فلاسفة ما قبل سقراط – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: مشرف بك أشرف

فلاسفة ما قبل سقراط – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: مشرف بك أشرف


بسم الله الرحمن الرحيم، هذا مدخل شامل حول فلاسفة ما قبل سقراط ، نص مترجم للـد.  والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


 

فلاسفة ما قبل سقراط عبارة عن المفكرين الذين مضوا فيما بين القرن السادس والخامس قبل الميلاد وفتقوا طريقة جديدة لدراسة العالم ومكانة البشر فيه، كانوا يعرفون في العصور القديمة بأنهم الرعيل الأول من الفلاسفة والعلماء الطبيعيين في الغرب. ما يلي من السطور يعنى باختصار وإيجاز بأهم فلاسفة ما قبل سقراط وأبرز الآراء التي رأوها والمذاهب التي ذهبوا إليها. وأما دارسة هذه المناحي بإسهاب فإلى المقالات المخصصة لهؤلاء الفلاسفة والمواضيع المتعلقة بهم في هذه الموسوعة موسوعة ستانفورد الفلسفية (سيرد العزو إليها في خلل ما يلي من السطور). أما مجموعة الأعمال المتعلقة بـ فلاسفة ما قبل سقراط الموثوق بها فهي ما أعده هرمان ديلز وراجعه والثر كرانز، ويشار إليها برمز “د ك” (DK). هذه المجموعة أعلمت كل مفكر منهم بفصل مرقوم برقم خاص، (فرقم هيراقليطس  – مثلا – هو الاثنان والعشرون 22، ورقم أناكسجوراس هو التسعة والخمسون 59)، ثم جمعت تقارير مؤلفي العصور القديمة حول حياة كل مفكر وأفكاره في الجزء الذي يسمى بالشهادات، ويرمز إليه بحرف أ(A)، وكل شهادة بدورها مرقومة برقم. ثم جمعت اقتباسات كل مفكر – على حسب رأي صاحب المجموعة – في الجزء الذي يسمى بالشذرات، ويرمز إليه بحرف “ب” (B). أما ما عزي إليهم مما لم يوثق بصحته فتذكره المجموعة  في الجزء الثالث الذي يرمز إليه بحرف “ج” (C). فكل سطر من المجموعة يمكن الرمز إليه باختصار.

فإذا قيل في العزو مثلا:
“دك 59 ب12. 3” (DK 59B12.3)،
فمعناه أن صاحب العزو يحيلنا إلى التقرير من الاقتباس الثاني عشر من فصل أناكسجوراس.

وإذا قيل:

“دك 22 أ 1” (DK 22A1)،

فمعناه أن صاحب العزو يحيلنا إلى التقرير الأول من فصل هرقليطس.

 

أ. المراد بفلاسفة ما قبل سقراط ؟

ب. الفلاسفة الملطييون،

ج: أكزنوفنس من كولوفون وهرقليطس من أفسوس،

د: بارمنيدس من إيليا،

ه: المدرسة الفيثاغورية،

و: زينون وميليسوس من فلاسفة إيليين آخرين،

ز: التعدديون: أناكسجوراس من كلازوميني وأمبذقليس من أكرجاس،

ح: المذهب الذري فيما قبل سقراط،

ط: ديوجانس الأبولوني والسوفسطائيون،

ي: تراث فلاسفة ما قبل سقراط

ك: قائمة المراجع

۱ المراجع الأولية

۲ المراجع الثانوية

  • أدوات أكاديمية

  • مصادر أخرى على الإنترنت

  • مقالات ذات صلة

 

أ. المراد بـ فلاسفة ما قبل سقراط ؟

كل ما نمتلك من المصادر المتعلقة بـ فلاسفة ما قبل سقراط يعوزه التمام والوضوح، فنواجه التعقيدات والالتواءات عند دراستهم. فإن جلهم عمل على الأقل “كتابا” (وهو رسالة من النثر أو – في بعض الحالات – قصائد)، ولكن أعمالهم الكاملة قد أكل عليها الدهر وشرب، وإنما نتوكأ في معرفتنا حولهم على الأجيال التالية لهم من الفلاسفة والمؤرخين والمؤلفين الذين جمعوا أفكار العصور القديمة من الشذرات التي لايصل سند من رويت عنه، إلى قائليها، ومن التقارير التي ذكر فيها أصحابها هذه الأفكار على حسب ما فهموه هم. ثم كانت أعمال فلاسفة ما قبل سقراط في متناول بعض هؤلاء الجامعين تناولا مباشرا، وأما معظمهم فكانت تتوكأ عصاهم على أمثال هيبياس، وأرسطاطاليس وثاوفرسطس، وسيمبليكوس، وغيرهم من الفلاسفة القدامى الذين كانت هذه الأعمال في متناولهم تناولا مباشرا، ويزيد الطين بلة أن الجامعين للشذرات والتقارير انتقوا مما كان متاحا لهم من كلام هؤلاء الفلاسفة الأوائل انتقاء متكيفا مع ما كانوا يرنون إليه من الأغراض المتنوعة وتخيروا منه تخيرا منسجما مع ما كانوا يشرئبون إليه من المقاصد المعينة.[i] فيتضح منه أنا نضظر للم شتات الآراء لدراسة آراء فلاسفة ما قبل سقراط ، ولكن لاينبغي لهذه الحقائق أن توئسنا، فإنا نستطيع أن نكشف اللثام عن آراءهم الحقيقية بأدلة تاريخية، نطمئن بها بالا.

نبدأ بمصطلح “فلاسفة ما قبل سقراط” الذي صيغ في القرن الثامن عشر، وروج له هرمان ديلز في القرن التاسع عشر والذي اختطّ خطا فاصلا بين سقراط الذي كان همه الأخلاق والقيم وأسلافه الفلاسفة الذين كانوا – كما ظن بهم – مشغولين بالكون والمادة. فإنه يأتي بتعقيدات:

1: الأول أن هذا المصطلح إن كان محددا بين سقراط ومن قبله من الفلاسفة على حسب الزمان، فآخر المفكرين الذين ينسحب عليهم رداؤه كانوا عصريين لسقراط، بل منهم من كان متزامنا مع أفلاطون. فهذا المصطلح من الناحية الزمنية غير دقيق.

2: الثاني أن كثيرا من فلاسفة يونان الأوائل تطرقوا إلى قضية الأخلاق والسلوك الأمثل.

2: الثالث أن هذا المصطلح يوحي بالنظر إلى فلاسفة ما قبل سقراط بالدونية، وأنهم أحط قدرا من سقراط وأفلاطون، وأن أهمية دراستهم لاتتأتى إلا من جهة أنهم سلفهما. ثم ما في هذا المصطلح من الإيحاء بالتوغل في القِدم يترشح منه أن الفلسفة لاتصبح مرغوبا فيها إلا إذا نصل إلى العصر الذي يعتد به في الفلسفة تقليديا وهو عصر أفلاطون وأرسطاطاليس.

لذلك يحجم بعض الدارسين عن استخدام هذا المصطلح، ولكن لايبدو ضير في استخدامه ما دمنا نستعمله للدلالة على الفلاسفة الذين لم يتأثروا بأفكار سقراط، سواء أعاصروه أم سبقوه[ii].

ثم يشكل أمر آخر، وهو تسمية مفكري ما قبل سقراط بالفلاسفة، فإنهم بغير شك لم يكونوا ليصفو أنفسهم بهذا الوصف. صحيح أن هيراقليطس حينما قال: “الذي يحب الحكمة، لابد أن يكون باحثا في أشياء متنوعة” (22 ب 35) استخدم كلمة الفيلسوف التي تعني باليونانية محب الحكمة، ولكنها لم تكن – حينما قالها – بتلك الدلالة التي تحلت بها في أعمال أفلاطون وأرسطاطاليس التي تقابل بين الفيلسوف والإنسان العادي وبين الفيلسوف و المتخصصين – ومنهم السوفسطائيون خاصة لدى أفلاطون – في مجالات أخرى، وما كانت كذلك بتلك الدلالة الحديثة التي نفرق فيها بين الفلسفة والعلوم من الطبيعيات وعلم النفس وغيرهما. إلا أن هؤلاء المفكرين كانوا يميزون أنفسهم من عامة الناس وآخرين ممن سبقهم أو وازاهم من بعض الشعراء والمؤرخين، مثلا، كما لاحظنا عند أكزنوفنس وهراقليطس. فقد كان هؤلاء المفكرون – كما تجلو لنا شذرة هراقليطس المذكورة آنفا – يعدون أنفسهم باحثين في أشياء متنوعة، وكان مجال بحثهم متسعا، كان لهم من متنوع الأفكار حول طبيعة العالم ما ينخرط إلى ما نعهد اليوم من الطبيعيات والكيماء وعلم الأرض وعلم الظواهر الجوية وعلم الفلك وعلم الأجنة وعلم النفس وغيرها من المجالات المتعلقة بالطبيعة، ومن الآراء والمذاهب ما يندرج تحت ما نعرف اليوم بالإلهيات وما بعد الطبيعة وعلم المعرفة وعلم الأخلاق. أما الرعيل الأول من هؤلاء المفكرين – وهم أصحاب ملطية – فلاغرو أن ما بأيدينا من تراثهم يصعب علينا أن نستخلص منه العناصر الفلسفية الخالصة، فمحاولتنا لدراستها عرضة للفهم الخاطئ، وأن نستصغر فرسان الفكر هؤلاء بتخليطنا في الأحداث والأزمنة، إلا أن هنا وجها، يتجه به لنا أن نصفهم فلاسفة، وهو ملموس في آراء أرسطاطليس (يراجع لذلك من أعماله – مثلا – ما بعد الطبيعة، والطبيعة وفي الروح وفي الكون والفساد)، فإن هؤلاء المفكرون كانوا في نوع معين من البحث والدراسة سلف أرسطاطاليس الذي رأى – على رغم أنه يراهم لم يصيبوا كبد الحقيقة لسبب من الأسباب بل يراهم  أغرارا وأفكارهم فجة – خيطا من المواد والمناهج، موصولا منهم إليه هو، مستمرا، فالأسئلة التي أثار هذا الرعيل الأول من فلاسفة اليونان والأجوبة التي صاغوها والوجهات التي اتجهوها للدراسة والبحث كل أولئك كان اللبنات الأولى لما شيده أفلاطون وأرسطاطاليس ومن تبعهما من الفلسفة. ولعل أبرز ميزة لهذا الرعيل الأول أنهم حاولوا تفسير الظواهر الكونية بالمبادئ والنواميس المودعة في الكون نفسه، والتزموا بذلك وتقيدوا به.

