فلسفة التاريخ – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: طريف السليطي

فلسفة التاريخ – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: طريف السليطي


فلسفة التاريخ دانيل ليتل

د. دانييل ليتل، محاضر في قسم الفلسفة في جامعة ميتشغان-آن آربور

حول فلسفة التاريخ وتمثلاته ومعياره، وفلسفة التاريخ عند هيجل والساكسونيين والكتابات التاريخية؛ نص مترجم لد. دانييل ليتل، ومنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


يؤدي مفهوم التاريخ دورا أساسياً في الفكر الإنساني، ويستحضر أفكاراً عن سلطة الإنسان في التاريخ، والصيرورة، وأثر الظروف المادية على العلاقات الإنسانية، والمعنى المخلوع على الأحداث التاريخية. تمنح فلسفة التاريخ إمكانية ” التعلم من التاريخ ” وتهدف لتزويدنا بإمكانية فهم حاضرنا بشكل أفضل، عبر إدراك القوى والخيارات والمُعطيات السابقة التي أوصلتنا إلى وضعنا الراهن. لهذا فلا مفاجأة في قولنا إن الفلاسفة قد أولوا نصيباً من جهودهم لفحص التاريخ والعناية به والوقوف على طبيعة المعرفة التاريخية. يُمكن لهذه التأملات الفلسفية عن التاريخ أن تنتمي إلى فن مُستقل نسميه ]فلسفة التاريخ[ وهو فن مُتنوع يتضمن تحليلات ومُحاججات أقامها المثاليون والوضعيون والمناطِقة واللاهوتيون وغيرهم. كما تراوحت هذه النقاشات جيئة وذهاباً بين الفلسفة الأنجلوساكسونية والأوروبية، وبين الهرمونيطيقا ]التأويلية[ والوضعية.

إنه لمن المُستحيل أن نعرّف فلسفة التاريخ بصورة ترضي كل المناهج والمُقاربات وذلك بالنظر لتعدد الأصوات الفلسفية داخل هذا الحقل. بل إن واقع فلسفة التاريخ ليُخبرنا أننا نغالط حين ندّعي أن ثمة تقاليد مُوحَّدة لما ندعوه بـ”فلسفة التاريخ”. يعود السبب خلف ذلك إلى أن هذه المُقاربات في فلسفة التاريخ، والتي سنناقشها هُنا، قلّما تُحاور بعضها، مع هذا فلازال بإمكاننا أن نفكر بشكل مُثمر في كتابات الفلاسفة حول التاريخ وكونها تدور حول العديد من الأسئلة الكُبرى لتشمل الميتافيزيقا والهرمونيطيقا والإبستمولوجيا والتاريخانية historicism. أوّل هذه الأسئلة عن مُكونات التاريخ؛ أهيَ الأفعال الفردية، أو البُنى الاجتماعية، أو الجُغرافيات والحقب الزمنية، أو الحضارات، أو سيرورة العِلل الكُبرى، أو العِناية الإلهية؟ وثمة سؤال ثان: هل للتاريخ في عُمومه أي معنى، أو بُنية، أو اتجاه، خارج الأحداث الجزئية والأفعال الفردية التي تصنع التاريخ؟  والسُؤال الثالث: مالذي يتضمنه إدراكنا، وتمثلنا، وتفسيرنا للتاريخ؟ والسؤال الرابع: إلى أي مدى يُؤسس التاريخ الإنساني لأفعالنا الراهنة؟

 

1- تمثلات التاريخ

1-1 التاريخ: الأسباب والفاعلين

1-2 معيار التاريخ

2- الفلسفة القاريّة والتاريخ

2-1 طبيعة الإنسان بين الكونية والتاريخية

2-2 هل يملك التاريخ أي اتجاه؟

2-3 فلسفة التاريخ عند هيجل

2-4 المقاربة الهرمونيطيقية للتاريخ

2-5 فلسفة التاريخ والمفاهيم

3- فلسفة التاريخ الأنجلوساكسونية

3-1 القوانين الكلية للتاريخ

3-2 الموضوعية في التاريخ

3-3 السببية في التاريخ

3-4 المُستجدات في فلسفة التاريخ

4- علم التأريخ وفلسفة التاريخ

5- كتابات المؤرخين

6- إعادة التفكير في فلسفة التاريخ

  • قائمة المراجع

  • أدوات أكاديمية

  • مصادر أخرى على الإنترنت

  • مقالات ذات صلة

 

 

1- تمثلات التاريخ

ما هي المهام الفكرية التي يتصدى لها المؤرخ وتعمل على تحديد دوره؟ لعل أفضل جواب على هذا السؤال يتم بالقراءة المُتأنية لأحذق المؤرخين، فمن المفيد أن نقدم بضع إجابات مُختصرة عن هذا السؤال التأسيسي كي تزودنا بخارطة مفاهيمية عن طبيعة الوعي التاريخي.

يهتم المؤرخون أولاً بتقديم المفاهيم والوصف الواقعي للأحداث والملابسات التي حصلت في الماضي. ترمي جهودهم للجواب على أسئلة من قبيل: ” مالذي حصل؟ وكيف حصل؟ ما الظروف والملابسات التي وقعت في هذه المرحلة أو تلك من الماضي؟ ” يعني ذلك في بعض الأحيان وببساطة أن يُعيد المؤرخ بناء القصة المُعقدة عبر انتشالها من شتات المصادر التاريخية، كأن يبني من جديد سردية الحرب الأهلية الإسبانية، أو أن يُحاول ترتيب سلسلة الأحداث وهي تبلغ ذراها في أعمال الشغب العنصرية وسط ديترويت عام 1967. لكن قد يتجه المؤرخ أيضاً للانخراط بشكل مُعمق في جهد مفاهيمي يسعى للوصول إلى ” مُعجَم ” Vocabulary ليُشخّص ” ماذا حدث “. ماذا عن اضطرابات 1967 في ديترويت: هل كانت أعمال شغب أم ثورة؟ وما رأي من شارك بها وعاصرها؟

وثانياً: يُجيب المؤرخ على أسئلة تبدأ بـ ]لماذا[. من نافلة: ” لماذا وقعت هذه الحادثة؟ ما هي الظروف والمُعطيات التي جعلت الأمر على ماهو عليه؟” إن هذا الطراز من الأسئلة سيستدعي المؤرخ لتزويدنا بشرح الأحداث أو توفير إطار تفسيري للآتي: صعود الفاشية في إسبانيا، سقوط الإمبراطورية العثمانية، الأزمة المالية العالمية والكُبرى عام 2008. إن تزويدنا بالتفسير يتطلب وبصورة أساسية أن يُؤخذ بالاعتبار الآليات السببية، وخلفية الظروف والمُلابسات، والخيارات المتاحة أمام البشر حين تؤول بالنتائج إلى ما هي عليه. إننا نشرح المآل التاريخي عند إدراكنا للأسباب الاجتماعية والقوى والأفعال المؤدية بالأمور لتكون كذلك ولو بصورة احتمالية.

ثالثاً: وهذا ما يرتبط بالنقطة السابقة، يهتم المُؤرخون أحياناً بالجواب على سؤال ]كيف؟[ على شاكلة: ” كيف لهذه النتيجة أن تحدث؟ أي مُجريات تمت لتقع هذه النتيجة؟ ” كيف أمكن للجيش البروسي أن يهزم هزيمة الجيش الفرنسي المُتفوق في عام 1870؟ وكيف تغلب ترومان على ديوي في الانتخابات الأمريكية لعام 1948؟ ومن هنا فإن الاهتمام العملي للمؤرخ ينبع من الصعوبة السابقة للحدث موضع السؤال الآتي: كيف أصبحت هذه النتيجة مُمكنة؟ هنا يبرز تفسير ما، ولكنه إجابة على سؤال ” كيف يُمكن ” لا سؤال ” لماذا ” الضروري.   

رابعاً: كثيراً ما يهتم المؤرخون بحبك النوايا البشرية مع الأغراض والمسارات التي تكمن خلف (سلسلة معقدة من الأفعال التاريخية)؛ فيساعد المؤرخون القارئ في إضفاء المنطقية على الأحداث والأفعال التاريخية عبر إدراك الأفكار والدوافع والحالات الذهنية states of minds للفاعلين (صناع التاريخ- المترجم). ولنا أن نسأل على سبيل المثال: لماذا استفز نابليون الثالث مملكة بروسيا بلا اكتراث ودفعها لمحاربته عام 1870؟ لماذا كان النظام العسكري والدكتاتوري لبورما متعنتاً تجاه الناشطة الديمقراطية أونسانسو تشي؟ لماذا تعاظمت سياسات التمييز العرقي في الولايات الشمالية الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية؟ تتطلب الأجوبة لمثل هذه الأسئلة تأويلاً للأفعال والمعاني والمقاصد بالنسبة للفاعلين الأفراد في ثقافاتهم، ومن شأن ذلك تلخيص أحوال الأمم في عُمومها. إن هذا المنظور في التفكير التاريخي لهو هرمونيطيقي ]تأويلي[ وإثنوجرافي.

ومن اللازم أن يقوم المؤرخ بمُهمة علمية وأساسية أكثر من غيرها عبر اكتشاف الوثائق والمعلومات عن حقبة مُحددة من الماضي وإسباغ المنطقية عليها. إن البيانات التاريخية لا تنطق بنفسها، أما الوثائق فناقصة وغامضة ومُتناقضة ومُحيرة. يعمل المؤرخ على تأويل الأدلة المنفردة من هنا وهناك، كما أنه – بطريقة أو بأخرى – بحاجةٍ لتحويل كومة الأدلة إلى حبكة مُتماسكة وصادقة. لذا فإن أحداثاً معقدة كالتي وقعت في الحرب الأهلية الإسبانية تجعل المؤرخ يقف بإزاء مُحيط ضخم من الآثار التاريخية وقد اختُزِنت واستودِعت في الأرشيفات حول العالم. قد تشير هذه الأكوام من الوثائق إلى جهود مُتعمدة لإخفائها من الجانب القوي (مثل ما فعله الملك الإسباني فرانكو حيث أخفى أدلة المذابح الجماعية ضد الجمهوريين بعد انتهاء القتال) تصبح مُهمة المُؤرخ هنا منوطة بإيجاد الطريقة المُلائمة لاستخدام هذا الدليل في إيضاح الحقيقة عما حدث في الماضي.

باختصار؛ إن المؤرخين يتصورون أحداث الماضي ومُلابساتها، فيصفونها، ويضعونها في السياق المناسب، ويشرحونها ويفسرونها. إنهم يرسمون الماضي بريشة صنعتها تصوراتهم للتفاصيل المُعقدة في أحداث مُنصرمة، فيشرحون ويُفسرون نتائج مُهمة، ويبنون ما وصلوا إليه من نتائج على أساس من الدليل الحاضر والمبني على وقائع ماضية، وعلى المؤرخين أن يبنوا مواقفهم وفق ما يتوفر لهم من السجلات التاريخية، فشروحهم وتفسيراتهم تتطلب منهم ذلك كي يبنوا فرضياتهم عن الأسباب الاجتماعية والدلالات الثقافية. ويُمكن للمؤرخين أن يستعينوا بأبرز ما يُتاح لهم من نظريات في العلوم الاجتماعية والسلوكية ليصلوا إلى نظريات حول آليات ومُسببات السلوك الإنساني؛ ومن ثم فإن الصياغات التاريخية تعتمد بشكل رئيس على البحث في الوقائع والاستدلال النظري معاً. وفي نهاية المطاف تتجلى مُهمة المؤرخ؛ إنه من يُسلط الضوء على أسئلة ]ما[ و ]لماذا[ و]كيف[ مُستديراً بها صوب الماضي، بناءً على استقراء الأدلة المتوفرة لديه في الحاضر.

هناك مسألتان أوليتان تتعلقان بمعظم النقاشات حول التاريخ وفلسفته، وتتعاطيان مع التأسيس للتاريخ وما ننتقيه من الأحداث والمُجريات. المسألة الأولى حول علاقة الفاعلين بالأسباب وسط التاريخ: هل التاريخ سلسلة علاقات بين الأسباب الموضوعية؟ أم أنه سلسلة متشابكة من الأفعال الإنسانية فحسب؟ أما المسألة الثانية فتتعلق بمعيار المجريات التاريخية في الزمان والمكان: كيف يُمكن للمؤرخين أن يُؤالفوا بين المشاهِد، الصغرى والمتوسطة والكُبرى، في التاريخ؟ إن هاتين المسألتين يُمكن تلخيصهما في تاريخ فرنسا. هل يجدر بنا أن نتخيل دولة فرنسا في القرن العشرين بأنها وليدة أسباب مُتراكمة لما وقع لها في الماضي؛ كسقوط النظام الروماني في الإقليم الفرنسي، والانتصارات العسكرية لشارلمان، واندلاع الثورة الفرنسية، والهزيمة في الحرب الفرنسية ضد بروسيا؟ أم أنه يجدر بنا الإقرار بأن فرنسا في كل زمان كانت هدفاً لصراع الأفراد والجماعات والمؤسسات وهو ما يمنح دور ” الفاعلين الاستراتيجيين ” خصوبة أقوى في تحليل التاريخ الفرنسي عِوضاً عن مجرد التفكير بالأسباب الموضوعية المُحركة للأحداث؟ هل من الأفضل لنا أن نفكر بفرنسا ضمن وحدة مُستقلة عن غيرها، أم نفكر بها ضمن كتلة من الجغرافيات والثقافات التي تشترك بديناميات dynamics مشابهة (كالإلزاس وبريطانيا وبورجندي)؟ وأياً كان المعيار الذي نتخذه فإنه سيظل مُحاطاً بالجدل. ولنسأل أبعد من ذلك: هل من المفيد أن نهتم بالتوسع المديد في النشاط الإنساني في الإقليم الفرنسي أم أنه على المؤرخين أن يُركزوا انتباههم على المراحل القصيرة والقريبة فحسب؟ سنناقش باقتضاب هاتين المسألتين في القسمين التاليين.

