معرفتنا بالوسائل التي تجعل أجهزتنا الذكية آمنه .

يتضح أن جيدنز رأى الجانب السلبي للعولمة ولم يلتفت لما تخلفه من آثار إيجابية جعلت كثير من الدول تتقدم فرؤية 2030م وما تحقق منها حتى الآن وسيتحقق بإذن الله لأكبر دليل على أن المملكة ستكون في مصاف الدول المتقدمة صانعه للمستقبل النهضوي .

مقابل مفهوم المخاطرة والحداثة العالمية  نجد أن فوكو اهتم بمفهوم تحليلي مصغر وهو الجنسانية وعلم اجتماع الجسد ؛ حيث أفرد لهذه الرؤية المؤلف كرس شلنج كتابا كاملا بعنوان ” الجسد والنظرية الاجتماعيه” ووضح فيه كيف أن فوكو ركز على الجسد والمؤسسات التي تتحكم فيه ، كما قدم رؤية ابمستولوجية بوصفه ناتجا وكيانا في الخطاب ؛ فالخطاب تغير بمجرد أن أصبح الجسد معقلن بإحتوائه على وعي ومقاصد ولغة وأقل خضوعا للقوى البهيمية كما في المجتمعات التقليدية وأكثر تعرضا لتحكم المراقبة والمثيرات.(شبلنج،2009م،ص110)

برأي فوكو إن الجسد يتعولم وليس فقط المجتمع ؛ في المجتمعات التقليدية كانت المرأة الأكثر وزنا هي المطلوبة والمفضلة ، في حين أن معايير جماليات المرأه في المجتمعات الحديثة اختلفت.

   بالتالي يرى ان الفرد يتكون من روح وجسد ، تكونان جميعها خاضعة ومتأثرة ومؤثرة في البنى الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية .

                                           تأثير وتأثر

                  الروح والجسد                             البنى الاجتماعية

اهتمت نظرية علم اجتماع الجسد بتفسير التغيرات التي طرأت على جسد المرأة من عمليات تجميلية وعلاقتها بالمتغيرات الاجتماعية والثقافية. فبات هوس المرأة بهذه العمليات أمرا ملحوظا وذلك لتظهر بشكل يعجب محيطها أو لزيادة ثقتها بنفسها أو إخفاء لمعالم تقدم سنها أو تقليدا لمشاهير التواصل الاجتماعي .  وكان يرى فوكو بأنه بدون دراسة جسد المرأة وكشف هويته لن يكون هناك أي تفسير اجتماعي حديث . (السيف،2019م،ص270)

وهذا ماقام به عدد من الباحثين حيث أفردوا للجسد والإهتمام به دراسات ومؤلفات خاصة ، ومن هذه الدراسات دراسة بعنوان “المكونات السوسيوثقافيه لصورة الجسد” وهي عبارة عن دراسة طبق فيها الباحث محمد الحوراني مقولات علم اجتماع الجسد على عينة من الإناث في المجتمع الأردني وأظهرت النتائج أن الإناث في المجتمع الأردني غير راضيات نسبيا عن صورة أجسادهن من حيث الشكل والطول والوزن ، كما اتضح من العينه أنهن يمتلكن استراتيجيات لإدارة الجسد مثل الحمية الغذائية وممارسة الرياضة ومراجعة خبراء التغذية ، كما أن صورة الجسد تتضمن احكاما قيمية من قبيل أن الجسد النحيف أكثر رشاقة وجمال ، وأظهرت النتائج أن صورة الجسد ترتبط بنزعة آداتية تتمثل بجملة من المصالح العمليه كالزواج والعمل والعلاقات الاجتماعية. كما تحتوي صورة الجسد على ضغوط ثقافية تأتي عن طريق الأسرة والأصدقاء . وهذه النتائج جميعها تشير إلى أن مثاليات صورة الجسد انتشرت عبر الفئات والطبقات المختلفة . (الحوراني،2016م، 2325)

في حين أن الرجل واتجاهه للتجميل أقل من المرأة بكثير ، حيث أظهرت دراسة للباحث عمر عبدالجبار احمد عام 2013م بعنوان” اتجاهات الرجل السعودي نحو عمليات التجميل الرجاليه ” أن العلاقة بين الرجل والتجميل سلبية  ، وتوصلت الدراسة الى ان اهم العوامل التي تدفع الرجل السعودي لاجراء التجميل هي التشوهات الخلقية وآثار الحوادث وليس بتأثير بنى اجتماعية وثقافية مثل المرأة.(أحمد،2013م،ص517-558)

 خصص فوكو كتابه ” تاريخ الجنسانية” لرصد المحددات الثقافية والاجتماعيه للظاهرة ، ومايحدد الجنسانية هي الخطابات المؤسسية والحكومية والشخصيه .

منظور فوكو ينعكس على قانون المثليين والذي أقرَته أمريكا عام 2015م ،  حيث يرفض توجهه أن يخضع الجسد لأي املاءات سلطوية ، ونحن بطبيعة الحال نرفض تنظير فوكو لأن تنظيره الجنساني مناقض للدين والقيم و الفطرة البشرية.