وإذا وازناهم بالشاعر الإغريقي “هسيودوس” الذي عهده يقع في القرن السابع قبل الميلاد، نجده في قصيدته “أصل الآلهة” (أو أنساب الآلهة) يسرد أساطير رواية آلهة جبل أوليمبوس التي تبدأ “بالعماء” (الفراغ البدائي) – وهو إما حالة بدائية غامضة سرمدية وإما كائن كذلك – وتثني بتكون سلسة من الآلهة التي كانت بعدما لم تكن شيئا، وكثير من هذه الآلهة أنجبها – على حسب الرواية – وقاع وبضاع، وبعض منها لاتذكر القصيدة له سببا من أسباب الولادة. فكانت الآلهة حالّة في شطر من العالم الطبيعي أو مرتبطة بما تحوزه التجربة الإنسانية، فكان نشوء الآلهة  في حقيقة الأمر نشوء الكون نفسه، فمايفسر الأول هو ما يفسر الثاني. فتذكر القصيدة أن الآلهة وما يتصل بها من أجزاء العالم يحتدم بينها بعد حدوثها صراع وحراب، وتخبرنا الأسطورة أن إله زيوس ينتصر في هذه المعركة ويؤسس مملكته، ويحكم سيطرته على سائر الآلهة. إن العالم الذي يرسمه هيسود الشاعر، تبدو الآلهة العظمى فيه مثل الإنسان الخارق (غايا ربة الأرض، وأورانوس رب السماء، وكرنوس صاحب الحكم الملكي الذي لايجسد شيئا، وزيوس) وتبدو فيه آلهة أخرى تجسد صفات (مثل موموس إله العزل واللوم، وديسنوميا ربة الفوضى)، كانت المزايا الأساسية للإله عند اليونانيين هي الخلود والبقاء (فإن الإله حي لايموت) والقدرة الجليلة (للتصرف في الأمور والأحداث  وإن كانت هذه القدرة والآلهة المتحلية بها غير خارجة عن تخوم هذا الكون)

وكل آلهة هسيودوس في قصيدته تتحلى بهذه المزايا (وإن كان منها ما يضحي مغلوبا بغيره، ويدمره غيره )، وإذا قرأت رواية هسيدوس، شممت فيها رائحة فيلم، يصور تأريخ آل رجل كابرا عن كابر، وتفاعلت وتلاطمت فيها معاني الحسد والغيظ والحب والشبق ليصبح ما نحن فيه الآن من العالم. لقد أطاح بالحكام الاوائل أولادهم (لقد أطاح زيوس بعرش أبيه كرنوس الذي أطاح قبله بعرش أبيه هو أورانوس). أما زيوس فابتلع زوجه الأولى “ميتس” (والكلمة تعني النصح أو الحكمة) متبلغا الحفاظ على عرشه، فاستطاع أن يمنع منافسه أن يرى النور، وتحلى هو نفسه بصفة الحكمة التي كانت لزوجه “ميتس” المبتلعة. (أصل الآلهة 886-900). هذا وقد قرض هسيودوس قصيدة أخرى، تحمل عنوان “الأعمال والأيام”، اهتم فيها بالبشر اهتماما بالغا يذكر الباكورة الأولى من الكوائن العظيمة التي انقرضت رويدا رويدا، أو أبادت أنفسها أو قضى عليها زيوس الذي خلق الأناسي وملكهم وينفذ أمره هو فيهم خيرا وشرا، (يراجع كتاب “العمل البديع على فلاسفة ما قبل سقراط” لصاحبه ابن كيراهان المطبوع سنة ألفين وإحدى عشرة فإنه قرن أساطير هسيودوس بفلسفة ما قبل سقراط وأجاد، وكذلك يراجع كتاب “فلسفة ما قبل سقراط في سياق تأثير الشرق عند عصور ما قبل التاريخ” لصاحبه “والتر بوركرت” المطبوع سنة ألفين وثمان، فإنه يدرس نفوذ الشرق في تكوّن فلسفة ما قبل سقراط، خاصة نفوذ أساطير أهل بابا وفارس ومصر، وعلم الفلك، وعلم نشوء الكون عندهم).

 إن العالم الذي يرسمه هسيودوس “كأس دهاق” بالآلهة، مثل ما نجده في عالم هوميروس حيث تتصرف في ما دق وجلّ من الحوادث، من الجو إلى أتفه الأمور من الحياة البشرية، وتنفذ أمرها في عامّ نظام العالم أمرا، لايجد الإنسان محيدا عن الخنوع له وإن لم يقدر على إدراكه واكتناهه، وكيف يتمكن من إدراكه ذلك الإنسان الذي قد حده حدود الزمان والمكان ولايملك من القوى الحاسة إلا المحدود!؟ فعليه أن يستسلم دون أن يتفهم. ولكن هذا لم يرض الرعيل الأول من فلاسفة اليونان الذين أشاحوا بوجوههم عن هذه الوجهة، ورأوا أن هذا العالم كون منظم ونظام مرتب، يمكن تحليل أجزاءه ومعرفة ترتيبه، وأن هذا الكون بطبيعته يرشد إلى تفسير نفسه من تعقل، ويكشف اللثام عن ذاته لمن تأمل ولايجري في خلله تيارات ما فوق الطبيعة. ومن أبرز الشواهد لذلك شذرة “أكزنوفنس” حيث قال: “التي يقولون لها إيريس، ليست إلا سحابة نشاهد لها ألوانا الأحمر والأصفر والأرجواني” (21 ب 32) فإيريس، قوس قزح، التي تقولها الأساطير رسولا من الآلهة ليست فوق الطبيعة، ولا آية من الآلهة القاطنة على جبل أوليمبوس، الخارجة من نظام العالم العامّ، بل هي في لبها وجوهرها سحابة ملونة.

ثم وصفنا لهؤلاء المفكرين بالفلاسفة يقتضي أنهم كان يربطهم خيط من وجهة النظر التي تختلف عمن سبقهم، وهم فعلا مختلفون عنهم وإن اختلف الدارسون في مدى تباعدهم فكرا عمن سبقهم ومن عاصرهم ممن لم يوصف بوصف الفيلسوف. ثم هذا الاختلاف ليس في تفسيرهم لطبيعة العالم فحسب بل نجده في رؤيتهم لمنههج التفسير نفسه أيضا، ونلمس أثره – مثلا – عند هرقليطس الذي عندما قال بتأكيد: ” الذي يحب الحكمة، لابد أن يكون باحثا في أشياء متنوعة “، رأى في الوقت نفسه أن البحث وحده لايكفي ولايشفي، فقد عاب أربعة ممن سبقه وقال: “كثرة المعلومات لاتأتي بالفهم بالضرورة، وإلا لكان هسيدوس وفيثاغورس و أكزنوفنس وهكتيوس أصحاب الفهم” (22 ب 40). وفحوى الكلام هنا أنه يوازن بين نفسه وهؤلاء، فإنه أومأ فيما تذكره شذرة من شذراته، إلى أنه وحده يكتنه الأشياء كلها؛ لأنه يحيط علما بالتفسير الذي يميز به بين الأشياء على أساس طبائعها، ويستطيع أن يخبر عن ماهية كل شيء (22 ب 1). فقد كان كل شيء – في رأي هرقليطس – منتظما في سلك من المبدأ الذي يفسره، وهذا المبدأ العام الشامل هو الذي غاب عن غيره، ولم يسطع أن يفهمه. فقد كان المفكرون الأربعة المذكورون آنفا – في نظر هرقليطس – أوعية معلومات جمة وأصحاب معطيات كثة:

كان هسيدوس مصدرا للمعلومات عن الآلهة، وفيثاغوروس مشارا إليه بالبنان في التعلم ونارا على علم السلوك البشري، وإكزنوفنس معلم الرؤى السوية للآلهة والعالم، وهكتيوس من أوائل المؤرخين

ولكنهم وقفو عند حدود جمع المعطيات والمفردات التي جمعوها في دولاب ذهنهم، ولم ينفذوا إلى أغوارها بحثا عن مغزى عميق، يجمع شتاتها، ويلمّ شعثها، فلم تختمر تلك المعلومات فهما عميقا شاملا، ومثل الفهم البشري مثل الكون المنضّد، لابد أن يكون فهمنا منسقا يربط أبعاده بعضها ببعض خيط.