 

1-1التاريخ: الأسباب والفاعلين    

ثمة مشكلة في فلسفة التاريخ وهي كيف لنا أن ” نتصور ” التاريخ بحد ذاته. هل يُثير التاريخ اهتمامنا لأنه يدلنا على أسباب موضوعية توجد وسط الأحداث والبُنيات التاريخية كما هو الشأن مع الإمبراطوية الرومانية أو حتى دولة الحُكم المطلق؟ أم أن التاريخ تكتلٌ للأفعال والنشاطات الذهنية لأفراد لا حصر لهم، من أعلى ومن أسفل؟

يطرح المؤرخون أسئلة كهذه: ” ما هي أسباب سقوط روما؟ ما هي أسباب صعود الفاشية؟ ما هي أسباب الثورة الصناعية؟” ولكن، ماذا لو كانت الحقيقة الواقعية مختلفة تماماً عما تذهب إليه مقاربة السببية؟ ماذا لو كانت الأسباب الحقيقية لبعض أكبر الأحداث التاريخية ليست إلا تراكمات من الأسباب الصغيرة والمتواضعة؟ وماذا لو لم تكن هناك أسباب مقنعة ومرضية لنا لتجيبنا عن سؤالنا حيال سقوط روما؟ ماذا لو قمنا – عوضاً عن بحث العلل الكبرى – بحشد المجريات الصغيرة والحوادث الطارئة آنذاك وتوصلنا من خلالها لتفسير ما هو أكبر من النتائج المثيرة لاهتمامنا؟

من الناجح أن نراجع أنفسنا بشكل جذري، ونتساءل حول ما إذا كانت طريقتنا في التفكير عن التاريخ بوصفه سلسلة من الأسباب والمُؤثرات مُناسبة للموضوع المراد بحثه، فماذا لو كانت لغتنا حيال الأسباب ” الجامدة ” لا تعمل بدقة مع السياق التاريخي؟ ماذا لو أخذنا بجدية الفكرة القائلة بأن التاريخ ما هو إلا نتاج جهود الأفعال والأفكار لعدد هائل من الشخوص، ومن ثم فالتاريخ سيلٌ متدفق من الأعمال والأفكار وليس سلسلة من الأسباب والنتائج؟ ماذا لو اعتقدنا بوجود طوفان من الأحداث الطارئة والمسارات العشوائية للتاريخ؟ أفلا تكون هذه التصورات البديلة ملزمة لنا بطرح أسئلة مُتعددة حيال الصيرورة التاريخية؟

ثمة طريقة بديلة للتفكير في التاريخ: يُمكننا التركيز على التاريخ بصفته مجموعة من الظروف والشروط الاجتماعية التي تحدد الفعل التاريخي، بدلاً من اعتبار التاريخ مجموعة من الأسباب والنتائج. يُمكننا كذلك أن نَبسِط القول عن تفسيرات التاريخ بصدد أفعال الأفراد (المشاهير والمجاهيل) وكيف تصرفوا في سياق هذه الظرفيات؛ ونستطيع حينها تأويل النتائج وأنها جِماع ما لا حصر له من الأفراد وأفعالهم. تُساعدنا هذه المُقاربة أن تعرّفنا على تعدد المفاهيم حيال كثرة الفاعلين وتبدلات الظروف والموازين، وتمنعنا من السقوط في فخ التشيؤ (أي اعتبار بنية التاريخ ومراحله وقِواه ذات طابع جامد- المترجم).

يدفعنا هذا الاتجاه من التفكير إلى أن ندرك أهمية التحليل المعمق للبيئة الاجتماعية والطبيعية اللتان تؤطران خيارات الفاعلين. أما تصورنا عن مسار السلوك البشري فلا بد وأن يخلص إلى الصيرورة التاريخية وأن يأخذ بالاعتبار البيئة المؤسساتية والظرفيات المتغيرة التي وقع فيها الحَدَث. إن جانباً من فهم منعرجات المراحل التاريخية وتغيراتها يعتمد على طبيعة المؤسسات الموجودة في نفس الحقبة، وكذلك علاقات المِلكِية، والمؤسسات السياسية، والبُنى الأُسريَّة، والنشاطات التعليمية، بالإضافة للقيم الدينية والأخلاقية. لهذا فإن التفسيرات التاريخية تتسم بالتركيب في مقاربتها للمؤسسات والتقاليد. يُزودنا هذا النوع من المقاربات بقاعدة basis للحُكم على الظروف التي تسببت في تحولٍ تاريخي ما؛ وتمنحنا أيضاً فهماً لهذا النوع من الأسباب وكيفية تجسُّدها في أفعال الأفراد وأفكارهم وكذلك طريقة تفاعلهم مع المعطيات الطبيعية والاجتماعية.

يُمكن للظروف الاجتماعية أن تكون مُثبّطة أو مُشجعة، فمنها تتولد بيئة يتفاعل معها الأفراد ويرسمون خططهم وفقاً لها. إنه لظرف مُميز ذلك الذي تتملك فيه مرحلة زمنية رصيداً من المعرفة العلمية والتقنية، ومجموعة من العلاقات الاجتماعية المبنية على القوة، وقدر من الإنتاجية المادية. إنه لظرف حرج أيضاً حين تكون المعرفة محدودة، والاضطهاد قائم، والقدرة على الفعل مُقيدة. مع هذه الفرص وحدودها نجد الأفراد جميعاً، قد صنعوا حياتهم ومطامحهم بأفعالهم، ويستوي في ذلك القادة والأفراد العاديين.

وهذا كله سيدفعنا لتبني طريقة بديلة نفكر بواسطتها في التاريخ وما يحتويه من بُنى مختلفة، أحدها هو التاريخ بوصفه تياراً من الأسباب والمُؤثرات، والبُنى والأحداث، ولعلنا نسمي ذلك بمُقاربة (التاريخ المُتمحور حول الفاعل) فنعمل على تفسير مرحلة ما، عبر الأخذ في الحُسبان ما اعتقد به الناس وما فكروا به والبيئة الاجتماعية والطبيعية وأحوالها التي أطّرت خيارات الناس وقراراتهم. تدفعنا هذه الرؤية التاريخية للانتباه إلى واقع المعرفة، والأيديولوجيا، والوسائط الفاعلة، بالإضافة للمؤسسات والبُنى المختلفة، وهذا ما يُقلل من هيمنة الإطار التفسيري للأسباب والنتائج.

 

1-2 معيار التاريخ

نجد أنفسنا مضطرين أثناء دراستنا للتاريخ بأن نفكر بمعيار للتاريخ الذي نبحثه، ولنفترض أننا مهتمون بالتاريخ الآسيوي لا سيما الصين؛ فهل نتناول القارة الآسيوية أم الصين أم مقاطعة شاندونج؟ أم – ضمن مصطلحات التاريخ – نهتم بالثورة الصينية ومنطقتها الأساسية في يانان؟ أم نتجه نحو بضعة قرى لشاندونج إبان الأربعينات من القرن العشرين؟ إننا حين ندرك مدى تجذر الفوارق في الحياة الاجتماعية فإن المعيار الذي نختاره يُؤثر بشكل بالغ في فهمنا للنتائج.

إن المؤرخين ليختلفون بشكل حاسم حول المعيار الذي يَصطَفونه، فوليام هينتون مثلاً، في عام 1966، يُقدّم وصفاً شهرياً لمئات العوائل أثناء الثورة الصينية داخل قرية فانشن. يُغطي هذا الكتاب سنوات قليلة من حياة مئات الأشخاص والأحداث التي مرت بهم. مثله يفعل إيمانويل لادوري الذي يُقدم معالجة عميقة للقرويين في مونتايلو Montaillou حيث درس هذه القرية الصغيرة في زمان محدود هو الآخر(Le Roy Ladurie, 1979). وفيما يخص وليام كرونان فقد قدّم رصداً مكثفاً وتفصيلياً عن تطور مدينة شيكاجو لتصبح عاصمة للوسط الأمريكي (Cronon, 1991). هذه الأعمال التاريخية محدودة في زمانها ومكانها، وبالإمكان أن ننعتها بالتأريخ الأصغر micro-history.

وعلى الطرف النقيض من هذا المعيار، يزودنا وليم مكنيل بتاريخ لأمراض العالم (McNeill, 1976) أما ماسيمو ليفي باتشي فيكتب تاريخاً عن سكان العالم ((Livi-Bacci, 2007 في حين يُقدم لنا دي فريس وجودسبلوم تاريخاً بيئياً للعالم (De Vries and Goudsblom, 2002) اختار المؤرخ في كل من هذه الحالات معياره الذي يفترض شموله لكل العالم ولمدة تجتاز الألف سنة. ويتحتم علينا أن نصف هذه الأعمال بالتأريخ الأكبر macro-history.

إن للتأريخ الأكبر والأصغر نقائص واضحة للعيان، فالتأريخ الأصغر يتركنا نتساءل ” كيف يُمكن لهذه القرية بالذات أن تسلط الضوء على ماهو أكبر منها؟” أما التأريخ الأكبر فيتركنا مع سؤال ” كيف لهذه الأطروحات الجازمة أن تنجح في تعليل ما يحدث في السياق الكندي أو سيشوان الصينية؟”. إن التأريخ الأصغر مُهددٌ بسبب محدوديته بأن يفقد كل اهتمام، أما التأريخ الأكبر وبالنظر لاتساعه فهو مهدد بفقدان روابطه بالتجربة والمجريات الواقعية التاريخية.

يوجد خيار ثالث للمؤرخ ويأخذ في الحسبان النوعين السابقين؛ وهو أن يختار معياراً يُحيط فيه بزمان ومكان كافِيَين ليتسم بحثه بالأصالة والأهمية، شريطة ألا يشط كثيراً لئلا يتناقض مع تحليلات صلبة. إن لهذا المعيار أحياناً طابع إقليمي؛ على سبيل العينة ما كتبه ج.وليام سكينر من تحليل يخص المناطق الكبرى من الصين (Skinner, 1977) وقد يكون على مستوى الأمة كما هو الحال مع التاريخ الاجتماعي والسياسي لإندونيسيا، أو عابراً للأمة supra-national كالتاريخ الاقتصادي لأوروبا الغربية أو البحث المُقارن في التاريخ اليوراسي. إن النقطة الأساسية هنا أن المؤرخين – في هذا الحيز المتوسط – لديهم حرية اختيار المعيار الذي يجدونه مُلائماً لإنتاج أفضل المفاهيم حيال التاريخ، اعتماداً على الدليل المُتاح والمُجريات التاريخية الفاعلة. من شأن هذا المعيار المتوسط أن يسمح للمؤرخ بإصدار أحكام هامة تخص ما توصل إليه من مجريات اجتماعية ساهمت في خلق القصة التي يرغب المؤرخ بروايتها. ويُمكننا أن نسمي هذا النوع من التحليل باسم “التأريخ الأوسط” meso-history والذي يظهر لنا بأنه يقدم مزيجاً بارعاً من التخصصية والشمول معاً.

 

1- الفلسفة القاريَّة والتاريخ

جرى تناول فلسفة التاريخ مراراً في الفلسفة الأوروبية الحديثة، للحد الذي تحولت فيه فلسفة التاريخ إلى أداة تفسيرية، لا سيما في التقليد الفلسفي الألماني حيث اعتُبِرَ التاريخ وحدةً شاملة من البُنى والأحداث ومُجرياتها. تتنبأ الفلسفة القارية بما بعد التاريخ meta-historical وتروم إلى إدراك المسارات الحاضنة للتاريخ واتجاهات للتاريخ الإنساني؛ وهو تاريخ مُتصل رغم ما يعتري تطوره من تذبذبات. نهض فلاسفة العصر الحديث كفيكو وهيردر وهيجل بمجموعة من الأسئلة عن الاتجاه العام والمعنى من التاريخ، وثمة خط مغاير قليلاً في التقليد القاري وهو خط الهرمونيطيقية ]التأويلية[ في العلوم الإنسانية وله ارتباط وثيق بفلسفة التاريخ. إذ تؤكد الهرمونيطيقية على ” الدائرة التأويلية” حيث يأخذ البشر على عاتقهم تفهم المعاني التي يُنتجها بشر آخرون لا سيما في النصوص والرموز والأفعال، فقام فلاسفة التأويلية كشيلارماخر (1838) ودلتاي (1860- 1903) وريكور (2000) بتقديم محاججات فلسفية تؤكد أهمية السرديات التأويلية في فهمنا للتاريخ.

 

2-1 طبيعة الإنسان بين الكونية والتاريخية

البشر هم من يصنع التاريخ؛ لكن ما هي طبيعتهم الجوهرية؟ هل توجد أصلاً طبيعة إنسانية موحدة أم إن السمات الجذرية للإنسانية تشكلت تاريخياً؟ (Mandelbaum 1971). هل تستطيع دراسة التاريخ تسليط الضوء على هذا السؤال؟ هل يمكننا إدراك ما هو ثابت في البشر عند دراستنا لحقب تاريخية مختلفة، أم أننا سنعثر على اختلافات جوهرية في الدوافع والأسباب والرغبات والسلوكيات الجماعية؟ هل الإنسانية مُنتَج تاريخي؟ لقد قام فيكو في كتاب العلم الجديد الصادر عام 1725 بتفسير للتاريخ أعاد فيه الاعتبار لفكرة “الطبيعة الإنسانية الكونية” والتاريخ الكوني (انظر تعليق برلين في: Berlin 2000) يوفر هذا التفسير من فيكو رؤيةً لتاريخ الحضارة تقول بالتماثل الباطني في الطبيعة الإنسانية تصمد أمام الشروط التاريخية، يسمح لنا هذا التماثل بشرح الأفعال التاريخية ومُجرياتها. ومن السمات الشائعة في الطبيعة الإنسانية ما يحصل من تسلسل متكرر لمراحل التطور في المُجتمع المدني والقانون والتجارة والحُكومة. تواجه الإنسانية الكونية تحديات حضارية دورية تُفرز ألواناً متشابهة من الاستجابات بمرور الزمن. وهناك أمران ينبغي ملاحظتهما في هذا المنظور من التحليل التاريخي؛ أولهما أنه منظور يُبسِّط مهمة التفسير والشرح التاريخي (لأننا نعتقد مُسبقاً بإمكانية فهمنا للفاعلين في الماضي على ضوء خبراتنا وطبيعتنا المُشتركة) وثاني هذه الملاحظات أن لهذا المنظور ورثته في القرن العشرين في نظرية العلوم الاجتماعية، وقد صاغته في نظرية ” الإطار عقلاني ” الذي يُمثل قاعدة التفسير الاجتماعي الشامل.

أسهم يوهان جوتفريد هيردر بشكل لافت للنظر برؤية مُختلفة عن الطبيعة الإنسانية وأفكارها ودوافعها. يُحاجج هيردر في كتابه أفكار لفلسفة التاريخ الإنساني (1791) بأن النسقية التاريخية historical contexuality للطبيعة الإنسانية تمنحنا فهماً تاريخياً للطبيعة الإنسانية، وانحاز مع الفكرة القائلة بأن الطبيعة الإنسانية ماهي إلا مُنتج تاريخي، وأن البشر يتصرفون بشكل مختلف بين مرحلة وأخرى وفقاً للتطور التاريخي (1800–1877, 1791 Herder). إن آراء هيردر قد أرست المعيار للفلسفة التاريخانية historicist philosophy ونظرتها حيال الطبيعة الإنسانية، وورثها منه أعلام القرن التاسع عشر كهيجل ونتشه. أسَّس منظور هيردر للتاريخانية تياراً مُهماً من الأفكار عن العالم الاجتماعي في أواخر القرن العشرين، ومن ذلك فكرة ” التكوين الاجتماعي ” للطبيعة الإنسانية، وأيضاً الهويات الاجتماعية ( .(Anderson 1983; Hacking 1999; Foucault 1971

 

2-2 هل يملك التاريخ أي اتجاه؟

طرح الفلاسفة أسئلتهم حيال معنى التاريخ والبُنية الكلية للتاريخ الإنساني. سعى بعض الفلاسفة لاكتشاف فكرة رئيسية، أو معنى، أو اتجاه أعظم للتاريخ الإنساني. ولعل هذا قد تجسد في الجهد المبذول لتوصيف النظام الإلهي للتاريخ وما يشابهه من مسارات كُبرى (كالحركة الدائرية للتاريخ أو الغائية أو التقدمية) أو وجود فكرة محورية تتحكم في التاريخ (مثل تصوُّرالتاريخ عند هيجل بوصفه كشفاً مُستمراً للحرية الإنسانية) وهذا ما سيُناقش فيما بعد. إن الطموح الذي صاحب هذه الأفكار قد هدَفَ إلى القول بأن الأحداث العَرَضية والعشوائية في التاريخ قد ترتبط بنظام باطن أو غاية ما.

إن هذه المقاربات التاريخية قد توصَف بالهرمونيطيقية، لكنها تركز على تفسير التاريخ ضمن سمات أعم عِوضاً عن تفسيره بالمعاني والأفعال الفردية. في الواقع، تتناول هذه المقاربات التاريخ باعتباره نصوصا مٌعقدة ومٌتشابكة يُفسر فيها المؤرخ المعاني والعناصر السردية بغية إدماجها في القالب القصصي (تحدث رانكه بشكل واضح عن هذه النقطة عام 1881).