  نؤمن يقينا أنه على المجتمعات أن تتخذ آليات لتنفيذ استراتيجية التربية الجنسية في ظل الانفتاح العالمي والعولمة وذلك  من خلال تداول الكتاب الذي يحوي على معلومات وثقافة علمية جنسية بين الأبناء والبنات والطلاب والطالبات ، وأن يصبح هذا الكتاب جزءا من هوية المجتمع وأن يكون حافزا لترسيخ القيم والأخلاق ، كذلك الاعتماد على التربية الحوارية في الأسرة والمدرسة ، وتقرير مادة علمية عن التربية الجنسية في مقررات الثقافة الإسلامية والدين وعلم الاجتماع وعلم النفس.(السيف،2019م،ص278-271)

ومن الجسد إلى العقل والجنون حيث أن فوكو أفرد للجنون مؤلف بعنوان  “تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي” بيَن فيه أحوال السجون وعلاقتها بالجنون ، أشار إلى أن واحد من كل مائة من سكان باريس كان سجينا ؛ وقضى في السجن الانفرادي أو الجماعي على الأقل شهورا لأن التوجه السائد منذ منتصف القرن السابع عشر أن أي مختل يسجن وأي مسجون ممكن أن يكون مختلا خاصة إذا كان سجينا انفراديا لأنهم يخضعون تحت رحمة مراقبة عنيفة ، ينامون ويستيقظون في كهوف ضيقة ، محرومون من الأشياء الضرورية للحياة.(فوكو،1987م،ص45047)

 يرى أن خطاب المجنون كان قديما يعد دائما إما خطابا فارغا ولا قيمة له ولا يمتلك أية حقيقة أو أهمية أو أن له قدرات غريبة، كالجهر بحقيقة مخفية أو التنبؤ بالمستقبل. وفي كل الأحوال، فقد كان خطاب الأحمق الموقِع الذي تمارس تجاهه عملية الرفض.(بغوره،2020م،ص11-12)

 فوكو يرى  بأن المجنون له حق في الكلام والوجود ، ولكن تم اسكاته من خلال العقل ، وبحسب فوكو صحيح أن المجنون مريض عقليا ولكن يمكن علاجه مثله مثل أي مرض آخر نفسي أو عضوي  . ففوكو غيَر المفاهيم والأفكار حول العقل واللاعقل والمرض النفسي  ؛ حيث نجد أن المجتمعات تغيرت نظرتها للمرضى النفسيين والطب النفسي حيث كان كلا منهما يوصم بالجنون ، لكن بعد فوكو اتضح انه حتى الأمراض العضوية قد تكون سببا للأمراض النفسيه ، وكل مريض نفسي يمكن علاجه في العيادات النفسيه من خلال جلسات إرشاديه علاجيه.

وإذا كان فوكو لديه فلسفة خاصة بالعقل الإنساني فجيدنز لديه رؤية خاصة بالوعي الخطابي والخطاب العملي  ؛ وهذا الوعي كان من القواسم المشتركه بين نظريته والنظريات الصغرى كالتفاعليه والمنهجية الشعبيه.(الغريب،2016م،ص486)

والفرق بين الخطابين يظهر في تعاملات الأسرة وعلاقاتها ؛ فأحيانا نجد أن احد أعضاء الأسرة لا يستطيع التعبير بالكلام عن حبه وامتنانه للآخر لكنه يجيد الخطاب العملي كشراء هدية مثلا أو الترتيب لرحلة خارجية  وأحيانا يكون العكس تماما .

خاتمه:

إن نظريات علم الاجتماع ليست خيالا بل هي افتراضات تفسر تغيرات اجتماعية وثقافية واقتصادية ، وكل مرحلة تمر فيها المجتمعات يظهر علماء ؛ إما أن يؤسسوا قاعده جديدة أو يجمعوا بين الحديث والتقليدي ..

وفي هذه الورقة كان التركيز على الرؤى والتوجهات النقدية لكل من جيدنز وفوكو، حيث اتخذا موقفا راديكاليا من النظريات السابقة لعدم قدرتها التنظيريه  في تفسير مجتمع مابعد الحداثة.

 وقد بيَنا في هذه الورقة كيف اهتم فوكو وجيدنز بمفهوم الخطاب والسلطة والقوة وكيف تكون جهاز للإصلاح والتهذيب ، وكيف تكون وسيلة للضبط الذاتي الحر واستثمار قوى العقل.

تأثر فوكو بالبنيويين ، مما اشتهر به تحليله للجنون والإجرام والعقوبات والممارسات الاجتماعية في السجون كما كان فكره قائم على تقويض النزعة الإنسانية وولادة علم الحفريات.

أما جيدنز فركز بشكل أعمق على الحداثة ومخاطرها  الانعكاسية والعولمة التي خلقت عالم منفلت..

وعن الإبتكار في المفاهيم المتخصصة في علم الاجتماع فبفضلهم ظهر على الساحة العلمية مايسمى بعلم اجتماع الجسد وعلم الحفريات وعلم اجتماع المخاطرة.