ب. الفلاسفة الملطييون

ذكر أرسطاطاليس – وهو يعرض محاولات سلفه الساعية بحثا عن المبادئ والأسباب التي تحكم في العالم الطبيعي وما وعى من الظواهر – أن طاليس ملطية (وهي مدينة في أيونيا، على الشاطئ الغربي لما يعرف الآن بتركيا) أول من أدلى دلو بحثه في هذه القليب، وعاش فيما يبدو في أوائل القرن السادس قبل المسيح. هذا وذكر أرسطاطاليس مع ذلك أن طاليس مسبوق بأناس، أناطوا بالماء أهمية بالغة، ولكن فضل طاليس في أنه المجلّي في اتخاذ الماء “العلّة الأولى” (ما بعد الطبيعة لأرسطاطاليس[iii]) ثم أثار بعد ذلك إمكان أن يكون هسيدوس أول من نقب عن سبب للحركة والتغير.[iv] ، ولكن لاينبغي أن تحمل هذه الإثارة محمل الجد في عيني أرسطاطاليس وإنما أشار إلى ذلك الإمكان على سبيل الإنكار والاستبعاد، لا التقرير والتقريب، ولم يعن أن هسيدوس عني من منهج البحث بعين ما عني به طاليس. ثم نلفي في ما يقترب من ذلك القرن السادس مفكرين يونانيين آخرين من مدينة ملطية نفسها، هما أنكسمندر وأنكسمينيس، تذكر الرواية التاريخية أنهما وطليس كان بينهم علاقة أستاذ وتلميذ، ولكن هذه الرواية لاتبلغ مبلغ ما يوثق به، إلا أنا نستطيع أن نجعلهم – الثلاثة – مدرسة فكرية فلسفية؛ لأن أفكارهم وآراءهم تتدانى وتتلاقى في عدة من المبادئ والأسس، وتسوغ لنا دراسة آراءهم تحت عنوان واحد.

يذكر لنا التاريخ أن طاليس تنبأ بكسوف الشمس الذي حدث سنة خمس مائة وخمس وثمانين قبل المسيح (585 ق. م) قبل وقوعه (11 أ 5)، وأنه تعلم من مصر الهندسة الرياضية وعلمها اليونان (11 أ 11)، وأنه جاء بآيات في البناء والهندسة. أما أنكسمندر فقد قيل إنه أبدع عقرب المزولة (العقرب هي الجزء المرتفع من آلة المزولة التي تضبط الوقت بمعونة الظل)، وإنه المجلي في رسم خريطة للمعمورة كلها (12 أ 6). كل هذا المأثور وإن لم نتيقن بصحته (وقصة تنبأ طاليس تكاد تكون مجانبة للصحة بيقين) إلا أنه يميط اللثام عن ناحية مهمة من جنوح الملطيين، وهي أنهم لم يكونوا مولعين بما عزاه أرسطاطاليس إليهم من الدراسات والتأملات التجريدية البحتة والتنقيب عن مبادئ الجواهر وعلل الحركة والتغيير وحدها، بل كانوا مولعين كذلك بقياس الظواهر المتعلقة بالأجرام السماوية والأجسام الأرضية قياسا كميا، ومحاولة تفسيرها.[v] إنهم لم يضربوا حدا فاصلا بين قضايا علمية وأخرى فلسفية، ولم يتخذوا لكل من هاتين الساحتين منهجا مستقلا. هذا وجل ما نراه – كما رأى أرطاطاليس من قبل – من الأسس والمبادئ الفلسفية لأفكارهم ونظرياتهم لم يوجد بصريح العبارة فيما سلم من أكل الدهر وشربه من الشهادات والشذرات، ولم نعثر كذلك على أثر للأدلة والبراهين التي أقاموا عليها نظرياتهم وأفكارهم وإنما نستنبط نحن منها العروق الفلسفية السارية وراء آراءهم استنباطا، يولينا قدرا من الثقة كافيا لأن نتعامل معهم فلاسفة.

يبدو أن ما حاز أرسطاطاليس وجمع مما يتعلق بطاليس لم يروه عمن لقي طاليس، وتذكر المصادر المعنية بتاريخ المفكرين القدامى وآراءهم أن طاليس لم يخط بيمينه كتابا. ولكن أرسطااطليس على الرغم من عدم الوصول إلى آراء طاليس عبر المصادر المباشرة وغير ذلك بلغ من الثقة مبلغ أن أدرج طاليس – وإن كان على سبيل التكريم والتبجيل – إلى زمرة من يطلق عليهم الباحثين في الطبيعة (أي الحكماء الطبيعيين)، وينأى به عمن يسميه بخلاق الأساطير من الشعراء السابقين. فقد ذكر أرطاطاليس في الكتاب الأول مما بعد الطبيعة أن أقدمهم – والملطييون منهم – فسروا الأشياء على أساس موادها المتألفة منها وحدها (ما بعد الطبيعة، الكتاب الأول، والفصل الثالث، الصفحة 983، العمود الثاني، السطور من السادس إلى الثامن عشر، على حسب ترقيم بيكر). ثم ما نسب أرسطاطاليس إليهم لاينسجم مع الحقبة التاريخية التي عاشوا فيها، فإنه ينبني على الفكرة التي فتقها أرسطاطاليس نفسه من العلل الأربع وأن تفسير الشيء المقبول في بستان العلم لايكتمل إلا إذا حوى علته الصورية، وعلته الغائية وعلته الفاعلية وعلته المادية، وتبدو هذه النسبة وفيها “مفارقة تاريخية”، إلا أنها تشير إلى شيء مهم، وهي أن أرسطاطاليس ربط دعوى طاليس أن العالم قائم على الماء، بفكرة أن الماء هي المادة الأولية للعالم التي يتكون منها ويرتد إليها، وقال: “ما يتكون من هذه الأشياء هو مبدأها”(983 ب 24 – 25، 11 أ 12)، ورأى أرسطاطاليس أن ما ذهب إليه طاليس، ذهب إليه؛ لحيوية الماء وخطورته في تكون الأشياء والتغذية والتنمية، ورأى أن الماء في نظر طاليس مبدأ الأشياء التي طبيعتها الرطوبة (والأشياء كلها رطبة الطبيعة).