وثمة تيار يعاود الظهور تاريخياً في فلسفة التاريخ، ويتبنى العدالة الإلهية والرؤية الأُخروية للتاريخ. يستلهم هذا التيار رؤيته من الدين ويُحاول العثور على المعنى والهيكل التاريخي عبر ربط الماضي والحاضر مع خطة إلهية مُحكَمة ومُقدسة. حاول مفكرون متدينون ولاهوتيون أن يعثروا على مغزى الأحداث التاريخية في كونها تجليات للإرادة الإلهية. وتُعد مُشكلة الشر والسؤال المطروح حولها من أسباب الاهتمام اللاهوتي بفلسفة التاريخ، لهذا حاول ليبنتز في كتابه ” العدالة الإلهية Theodicy” أن يُقيم تعليلاً منطقياً لوجود المآسي في التاريخ بالتزامن مع المشيئة الخيّرة لله (1709). وفي القرن العشرين ظهر لاهوتيون من أمثال ماريتان (1957) وروست (1947) وداوسون (1929) أبرزوا جهوداً منهجية لتأويل التاريخ برؤية مسيحية.

أما مفكرو التنوير فرفضوا التأويل الديني للتاريخ واستبدلوه بغائيتهم الخاصة، أي فكرة التقدم، وفحواها أن الإنسانية تترقى نحو وضع أفضل وأكمل في الحضارة، وأن هذا التقدم يُمكن ملاحظته عند دراستنا لتاريخ الحضارة (Condorcet 1795; Montesquieu 1748). وطمحت فلسفة التاريخ عند فيكو إلى التعرف على سلسلة من المراحل الجوهرية للحضارة الإنسانية؛ فالحضارات المُتنوعة تمر عبر المراحل ذاتها لأن الطبيعة الإنسانية ثابتة عبر التاريخ (Pompa 1990) أما روسو (1762 أ، 1762 ب) وكانط (1684-5؛ 1784-6) فنقلا بعض هذه الأفكار عن “العقلانية والتقدم” إلى نظرياتهما السياسية، بينما جسّد آدم سميث شيئاً من هذا التفاؤل عن ثمار العقلانية في أعماله، وذلك في اكتشافه للنظام الأوروبي الاقتصادي الحديث (1776). إن هذا المجهود في استخلاص سلسلة ثابتة من المراحل التاريخية واعتبارها أداةً في تفسير تاريخ الحضارة قد تكرر في القرنين الثامن والتاسع عشر، ووجد صداه في فلسفة هيجل وأيضاً في نظرية ماركس المادية عن تطور أنماط الإنتاج (Marx and Engels 1845–49; Marx and Engels 1848).

إن الجهود التي بذلت لإيجاد اتجاهات ومراحل التاريخ قد نالت صوتاً جديداً في مطلع القرن العشرين، وعلى يد العديد من فلاسفة مابعد التاريخ meta-historians الذين أرادوا إقامة تفسيرات فوقية للتاريخ ترمي لتنظيم فهمنا لتاريخ العالم: شبنجلر (1934) توينبي (1934) فيتفوجل (1935) ولاتيمور (1932). قام هؤلاء بقراءة تاريخ العالم في صعود الحضارات والأجناس والثقافات وسقوطها. لم تتأثر مُؤلفاتهم مبدئياً بما كتبه الفلاسفة واللاهوتيون من نظريات، وأيضاً لم تكن مؤلفاتهم نتيجة دراسة تقليدية للتاريخ. لقد أبرز شبنجلر وتوينبي التاريخ البشري ضمن مراحل مترابطة حيث تلج الحضارة فترات الشباب ثم النضج والشيخوخة. وفسّر فيتفوجل ولاتيمور الحضارات الآسيوية ضمن مُحددات أكبر، إذ يرى فيتفوجل أن تاريخ الصين مُباين للتاريخ الأوروبي وأن الحضارة الصينية عاشت تحت نير ” الاستبداد المائي ” ومن العواقب المصاحبة لذلك أن للصين تاريخ دائري وليس تاريخاً خطياً. فيما ذهب لاتيمور إلى القول بالحتميات الجغرافية والبيئية ودورها في تطور الحضارات الآسيوية (Rowe 2007).

ثمة نقد مشروع للجهود الساعية نحو تفسير التاريخ ضمن اتجاه مُحدد، ويرى أن هذه الجهود تسعى نحو معنى غير موجود. إنه لمن المعقول أن نفسر الأفعال الفردية والسير الشخصية، لأننا سنستند في مقاربتنا للمعنى على نظرية مفادها أن الفرد هو الذي يحوز المعنى ويصنعه، في حين أنه لا يوجد فاعل أعظم للتاريخ كي نختزل به الأسباب المُتوارية خلف الأحداث التاريخية، ولنأخذ الثورة الفرنسية مثالاً حيث من الخطأ أن نحاول العثور على معانٍ في سمات الثورة (مثل الإرهاب). يحاول الاتجاه الغائي في تفسير التاريخ أن يتهرب من هذا النقد عندما ينسب الأسباب الباطنة إلى قوة خارقة ووصفِها بأنها من يُؤلف التاريخ، فيما هذا الزعم المقدس حول كتابة التاريخ ينزع من البشر قدرتهم على الإسهام في التاريخ.

إن جهوداً بذلها فيكو وشبنجلر وتوينبي في إدراك المراحل الكبرى للتاريخ ليست بمأمن من المناقد المُختلفة، بُنيت هذه الانتقادات ضد الرؤية السببية ” الأحادية ” للتاريخ عند هؤلاء، أحادية لا تتناسب مع تعقيد التاريخ الإنساني. إن هؤلاء الكتاب يجعلون التاريخ مزموماً بفكرة واحدة تقوده: الطبيعة الإنسانية (فيكو) أو التحدي الحضاري المشترك (شبنجلر/ توينبي) وتحتاج فرضياتهم للفحص على ضوء الشواهد والأدلة التاريخية العينية. فمن الصعب توفر دليل يخص مراحل كبرى من صيرورة التاريخ تمتد لثلاثة آلاف سنة من التطور الحضاري وتفسيرها عبر فكرة واحدة وثابتة. بدلاً من ذلك فإن التاريخ الإنساني، في كل معاييره المتاحة وكما يظهر لنا، يخوض حالات طارئة ومتعددة المسارات والتطورات. وهذا لا يعني بالضرورة أنه ما من تفسيرات ذات مصداقية عامة وصالحة للتاريخ والمجتمعات تتيح لنا الفهم. فعلى سبيل المثال، كانت كتابات مايكل مان الاجتماعية (1986) عن الحضارات الزراعية المُبكرة. وكتابات دي فريس وجاودسبلوم عن التاريخ البيئي العالمي (2002) وما تناوله جيرد دياموند عن المرض والحرب (1997) توفر لنا كل هذه الكتابات مُحاولات جادة من هؤلاء العلماء لتفسير سماتٍ ومراحل كبرى من التاريخ البشري وفق أساس من المشتركات الإنسانية: كالجهود التي تبذلها الدولة في تحصيل الدخل، وحاجة الجماعات الإنسانية لاستثمار الموارد، أو انتشار الأوبئة العالمية. إن التحدي الذي يواجهه ” التأريخ الأكبرmicro-history” هو حفاظه على الانضباط وفق التحقق التجريبي بالنظر إلى افتراضاته الكُبرى التي يزعمها.

 

2-3 فلسفة التاريخ عند هيجل

لربما كانت فلسفة التاريخ عند هيجل هي النظرية الفلسفية الأكثر إنضاجاً والتي تحاول كشف معنى التاريخ ومساره (1824a, 1824b, 1857). إن التاريخ في نظر هيجل صيرورة فكرية تتجه إلى الأمام صوب غاية معلومة وهي تحقيق الحُرية الإنسانية. قال هيجل: ” إن السؤال حول هذه المسألة يخص النهاية القصوى للبشرية، هذه النهاية حيث تَحِل الروح في العالم ” (1857: 63). تتضمن فلسفة هيجل نزعة تاريخية عميقة أكثر من سابقيه وممن أتى بعده. إنه يعتبر العلاقة بين التاريخ ” الموضوعي ” والتطور الذاتي للوعي الفردي (روحاً) متناغمة وواحدة، وهذه هي أطروحته المركزية في (فينمنولوجيا الروح 1807). إنه يرى أن مهمة الفلسفة الأساسية أن تشمل بإدراكها كشفاً للتاريخ ” فالتاريخ هو صيرورة فيها تكتشف الروح ذاتها، ومفهومها الخاص ” (1857: 62). يُشيّد هيجل تاريخ العالم عبر سردية من مراحل الحُرية الإنسانية: الحرية الاجتماعية للمدينة والمُواطَنة في الجمهورية الرومانية، إلى الحُرية الفردية إبان الإصلاح البروتستانتي، ثم الحُرية المدنية في الدولة الحديثة. حاول هيجل أن يضم حضارات الهند والصين في نظريته عن تاريخ العالم بالرغم من اعتقاده بجمودها وأنها تعيش ما قبل التاريخ (O’Brien 1975). لقد بنى هيجل لحظات خاصة أسماها لحظات تاريخية من الأحداث، تنخرط وسط صيرورة مؤدية إلى المرحلة الأخيرة والمُكتملة من التاريخ والحُرية الإنسانية. فهو يرى، على سبيل العيّنة، أن اجتياح نابليون لمعظم أوروبا يُمثل لحظة حدث تاريخي يُؤدي مُنجزاً تاريخياً عبر إرساء الدولة العقلانية والبيروقراطية. يعثر هيجل على العقل وسط التاريخ؛ لكنه عقل كامن، عقلٌ لا يُمكن إدراك كُليته إلا عندما يكتمل مُنجَز التاريخ ” فحينما ترسم الفلسفة لوحتها وتضع لوناً رمادياً فوق لونٍ رمادي، فإن ذلك مظهرٌ للحياة المسنة. وإن بومة مينرفا لا تنشر جناحيها إلا عند غسق المساء ” (Hegel 1821: 13) وانظر من أجل المزيد عن فلسفة هيجل التاريخية (O’Brien 1975, ,Taylor 1975 Kojève 1969).

هل نحتاج للقول بأن فلسفة هيجل التاريخية ليست مجرد تخرصات فلسفية كما لوّح بذلك الفلاسفة التحليليون؟ فنهج هيجل الفلسفي ليس مبنياً على الاستدلالات القِبلية فحسب، وكثرة من تفسيراته ثاقبة حيال الأحداث التاريخية العينية وتطوراتها. إنه يضع مُقابَلة بين العقل الفلسفي والتاريخ المُعطى، ثم يدعو الفيلسوف إلى نُشدان العقل وسط الواقع، لا أن يفرض العقل على الواقع ” مُهمة الفلسفة أن نفهم الماهية، والماهية هي العقل ” ( 1821: 11). إن نهج هيجل يتأرجح بين الفلسفي الخالص والتجريبي الخالص؛ ويروم إلى أفضل إدراك مُمكن لتاريخه المُعاصر، ليُمكنه من الوصول إلى المبدأ العقلي الباطن الذي يُمكن صياغته فلسفياً (Avineri 1972).

 

2-4 المقاربة الهرمونيطيقية للتاريخ

ثمة ضفة أخرى في فلسفة التاريخ القاريّة وتقترح تطبيق الهرمونيطيقا على مشكلات التفسير التاريخي. يُركز هذا الاتجاه على معنى الأفعال والنوايا للأفراد في التاريخ عِوضاً عن الكُليات التاريخية. إن هذا التقليد الهرمونيطيقي مُستمد من التراث المدرسي المسيحي ]الإنجيلي[ فالبحاثة الهرمونيطيقيون يُشددون على أهمية الرمز واللغة ودورهما الجوهري في التفاعلات الإنسانية، وأبقوا على التقنيات التأويلية وتطوراتها فيما يخص تفسير النصوص وإمكانية توظيفها في تفسير السلوك الإنساني. لقد وجد فلهلم دلتاي في العلوم الإنسانية اختلافاً عميقاً عن العلوم الطبيعية؛ فالأولى تعتمد على فهم معاني الفعل الإنساني بينما تعتمد الثانية على التفسير السببي لأحداثٍ تلقائية غير مُتعمدة (1883, 1860-1903, 1910). تتأسس الحياة الإنسانية وتمضي وفق أفعال ذات معنى وتعبيرات رمزية. يتبنى دلتاي أدوات هرمونيطيقية في أفكاره لتفسير نصوص مليئة بالمعنى فتتلائم مع أفعال الإنسان في التاريخ. إن منهج التفهّم Verstehn يستدعي المُفكر للانخراط في بناء المعاني وفقاً لنوايا الفاعلين ووجهة نظرهم (Outhwaite 1975). هذا المسار من التفسير للتاريخ الإنساني وجد تجسيداته في كتابات القرن العشرين الفلسفية؛ عند هيدجر وجادامير وريكور وفوكو. يُقارب هذا التقليد الهرمونيطيقي فلسفة التاريخ من نافذة المعنى واللغة، ويُحاجج بأن المعرفة التاريخية مبنية على تأويل لمعاني السلوك والمٌمارسات الإنسانية. على المؤرخين – وفق هذا النهج – أن يسبروا الوقائع التاريخية بغية اكتشاف الترابط الخفي في المعاني والذي أحدثته أفعال البشر (Sherratt 2006).

خاض التقليد الهرمونيطيقي منعطفاً جديداً في مُنتصف القرن العشرين، حين حاول الفلاسفة إسباغ معنى على الأحداث التاريخية المُستجدة بما في ذلك الحرب والكراهية العرقية والقومية والهولوكوست. لم تعد سرديات التقدم مُهيمنة بعد ما وقع في النصف الأول من القرن العشرين. ومن المُمكن أن يُشار لهذا النهج بأنه ” تأريخ من أجل التذكّر”. ظهر المُساهمون في هذا الطرح من الفلسفة الأوروبية، ومنهم وجوديون وماركسيون، ودافعهم هو البحث عن المعنى في الهولوكوست. رسم ريكور أفكاراً متوازية بين الذاكرة الشخصية، والذاكرة الثقافية، والتاريخ (2000). أما دومينيك لاكابرا فجلب معه أدواته عن النظرية التأويلية والنظرية النقدية كي يُعالج ” تمثلات الصدمة ” الخاصة بالهولوكوست (1998, 1994) بينما ركز آخرون على الدور الذي تلعبه التواريخ المحلية والشعبية في تكوين وتفسير ماضينا. إنها الفكرة التي تبناها مؤرخون مُعاصرون كمايكل كامين وفق تناوله للذاكرة الشعبية عن الحرب الأهلية الأمريكية (1991) فالذاكرة والتصورات دور محوري في تشكيل هويتنا العرقية والقومية، والكثير من فلاسفة القرن العشرين قد لاحظوا أن القصص التاريخية للجماعة group قد استُمدت من الذاكرة القومية وما تحتويه من انحيازات ذاتية.