المراجع

  • أحمد ، عمر عبدالجبار ، (2013م) ،اتجاهات الرجل السعودي نحو عمليات التجميل الرجاليه ، مجلة دراسات في الخدمة الاجتماعية والعلوم الإنسانية ، جامعة الملك سعود ، 43(2)، ص517-558.
  • بغوره، الزواوي (2020م) ، بين اللغة والخطاب والمجتمع :مقاربة فلسفية اجتماعية ، مجلة انسانيات، الجزائر ، ص11-12
  • جناوي ،عبدالعزيز(2018م) ، قراءة في سوسيولوجيا مخاطر الحداثة الانعكاسية ، مجلة دراسات وابحاث “المجلة العربية في العلوم الإنسانية والاجتماعية ” ، الجزائر ص242
  • جيدنز ، أنتوني (2006م) ، مقدمة نقدية في علم الاجتماع ، ترجمة : أحمد زايد، محمد محي الدين ،محمد الجوهري،عدلي السمري ، الطبعه الثانية ، مطبوعات مراكز البحوث والدراسات الاجتماعية للنشر ، القاهرة.
  • جيدنز ، أنتوني (2003م)، عالم جامح : كيف تعيد العولمة تشكيل حياتنا ؟، ترجمة :عباس كاظم ، حسن كاظم ، المركز الثقافي العربي للنشر ، لبنان.
  • حمداوي، جميل(2015م )، نظرية علم الاجتماع ، دار الورَاق للنشر ، الأردن .
  • الحمش ، منير (2011م) ، ورقة عمل : مجتمع المخاطر في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية ، لمؤتمر التنمية الاقتصادية والاجتماعية في سوريا ، جمعية العلوم الاقتصادية السورية ، دمشق ، ص6
  • الحوراني ، محمد (2016م)، المكونات السوسيوثقافية لصورة الجسد : تطبيق مقولات علم اجتماع الجسد على عينة من الاناث في المجتمع الأردني ،مجلة دراسات العلوم الإنسانية والاجتماعية ، 43(3) ، الأردن ، ص 2325
  • الحوراني، محمد ( 2008م) ، النظرية المعاصرة في علم الاجتماع ، الطبعه الأولى ،دار مجدلاوي للنشر،الأردن.
  • دورتيه ،كابان ؛ فيليب ، جان(2010م ) ، علم الاجتماع من النظريات الكبرى الى الشؤون اليومية “اعلام وتواريخ وتيارات”، ترجمة : اياس حسن ، دار الفرقد للنشر ، سوريا.
  • السيف ، محمد إبراهيم (2019م) ، المدخل الى دراسة المجتمع السعودي المعاصر ، دار الزوايا العلميه للنشر ، الرياض.
  • شبلنج ، كرس (2019م)، ، الجسد والنظرية الاجتماعية ، ترجمة : منى البحر ، نجيب حصادي، الطبعه الأولى ، دار العين للنشر ، أبوظبي.
  • طرابيشي، جورج (2006م)، معجم الفلاسفة ، الطبعة الثالثه ، دار الطليعة ،بيروت.
  • الغريب ، عبدالعزيز (2016م) ، نظريات علم الاجتماع ، دار الزهراء للنشر ،الرياض.
  • فوكو ، ميشيل (1990م) ، الكلمات والأشياء ، ترجمة: مطاع صفدي ،سالم يفوت ،بدر الدين عرودكي،جورج ابي صالح ،كمال اصطفان ، مركز الانماء القومي للنشر ، لبنان.
  • فوكو ،ميشيل(1987م،حفريات المعرفة ، ترجمة :سالم يفوت ، المركز الثقافي العربي للنشر ، لبنان.
  • ليله ، علي (2018م) ، النظرية الاجتماعية في عصر العولمة من الحداثة الى مابعد الحداثة ، مكتبة الانجلو ، مصر.
  • مناصريه، ميمونه (2013م) ، قراءة سوسيولوجيه في المقاربات النظرية للعولمة، مجلة علوم الانسان والمجتمع ، الجزائر ، ص255-256
  • الكعبي ، محمد سماري (2019م)، السلطة في فكر ميشيل فوكو –إشكالية الانتقال من قانون القوة الى قوة القانون- ، مجلة لارك للفلسفة واللسانيات والعلوم الاجتماعية ،العدد 33، العراق ، ص521،526
  • كوتينق ، غاري (2017م)، ميشيل فوكو ، مجلة حكمة ، المملكة العربية السعوديه ، ص 4
  • Sarah dryhurst,Claudia R.Schneider,john kerr,Alexandra L.J.Freeman,Gabriel recchia,anne marthe van der Bles,David Spieglhalter&Sander Van der Linden(2020),risk perceptions of covid-19 around the world,journal of risk research ,Dol:10.1080/13669877.202.1758193
  • marefa.org (2013م) ، ميشل فوكو
  • https://www.aramco.com (2019م) ، أمين الناصر: أرامكو السعودية تستعيد قدراتها الإنتاجية بسرعة وتتوقع استقرار الامدادات العالمية.