هنالك تواجهنا مشكلة في تفسير أوائل فلاسفة ما قبل سقراط ، الذين ينتصبون لتفسير الطبيعة، حينما تعرض أرسطاطاليس للملامح العامة لأفكارهم والخطوط المجملة لآراءهم، (ولاسيما ما ذكر من شأن الفكرة المائية لدى طاليس من أن الماء مبدأ الكون)، والمشكلة هي أن فلاسفة ما قبل سقراط رأوا – على حسب قراءة أرسطاطاليس العامة المجملة – أن في الوجود مبدأ قائما دائما، منه خرجت جميع الأشياء وبه تتقوم طبائعها الثابتة، ويتلو هذا أن طاليس حينما اتخذ من الماء مبدأ الكون ، لزم أن يكون أراد أن الحالة الأولى المبدئية لجميع الأشياء هي الماء، وأن هذه الأشياء كلها لاتزال – على خلاف ما نلمس ونشاهد – ماء وأن هذا التنوع المشاهد الملموس ليس إلا حالات متنوعة للماء، وتغيرا من حالة إلى حالة للمادة نفسها، وليس استحالة من مادة إلى أخرى من الهواء والأرض وغيرهما وإن لم نجد أنفسنا محاطين بماء في ماء، بل تبدو تلك المادة الأولى أشبه بالهواء أو الأرض منها بالماء في الحالة الراهنة أو الأولى المبدئية. هذا كله يترشح مما ذكر أرسطاطاليس في مقام الإجمال، ولكنه حينما تطرق إلى تفصيل ما أجمل، لم يشر إلا إلى أن الماء هو مبدأ الكون في رأي طاليس بما خرجت الأشياء كلها منه، فالماء هو الحالة الأولى المبدئية للأشياء وهو اللبنة الأولى لكل ما ينسل طبيعيا إلى التكون، ولم يستلزم هذا أن يكون الماء يحتفظ – لدى طاليس – بقوامه فيما ينتاب الشيء من الحالات والكون والفساد، وقصارى مافي الأمر أنه لبس صفات جديدة، وخلع أخرى قديمة، لم يستلزم هذا، فإن الأمر لم يخل من إمكان أن يكون طاليس رأى أن ما احتفظ بنفسه ودام هو بعض صفات الماء، لاالماء نفسه، وخاصة صفة الحركة (التي هي صفة متأصلة لأن يعتور الكون والفساد، وشرط أساسي لأن تنتاب حالات مختلفة)، وهذا الإمكان يلوح إليه ما روي عن طاليس من رأيه من أن المغناطيس مع ما له من الجاذبية والكهرمان  (الذي إذا حك ودلك، أطلق الكهرباء السكونية وأصبح ذا جاذبية) ذوا أرواح، وأن كل شيء ملآن بالآلهة، ويحزر أرسطاطاليس تفسيرا لهذا الرأي أن طاليس جعل الروح (التي تبعث إلى عروق الأشياء حياة، وتنفخ في أوصالها حركة) كائنا متوحدا ساريا في الكون كله من ألفه إلى ياءه، فانجر تفكيره إلى أن كل شيء مترع آلهة (11 أ 22) – سمّها ماء أو روحا مادامت مبدأ طبيعيا متعاليا، ولاغرو أن هذا الإمكان – دوام بعض صفات الماء دون الماء نفسه – يؤخذ من دعوى أن المغناطيس له روح. ولكن نجد في ناحية أخرى أن مباحث الحركة (أي التغيير في الجوهر والتغيير في العرض) على أساس جوهر قائم، لايتغير على مر الزمان، وإنما يطرأ عليه التغييرات، فيكسب مواصفات، ويخلع أخرى، أن هذه المباحث نسج لحمتها وسداها أرسطاطاليس نفسه (أو لعل أفلاطون سبقه إلي ما اختمرت منه هذه المباحث لديه)، فإذا وضعنا هذه الناحية في عين الاعتداد، لم نقض عجبا من أن وجهات النظر في هذا الأمر قبل أرسطاطاليس مغيمة، يكتنفها ضباب من الإبهام، ولايبعد أن الفلاسفة الملطيين لم تمتز عندهم فكرة المادة المبدئية التي منها خرجت الأشياء كلها، عن فكرة المادة الثابتة الباقية التي تقوم وتدوم على مر التغييرات والتحولات.[vi]

وما روي عن طاليس وفي طاليس يعرضه صاحب نوع بديع من التفسير العلمي، عصارته أنه اتخذ من الماء مادة مبدئية لهذا للكون وماحوى من الأشياء، وأدار حول الماء  – في معرض دراسته العلمية – رحى جميع التغييرات التي تطرأ والتحولات التي تعترض، ولم تتوكأ عصا فكره إلا على ما كان داخل هذا الكون متأصلا في طبيعته، فهو بذلك شق طريقا جديدا، وجاء بما لم يسبق إليه فخرج على ما كان مألوفا في اليونان وغيره من جميع أنواع التفسير لهذا الكون، لقد شارك طاليس غيره ممن ينسحب عليه رداء فلاسفة ما قبل سقراط، شاركه في أن الطبيعة نظام متكامل منتظم بنفسه مكتف بذاته بغير معونة بشيء من خارجه، فلايحتاج التفسير العلمي إلى العناية الإلهية الخارجة من تخوم هذا الكون. نعم، يمكن أن يكون الماء في رأيه ذا صبغة إلهية، ولكنه جزء من نظام هذا الكون غير خارج منه.[vii] هذا وكل ما في جعبتنا لعزو التفسير الطبيعي المحض للكون إلى طاليس قرائن وظروف غير مباشرة تشير إليه، وليس لدينا دليل يجعلنا يستقين أو نغلب ظنا بذلك، إن نحن إلا نظن. ولكن هذه النزعة الطبيعية نجدها بوثوق لدى أنكسمندر.

لقد عزيت إلى أنكسمندر شذرة عزوا موثوقا به (وإن لم يستلزم هذا أن يكون ما في الشذرة بكلماته هو)، نجده يقرر بتأكيد وتشديد أن الكون ذو نظام وأن النظام لم ينزل من خارجه وإنما هو نابع من داخله متأصل فيه. هاكم اقتباسا مما حشى به كتاب أرسطاطاليس “الطبيعيات” أحد شراح القرن السادس الميلادي له وهو سمبليسوس:

“ممن رأى أن أصل الكون واحد متحرك، لاشكل له ولانهاية ولاحدود، أنكسمندر بن براكيادس الذي كان من ملطية وتلميذا لطاليس، فإنه قال: إن المادة غير المتشكلة غير المحدودة هي مبدأ الكون وعنصر الأشياء كلها. وهي ليست الماء ولا غير الماء مما يطلق عليه العناصر، بل هي شيء آخر، له طبيعة لايحدها حد، لايحيط بها عد، ومنه انبثقت الأفلاك كلها، وما تظل عليه من العوالم. وما تكونت منه الأشياء الموجودة وخرجت إلى الوجود هو عين ما تستحيل إليه هذه الأشياء. وهذا يضمن النظام وما ينبغي أن يكون عليه الوجود. فكأنما إذا طغى أحد الأشياء الموجودة و شغل أكثر من حقه من الوجود، عوقب واعتاض عنه غيره، وأنقذ عِقد الوجود من الانتثار، ونظام العالم من الفوضى (هنا تكلم بالمجاز والتمثيل لإيضاح وجهة النظر). فقوله هذا يجلو لنا أنه حينما لاحظ تحول العناصر الأربعة بعضها إلى بعض، ناسب في نظره أن يكون السنخ والجوهر الذي تعتوره تحولات هذه العناصر وتنتابه حللها شيء آخر غير هذه العناصر الأربعة.”[viii]

فتوجد مادة أولية خلاقة غير محددة ولامشكلة، منه صدرت الأفلاك وماحوته من العوالم. والغالب أن هذا يعني أن الكون في بدايته كان كتلة كبيرة، لاتحدها تخوم، من مادة غير متصفة بصفات محددة. ثم أنجبت هذه المادة بقوتها الذاتية العناصر والمكونات التي تتألف إلى ما نشاهد من العالم.

لقد نسب إلى بلوتارخس نسبة منحولة شهادته عن أنكسمندر قائلا: “لقد انشق عن القدم في بداية هذا العالم ما يتمخض عن الحرارة والبرودة، فتغمد الهواء الذي حول أرضنا بشواظ من النار، فكان حولها مثل قشرة الشجر حولها” (12 أ 10). هذا القول وإن لم يتطرق إلى مبعث هذا الانشقاق، ولا إلى جهة قيامه، إلا أنه من المحتمل أن أنكسمندر رأى الحركة متأصلة في تلك المادة غير المحدودة، فكانت هي المنشأ الأول للحركة والتغيير. ثم اقتباس سمبليسوس المذكور آنفا يستعلن منه أن أنكسندر لم ير أن المادة غير المحدودة استحالت مباشرة إلى الكون الذي بين أيدينا، بل كان منزعه – وهو يشبه منازع علم الأحياء – أن المادة أحدثت بطريقة أو أخرى زوجا ذا ضدين هما الساخن والبارد اللذان هما مادتان محشوتان بقوى وقابليات، بفعلها فتق عالمنا عن الأشياء. فالمتضادات تتفاعل وتتغالب، تتحكم بعضها في بعض، فتفسد الأشياء وتعود إلى ما خرجت منه وتكونت، فتحدث التغيرات الدورية مع دوران عجلة الزمان فتدول المواسم وتدور الأفلاك وتتراوح الأشياء بين أراجيح التكون والتحلل، وتتقاذفها أمواج الكون والفساد ويبقى نظام العالم منضبطا متزنا معتدلا لاترحج أحدى كفتيه وتطيش الأخرى. وهذا الضبط في النظام هو مراد أنكسمندر حينما تحدث عن العدل والتعويض. وهذا النظام الأنكسمندري الذي يسيره عدل الدوران الزمني في واد، والعالم الحول القلب الفوضوي الذي تحكمه الآلهة اليونانية المجسدة وتتدخل في دورات أفلاكه و أوضاع أفراده في واد.[ix]