وبالنسبة لفلسفة التاريخ عند آر. جي. كولينجوود فكانت ضمن الإطار الهرمونيطيقي العام مع أنه لم يكن يتبع الفلسفة القارية (1946). حشد كولينجوود انتباهه في سؤاله عن كيفية تحديد المضمون التاريخي، مُحاججاً بأن التاريخ مُؤسس على الأفعال الإنسانية؛ إنها نتاج الخيارات المتاحة، ولهذا فللمؤرخين القدرة على شرح المجريات التاريخية من الداخل. تتم إعادة بناء التاريخ عبر الفاعلية الفكرية للفاعلين والأفراد الذين يُبلورون الأحداث. إنه يُقدم فكرة ” إعادة التمثيل re-enactment ” كحل لمشكلة معرفتنا للماضي عبر مُدركاتنا الحاضرة، فمن المتاح للمؤرخين أن يُعيدوا تمثيل اللحظات التاريخية الهامة، وأن يعيدوا تشييدها خيالياً، بما يتوافق مع طبيعة أذهان الفاعلين ونواياهم. يصف كولينجوود هذا الإجراء من إعادة التمثيل، وفق سياق المشكلة التاريخية كما سيفهمها عقل أفلاطون (الفيلسوف) أو نوايا قيصر (الحاكم)، حسب الآتي:

” إن إعادة التمثيل يُمكن إتمامها، في حالة أفلاطون أو قيصر بالتتالي، عندما يُقرر المؤرخ الأخذ بالاعتبار مُشكلة جميع القوى في ذهنه، ويحشد كل معارفه السياسية والفلسفية. لا يُحبَّذ الاستسلام لتعويذة شخص ما، إنما أن نفكر بنشاط وبصورة نقدية” (Collingwood 1946: 215).

 

2-5 فلسفة التاريخ والمفاهيم

أسهم رينهارت كوزيليك وهو أحد فلاسفة ما بعد الحرب، في فلسفة التاريخ، واتسمت مساهمته باختلافها عن الفلسفات القارية المذكورة آنفاً (انظر عن مساهمات كوزيليك حيث نوقشت باقتدار في أولسن 2012). ساهم كوزيليك في ” فلسفة مفاهيمية ونقدية للتاريخ” (2002, 2004) وخلاصة ما أتى به، مع برونر Brunner وكونزه Conze عن مسيرة ” مفاهيم التاريخ ” في العالم الناطق بالألمانية والتي تُعد من أهم منجزات هذا العمل (Brunner, Conze, and Koselleck 1972-97). يعتقد كوزيليك أن هناك ثلاث مهمات أساسية ينبغي للمفكر الما بعد تاريخي أن يهتم بها: أن يتعرف على المفاهيم المُمكنة أو الضرورية في توصيف التاريخ. أن يُحدد هذه المفاهيم من خلال السياقات الاجتماعية والخطابات السياسية والصراعات التي تدور في نفس الحقبة. وأن يُقيِّم نقدياً هذه المفاهيم المُتنوعة من زاوية خصوبتها التحليلية للتاريخ.

ثمة مفاتيح هامة طورها كوزيليك من ضمنها ” فضاء التجربة ” و ” أفق التوقع “. وهناك نماذج زودنا بها كوزيليك عن مقولات “مابعد التاريخ” مثل: احتمالية الموت والقدرة على القتل /الصديق والعدو/  القريب والدخيل/ السيد والخادِم. يُقدّم كوزيليك هذه المفاهيم المُتعارضة بوصفها شروطاً للتمثل للتاريخي.

إن جزءاً كبيراً من هذا العمل ينخرط في وصف وتعريف مفاهيم متنوعة عن التاريخ، فمن أجل تقديم التاريخ ثمة ضرورة للاستعانة بمُعجم يقودنا للحديث عن أشياء نحن بحاجة للتطرق لها، والمفاهيم التاريخية تسمح لنا بالتعرف على هذه الأشياء. هذا بدوره يتطلب معالجة مفهومية وتاريخية معاً: كيف يُمكن إدراك المفاهيم؟ وكيف تحولت بمرور الزمن؟ اختزل كريستوف بوتون مقاربة كوزيليك بهذه العبارات: ” إنه بحثٌ في المقولات التاريخية أثناء استعمالها، وأثناء اتخاذها فرضية مُسبقة. إنها تجربة عن التاريخ في مستويات مختلفة؛ في الأحداث، والآثار، والسرديات” (Bouton 2016 : 178). يؤكد بوتون أن كوزيليك قد جلب منظوراً نقدياً بهذه المفاهيم التي يُناقشها ويطرح حولها سؤال المشروعية (Bouton 2016) فإلى أي مدى يُمكن لهذه المفاهيم المُحددة أن تزودنا بوصف جيد للتاريخ؟

الذي تضيفه مثل هذه الفكرة هو أن مفهوم الماضي يرتبط بالناس الذين يروونه، كالمؤرخين المُحترفين والسياسيين وأعضاء الأحزاب والمواطنين العاديين (من المثير للاهتمام أن أبحاث كوزيليك في سنواته الأخيرة ركزت على الرموز التذكارية، لا سيما النصب التذكارية للحرب). لهذا فإنها مهمة جوهرية تلك التي تعتني بالبحث في المفاهيم التاريخية التي تصف الماضي وتسرده. وثمة مفهوم أساسي اهتم به كوزيليك وهي فكرة ” الحداثة”. وهذه الفكرة تبدو وقد وقعت في الحقل الواسع لتاريخ الأفكار؛ لكن كوزيليك وأنصاره يعتقدون بأن المفاهيم التاريخية تلعب دوراً هاماً حتى في تطورات الوقائع العينية حين تتحقق في حقبة محددة.

مما تجدر مُلاحظته أن فكرة مفاهيم التاريخ Begriffsgeschichte لها صورتان؛ فكوزيليك يهتم بكشف البُعد المنطقي والدلالي للمفاهيم المستخدمة في وصف الأحداث التاريخية ومُجرياتها، ويهتم أيضاً بالتطور التاريخي والزمني لبعض هذه المفاهيم (واهتمامه المتأخر هذا يماثل مدرسة كامبردج ككوينتين سكينر وجون دون وبوكوك). ركز الكثير من الباحثين على أهمية الصراعات السياسية في مفاهيم كوزيليك: مفاهيم يستخدمها الحزبيون ليتعرفوا من خلالها على ميدان المعركة عوضاً عن القيم والولاءات (Pankakoski 2010) وبشكل عام يرمي بانكاكوسكي إلى استكشاف ” طبقات المعنى ” المرتبطة بمفاهيم هامة خلال حقب تاريخية مختلفة (واتمور ويونج 2015 بحثا بشكل شامل ومُفيد جل ما ذكرناه في هذا الموضع).

قد يبدو لنا أن نزعة ” تاريخ المفاهيم ” ذات صلة بإيمانويل كانط، من ناحية استكشاف المقولات الفكرية categories of thought والتي – لوحدها – تتيح معقولية التاريخ. لكن مما يظهر أن هذا ليس غرض كوزيليك، فاتجاهه ليس قِبلياً apriori. ينظر كوزيليك لمفاهيم التاريخ من خلال التجريد، وبمنظور مُقارب للأحداث (كالثورة الفرنسية) متجهاً نحو ما هو أكثر عمومية (التغيير الثوري). وأكثر من ذلك، يتبنى محاولات جادة لاكتشاف المعاني وطريقة توظيف المفاهيم في سياقها التاريخي.

إن عمل كوزيليك يحتل مكاناً مستقلاً في حقل فلسفة التاريخ. إنه يتعلق بالمعاني الكامنة في التاريخ، وليس ذا نزعة غائية ولا هرمونيطيقية، ويسعى بجدية إلى سبر الوقائع التاريخية في منتهى الإخلاص، كما أنه ليس تجريبياً ولا اختزالياً reductionist وليس نسبياً ولا مابعد حداثي، وشدد على كون التاريخ مُعتمداً على مصادر مفاهيمية تنتج عن الذين يعيشون التاريخ وأولئك الذين يروونه. لقد زودنا كوزيليك بطريقة مُبتكرة وبنّاءة لصياغة مشكلاتنا المعرفية إزاء التاريخ.

 

3- فلسفة التاريخ الأنجلوساكسونية

كرست التقاليد الأنجلوساكسونية ” التجريبية ” شيئاً من اهتمامها إلى التاريخ. تجنب الفلاسفة التجريبيون الأسئلة التأملية حيال فلسفة التاريخ واتجهوا بدلاً من ذلك إلى طرح أسئلة منطقية وإبستمولوجية حيال المعرفة التاريخية. وكان سؤالهم الهادي في هذه المسألة: ” ما هي السمات المنطقية والإبستمولوجية للمعرفة التاريخية والتفسير التاريخي؟”.

أدت النزعة التجريبية عند ديفيد هيوم دوراً حاسماً في الفلسفات الأنجلوساكسونية اللاحقة، وامتد هذا التأثير إلى العلوم الإنسانية وتفسير السلوك الإنساني. كتب هيوم بشكل واسع عن تاريخ إنجلترا (1754-1762) وكانت تفسيراته التاريخية مبنية على فرضيات حول الأفعال الروتينية، والدوافع، والأسباب، من دون اكتراث بالتفسيرات اللاهوتية للماضي. لقد أقرَّت نظرة هيوم للتاريخ في مقدمتها أن تفسير الماضي يُبنى على فرضية ” ثبات الطبيعة الإنسانية”.

تجدد الاهتمام الأنجلوساكسوني في فلسفة التاريخ بمنتصف القرن العشرين مع ظهور ” فلسفة التاريخ التحليلية”. من بين الممثلين والمُساهمين بهذه المدرسة دراي (1957, 1964, 1966) ودانتو (1965) وجاردينر (1952, 1974) وينخرط هذا النهج في تطبيق طرائق وأدوات الفلسفة التحليلية على المُشكلات الخاصة بفلسفة التاريخ وما ينبثق فيها من تفسيرات أو معارف تاريخية (Gardiner 1952). يكمن اهتمام التحليليين في خصائص المعرفة التاريخية: كيف لنا أن نعرف حقائق الماضي؟ وعلى ماذا يتأسس التفسير التاريخي؟ ” سواء أكان التفسير يتطلب قوانين عامة أو فيما إذا كانت المصادر والأدلة التاريخية غير كافية”. شدد الفلاسفة التحليليون على الطابع العلمي والتجريبي في المعرفة التاريخية، وحاولوا بحث هذا الطرح ضمن مسارات العلوم الطبيعية ومُعطياتها (Nagel 1961).

إن الفلاسفة، ضمن التقليد التحليلي، يتملكهم الشك العميق في قدرة العقل ” غير التجريبي ” على بلوغ ما هو جوهري في بُنية العالم، بما في ذلك التاريخ الإنساني. إن التفكير الفلسفي بحد ذاته عاجز عن تأسيس معرفة جوهرية تجاه العالم الطبيعي وسلسلة الأحداث الطبيعية، ناهيك عن الأفعال والدول والطبقات والإمبراطوريات والغزوات ومُجمل ما ندعوه بالتاريخ. عِوضاً عن ذلك، فإن المعرفة العميقة بالعالم لا يُمكن اشتقاقها إلا من البحث التجريبي والتحليل المنطقي للأحداث وما يتبعها من تداعيات. لذا فإن فلاسفة التاريخ التحليليين لا يُبدون اهتماماً بأي من الأسئلة الكبرى أعلاه عن معنى التاريخ وبُنيته، أما الناشطون في الفلسفة التأملية في التاريخ – من جهة أخرى- فإنهم على قناعة بقدرة التفكير الفلسفي على الاستدلال عبر فهم جذري للتاريخ، وأنه لضربٌ من التسرع أن يُنادى بمنهج تجريبي خالص في هذا الموضوع.

نشر وليم هنري ويلش كتابه  فلسفة التاريخ (Walsh 1960 [1950]) سنة 1951 ثم روجع سنة 1960 وتمخض عن رحابة ذهنية وأسس متينة في التعريف بهذا الحقل، استطاع العبور فوق الاختلافات بين الفلسفتين القارية والتحليلية. حاول ويلش بواسطة هذا الكتاب أن يُعالج الأسئلة الكُبرى عند الفريقين وهي الأسئلة التي تحرك فلسفة التاريخ، لا سيما طبيعة المعرفة التاريخية وإمكانية اكتساب معرفة ” ميتافيزيقية ” عن التاريخ. تأثر ويلش، وهو الأكاديمي الذي درس في أوكسفورد، بالفيلسوف كولينجوود، وكان على وعي بتقاليد الفلسفة المثالية والأوروبية حيال التاريخ، وهذا يشمل ديكارت وديلتاي وكروتشه، إذ تعامل مع هذا التقليد بجدية بالغة. تعاطى ويلش مع هذه التقاليد المُختلفة عبر مسار نقدي وتأملي لفلسفة التاريخ. كان هدف ويلش طموحاً في هذا الكتاب، وأمَلَ أن يُقدم إطاراً معرفياً يعمل على احتواء الأسئلة التاريخية ويضم الفريقين الأنجلوساكسوني والقاري. يتقدم ويلش برؤيته عن المؤرخ وما يجده أمامه من أحداث وأفعال وتطورات عديدة داخل حقبة معينة. فيتساءل: كيف لها أن تتظافر معا؟ وجوابه بأنها نتاج العملية الإدراكية عندما يسعى المؤرخ لإضفاء معنى على الأحداث التاريخية المنفصلة عن بعضها، ويسمي ويلش ذلك بالتدامج colligation ” أن نحدد الحادثة التاريخية ضمن مجرى تاريخي أكبر حتى يُمكننا إدراكها ” (23).

يقبل ويلش على نحو مبدئي مقدمة كولينجوود الأولية والأساسية، والتي تقول بأن التاريخ يولي اهتمامه بالأفعال البشرية الواعية. كان شعار كولينجوود أن ” التاريخ هو العلم بالنسبة للروح ” ويظهر لنا أن ويلش يقبل بهذا المنظور. من هنا فإن المهمة الأبرز للمؤرخ ضمن هذه المقاربة هي أن يعيد بناء المقاصد أو الدوافع للفاعلين في لحظات مختلفة من التاريخ (وربما يُضاف إليها الظروف المؤدية لهذه الأسباب والدوافع) ويُراد بذلك أن أدوات التأويل للأسباب والمعاني ذات أهمية حاسمة للمؤرخ، أي تماماً كما حاجج الفلاسفة الهرمونيطيقيين في التقليد الفلسفي الألماني.

يقترح ويلش أن المضمون الفلسفي للتاريخ يقع تلقائياً في نوعين من البحث، يسيران في مسار منفصل يُوازي الانقسام بين الفلسفة الطبيعية وفلسفة العلم. يتعلق النوع الأول بالأسئلة الميتافيزيقية عن حقيقة التاريخ ككل، والنمط الثاني عن المسائل الإبستمولوجية حين تبرز لنا أثناء تكوين معرفتنا التاريخية. يجد ويلش هذه المقاربات ذات جوانب ” تأملية ” و ” نقدية ” في فلسفة التاريخ، ويحاول صياغة رؤية تهتم بالأسئلة الرئيسية لكل من هاتين المُقاربتين. تسأل، الفلسفة التأملية للتاريخ، عن المعنى والغرض من مجريات التاريخ، فيما تؤدي فلسفة التاريخ النقدية نفس الدور الذي تضطلع به الفلسفة التحليلية؛ إنها تقوم في التاريخ مقام فلسفة العلم بالنسبة للطبيعة.