نلفي بعد طاليس وأنكسمندر من ملطية رجلا ثالثا، اسمه أنكسمينس، شاركهما في الذهاب إلى أن نشوء الكون من مادة مبدئية، وخالفهما في تلك المادة فجعلها “الهواء” بدلا من “مادة” أنكسمندر التي لاشكل لها ولاحدود، فطوى كشحا عن المرحلة الأولى من نشوء الكون (المتمثلة في المتمخض من الحرارة والبرودة) واختصر رحلة نشوء الكون، فعاد إلى مادة مبدئية أشبه بماء طاليس. لقد نقل سمبليسوس عن  أحد تلامذة أرسطاطاليس – وهو ثيوفراستوس- “أنه يرى أن أنكسمينس تخير الهواء؛ لأنه وإن اتفق مع  أنكسمندر في أن المادة المبدئية لابد أن تكون محايدة كما كانت مادته غير المشكلة ولاالمحدودة إلا أنها لاينبغي أن تكون عاطلة عن الصفات فتبدو غير موجودة. أما الهواء فيتقلب إلى أضراب شتى من اللون والحرارة والرطوبة والحركة والمذاق والريح. (13 أ 5). هذا وقد فسر أنكسمينس بصريح العبارة، كما قال ثبوفراستوس، الآلية الطبيعية للحركة والتغيير، المتمثلة في التكاثف والتخلخل، المحددة مواصفات الأشياء الناجمة من المادة الخلاقة تحديدا طبيعيا تلقائيا. فالهواء إذا تخلخل، عاد نارا، ولكنه إذا تكاثف، عاد ريحا، ثم تتكاثف تلك الريح، فتعود سحابا، وتصير دورة التكاثف السحاب ماء، ثم الماء أرضا، وينتهي مطاف التكاثف إلى الأحجار. و”منها سل كل ما عداها وجودها من عدمها” كما قال ثاوفرسطس. يذكر بلوتارخس أن ظاهرتي التكاثف والتخلل واشجتان بالتبرد والتسخن، وضرب التنفس لذلك مثلا (13 ب 1). فإن المرء إذا نفخ وهو منضم الشفتين، كان ما خرج من الهوء باردا (كما يلاحظ ذلك عند النفخ في الحساء للتخفيف من سخونته)، ولكنه إذا أخرج الزفير وفمه مفتوح، كان الخارج حارا (كما يلاحظ ذلك عند النفخ بالليلة الشاتية في اليدين لتدفئتهما).

هنا يثور سؤال: هل المادة الخلاقة تحتفظ بنفسها عند التغيرات والتكونات التي تمر بها؟ ماذكره أرسطاطاليس يؤخذ منه أنها تحتفظ، وأن أنكسمينس – مثلا – يكون رأى أن الخذف ما هو إلا هواء في حالة مختلفة عن حالتها الأصلية، ويكون هذا كما نقول نحن في الثلج: إن هو إلا ماء تبرد حيث تصلب بعدما كان مائعا؛ وإن الماء لا يخلع قميص مائيته، ولم يطرح عن نفسه ما الماء به هو هو إذا طافت به البرودة وجعلت منه ثلجا، لذلك يعود مائعا إذا طافت به الحرارة، بل تجعله هواء إذا استمرت به زمانا. ففرسان ملطية للفكر والنظر كانوا على هذا التفسير ينزعون منزع الواحدية المادية التي ترد الوجود كله إلى مبدأ واحد، تتعاوره تغييرات وهو محتفظ بنفسه.[x] ولكن للشك في هذا التفسير وفي كون ذلك المنزع لهم مجالا؛ لأنه يفترض أن فلاسفة ما قبل سقراط كانوا قد دار في خلدهم ما ذهب إليه أرسطاطاليس من أن التغيير والحركة لابد لها من جوهر ثابت غير متغير، تطرأ عليه وتعرض له، والمعهود من منازع السابقين الأولين من فلاسفة اليونان أن فكرهم كان مسبوكا في مسبكة “القوى”: بمنظارها كانوا يرون الأشياء، وفي إطارها كانوا يتلمسون لها تفسيرا[xi]  ولم يكن مبحث ما قبل الطبيعة، المتعلق بقوام الجوهر وما به الجوهر هو هو، لم يكن هذا المبحث قد تناولته أيدي الأفكار، بل لم يكن أنجبته أرحام الفضول بعد. صحيح أنهم كانوا مهتمين بالمبدأ الذي انسل منه العالم (فنجد عند أنكسمندر و أنكسمينس الصراحة في التنقيب والسؤال عن التقلبات التي يمر بها هذا المبدأ الخلاق القديم)، ولكنهم يمكن أن لم يكونوا توجهوا إلى الوجهة التي تقول إن المبدأ يحتفظ بنفسه وجوهره أثناء التقلبات، بل أشار جراهم إلى أنهم لم ينزعوا إلى الواحدية المادية التي نزعها أرسطاطاليس[xii] فالمادة المبدئية على هذا الرأي تنقلب عندهم إلى مادة أخرى مختلفة عنها تماما، ويكون أنكسمينس – مثلا – رأى أن الهواء إذا حال ماء، لم يبق فيه من المادة الهوائية أو جوهر الهواء  شيء، فليست مكانة الهواء في تفسير التغيير والحركة هذا إلا أنه المبدأ الذي انقلب إلى الماء والذي هو نقطة بدء التغيرات الدورية الآلية التي تنثر في الكون أشياء متنوعة جديدة رويدا رويدا.[xiii] ومثل هذا التفسير يقتضي أن بين أرسطاطليس وفلاسفة ملطية في الرؤية للعالم بعدا بعيدا وبؤنا بائنا.

 

ج: أكزنوفنس من كولوفون وهرقليطس من أفسوس

لقد واصل ما بدأه فلاسفة ملطية من دراسة العالم الطبيعي أكزنوفنس وهرقليطس اللذان عاشا في نهاية القرن السادس قبل الميلاد وبداية القرن الخامس، وقدما وجهات نظر حول ما يتصل بعلم الكون، ولكنهما لم يقفا ما وقف عنده الملطييون، بل توسعا في تفسيراتهما الطبيعية ووسعا دائرة اهتمامهما إلى دراسة الإنسان نفسه مشددَين التركيز عليه، ولم يكتفيا بهذا كله، بل خاضا غمار علم المعرفة، ووضعا على محك العقل والنظر والفكر “طبيعة البحث نفسه”، فأثار كلاهما سؤالا عن إمكان الإنسان للمعرفة، ثم حاول كشف اللثام عن حدودها وتخومها. لقد قامت الدراسات الحديثة حول نظرية المعرفة وعلم الكون لدى أكزنوفنس ونشرت من وجهات نظره ما كان مطويا وحددت قسمات ما قام به هذا الرجل، وجعلتنا نشعر بخطورة شأن ما أدلى به من العلم ونحس بعظم خطب ما تقدم به من الأبحاث،[xiv]  فقد كان يظن قبلها شاعرا حكيما ضاربا في مناكب الأرض متواضعا، وكانت الصورة التقليدية له أنه نحا باللائمة على الآلهة التي عظمها اليونان، أفصح عن مقولات جذابة خلابة حول نسبية ما يفكر البشر في الإله ويصوره، ولكن الدراسات عرضته مفكرا مستقلا أصيلا، له ثقله الذي لايستهان به، وقد ترك – وهو في سبيل وصف عالم الناسوت وعالم الجبروت – بصماته على ما بعده من الفلسفة ووجه – وهو في معرض البحث عن إمكان الحصول على المعرفة الحقيقية والحكمة الكاملة – من بعده من الفلاسفة، فكأنه تسائل: “هل في مقدرة لإنسان أن ينظر إلى الأشياء بالمنظور الإلهي ويدرك كنهها؟”[xv]

أكزنوفنس يرى أن جميع المظاهر الجوية من الشمس والقمر والطيف و شرر القديس إلمو ما هي إلا سحب ضاربة إلى ألوان شتى، متحركة ذات إشعاع. السحب يكونها أبخرة البر والبحر (الماء والأرض). فكل ما نشاهد في الجو من الظواهر تفسيره يتلخص في أمر واحد، هو حركة الأرض والبحر وما تكون منهما من السحب. كان تفسيره هذا أذانا بمنشأ الفلسفة الطبيعية أو العلوم الطبيعية.

نقل عنه قوله: آلهة القزحية التي يزعمونها إن هي بطبيعتها إلا غمامات تبدو، أذا رأيتها، ذات ألوان من الأرجواني والحمرة والصفرة والخضرة (21 ب 32)

يرى أكزنوفنس أن ما يبدو للبحار مما يظهر مظهر النجم ويراه بعض الناس إلهين شقيقين توأمين (كاستور وبولوكس) كذلك غُميمات تمض وميضا إذا تحركت حركة خاصة بنوعها. (أ 39)

لقد أبدى إسكندر في عقد الثمانين من القرن العشرين رأيا أن أكزنوفنس يوظف منهجا للتفسير العلمي بديعا، له ثقله، مفاده أن هذا هو ذاك إذا يظهر هذا صفات ذاك الجوهرية وتسلك سلوكها الجوهري، ويشير أكزنوفوس إلى هذا المنهج بالكلمة التي ترجمناها “بالطبيعة”فيما نقلنا عنه آنفا (21 ب 32) ، ولاغرو أن هذه الكلمة أو شيئا من معناها كانت في أصل التقرير” الذي نقلت آنفا (أ 39). فيأتي أكزنوفنس ظاهرة، يعتقدها معتقدون وحيا إلهيا أو علامة مما وراء الطبيعة (مثل إيريس رسولا، والإلهين التوأمين كاستور وبولوكس هدى لأصحاب الإبحار)، فيفسرها ويصيرها ظاهرة طبيعية.