 

3-1 القوانين الكلية للتاريخ

أثار فيلسوف العلم كارل هيمبل انتباه فلاسفة التحليل نحو المعرفة التاريخية في مقالته ” وظيفة القوانين الكلية في التاريخ” (1942). نصّت نظرية هيمبل العامة عن التفسير العلمي بأن جميع التفسيرات تتطلب الانضواء تحت قوانين عامة. اعتبر هيمبل التفسيرات التاريخية خروجاً عن النموذج القانوني وسعى إلى إبراز مُلائمة هذا النموذج حتى بالنسبة للحالات الخاصة. حاجج هيمبل بأن مصداقية التفسيرات التاريخية تعتمد على القوانين الكلية للتاريخ. وقد لقي منهج النموذج القانوني صداه المُؤيد لدى فلاسفة التحليل العلميين بمن فيهم إرنست نايجل (1961). جلبت مقالة هيمبل جدلاً طويلاً بين المؤيدين الذين استشهدوا بتعميماتها حول السلوك البشري وارتباطه بالقوانين الكلية. أما النقاد فحاججوا بأن التفسيرات التاريخية أميَل إلى تفسيراتنا عن السلوك الفردي، وذلك بناء على تأويلنا الذي يجعل النتائج سائغة أو شاملة أكثر من سواها. وثمة نقاشات مهمة قام بها على وجه الخصوص وليام دراي (1957) ومايكل سكرايفن (1962) وآلان دوناجان (1966) فأشار دوناجان وآخرون إلى صعوبة شرح الظواهر الاجتماعية بالنظر لطابعها الاحتمالي وعدم انتظامها في قوانين كونية. وهُناك آخرون بمن فيهم سكرايفن قد حثوا الانتباه إلى الخصائص العملية للتفسير، ووجدها كافية لتفسير حدث تاريخي معطى وسط سياق من المعتقدات حتى وإن كانت حججاً قاصرة وفق الاستنباط القانوني. أما أهم الاعتراضات فهي كالتالي، أولاً: لا نستطيع افتراض قوانين كلية للتاريخ سواء أكانت سلوكية إنسانية أو ذات تسلسل حدثي وتاريخي (Donagan 1966: 143–45). وثانياً: نستطيع إيجاد مُخطط schemata نفهم بواسطته الأفعال التاريخية ونتائجها من دون أن ينضوي تحت القوانين الكلية ((Elster 1989. وتتضمن هذه المخططات مُجمل المُعالجات السببية، ومن خلالها نفهم التصرفات الفردية، وهي مُماثلة للتفهم verstehen والتأويل للسلوك العقلي المذكور آنفاً (Dray 1966: 131–37) إنها إجراءات تمكننا من تتبع سلسلة الأسباب حتى بلوغ السبب الدقيق وآلياته، من دون استدعاء أي قوانين كُلية.

إن إعادة القراءة المُتأنية لهذا الجدل حول نموذج القانون الكُلي في التاريخ، تجعلنا نفترض أن هذا الجدل وقع حول الفرض الخاطئ عن وحدة العلم الطبيعي science مع مُصادرات المنطق التنظيمي وكونها متماثلة في كل الأفكار العلمية وفي كافة نواحي الاستدلال العلمي، بُغية إظهار القليل من الأمثلة الواضحة للتفسير في عدد من العلوم الطبيعية. إن هذا النهج بالغ الفقر، وأعاق منذ البدء القدرة على التساؤل الأصيل عن طبيعة التاريخ وفحوى المعرفة التاريخية، إذ لا يجدر بشرح الأفعال الإنسانية وتداعياتها أن يسير بالطريقة التي نفهم بها انفجار وحدات التنظيم الحراري  radiators للسيارات حين تنهار تحت درجة حرارة صفر مئوية. وكما يستنتج دوناجان: ” من الضار أن نتجاهل الهوية المُميزة للعلوم الاجتماعية والتاريخ، وأن نُقدِم على تشويه البحث في الشؤون الإنسانية عبر إعادة صياغة العلوم الاجتماعية ليتم مسخها بغرض مضاهاتها بالفيزياء” (1966: 157). هذا الإصرار على النماذج الطبيعية في العلوم الاجتماعية والبحث التاريخي قد آل إلى فرضية تخدم طرح النموذج القانوني وفعاليته للتفسير، وهي فرضية مُضللة.

 

3-2 الموضوعية في التاريخ

قضية أخرى جذبت اهتماماً كبيراً بين فلاسفة التاريخ التحليليين وهي ” الموضوعية”. فهل يُمكن للمعرفة التاريخية أن تعيد تمثيل الماضي بطريقة موضوعية؟ أم أن أنماط التحيز، والطمس، والانتقاء، والتأويل، تعمل على جعل تمثيلات التاريخ مُرتهنةً لوجهة نظر المؤرخ؟ هل حقيقة أن الأفعال الإنسانية المُحمّلة بالقيمة، تجعل من المُستحيل على المؤرخ أن يزودنا بحكم خالٍ من القيمة تجاه هذه الأفعال؟

تنشطر هذه القضية إلى العديد من المُشكلات المُختلفة كما لاحظ جون باسمور (1966: 76) فأكثر المُشكلات المبحوثة من طرف فلاسفة التحليل هي مُشكلة الحمولة القيمية للفعل الاجتماعي. والمُشكلة الثانية هي احتمالية أن تكون تفسيرات المُؤرخ هي الأخرى مُحمّلة بالانحياز القيمي، وهذا ما يدفعنا للتساؤل حيال إمكانية الموضوعية والحياد بالنسبة للمؤرخ؛ فهل يملك المفكر القدرة على البحث في العالم الذي حوله من دون اعتبار لتحيزاته السياسية والأخلاقية والأيديولوجية أو التزاماته الطبقية والاجتماعية؟ أما المُشكلة الثالثة فتتلخص في السؤال عن موضوعية الظروف التاريخية بحد ذاتها: هل توجد حقيقة تاريخية ثابتة ومُستقلة عن التمثلات التي لحقت بها فيما بعد؟ أم أن التاريخ تم بناؤه بصورة موضوعية وواقعية مُستقلة عن الطرق التي تأسس عليها؟ هل ثمة حقيقة في قولنا ” الثورة الفرنسية ” أم أن كل ما يُوجد ماهو إلا ركامٌ من الكتابات والنسخ المختلفة من الثورة الفرنسية؟

هناك حلول لكل من هذه المُشكلات تنسجم بعمق مع الفرضيات الفلسفية للتراث التحليلي. فأولاً وبما يتعلق بالقيم: لا توجد صعوبة بالغة في التوفيق بين فكرة أن للباحث قيمه الدينية وأن بإمكانه أن يعزل بينها وبين القِيِم الدينية المختلفة جذرياً والواردة في موضوع بحثه عن أحد الفاعلين التاريخيين. قد يفشل هذا البحث بالطبع، لكن ما من عائق معرفي وراثي (حتمي-المترجم) يمنع الباحث من فحص الخطابات والسلوكيات والمؤسسات الثقافية المُعاصرة ليُقدم تمثيلاً جيداً للآخر المُختلف عنه. لا يحتاج المرء لأن تكون قيمه ورؤيته للعالم كما sans-cullote (اليسار الراديكالي في الثورة الفرنسية-المترجم) كي يصل إلى تقييم سائغ لقيمهم ورؤيتهم للعالم. أما الآن فنحن بصدد الحل للمُشكلة الثانية وهي إمكانية الحياد بالنسبة للباحث. إن مجموعة القيم المعرفية التي ننقلها إلى العُلماء والمؤرخين تتضمن قيمة الصرامة الفكرية والرغبة في ضبط فرضياتهم وإخضاعها لاختبار ” الوقائع المزعجة”. وللمرة الثانية فإن استعراضنا لتاريخ العلم والتدوين التاريخي سيُظهر لنا أن هذه القيمة الفكرية لازالت مُؤثرة. هناك أمثلة كثيرة لعُلماء ومؤرخين استعانوا بالبرهان في بُحوثهم ولم تسيطر عليهم معتقداتهم الأيديولوجية، فالموضوعية في السعي خلف الحقيقة، لهي قيمة تستحق التبني بحد ذاتها.

وأخيراً وفيما يخص السؤال عن الموضوعية إزاء الماضي: هل يوجد أساس للقول بأن الأحداث والظروف في الماضي ذات خصائص موضوعية ثابتة ومُستقلة عن وعينا بهذه الأحداث؟ هل تُوجد حقيقة واقعية منفصلة عن تمثلنا وتستبطن الأبنية التاريخية الكبرى كي يُشير إليها المؤرخون بقولهم (الإمبراطورية الرومانية/ سور الصين العظيم/ الإدارة الملكية للإمبراطور تشيان لونغ)؟ نستطيع أن نقوم بعملنا وبحذر خلال هذه القضية، عبر إدراك الفارق بين موضوعية الماضي في أحداثه وأفعاله وظروفه، وموضوعية الوقائع المُعاصرة بوصفها نتاج الماضي، وموضوعية الكيانات التاريخية المُستقرة. لقد وقع الماضي بالضبط كما وقع: لقد قام الفاعلون بأفعالهم، وحلَّ القحط، وانهزمت جيوش، وابتُكِرت تقنيات جديدة. إن هذه الحوادث قد تركت خلفها آثاراً لها درجات مُختلفة من ثراء المعلومات. هذه الآثار تمنحنا قاعدة عقلانية نصل عبرها إلى ما نعتقده بشأن حوادث الماضي فنتمكن بذلك من إقامة تفسير متين يتحلى بالموضوعية عن الماضي. ومهما يكن من أمر، فإن هذه الموضوعية عن أحداث الماضي ووقائعه لا تمتد بعيداً حين نأخذ في حُسباننا أحداثاً تاريخية أكثر تجريدية كما هو الحال مع تأسيس دولة المدينة في اليُونان، أو ظهور العقلانية التنويرية، أو تمرد تايبينج، ففي كل من هذه الأمثلة المطروحة نجد الاسم (الرمز: المُترجم) يُشير إلى بناء تأويلي شيّده الفاعلون التاريخيون بجانب المُؤرخين، وسيُضاف إليه البناء الذي لم يتم بعد على أيدي المؤرخين في المُستقبل. إننا حين نُشير إلى ” تمرد تايبينج ” فإن هذا يتطلب منا القيام بالتأليف synthesis بين عدد كبير من الوقائع التاريخية، يداً بيد مع قصة تشرح وتوضح الوقائع وتجمعها معاً وتستبعد ماعداها. إن الحقائق المُستبطَنة في السلوك تظل باقية، وكذلك آثارها التاريخية، لكن حياكة الوقائع وإبرازها في حدث تاريخي أكبر لا يعني تأسيسنا للكيان التاريخي الموضوعي. لنتصور بحثاً في العشرين سنة الماضية يطرح أسئلته عن وجود الثورة الصناعية. في جدل مثل هذا سنلفي أنفسنا أمام مجموعة من الوقائع التاريخية بُنيت قبل غيرها وانحدرت في سلسلة مُفاجئة من التغيرات النوعية تكنولوجياً وإنتاجياً في غرب أوروبا، ولكن في التفسيرات المتأخرة سنجد هذه التغيرات تدريجية وبدرجة أقل ” ثورية ” (O’Brien and Keyder 1978). ولنأخذ في الاعتبار حُجة آرثر والدرون التفصيلية والصلبة عن عدم وجود ” سور الصين العظيم ” بالمفهوم المُعتاد (1990).

 

3-3 السببية في التاريخ

ثمة مجموعة ثالثة من القضايا الهامة لقيت انتباهاً من فلاسفة التحليل وتتمحور حول العزو السببي في التفسيرات التاريخية. مالذي يتضمنه قولنا ” إن سبب الحرب الأهلية الأمريكية هو الصراع الاقتصادي بين الشمال والجنوب”؟ هل تتطلب الإحالة السببية أن نتعرف على اضطراد سببي مُباطن في الأحداث، كقولنا ” إن الفترات التي يحل فيها التضخم السريع تتسبب بالاضطراب السياسي”؟ هل تتأسس السببية على اكتشاف مجموعة الضرورات والشروط الكافية؟ هل يُمكننا أن ندرك الروابط السببية في الأحداث التاريخية عبر تتبع سلسلة من آلياتٍ سببية تربط السابق باللاحق؟ إن هذه القضية تثير مُشكلة الحتمية في التاريخ: هل توجد أحداث معينة تقود لامحالة إلى خلق ظروف محددة؟ هل كان سقوط الإمبراطورية الرومانية أمراً لا فكاك منه، لا سيما حين ندرك المعطيات العسكرية والمادية قبيل الأحداث المصيرية؟

قامت المُقاربات الشائعة لهذه القضايا بين فلاسفة التاريخ التحليليين على أسس نظرية سببية مُستمدة من الفلسفة الوضعية للعلوم. هذه النظرية مبنية بكاملها على فرضيات هيوم عن السببية: إن السببية ما هي إلا اقتران مُستمر. لهذا تبنى فلاسفة التحليل النموذج القانوني للتفسير، وما ذلك إلا لكونه قد وفَّر لهم قاعدة توكيدية للسببية التاريخية. وكما قد لاحظنا أعلاه فإن هذا النهج من التفسير السببي سيفشل بشكل ذريع في العُلوم الاجتماعية، لأنه لا تتوفر في الظواهر الاجتماعية أية نظم سببية كُلية، ومن اللازم في هذا الحالة أن نصل إلى تأويلات أخرى بشأن السببية أو أن نلقي جانباً كل تفكير سببي. ثمة نهج آخر وهو أن نُعرِّف الأسباب بوصفها مجموعة من الشروط السببية “النسبية ” تتشكل الأحداث وفقاً لها، كقولنا: تلك أحداث ضرورية ” أو كافية “، أو إن تلك هي مجموعة ترفع أو تقلص احتمالية وقوع الحدث. إن هذه المُقاربة تجد تأييدها في فلسفة ” اللغة العادية” وفي تحليل استخدام اللغة السببية، كما هو الحال مع سياق اللغة المُستخدمة في قاعة المحكمة (Hart and Honoré 1959). كذلك يُقدم “الاستدلال المعاكس” عناصر هامة في اكتشاف الشروط الكافية أو الضرورية؛ فلكي نقول إن ]س[ ضرورية لحدوث ]ص[ فعلينا أن نثبت أن [ص[ يستحيل أن تحدث لولا وجود ]س[ (Mackie 1965, 1974). وإنه لمن الثابت أن هناك حالات سببية لا يوجد فيها عامل ضروري “أحادي” كي يقع الحدث، إذ يُمكن أن تتحدد النتيجة بحتمية وفدت من عدة عوامل مُستقلة عن بعضها.

إن التقاء المقاصد والأسباب في المُجريات التاريخية يُفيدنا كثيراً في هذا السياق، لأن الأسباب التاريخية كثيراً ما تكون نتيجة أفعال إنسانية مُتعمدة (Davidson 1963). إن تحديد المقصد من الفعل يتزامن مع تعرّفنا على جانب من السبب المفضي بدوره إلى عواقب الفعل. وإنه لمن المُبرر أن نتعرف على فعل معين بوصفه سبباً في حادثة ما (كأن ندرك أن حالة محددة أفضت إلى نتيجة معلومة) وثمة قابلية لتزويدنا بتفسير مقنع عن المقاصد التي قادت الفاعلين لاقتراف هذا الفعل أو ذاك.

الأمر البالغ الأهمية في فهمنا الراهن للسببية التاريخية، والذي لم يعرج عليه فلاسفة التحليل في الستينات من القرن العشرين، هو قابلية تتبع الآليات السببية في سلسلةٍ من الأحداث (السببية الواقعية). تتبنى السرديات التاريخية شكلاً من التسلسل الحدثي بحيث يصبح الشرط السببي قادحاً للزناد لكل ما يتلوه من أحداث. لقد زودتنا الأبحاث اللاحقة في العلوم الاجتماعية بتأييد قوي للتفسيرات التاريخية المستندة على تتبع سلسلة الآليات السببية (Hedström and Swedberg 1998).