ثم هذا – تصيير الظاهرة الإلهية طبيعية – ليس وحده ما قدمه أكزنوفنس، بل لاحظ أيضا عناصر التجسيم في التصورات الآلهة السائدة في عصره. فمما لاحظ:

1: أن الناس يرون الآلهة مولودة، مكسوة كساءها، مصوتة صوتها، ولها أجسام (ب 14)

2: أن سكان أثبوبيا يعتقدون آلهتهم سوداء وفطساء ، والتراقيين يجعلون آلهتهم حمراء شعرا ورمادية عينا (ب 16).

ومن المشهور عنه أنه قال: لئن كانت الأسود اتخذت إلها، ليكونن شبيها بها، وكذلك الحصن والأبقار تكون آلهتهم شبيهة بها. (ب 15). ولكن هذا لايعني أن أكزنوفونس ينكر وجود الإله، بل نلفي فيما نقل عنه أقوالا حول طبيعة الإله وأخرى تذكر وجود إله واحد، له العظمة. لقد قال:

إله واحد، لاشريك له من الآلهة والبشر، له العظمة،

ليس كمثله شيء لا في الجسد ولافي التفكير،

بصير بكل شيء، وسميع به وعليم به،

يحرك كل شيء بتفكيره وما يمسه من لغوب،

لا يحوم حول حماه تغير ولاحدوث ولاحركة،

ولاينبغي له أن يتنقل من مكان إلى آخر بين الفينة والأخرى (ب 23، 24، 25، 26)

فإله أكزنوفون يتصرف في كون، يسري في عروقه الانسجام الأبدي، يدركه وينضده ويدير عجلته بعلمه السرمدي ولكنه معزول عن أمور البشر غير عابه بها، وغير ممكن أن يكون له اهتمام بتعليم البشرية، وأن يكون له شأن بموهبة الإنسان المعرفية وبحدودها، فيعضد به النتيجة التي تتمخض عن جنوحه الطبيعي لتفسير الظواهر، وهي أن الآلهة لن تكشف لنا عن علم، ونحن مستقلون عنها معرفة، وعلينا التعويل على مواهبنا الإدراكية، وبهذا نحسن الكشف عن المعارف كما قال في الشذرة ذات رمز ب 18 والتي تفائلت بالمواهب البشرية المعرفية[xvi]:

“لاجرم أن الإله لا يعلم البشر الأسماء كلها من أوله، بل البشر مع انقضاء الأيام يتدرج بمعرفتها، ويحسن”

يترشح من هذه الشذرة أن الإنسان يحكي الإله فهما ومعرفة إلى حد ما، وحياة إكزنوفون وما قام به من البحث والدراسة مما أفضى به إلى تفسر علمي عام شامل للظواهر الأرضية والتجليات السماوية فإن ذلك يبدو مسايرا لللروح المتغلغلة في الشذرة. ولكن نلمس في شذرة أخرى ما هو إلى مذهب الشك أدنى:

“لاأحد يملك الصدق الجلي بيقين

ولاأحد عنده مما يتصل بالإله وكل ما أتحدث به عن الأشياء،

ثم هب أنه قد يكون قد جرى على لسانه ما هو مطابق لنفس الأمر،

ولكنه يكون بمراحل عن جزمه بذلك، إن هي إلا تخمينات وآراء تؤخذ وترد” (ب 34)

أ مقيد هذا الشك أم مطلق؟ هذا الأمر قد تضاربت فيه الآراء (ذهب “لشر” إلى تقيده[xvii]). ولكن ما هو ظاهر باهر هو أن أكزنوفون يوجه اهتمامنا إلى صعوبة الوصول إلى الجزم واليقين، خاصة فيما يخرج عن نطاقة تجربتنا المباشرة. ولنضف إلى ذلك شذرة أخرى، قصيرة قصرا مخلا بالفهم، يقول فيها أكزنوفون: “ولنرحب بهذه الآراء، كأنها حقائق” (ب 35).[xviii]

ولنث بمفكر أفسوس، هرقليطس، الذي كان يصب أفكاره في مصب الحكم والأقول المأثورة، فجاءت مبهمة غير واضحة وظاهرة التناقض، فتقوم عرقلة أمام محاولات الشراح والمفسرين وتستعصي على فهمهم، حتى رماها أفلاطون بالتهافت، واتهم أرسطاطاليس صاحبها برفض مبدأ عدم التعارض. ولكنه على كل حال يثير أسئلة مهمة حول المعرفة وطبيعة العالم. يستهل كتابه بذكر “الكلمات الكونية” (لوغوز) الدائمة السرمدية. موضع خلاف ما أراد هرقليطس بالكلمة، ولكن واضح من بعض شظاياه (22 ب 1، 2، 50 وغيرها ) أنه كان يدور في خلده حين إطلاق هذا اللفظ مبدأ مطلق، يتغلل في أعراق هذا الكون، ويستطيع الإنسان – وإن بشق الأنفس – أن يدركه: فالأشياء كلها منتظمة بسلك نظام واحد أبدي يوحد الناس بينه وبين الآلهة، لقد قال: “جميع الاشياء واحدة” (ب 50)، و”هذا النظام راض بأن يدعى باسم زيوس، وغير راض بذلك في آن واحد” (ب 32). سبب الرضا أن النظام مثل زيوس الذي يتصرف – على حسب الرؤية التقليدية – في الكون من على جبل أوليمبوس بالصواعق، فكذلك يتصرف هذا النظام في هذا الكون ويدير عجلته، ولكنه ليس خارجا عنه، بل متأصل فيه. وهذا النظام السرمدي الدائم غير المتغير تجسده “النار” التي لاتفتأ تحول وتزول، ولاتزال – في الوقت نفسه – ثابتة باقية، فالكلمات الكونية كذلك مقيمة ثابتة لاتتحرك ولا تتغير، وتفسر كافة ما نشاهد في الكون من الحركة والتبدل.

ثم هذا النظام الذي يدير عجلة الكون معقول وعاقل، فإنه معقول يسير بحكم الضرورة والعلة، يستطيع الإنسان أن يفهمه، وهو عاقل أيضا حيث يطور الكون نفسه ويقدمها بحكم المبادئ العقلية، وهذا أقل ما يرشحه لعده معقولا. ولنقرأ ما قال:

“من أراد أن ينطق عن تفهم، فليتثبت فيما يعم كل شيء ويشمله كما يعم المدينة ويطمّها قانونها، بل هو أحوج إلى التثبت من صاحب أمر المدينة، فإن جميع نواميس البشر يسقيها ويروها ناموس واحد سرمدي، فإن طنب خيام هيمنته منسحبة إلى ما يشاء، وتظل كل شيء، وهو يغني، بل يزيد على ما يغني” (ب 114)

هذه الشذرة بعبارتها تفرض على الحكم الوضعي البشري أن ينسجم مع القانون السرمدي، ولكنها تشير كذلك إلى أن هذا القانون ينسحب رداؤه على نواميس الكون نفسه وعلى القوانين الوضعية البشرية كذلك. فالكون نظام عاقل معقول أبدي سرمدي، يدير نفسه بعقل أو ما سميناه آنفا “بالكلمات الكونية”، ونحن بمقدرتنا أن نحيط به علما وفهما أو نعرفه ببعض جوانبه، وهذه المقدرة لانتحلى بها بمحض حكم أنا جزء لايتجزأ من هذا الكون، بل بموهبتنا الفكرية التي تمكننا من إدراك هذا النظام بقراءة “الكلمات الكونية”. ولكن كيف يسير هذا الإدراك؟ فهذا أمر في فكر هرقليطس مبهم ملغز جدا.

فالكون عند صاحبنا نظام يحذو اللغة التي يسمعها ويفهمها من أنس بها. ثم هذه اللغة التي نسمع بها نغمات الكون ليست حواسنا وحدها تدل عليها فإن “حواس من كان فيه روح متوحشة ما أكذبها من شاهد” (ب 107)، ثم الإدراك وحيازة المعلومات ليسا متحدين (انظر لما عاب به أربعة ممن سبقه مما ذكر فوق 22 ب 40). صحيح أنه لامندوحة من شاهد الحواس في حقل المعرفة، (انظر شذرة ب 55 وغيرها مما يوازن بين التجربة والإشاعة) ولكن لا بد كذلك من تزكيتها بالنظر الدقيق الحذر وقال: “الذي يحب الحكمة، لابد أن يكون باحثا في أشياء متنوعة” (22 ب 35) و”لقد بحثت في نفسي أنا” (ب 101) وهذا المحب للحكمة من مزاياه أن يكون فطنا، يتفطن للعلامات أو الأدلة التي توحي إلى نظام أوسع وأشمل، ويقرأها ويفسرها بحذر وحيطة فإن “الطبيعة كربات الأخادير، لاتميط اللثام عن وجهها” (ب 123)، وإن هذه الأدلة إن هي – في نظر صاحبنا الذي تأكد لديه دورالصراع في حياة الإنسان والكون كليهما – لما قوى متصارعة متفاعلة جنبا لجنب وأحوال متنائية متواجدة يدا بيد. من شظايا هرقليطس ما يذكر اتفاق المفترق وائتلاف المختلف، فقد قال: “كلا خطي الطريق المتعاكسين واحد وسواء” (ب 60) و”خط الكتابة مسقيم ومعوج” (ب 59)، و”إن القاموس ماؤه نقي وعفن” . بعض شظاياه (ب 49 أ، ب 12، ب 91 أ) تضع موضع السؤال هوية الأشياء على ممر الساعات والثواني، وأخرى تشير إلى نسبية الحكم في مجال القيم ومضافيته (ب 9، ب82، ب 102) فنظام التعويض الأنكسمندري الذي يسيره عدل الدوران الزمني سد مسده عند هرقليطس نظام، يحكمه ما يسميه بالصراع والحراب، فإنه قال: “إن الحرب عامة طامة، حقا. وإن العدل هو الصراع، فمنه خرجت الأشياء وتكونت، وبه انضطبت وانتظمت” (ب 80) وهذه الحرب وهذا الصراع عبارة عما في الكون من تحولات وتغيرات، فبمنطقها ينطق الكون، ويستطيع فهمه من يحكي لغة “الكلمات الكونية” فيصغي إليها ويفهمها[xix]. فهذا التفسير على غموضه يؤمي إلى اتساق عميق في الكون كما أن أقوال هرقليطس نفسها على غموضها تعبر عن الصدق. على كل حال، لقد كان لصاحبنا قرقليطس رسالته في خلده وبلاغها حينما قال: “إن الإله الذي رسوله في دلفي لايتكلم ولا يكشف اللثام عن نفسه، وإنما يوحي إيحاء” (ب 93).