 

3-4 المُستجدات في فلسفة التاريخ

إن فلسفة التاريخ الناطقة باللغة الإنجليزية قد تبدلت وبشكل كبير في سبعينات القرن العشرين، بدءاً من نشر كتاب هايدن وايت مابعد التاريخ Metahistory عام 1973 وكتابات لويس مينك في نفس المرحلة (1966; Mink et al. 1987) إن ما يُسمى ” المنعطف اللغوي” والذي وسم مناحي عديدة من الفلسفة والأدب قد ترك أثره في فلسفة التاريخ. بينما ركزت فلسفة التاريخ التحليلية على المُقاربة العلمية للمعرفة التاريخية وتقدمت نحو أهدافٍ تهتم بالتحقق verifiability والتعميم generalizability في المعرفة التاريخية. تأثرالفلاسفة الناطقون بالإنجليزية أواسط السبعينات والثمانينات ميلادية من القرن العشرين بالفلسفة الهرمونيطيقية بشكل متزايد، وكذلك تأثروا بما بعد الحداثة وبالنظرية الأدبية الفرنسية (Rorty 1979). شدد هؤلاء الفلاسفة على بلاغة الكتابة التاريخية وعدم اختزال السرديات التاريخية إلى سلسلة من ” الوقائع “، واهتموا بالبناء الذي يتم بواسطته التمثُّل التاريخيhistorical representation. قاد الميل إلى الأدب والأنثروبولوجيا في فلسفة التاريخ إلى تنحية العلوم الطبيعية بوصفها هادياً للتمثل والفهم المعرفي للتاريخ، ونال ثراء نصوص السردية التاريخية اهتماماً متعاظماً على حساب التفسيرات السببية في نتائج التاريخ. تناول فرانك أنكرسمت العديد من هذه المواضيع في معالجته للسردية التاريخية (Ankersmit and Kellner 1995) انظر أيضاً Berkhofer  (1995).

إن هذه الفلسفة ” الجديدة ” للتاريخ تتميز عن فلسفة التاريخ التحليلية في عدة محاور هامة، فهي تؤكد على السردية التاريخية أكثر من السببية التاريخية، وهي على مقربة من التقليد الهرمونيطيقي وتنأى عن المدرسة الوضعية التي تستبطن فلسفة التاريخ التحليلية منذ ستينات القرن العشرين. كذلك تُلقي هذه الفلسفة الجديدة المزيد من الضوء على الطابع الذاتي وتتبنى تأويلات مُتعددة على حساب مفاهيم أخرى كالموضوعية والحقيقة والانسجام مع الوقائع. ثمة ضفة أخرى لهذه النهج من فلسفة التاريخ وهو الميل النظري في صوب ما هو تاريخاني historicist على حساب ما هو كوني universalist في فهم الطبيعة الإنسانية، أي ضفة هيردر وليس فيكو. يرى هذا المنظور السائد أن الوعي البشري ليس إلا مُنتجاً تاريخياً، وأن العمل الأساسي للمُؤرخ هو تجميع آراء الفاعلين في الماضي وضمها إلى بعض (Pompa 1990). وتوجه المؤرخون المُعاصرون وبصورة كبيرة، كروبرت دارنتون، إلى أدوات الإثنوجرافيا لتأييد هذا الاتجاه (1984).

ثمة اتجاه هام وسط الفلسفة التحليلية يولي اهتمامه للأنطولوجيا التاريخية (Hacking 2002, Little 2010) فهذا الموضوع في الأنطولوجيا التاريخية له أهميته للفلاسفة وللعاملين في مجال التاريخ. تتمحور الأنطولوجيا حول السؤال عن الأشياء التي نصادر عليها في عالم مًعطى، وقد طرحت الأنطولوجيا التاريخية هذا السؤال وهي تأخذ بعين الاعتبار عوالم الماضي. هل يمكن أن تكون الأبنية الكبرى مثل ” الثورة ” و ” مُجتمع السوق ” و ” الفاشية ” و ” الهوية الدينية البروتستانتية ” أشياء تدخل في الأنطولوجيا بوصفها أموراً حقيقية؟ أم أنه يجدر بنا التعامل مع هذه الأفكار بطريقة اسمية محضة nominalistic وأن نتعامل معها على أنها سبل مريحة تلخص لنا المسارات المُعقدة للفعل الاجتماعي وتعرفنا على الشخصيات الاجتماعية في زمان ومكان مُحددين؟ وثمة ما هو أبعد من ذلك، إذ كيف ينبغي أن نفكر بالعلاقات بين الأمثلة instances والمقولات categories في مملكة التاريخ، مثل العلاقة بين الثورات الفرنسية، والصينية، والروسية، ومدى اندراجها تحت المقولة العامة لـ” الثورة”؟ أو السؤال عن وجود أنماط اجتماعية تتكرر في التاريخ أم أن لكل تشكيل تاريخي فرادته الخاصة والمهمة؟ إن هذه أسئلة أنطولوجية، والأجوبة التي نأتي بها ذات أهمية حاسمة في طريقة فهمنا وشرحنا للماضي.

 

4- علم التأريخ وفلسفة التاريخ

حين ينخرط المؤرخون في نقاش القضايا المنهجية ضمن أبحاثهم، فإنهم عادةً ما يُشيرون إلى التأريخ historiography أكثر من فلسفة التاريخ. ما المشترك بين هذين المجالين في الكتابة التاريخية؟ يحسن بنا أن نبدأ بسؤال أساسي: ما التأريخ؟ يُشير مُصطلح التأريخ في معناه العام إلى دراسة طرائق ومناهج المُؤرخين. إن كل ممارسة فكرية، أو إبداعية، تسترشد بمجموعة من المعايير الإجرائية، أما ” الخبراء ” فيعمدون إلى تقييم أداء المُشاركين بناء على مدى التزامهم بالمعايير. إذن فمن أهم ما نقوله عن عمل الخبير أنه ذاك الذي يتعرف على المعايير والقواعد ليُقيّم بواسطتها الأداء الجيد. هذا سائغ بالنسبة للمسرح والأدب، ولكتابة التاريخ أيضاً. إن التأريخ – في أقل الأحوال – يؤدي مهمة أساسية في هيكل النص التاريخي (ثمة كتيبات عديدة تشتمل على ثروة من الكتابات الحديثة عن رؤى متنوعة حول التأريخ. انظر: (Tucker 2009, Bentley 1997, Breisach 2007.

من عادة المؤرخين أن يُقدِموا على دعاوى يقينية، ويتوقعوا منا قبول هذه الدعاوى بناء على الاستدلال الذي يطرحونه. هناك جانب مهم في دراسة التأريخ ينصب على تعريف محتوى الأدلة، والدقة، ومعايير الاستدلال للبحث التاريخي. إننا نُسلِّم مُسبقاً برغبة المؤرخين بالتثبت من الماضي عبر الأدلة التجريبية المُؤيِّدة، ونُسلِّم أيضاً بأنهم يرغبون بتقديم استدلالات وتفسيرات تنتظم في العقلانية العلمية (يتصدى سيمون شاما لبعض هذه الأفكار في كتابه اليقينيات الميتة المنشور عام 1991)، لهذا سيسعى الطالب المُستجد إلى اكتساب المعرفة بهذه النشاطات المتعلقة بمن هم أكبر منه في المهنة: تتلخص الحجة المُلزِمة في كيفية تقييم الأدلة المؤرشفة والوثائق، وكيفية نقد التفسيرات المتعلقة بحوادث مُعقدة والتي تتجاوز بالضرورة ما يتوفر لنا من أدلة. إن المؤرخ لديه أيضاً مُهمة مرتبطة بهذا كله: أن يحوز المقدرة على أن يُنظّم المناهج والمعايير للمدارس التاريخية على اختلافها.

هناك رغبات تحكم العمل التاريخي الجيد، وقد تتغير المعايير باختلاف الثقافات والمراحل الزمنية. إن تمييز أهداف مؤرخ عن آخر لهو أمر بالغ الأهمية في الحُكم على نجاحه. وإنه لمن الأهمية بمكان في علم التأريخ أن تُفحَص المعايير الشكلية والجمالية المُؤطرة لعمل المؤرخ، وهذا يعني فيما يعنيه أن الطالب في علم التأريخ سيهتم تلقائياً بـ” الأعراف البلاغية للكتابة التاريخية ” والتي تختلف باختلاف الحِقب والمدارس.

من المُحتمل أن يتضمن المسح التأريخي الشامل الذي يقوم به المُؤرخ أسئلة كهذه: ماهي المناهج الكشفية التي يستخدمها المؤرخ؟ ماهي أهدافه البلاغية والخطابية التي يتبناها؟ ماهي نماذجه التفسيرية؟ ما هو نموذجه الإرشادي paradigm؟ ما هي معاييره الشكلية والبلاغية؟ وما هي فرضياته التفسيرية؟

ربما نستطيع تعريف مدرسة تاريخية ما، بأنها جماعة من المُؤرخين من ذوي الآراء والأفكار المُتداخلة، يشتركون مع بعضهم بعددٍ كبير من الفروض حول الدليل والتفسير ونوع السردية. أصبح علم التأريخ بحد ذاته تاريخياً خاصة حين ندرك أن تأطيرات وفروض هذا العلم عن المعرفة التاريخية قد تغيرت بمرور الزمن. وحين نفترض ذلك، علينا أن نقول بأن ” تاريخ التفكير التاريخي والكتابة التاريخية “مثيران للاهتمام، فكيف أمكن لمؤرخين من حِقبٍ متنوعة في التاريخ البشري أن يكتبوا بحثوهم وعرضهم للتاريخ؟ سنجد كتباً عن علم التأريخ عند اليونان، ومؤرخي عصر النهضة، ومؤرخي الرومنسية الألمانية. كتابات أرنالدو موميجليانو عن المؤرخين القدامى تقع ضمن هذا التصنيف (Momigliano 1990). وباختصار، ينظر موميجليانو إلى تقاليد مُختلفة في التدوين التاريخي القديم وما تتضمنه من إجراءات معيارية يُمكن لنا تشريحها وفهمها ضمن خصوصيتها وسياقتها الثقافي.

والمعنى الثاني لاستخدامنا لمفهوم ” علم التأريخ ” يتجه إلى الحاضر، وله توظيفات منهجية. إنه يتضمن دراسة وتحليل المناهج التاريخية لدى المؤرخين المُعاصرين في البحث والتحقيق والاستدلال والعرض. فكيف خاض المؤرخون المعاصرون مُهمّتهم في معرفة الماضي؟ لدينا المقدرة على تأمل التحديات ” التأريخية” التي واجهها فيليب هوانج إبان بحثه في الاقتصاد الزراعي في الصين في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين (Huang 1990) ومثله القضايا المتعلقة بما كتبه روبرت دارنتون في كتاب مذبحة القطط العُظمى (Darnton 1984). تتعلق هذه القضايا أحياناً بنقص الوثائق والسجلات التاريخية (على سبيل المثال حقيقة أن معظم ما يُشير إليه هوانج عن الاقتصاد القروي شمال الصين قد جمعته فِرَقٌ من البحاثة اليابانيين في الجيش الياباني المُحتل). يتعامل المؤرخون في بعض الظروف مع صعوبة تفسير المصادر التاريخية (مثل الضرورة التي أجبرت درانتون على تفسير أكوام من الأحداث غير المعقولة والمُستعصية على الفهم مع أنها مُوثَّقة).

سؤال مهم يلُوحُ لنا في علم التأريخ ويتعلق بفكرة ” التاريخ العالمي”. أحد الأسباب الهامة للتفكير المُعولم أن قواعد التاريخ – منذ اليُونان – تتسم بالمركزية الأوروبية في تناولها للموضوعات والإطارات الفرضية والمناهج. وعلى سبيل العينة؛ كثيراً ما يتم في التاريخ الاقتصادي والسياسي إجلال الثورة الصناعية في إنجلترا، أو تأسيس الدولة البيروقراطية الحديثة في فرنسا وبريطانيا وألمانيا، واعتبارها نماذج للتنمية الحديثة في السياسة والاقتصاد. أدى ذلك إلى نزعة تنظر إلى تنمية الدول الأخرى بأنها واهنة وعشوائية. لهذا فإن للتاريخ العالمي إطاره الذي يُجنّب المؤرخ تفضيل أحد المراكز وجعله أولياً واعتبار المراكز الأخرى هامشية، وقد شدد بين وونج على هذه النقطة في كتاب التحول الصيني (Wong 1997).

والأمر الثاني يتعلق بحقيقة أن مفكري الغرب كهيجل ومالثوس ومونتسكيو قد صرفوا انتباههم إلى آسيا، وتورطوا بشكل فج في اختلاق صور نمطية stereotyping من دون أن يحوزوا على المعرفة التاريخية الكافية بآسيا. إن أفكارهم عن الاستبداد الشرقي، والاكتظاظ السكاني الآسيوي، والجُمود الصيني، قد شجعت على تجاهل النظرة المُتنوعة والعميقة تجاه عمليات التنمية في أجزاء مُختلفة من آسيا واستبدالها بصورة هزلية وذات بُعدٍ اختزالي وأحادي شديد التبسيط. وهذه هي إحدى النقاط التي انتقدها إدوارد سعيد في كتابه عن الاستشراق (Said 1978). إذن فالتاريخ العالمي يعني فيما يعنيه الانتباه وبدقة إلى الخصائص الاجتماعية والسياسية والثقافية في أجزاء أخرى من العالم إضافةً لأوروبا.

علينا أن نتوسَّم في علم التأريخ المزيد من الحيادية حين يأخذ على عاتقه إقرار التنوع العالمي، وحين يدرس سبل التنمية، وأن ينفتح على اكتشافات أصيلة للدروب والمُنعطفات والاختلافات في تجارب الهند، والصين الشعبية، والهند الصينية، والعالم العربي، والإمبراطورية العثمانية، وإفريقيا جنوب الصحراء. هذا التنوع والتركيب هو ما علينا أن نتوقعه، لا أن ننمّط الأمور ونبسّطها. قام كليفورد جيرتز بإعادة بناء تاريخي لـ ” دولة المسرح ” في جزيرة بالي، مُميطاً اللثام عن نظامٍ مُعقد من السلطة الحاكمة والرموز والقيم والتراتبية hierarchy وجميعها تُمثل – وبصورة عميقة – بُنى سياسية مُختلفة عن النماذج المُنبثقة من الدول البيروقراطية في بواكير أوروبا الحديثة (Geertz 1980) وهذا التاريخ العالمي بحاجة لتحرير نفسه من المركزية الأوروبية.

ينبغي على هذه الخطوة التي تروم الابتعاد عن الرؤية المركزية الأوروبية أن تتزامن مع بحث أوسع للجغرافيات الأخرى المثيرة لاهتمام المؤرخ، وعلى التاريخ العالمي أن يُحقق عالميته فيما يختاره من مواضيع، مع الأخذ بالعلم أن طبيعة البحث التاريخي انتقائية الطابع، وعلى المؤرخ ذو النزعة العالمية أن يُدرك أهمية النظم السياسية على اختلافها، فنظامٌ سياسيٌّ للهند القديمة يحوز ذات التعقيد الذي للجُمهورية الرومانية.