هذا وصاحبنا من السابقين الأولين الذين تكلموا في الروح من مفكرين اليونان، وكلامه في الروح كغيره ملغّز ملتو. ولكن يتضح منه على الأقل أنه يرى الروح محل المشاعر والحركة والتفكير. وتشير الشذرة المذكورة فوق (ب 107) إلى أن التفكير وظيفة الروح، وذكر في أخرى (ب 117) أن السكران يقوده غلام بما أنه لم يعد يتمالك نفسه، لايعرف قبيلا من دبير وأن مرد هذا كله أن روحه قد ترطبت، وقواه قد ابتلت فتثبطت. ويجلو قصده هنا ما جاء في شذرة أخرى (ب 118) حيث قال فيها: “إن أعقل الأرواح وأمثلها يابس ومشع بنور”، ويبدو منها أن الروح عنده جوهر يتغير ويتراوح بين الحرارة والبرودة وبين اليبوسة والرطوبة، ويشير قوله: “نور” إلى أن الروح النارية خير الأرواح. أجل، إن شذرة أخرى (ب 36) تصرح بأن الروح إحدى مراحل التقلبات في الجوهر الكوني، فإنه قال فيها: “الروح إذا صارت ماء، نفقت، والماء إذا أضحى أرضا، بطل، ومن الأرض ينبعث الماء، ومن الماء تحيا الروح”. ونختم كلامنا في هرقليطس بأنه وإن جنح إلى أن الفهم الكامل للإله السرمدي (ب 78) إلا أن وصله لحبل النار بالكلمات الكونية وجعله خير الأرواح ما كان حارا يابسا لمؤمئ إلى أن من حافظ على روحه وأوى إلى البحث عن الحق الكامن في الكلمات الكونية، نجا من الجهالة البشرية بالفهم الذي حظي به هرقليطس نفسه.[xx]

 

د: بارمنيدس من إيليا

بارمنيدس الذي هو فيلسوفنا في هذا الركن، ولد حوالي عشرة وخمسمائة قبل الميلاد في إيليا التي كانت مستعمرة يونانية في إيطاليا الجنوبية، جنوب مدينة نابولي، وتعرف الآن باستبدال الفاء بالهمزة أيضا أي “فيليا”، واهتم بطبيعة البحث الفلسفي، ولكنه لم يهتم بالمعرفة نفسها والفهم نفسه اهتمامه بالمعروفات والمفهومات. فقد سوى أكزنوفنس المعرفة الحقة بما يدرك مما يربأ عن الشك ويرقى قمة اليقين، فأعلن عدم وصول بشر إلي بعض المجالات على الأقل (21 ب 34)، ولقد صدع هرقليطس بأن المعرفة الحقة حمى لاهوتي، لايحوم حوله البشر في العادة (22 ب 78) ولكن بعض من كلامه أعطى بمفهوم المخالفة أن من أبناء نوع البشر من يمكن أن يصل إلى المعرفة الحقة، فإنه أقام الأدلة على أن العقل الناسوتي في مقدرته أن يحاكي العقل اللاهوتي، وإذا سألت صاحبنا بارمنيدس: “هل ترى، ومايدري واحدا منا إذا وصل إلى المعرفة الحقة أنه قد وصل، وما ضمان ذلك؟”، أجاب قائلا: “لقد انتصبت أنصاب وقامت علائم، تضمن لباغي المعرفة الحقة أنه قد ولج بابها”. ومن أقطاب رحى نظرية صاحبنا أن ما يجب وجوده – أو ما لايمكن ألا يكون (على حسب تعبيره هو) – أدنى أن يعرف مما هو ممكن الوجود – أو ما يتساوى وجوده وعدمه إمكانا. وهذا الممكن الوجود بمنأى عن العلم والمعرفة الحقة، وإنما نطاقه هو الظن والرأي المحض النائي عن الحجة.

لقد وصل إلينا من صاحبنا قصيدة على وزن البحر العروضي السداسي الهومري، قص فيها رحلة فتى يافع في ريعان شبابه، صوحب إلى إلهة، تعده بتزويده بعلم كل شيء” (28 ب 1)  فالإلهة – على حسب القصة – لاتناوله النسائج، بل تعلمه كيف ينسج هو بنفسه، ولا تملي عليه المعلومات حول الأشياء، بل تناوله المعاليم التي يستعين بها على حيازة المعلومات بنفسه، ولنسمتع إلى بعض كلماتها.

 أجل، عليك أن تدرك كل شيء:

أن تحيط بالحقائق الدامغة الدانية إلى الثقة

وأن تعرف آراء الناس المخروصة النائية عن القبول

ولكن يتحتم عليك أن تتحسس سر شيء آخر: أنى لهذه المظاهر البادية للحواس أن تتقمص لباس الحقيقة السرمدية المطلقة، كأن ليس في الوجود إلا هي  (ب 1، 28 – 32)

فالإلهة لاتحصي للفتى من القضايا الصادقة ما عليه التصديق به، ومن الكاذبة ما عليه رفضه، بل هي تفتق عن مكنون مواهبه المعرفية وتشحذ قريحته العلمية فتلقنه أسلوب تقويم دعوى وجود شيء بأن يختبر ويقوم، ثم يتقبل أو يرفض ما يزعمه الزاعمون من جوهر الشيء وسنخه الذي هو وحده العش الذي يهوي وينزل فيه طائر المعرفة. فإن شية الشيء الذي يتعلق به العلم – عند فيلسوفنا بارمنيدس – أنه شيء موجود حقا، لاتشوبه شائبة عدم من وجه من الوجوه. من هنا ليس الموجود عنده ما هو متربع على منصة الوجود فحسب، بل هو مع ذلك ما يجب وجودا ويمتنع عدما. ولنصغ إلى الأبيات التي تقرر هذا في ب2 و ب3:

هلم، أتل عليك القصة، فتسمعها وتعيها

قصة سبل البحث والفكر الوحيدة

فأما الذي يوجد ويمتنع ألا يوجد

هو مهيع اليقين (فإنه يحتضن الحقيقة)

وأما غيره الذي لايوجد ويصح ألا يوجد

فهو طريق ملتو كله لاينفذ

فإن ما عري من حلة الوجود نأى إلى العرفة عن الوصول (فإنه غير نجيز)

واغترب عن الإشارة إليه … فإنما يتسنى للتفكير ما تحلى بالوجود

 

فالسبل هي أساليب البحث، فلمن يسير على درب الاستقامة، ليحطنّ رحاله على الموجود الذي هو القرين الوفي للتفكر والتبصر. من الملاحظ في القصيدة أن الإلهة تلقن الفتى ما تلقن وهي “إلهة”، ولكنها  لاتلزمه بالخنوع له لأجل ذلك، بل الحقيقة التي تخبره بها لها مخايلها التي تدل عليها بالاستدلال أو التفكير، فالحقيقة مستقلة في الانجلاء والإدراك عن خبر الإلهة. ثم هي تقرع العصا في ب 7، وتحذر من الوقوع في شرك الحواس المستمرة العمل، وتوصي بأن نلجم تفكيرها عن مغرياتها، تقول:

لن يقبل أن يقال بالوجود لما ليس كذك

ولكن أحجم بحصان تفكيرك عن العدو في هذا الميدان

ولاتدعْ القوة القاهرة من العادة الجبارة تدعّك فيه دعّا

ولا تقف كل ما يطيش به البصر، وتصدّي الأذن تصدية

ويردده اللسان ترديدا، ولكن نقّر بالاستدلال (“الكلمات الكونية”)، وز بالميزان الذي ناولتكه والذي لم يصغ إلا بعد جهد جهيد وسعي حثيث.