توجد جُهود مُعاصرة وهامة في التاريخ العالمي وتكمن في بحث حقيقة الاستعمار خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، ويُماثلها في الأهمية تاريخ الكفاح ضد الاستعمار ومرحلة بناء الأمم في الستينات والسبعينات من القرن العشرين. لقد كان مفهوم ” العالم ” مُهماً في العواصم الحديثة لبريطانيا العُظمى وفرنسا وألمانيا وبلجيكا، فهذه الأمم قد أدت أدواراً استعمارية في بقاع مُختلفة داخل إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية والتي نالت مجتمعاتها اهتماماً بغرض الهيمنة عليها واستغلالها. كما اهتمت دول ما بعد الاستعمار وبشكل مماثل بعلم التأريخ العالمي وذلك في جامعاتها وأنظمتها التعليمية، بهدف فهم ونقد العلاقات التي عملت على تشكيل الماضي.

والطريق الأخير الذي ينبغي على التاريخ أن يسلكه كي يصبح عالمياً هو أن يتضمن رُؤى وتقاليد المؤرخين من خارج الدول الغربية، وذلك في نقاشاته العُمومية للقضايا الأساسية للتنمية حول العالم، فلدى المُؤرخين الصينيين والهنود تقاليدهم العلمية في البحث والتفسير التاريخي، وعلى التاريخ العالمي أن يبدي اهتمامه بالأفكار والحُجج الآتية من هذه التقاليد المُختلفة. يعني ذلك إذن، أن التأريخ العالمي يُوسِّع تعريفنا حول ميدان التغيرات التاريخية لتشمل أوروبا وآسيا وإفريقيا والشرق الأوسط بجانب الأمريكيتين؛ وأن يجعلنا ندرك مدى تركيب وتعقيد المؤسسات والنظم في أجزاء كثيرة من العالم؛ إنه إدراكٌ عابر للأمم وترابطها الذي وُجِد بين القارات منذ أربعة قرون مضت على الأقل، وإدراكاً لتعقيد وتميز تقاليد علم التاريخ بين الأمم المُختلفة.

قدم دومينيك زاكسنماير نقاشاً مهماً في الآونة الأخيرة عن بعض هذه القضايا، ووجَّه اهتمامه إلى النقطة الأخيرة المذكورة هنا، أي مسألة ” الرؤى العالمية المتعددة” (Sachsenmaier 2011) فأراد أن يأخذ هذه الفكرة في علم التأريخ على محمل الجد مُحاولاً اكتشاف آثار هذه التقاليد العلمية المُختلفة بين الأمم في المجال الأكاديمي. كتب زاكسنماير ” سيبدو من الجلي أن السؤال عن تقاليد علم التأريخ في المُجتمعات الأوروبية قد أجيب عنه بطرقٍ مُباينة تماماً عن المجتمعات الأكاديمية الأخرى حول العالم ” (17).

ما يُفترض أن يتضح لنا من هذه المُلاحظات أن هناك درجة من التداخل بين علم التأريخ وفلسفة التاريخ من ناحية التشخيص والتقييم للمعاير العلمية المتبعة في تقاليد تاريخية متنوعة. وبقولنا لذلك، فإن علم التأريخ بوجهٍ عام يميل إلى الوصفية descriptive وتقل فيه النزعة التقييمية evaluative وذلك أكثر من فلسفة التاريخ، كما يهتم علم التأريخ بخصائص البحث والتدوين أكثر من فلسفة التاريخ.

 

5- كتابات المؤرخين

هناك تيار فكري آخر في فلسفة التاريخ لم ينل حقه من اهتمام الفلاسفة. إنه يتعلق بما قام به مؤرخون من ذوي النزعات الفلسفية، وعلماء اجتماع تاريخيين، من تناول لمفاهيم تاريخية شائعة لكن فُهمت بشكل بالغ السوء: كمفهوم السببية، والحقبة التاريخية، والبُنية الاجتماعية، والفعل الإنساني، والعقلية mentality وهلم جرا. تمثل هذه الكتابات نهجاً توسطياً حيال القضايا التي تتعلق بمنطق الخطاب التاريخي. يُنحي هذا النهج جانباً أكبر الأسئلة، من قبيل: ” هل للتاريخ معنى؟” و” هل نملك معرفة عن الماضي؟” وتأتي هذه الأسئلة لصالح ما يطرحه المؤرخون من أسئلة ذات علاقة وشيجة بالتفكير الواقعي والخطاب الذي يتبناه المؤرخون في محاولتهم لتعليل وشرح الماضي.

قد يُشار لمُساهمات من هذا القبيل بُمسمى ” أنطولوجيا تاريخية توسطية ” فهذا الجانب من فلسفة التاريخ المعاصرة يستجلب معه النظام المعرفي الذي يتقارب مع فلسفاتٍ لعلوم مختلفة (الأحياء/ علم الاجتماع/ الأركيولوجيا) وقد تساءل بعض المؤرخين، وبتأمل فلسفي ونقدي، عن المفاهيم والفرضيات التي تلج التفكير التاريخي، وحاولوا تقديم شرح كاف لهذه المفاهيم عبر خوض الكثير من التحديات في البحث والتفسير التاريخي. وقدم وليام سيويل مثالاً على ذلك في تناوله لمفهوم ” الحدث التاريخي ” وما يتصل به من فرضيات قدمها علماء اجتماعيون عن وقتيَّة الأحداث التاريخية temporality of historical events (2005). وطرح أندرو آبوت أسئلته عن الفرضيات التي يتبناها المؤرخون عن أنطولوجيا ” الأشياء التاريخية ” (مثل مدرسة شيكاجو الاجتماعية) وحاجج بأن الأشياء التاريخية هشة ورخوة بمرور الزمن (1999). أما تشارلز تيلي فتحدى الفرضية القائمة عن كون التفكير السببي يعتمد في خلفيته على التعرف على الانتظام السببي؛ ودافع عن نهجٍ سببي يركز فيه على دور الآليات العينية (McAdam, Tarrow, and Tilly 2001). بينما يُقدم إي بي تومسبون تحليلاً عن مفهوم ” الوعي الطبقي ” الذي يدفع بالمُؤرخين إلى تجنب ” مُغالطة الحُكم” حين يؤخذ بالاعتبار الأبنية الاجتماعية وكونها وعياً أو حركة سياسية (1966). ويسأل سيمون شاما عن مفهوم يخص موضوعية السردية التاريخية والرامية إلى تحديد الوضع الحقيقي للعلاقات في الحوادث التاريخية (1991). أما تشارلز سيبل فيُشكك في فكرة المسارات الثابتة للتطور التاريخي، ويُحاجج بوجود مسارات بديلة يتحصل عليها التفسير حتى في الحالة الكلاسيكية لتطور اقتصاد غرب أوروبا (Sabel and Zeitlin 1997). ويؤكد مارشال سالينز على الدور الجوهري للتأويل الثقافي وقدرته في قراءة التاريخ، سواء في قراءتنا للحرب البيلوبونيسية أو الحرب البولينيزية (مُفارقة لغوية- المُترجم) وأن يُضيء ما هو مُعتم عبر سؤاله عن ” مادة التاريخ ” والفاعلين فيها (2004). أما الناقد الأدبي ستيفن جرينبلات، والداعي إلى ” التاريخانية الجديدة” في الدراسات الأدبية، فقال إن الأفكار التاريخية يُمكن أن تنشأ من قراءة أدبية مُعمقة للوثائق التاريخية مثل مُذكرات كريستوفر كولومبس (Greenblatt 1991).

لا تزال هناك مساحة مما تظهره هذه الأمثلة، للتبادل المُثمر بين الفلاسفة ذوي الاهتمام بطبيعة التاريخ، والمؤرخين ومعهم علماء الاجتماع ممن فكروا ملياً بتعقيدات المفاهيم والفرضيات التاريخية التي نستخدمها في التحليل التاريخي.

 

6- إعادة التفكير في فلسفة التاريخ

لعله من المُفيد أن نختم بالتخطيط لإطار محتمل لفلسفة تاريخ مُستجدة. إن كل مناحي الفلسفة تحركها ألغاز قليلة لكن محورية، وفي فلسفة التاريخ، تظل الأسئلة الأساسية الآتية بلا حل: (1) ما هي طبيعة البنى التاريخية والكيانات الناشئة عنها (كالدول، والإمبراطوريات، والحركات الدينية، والطبقات الاجتماعية)؟ فهل نحن قادرون على تقديم تصور للكيانات التاريخية والاجتماعية يتجنب ” مُغالطة الحُكم” ويعطينا مصداقية واقعية للكيانات المطروحة؟ (2) ماهي طبيعة التأثير السببي في الأحداث التاريخية أو البُنى المولِّدة للتفسير التاريخي؟ فالأحداث التاريخية ليست مُماثلة للضرورة الطبيعية (الواقعة في نطاق السببية الفيزيائية) لأنه ما من قوانين ثابتة تحكم الأحداث التاريخية. لهذا فنحن بحاجةٍ إلى تقديم إيضاح عن القوى السببية التي تصادر عليها العوامل التاريخية. (3) أي دور يلعبه تفسير ” التجارب المُعاشة ” للفاعلين في الماضي، وكيف نستخدمه في الفهم التاريخي، وكيف يصل المؤرخ إلى تفسير سائغ عن تجربته المعيشية الخاصة؟ أمن المُمكن أن نفسر بشكل سائغ تجارب أشخاص ماتوا منذ زمن بعيد، وأن نفهم عقلياتهم وتصرفاتهم؟ كيف لهذه الواقعية الظاهراتية phenomenological reality أن تنسجم مع السببية التاريخية؟ (4) هل بمقدورنا أن نقيِّم ثقتنا بشأن ما هو مكتوب عن الماضي وسِماته، وما كان موجوداً به من مؤسسات وبُنى وأشخاص وعلاقات؟ أم أن المعرفة التاريخية ستظل دوماً قيد السؤال؟

على فلسفة التاريخ الجديدة أن تسلط ضوئها نحو هذه القضايا الجوهرية، وستلتقي حينها مع التيارات الهرمونيطيقية والسردانية narrativist ذات المكانة في التقليد القاري والتي ظهرت في السنوات الأخيرة داخل الفلسفة الأنجلوساكسونية. كما يتعين على هذه الفلسفة الجديدة أن تستعين بالتحقق المعرفي الصارم والذي تلتزم به الفلسفة التحليلية، لكن عليها أيضاً أن تفك الارتباط مع الفرضيات المتشددة للوضعية. سوف تعلَق فلسفة التاريخ الجديدة بقضايا التفسير الاجتماعي والتي اكتسبت أهمية بالغة للجيل الحالي من مؤرخي علم الاجتماع، وستشتمل على أفضل ما فيها من أفكار العلوم الاجتماعية عن الأنطولوجيا الاجتماعية وشروحها.

القليل من الفرضيات الأنطولوجية يُمكن تقديمها، ويتكون التاريخ من أفعال الإنسان داخل نطاق مؤسساته وبُناه. ما من قوى إنسانية خارقة في التاريخ، ولا يوجد معنى إنساني أو عملية إنسانية خارقة داخل التاريخ. هناك فقط سلسلة من الأحداث والمُجريات تقودها أسباب عينية وأفعال فردية. واحتذاءً بديفيدسن (1963) وتايلر 1985)) ما من تناقضٍ بين المقاصد والأسباب، وما من تعارضٍ بين الفهم والشرح. يعتمد التفسير التاريخي على التفكير السببي/ البنيوي وتأويل الأفعال والنوايا؛ لهذا فإنه سببي وهرمونيطيقي معاً. ليس هناك قوانين سببية أو تعميمات كونية في علاقات البشر ببعضهم. وأيما كان الأمر، لازالت السببية الاجتماعية موجودة وتنشط خلال السلوك الإنساني وقيود المُؤسسات والبُنى. إن هدف علم التأريخ المشروع يكمن في التعرف على الآليات السببية داخل المجريات التاريخية، وهذه الآليات تعتمد على الدوام على أفعال الأشخاص وسط التاريخ أثناء تموضعهم داخل العلاقات الاجتماعية الملموسة.

بالإمكان وصف نظرية المعرفة الأساسية عن المعرفة التاريخية بطريقة مشابهة. ترتكز المعرفة التاريخية على إجراءات عادية من البحث التجريبي، وتستند الدعاوى التاريخية في تبريرها على تزويدنا ببراهين مُقنعة عن الدليل التجريبي الذي يُؤيد أو يُفند الدعوى. وهناك الموضوعية التاريخية بالمعنى الذي يستطيع المؤرخون معه أن ينخرطوا في البحث عن دليل يؤمنون لأجل بناء نظرياتهم عن الماضي، ويجدر بنا ألا نفهم ذلك بصورة تدعونا للاعتقاد بوجود تفسير أحادي للمجريات والأحداث التاريخية، فنفهم عوضاً عن ذلك، أنه من المُعتاد للغاية أن تفشل الوقائع في فرض التفسير التاريخي، فهناك أسئلة تاريخية كثيرة ذات مشروعية عن نوع الدليل. إن السرديات التاريخية ذات مضمون تأويلي في جوهرها، وتتضمن دائماً إعادة إعمار للماضي.

وأخيراً؛ ستكون لفلسفة التاريخ الجديدة حساسيتها بإزاء تنوع المعارف التاريخية وطريقة عرضها. يحتوي هذا الفرع من الدراسة التاريخية على الكثير من الخيوط؛ كالتفسير السببي، والوصف المادي، والتأويل السردي للفعل الإنساني. فالسردية التاريخية بحد ذاتها لها جوانب عديدة: كالقصة الهرمونيطيقية، بإضفائها المعنى على مجموعة معقدة من الأفعال الفردية، ومثلها القصة التي تعتمد على آليات سببية وهي تتعاضد مع بعضها وتخلق النتيجة. ومع ذلك فليست كل معرفية تاريخية يُعبَّر عنها بالسرديات؛ بدءاً مع المقاييس التفصيلية للمعايير التاريخية للحياة، إلى المحاججات ذات الطابع السببي عن التغير السكاني، ثم الدراسات التاريخية المقارنة لمجريات مُشابهة في أوضاع تاريخية مُختلفة. كذلك فستتبنى فلسفة التاريخ الجديدة الأداة التزامنية للكتابة التاريخية؛ أي كتابة تخبرنا عن حجم التغيرات في الظروف الاقتصادية أو البُنيوية، كما سيكون بمقدور هذه الكتابة الجديدة أن تلحظ التغيرات في ملامح المؤسسات، وتعمل على توثيق وتحليل مجموعة المُعتقدات والمواقف لشعب ما، بالإضافة لأمورٍ أخرى بالطبع. هذه هي السمات الأساسية لبُنية المعرفة التاريخية، فهي ليست ببساطة مجرد جوانب بلاغية للتدوين التاريخي.

 


المراجع:

  • Abbott, Andrew Delano, 1999. Department & discipline: Chicago sociology at one hundred, Chicago, IL: University of Chicago Press.
  • Anderson, Benedict R. O’G., 1983. Imagined communities: reflections on the origin and spread of nationalism, London: Verso.
  • Ankersmit, F. R., 1995. Language and historical experience, Bielefeld: ZiF.
  • Ankersmit, F. R., and Hans Kellner (eds.), 1995. A new philosophy of history, Chicago: University of Chicago Press.
  • Avineri, Shlomo, 1972. Hegel’s theory of the modern state (Cambridge studies in the history and theory of politics), London: Cambridge University Press.
  • Bentley, Michael (ed.), 1997. Companion to historiography, London; New York: Routledge.
  • Berkhofer, Robert F., 1995. Beyond the great story: history as text and discourse, Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University Press.
  • Berlin, Isaiah, 2000. Three critics of the Enlightenment: Vico, Hamann, Herder, H. Hardy (ed.), Princeton, N.J.: Princeton University Press.
  • Bouton, Christophe, 2016. “The Critical Theory of History: Rethinking the Philosophy of History in the Light of Koselleck’s Work”. History and Theory 55(2): 163-184.
  • Breisach, Ernst (ed.), 2007. Historiography: ancient, medieval, and modern, 3rd ed., Chicago: University of Chicago Press.
  • Brunner, Otto, Werner Conze, and Reinhart Koselleck (eds.), 1972–97. Geschichtliche Grundbegriffe. Historisches Lexikon zur politisch-sozialen Sprache in Deutschland, 8 volumes, Stuttgart: Klett.
  • Collingwood, R. G., 1946. The idea of history, Oxford, Clarendon Press.
  • Condorcet, Jean-Antoine-Nicolas de Caritat, 1795. Sketch for a historical picture of the progress of the human mind, Westport, CT: Greenwood Press, 1979.
  • Cronon, William, 1991. Nature’s Metropolis: Chicago and the Great West, New York: W. W. Norton.
  • Danto, Arthur Coleman, 1965. Analytical philosophy of history, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Darnton, Robert, 1984. The great cat massacre and other episodes in French cultural history, New York: Basic Books.
  • Davidson, Donald, 1963. “Actions, Reasons, and Causes”. Journal of Philosophy, 60 (23): 685–700.
  • Dawson, Christopher, 1929. Progress and religion, an historical enquiry, New York: Sheed and Ward.
  • De Vries, Bert, and Johan Goudsblom, 2002. Mappae mundi: humans and their habitats in a long-term socio-ecological perspective: myths, maps and models, Amsterdam: Amsterdam University Press.
  • Diamond, Jared M., 1997. Guns, germs, and steel: the fates of human societies, 1st edition, New York: W.W. Norton.
  • Dilthey, Wilhelm, 1883. Introduction to the human sciences, R. A. Makkreel and F. Rodi (eds.), Princeton, NJ: Princeton University Press, 1989.
  • –––, 1860–1903. Hermeneutics and the study of history, R. A. Makkreel and F. Rodi (eds.), Princeton, NJ: Princeton University Press, 1996.
  • –––, 1910. The formation of the historical world in the human sciences, R. A. Makkreel, F. Rodi and W. Dilthey (eds.), Princeton, NJ: Princeton University Press, 2002.
  • Donagan, Alan. 1966. “The Popper-Hempel Theory Reconsidered”, in Philosophical Analysis and History, W. H. Dray (ed.), New York: Harper & Row, pp. 127–159.
  • Dray, William, 1957. Laws and explanation in history, London: Oxford University Press.
  • –––, 1964. Philosophy of history, Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall.
  • ––– (ed.), 1966. Philosophical analysis and history (Sources in contemporary philosophy), New York: Harper& Row.
  • Elster, Jon, 1989. Nuts and Bolts For the Social Sciences, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Foucault, Michel, 1971. The order of things: an archaeology of the human sciences, 1st American edition, World of man, New York: Pantheon Books.
  • Gardiner, Patrick L., 1952. The nature of historical explanation, London: Oxford University Press.
  • ––– (ed.), 1974. The philosophy of history (Oxford readings in philosophy), London, New York: Oxford University Press.
  • Geertz, Clifford, 1980. Negara: The Theatre State in Nineteenth-Century Bali, Princeton: Princeton University Press.
  • Greenblatt, Stephen, 1991. Marvelous possessions: the wonder of the New World, Chicago: University of Chicago Press.
  • Hacking, Ian, 1999. The Social Construction of What?, Cambridge: Harvard University Press.
  • –––. 2002. Historical ontology, Cambridge, MA, London: Harvard University Press.
  • Hart, H. L. A., and Tony Honoré, 1959. Causation in the law, Oxford: Clarendon Press.
  • Hedström, Peter, and Richard Swedberg (eds.), 1998. Social mechanisms: an analytical approach to social theory, Studies in rationality and social change, Cambridge, New York: Cambridge University Press.
  • Hegel, Georg Wilhelm Friedrich, 1824a. Reason in history, a general introduction to the philosophy of history, New York: Liberal Arts Press, 1953.
  • –––, 1824b. The philosophy of history, New York: Dover Publications, 1956.
  • –––, 1821. The Philosophy of Right, T. M. Knox (ed.), London, New York,: Oxford University Press, 1967.
  • –––, 1857. Lectures on the Philosophy of World History, translated by H. B. Nisbet, Cambridge: Cambridge University Press, 1975.
  • –––, 1807. Phenomenology of spirit, translated by A. V. Miller, edited by J. N. Findlay, Oxford: Clarendon Press, 1977.
  • Herder, Johann Gottfried, 1791. Reflections on the philosophy of the history of mankind, F. E. Manuel (ed.), Classic European historians, Chicago: University of Chicago Press, 1968.
  • –––, 1800–1877. On world history: an anthology, H. Adler and E. A. Menze (eds.), Sources and studies in world history, Armonk, NY: M.E. Sharpe, 1996.
  • Hinton, William, 1966. Fanshen: A Documentary of Revolution in a Chinese Village, New York: Vintage Books.
  • Huang, Philip C., 1990. The Peasant Family and Rural Development in the Yangzi Delta, 1350-1988, Stanford: Stanford University Press.
  • Hume, David, 1754–1762. The History of England, W. B. Todd (ed.), 6 volumes, Indianapolis: Liberty Classics, 1983.
  • Kammen, Michael G., 1991. Mystic chords of memory: the transformation of tradition in American culture, 1st edition, New York: Knopf.
  • Kant, Immanuel, 1784–6. On history, L. W. Beck (ed.), Indianapolis: Bobbs-Merrill, 1963.
  • –––, 1784–5. Foundations of the metaphysics of morals and, What is enlightenment, 2nd revised edition, The Library of liberal arts, New York: Macmillan, 1990.
  • Kojève, Alexandre, 1969. Introduction to the reading of Hegel, R. Queneau (ed.), New York: Basic Books.
  • Koselleck, Reinhart, 1988 [1959]. Critique And Crisis: Enlightenment and the Parthogenesis of Modern Society, Oxford: Berg.
  • –––, 2002. The Practice of Conceptual History: Timing History, Spacing Concepts, Stanford: Stanford University Press.
  • –––, 2004. Futures and Past: On the Semantics of Historical Time, New York: Columbia University Press.
  • LaCapra, Dominick, 1994. Representing the Holocaust: history, theory, trauma, Ithaca: Cornell University Press.
  • –––, 1998. History and memory after Auschwitz, Ithaca, NY: Cornell University Press.
  • Lattimore, Owen, 1932. Manchuria: Cradle of Conflict, New York: Macmillan.
  • Leibniz, Gottfried Wilhelm, 1709. Theodicy: essays on the goodness of God, the freedom of man, and the origin of evil, A. M. Farrer (ed.), La Salle, IL: Open Court, 1985.
  • Le Roy Ladurie, Emmanuel, 1979. Montaillou, the Promised Land of Error: The Promised Land of Error, New York: Vintage.
  • Little, Daniel, 2010. New Contributions to the Philosophy of History, Dordrecht: Springer Science.
  • Livi-Bacci, Massimo, 2007. A Concise History of World Population, 4th edition, Malden, MA: Blackwell.
  • Mackie, J. L., 1965. Causes and Conditions. American Philosophical Quarterly, 2: 245–264.
  • –––, 1974. The cement of the universe; a study of causation, Oxford: Clarendon Press.
  • Mandelbaum, Maurice, 1971. History, man, & reason; a study in nineteenth-century thought, Baltimore: Johns Hopkins Press.
  • Mann, Michael, 1986. The Sources of Social Power. A history of power from the beginning to A.D. 1760, Volume 1, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Maritain, Jacques, 1957. On the philosophy of history, New York: Scribner.
  • Marx, Karl, 1852. The eighteenth Brumaire of Louis Bonaparte, New York: Mondial, 2005.
  • Marx, Karl, and Frederick Engels, 1848. The Communist Manifesto, in The Revolutions of 1848: Political Writings (Volume 1), D. Fernbach (ed.), New York: Penguin Classics, 1974.
  • Marx, Karl, and Friedrich Engels, 1845–49. The German ideology, 3rd revised edition. Moscow: Progress Publishers, 1970.
  • McAdam, Doug, Sidney G. Tarrow, and Charles Tilly, 2001. Dynamics of contention, Cambridge studies in contentious politics, New York: Cambridge University Press.
  • McNeill, William, 1976. Plagues and Peoples, Garden City: Doubleday.
  • Mink, Louis O., 1966. “The autonomy of historical understanding”. History and Theory, 5 (1): 24–47.
  • Mink, Louis O., Brian Fay, Eugene O. Golob, and Richard T. Vann (eds.), 1987. Historical understanding, Ithaca: Cornell University Press.
  • Momigliano, Arnaldo, 1990. The Classical Foundations of Modern Historiography (Sather Classical Lectures), Berkeley: University of California Press.
  • Montesquieu, Charles de Secondat, 1748. The spirit of the laws, A. M. Cohler, B. C. Miller and H. Stone (eds.), Cambridge texts in the history of political thought, Cambridge, New York: Cambridge University Press, 1989.
  • Nagel, Ernest, 1961. The structure of science; problems in the logic of scientific explanation, New York: Harcourt Brace & World.
  • O’Brien, Dennis, 1975. Hegel on reason and history: a contemporary interpretation, Chicago: University of Chicago Press.
  • O’Brien, P. K., and C. Keyder, 1978. Economic Growth in Britain and France, 1780–1914, London: Allen and Unwin.
  • Olson, Niklas, 2012. History in the Plural: An Introduction to the Work of Reinhart Koselleck, New York: Berghahn Books.
  • Outhwaite, William, 1975. Understanding Social Life: The Method Called Verstehen, London: George Allen & Unwin.
  • Pankakoski, Timo, 2010. “Conflict, Context, Concreteness: Koselleck and Schmitt on Concepts”. Political Theory 38(6): 749-779.
  • Passmore, J. A., 1966. “The Objectivity of History”. In Philosophical Analysis and History, W. H. Dray (ed.), New York: Harper & Row.
  • Pompa, Leon, 1990. Human nature and historical knowledge: Hume, Hegel, and Vico, Cambridge, New York: Cambridge University Press.
  • Ranke, Leopold von, 1881. The theory and practice of history, W. Humboldt (ed.), The European historiography series, Indianapolis, IN: Bobbs-Merrill, 1973.
  • Ricoeur, Paul, 2000. Memory, history, forgetting, translated by Kathleen Blamey and David Pellauer, Chicago: University of Chicago Press, 2004.
  • Rorty, Richard, 1979. Philosophy and the mirror of nature, Princeton: Princeton University Press.
  • Rousseau, Jean Jacques, 1762a. On the social contract ; Discourse on the origin of inequality ; Discourse on political economy, Indianapolis: Hackett Pub. Co, 1983.
  • Rousseau, Jean-Jacques, 1762b. Emile, or, Treatise on education, Amherst, NY: Prometheus Books, 2003.
  • Rowe, William T., 2007. “Owen Lattimore, Asia, and Comparative History”. Journal of Asian Studies, 66 (3): 759–786.
  • Rust, Eric Charles, 1947. The Christian understanding of history, London: Lutterworth Press.
  • Sabel, Charles F., and Jonathan Zeitlin, 1997. Worlds of possibility: flexibility and mass production in western industrialization (Studies in modern capitalism = Etudes sur le capitalisme moderne), Cambridge, New York: Maison des sciences de l’homme ; Cambridge University Press.
  • Sachsenmaier, Dominic, 2011. Global Perspectives on Global History: Theories and Approaches in a Connected World, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Sahlins, Marshall David, 2004. Apologies to Thucydides: understanding history as culture and vice versa, Chicago: University of Chicago Press.
  • Said, Edward W., 1978. Orientalism, New York: Random House.
  • Schama, Simon, 1991. Dead certainties: unwarranted speculations, 1st edition, New York: Knopf.
  • Schleiermacher, Friedrich, 1838. Hermeneutics and criticism and other writings, A. Bowie (ed.), Cambridge texts in the history of philosophy, Cambridge, New York: Cambridge University Press, 1998.
  • Scriven, Michael, 1962. “Explanations, Predictions, and Laws”, in Minnesota Studies in the Philosophy of Science, Volume 3, H. Feigl and G. Maxwell (eds.), Minneapolis: University of Minnesota Press.
  • Sewell, William Hamilton, 2005. Logics of history: social theory and social transformation (Chicago studies in practices of meaning), Chicago: University of Chicago Press.
  • Sherratt, Yvonne, 2006. Continental philosophy of social science: hermeneutics, genealogy, critical theory, Cambridge, New York: Cambridge University Press.
  • Skinner, G. William, 1977. “Regional Urbanization in Nineteenth-Century China”, in In The City in Late Imperial China, G. W. Skinner (ed.), Stanford: Stanford University Press.
  • Smith, Adam, 1776. An inquiry into the nature and causes of the wealth of nations, R. H. Campbell and A. S. Skinner (eds.), Glasgow edition of the works and correspondence of Adam Smith, Oxford: Clarendon Press, 1976.
  • Spengler, Oswald, and Charles Francis Atkinson, 1934. The decline of the west, New York: A.A. Knopf.
  • Taylor, Charles, 1975. Hegel, Cambridge; New York: Cambridge University Press.
  • –––, 1985. “Interpretation and the Sciences of Man”, in Philosophy and the Human Sciences: Philosophical Papers 2, C. Taylor (ed.), Cambridge: Cambridge University Press.
  • Thompson, E. P., 1966. The making of the English working class (Vintage books, V-322), New York: Vintage Books.
  • Toynbee, Arnold Joseph, 1934. A study of history, London: Oxford University Press.
  • Tucker, Aviezer (ed.), 2009. A Companion to the Philosophy of History and Historiography, Chichester, U.K., Malden, MA: Wiley-Blackwell.
  • Vico, Giambattista, 1725. The first new science, L. Pompa (ed.), Cambridge texts in the history of political thought, Cambridge, New York: Cambridge University Press, 2002.
  • Waldron, Arthur, 1990. The Great Wall of China: from history to myth (Cambridge studies in Chinese history, literature, and institutions), Cambridge, New York: Cambridge University Press.
  • Walsh, William Henry, 1960 [1951]. Philosophy of history: An introduction New York: Harper.
  • Whatmore, Richard and Brian Young (eds.), 2015. A companion to intellectual history, New York: Wiley Blackwell.
  • White, Hayden V., 1973. Metahistory: the historical imagination in nineteenth-century Europe, Baltimore: Johns Hopkins University Press.
  • Wittfogel, Karl, 1935. “The Stages of Development in Chinese Economic and Social History”, in The Asiatic Mode of Production: Science and Politics, A. M. Bailey and J. R. Llobera (ed.), London: Routledge and Kegan Paul, 113–40, 1981.
  • Wong, R. Bin, 1997. China Transformed: Historical Change and the Limits of European Experience, Ithaca, New York: Cornell University Press.

أدوات أكاديمية

 

How to cite this entry.

 

Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.

 

Look up this entry topic at the Indiana Philosophy Ontology Project (InPhO).

 

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الإنترنت

مقالات ذات صلة

Berlin, Isaiah | Dilthey, Wilhelm | Hegel, Georg Wilhelm Friedrich | Hempel, Carl | Herder, Johann Gottfried von | hermeneutics | historiography | Ricoeur, Paul | Vico, Giambattista

Acknowledgments

Acknowledgement is offered to Christopher Bouton for valuable feedback on section 2.5.


[1] Little, Daniel, “Philosophy of History”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Summer 2017 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/sum2017/entries/history/>.