 

فالفتى يستطيع أن ينزل إلى أغوار الحقيقة بالاستدلال وحده. والمراد بالكلمات الكونية هنا التفكير أو الاستدلال (ربما أراد بارمنيدس الموهبة البشرية عامة). وأما الميزان (كما ذكر مرة أخرى في ب 8، 15 – 16) فهو أن نعلم أموجود هو أم غير ذلك؟ ثم هذا الميزان ليس قصارى أمره أن نعلم عدم التعارض الذي هو وكاء التماسك والانسجام، بل هو بعد ذلك إجابة عن السؤال القائل: “هل إذا جعلنا الشيء وفرضناه موجودا، نتبصر بمزيد من البحث والدراسة حقيقة ما لايوجد (أي الممتنع الوجود) وكنهه”

ويستعرض ما في جاء في شذرة “ب 8” (وستأتي تحت) معايير لاختبار الشيء الذي فرض موجودا، فيستطيع الفتى أن يتخذها لكل وزن كل ما اقترحه فلاسفة ما قبل سقراط مبدأ للمبادئ وأصلا للأصول، فيقبل عليه قبولا أو يدبره إعراضا. ليس الفكر البشري عند فيلسوفنا في هذا الركن موهبة مستعصية على الخطأ، كلا. بل الشأن في طريق قيادته، فقيادته برشد تؤدي بصاحبه إلى المنزل وهو “الموجود حقا”، وأما الذين يضلون ففكرهم يتسكع بغير هدف، ويتشرد بغير غاية فهم مفكرون، ولكن في “غير شيء”، فلا تؤتي جهودهم أكلها. ولننظر إلى ما ضربه بارمنيدس من العيار “للموجود حقا”، وما عززه به من البراهين والأدلة، فإن صاحبنا الشاعر قال:

ولكن يبقى سبيل واحد

إلى الكائن الموجود، تتساوق عليه أعلام:

وهي أن الكائن يربأ عن الكون والفساد

وأنه واحد لايتركب ولايتجزأ وأنه متكامل

وليس قد كان، ولم يعد، ولا لم يكن وسيعود, بل هو كائن الآن

واحد متناسق. (ب 8، 1-6)

فصفات الموجود حقا مايلي: بينه وبين الكون والفساد بؤن بائن، ثم هو غير متألف من حقائق مختلفة، وبعد ذلك ينبغي أن يستعصي، على التحول والتقلب. هذه علامات، لكل ما يترشح لأن يكون أصل الأصول ومبدأ المبادئ، وتفاصيل، تفصل كيف هو[xxi]. فلايدرك ولايفهم إلا ما كان متحليا بجميع هذه الصفات. لقد قام رتشارد مي كيراهان (2008) وجون بالمر (2009) بتحليل هذه الأدلة بإسهاب، فليراجع ذلك.

ثم تلتفت الإلهة بعد بيان خصايا الكائن الموجود مزايا إلى طرائق البشر المعرفية، وتعنونها بالخادعة الغاشة. لذلك حملت آراؤ بارمنيدس محمل رفض إمكان البحث في الكون[xxii]، ولكن لقد قام بعض الناس بتفسير كلامه تفسيرا مختلفا حريا بالاستماع، وأثبتوا أن صاحبنا لم يرفض إمكان تكوين رأي قائم على الدليل حول هذا العالم الحول القلب الذي يتنابه الكون والفساد ويعتوره الوجود والعدم، وليس واجبا وجوده[xxiii]. ولكن العوج أن الإنسان يظن ما يحس بحاسة من الحواس، هو الكائن الموجود واجبا وجوده، ولكن مادام الإنسان يدرك ويعترف في قرارة نفه أن عالم الحواس ليس حقيقة ثابتة دائمة، ولايمكن أن يبلغ رأينا فيه مبلغ العلم، فلاضير أن نكون فيه رأيا منبثقا من قرينة من القرائن، وأحد فصول القصيدة بعنوان “أراء العامة” يحكي آراءه في الفلك، وكذلك نجد مثل هذه الآراء في شهادات المفكرين المتأخرين عنه.

هذا ومما يغلب الظن به أن بارمنيدس أول من رأى اقتباس القمر من الشمس، وكروية الأرض. وفي الآونة الأخيرة ازداد اهتمام الباحثين بمثل هذه الآراء المنخرطة إلى العالم الطبيعي، ويدعون إلى أن ما قدمه فيلسوفنا من تفسير المظاهر حري بالقبول، بل يتحتم أن يقبل[xxiv]. مهما يكن من حقيقة الأمر، فإن صاحبنا يقيم تخوما واضحة ويفرق تفريقا حادا بين ما يجب وجوده وما يمكن، وبين العلم والرأي القائم على حاسة من الحواس.

 

ه: المدرسة الفيثاغورية

لقد كان صاحبنا في هذا الركن فيثاغورس مولده جزيرة ساموس من بحر إيجة، وشد رحاله إلى كروتونا، جنوبي إيطاليا، في الربع الأخير من القرن السادس قبل الميلاد، قبل أن يرى بارمنيدس النور. ثم أنشأ فيها جميعة، اتخذت أفكاره في السياسة والحكم التي تؤثر حكم النخبة المثلى، وتأسى أعضاؤها بأسوته واقتدت بقدوته في سلوك الحياة، وكانت قائمة على أسس فلسفية. ثم الرؤية السائدة أن معيار المثال والفضل في المنزع الفيثاغوري هو المال، فالنخبة المثلى الفضلى هم الممتلكون لأزمة المال في المجتمع. ولكن تلمس بوركيرت حول النزعة الفيثاغورية السياسية، رأيين متعاكسين حول المعيار، يعودان إلى القرن الرابع قبل الميلاد. أحدهما ما ذكر الآن والذي يعرض فيثاغورس قائما إلى جانب المستبدين الجبارين في مجال السياسية. والآخر أنه ناوأ كل لون من استبداد النبلاء، سواء أكان المال مبنى نبلهم أم غيره.[xxv] والجدير بالذكر بصدد هذا الرأي أن أحد تلامذة المدرسة – أرخيتاس – الذي ولد في أواخر القرن الخامس قبل الميلاد قضى حياته في جمهورية (وهي جمهورية تارانتو بإيطاليا الجنوبية)، ودعا – كما يبدو مما نقل إلنا عنه – إلى اعتدال كفتي الميزان عند التعامل مع الفقير ومع الغني.[xxvi] هذا والأسوة الفيثاغورية تشمل فيما تشمل بعض التزامات من الطقوس الدينية والمحرمات في المأكل والمشرب.[xxvii]

إن صاحبنا مثل سقراط، لم يكتب شيئا بيمينه، ولكن أثر فيمن اتبعه أثرا بالغا، وقد كان في عصره معروفا بأنه متعلم جيد وحكيم حصيف[xxviii] إلا أن أكزنوفنس (21 ب 7) وهراقليطس (22 ب 40، 129) سخرا منه. ثم هل هذه البراعة تشمل ما يدل عليه نسبة المبرهنة الهندسية الشهيرة إلي فيثاغوروس من تضلعه على الرياضيات؟ ليس عندنا جواب عن هذا الأمر[xxix]. وكذلك يكتنه الغموض آراءه، ولاتتضح تفاصيلها، ولكن ما وضح وانجلى أنه نزع إلى تناسخ الأرواح وأن الأرواح يمكن أن تنتقل بعد موت أصحابها إلى أجساد أخرى (كانت هذه الفكرة لليونان آنذاك بديعة، ونلمس جذورها في الأديان الأورفية أيضا). أما أصحاب اليراعة الذين تلوه من المدرسة الفيثاغورية فأولوا شدة اهتمامهم بالرياضيات وأولعوا بدراسة النظام الكوني. وهذا الاهتمام وهذا الولع يدرج عادة ما في حساب فيثاغوروس نفسه، ولعل مرد ذلك كما ذكر آنفا نسبة المبرهنة الهندسية الشهيرة إليه، ولكن الدراسات الجديدة استعلن لها أن نسبة علم الكون هذا المقامُ صرحُه على علم الرياضة مقطوعة مشكوك فيها[xxx]

مهما يكن من أمر هذه النسبة، فإن ما لاغبار فيه أن السابقين الأولين من هذه المدرسة تصوروا الطبيعة أساسها وأصل مادتها “العدد” (يراجع مقالة فيثاغورس في موسوعة ستانفورد الفلسفية هذه) وأن جيل ما بعد بارمنيدس من الفيثاغوريين من نحو فيلولاوس (الذي مضى في النصف الأخير من القرن الخامس قبل الميلاد، بعد قرابة قرن وجيل من حتف مؤسس المدرسة) وأرخيتاس (الذي عصره يتراوح بين نهاية القرن الخامس وغرة القرن الرابع مما قبل الميلاد) أن هذا الجيل رأى من الأفكار المعقدة الملتوية حول العلقة بين الرياضة والكون ما يبعد أن يكون فيثاغورس قد رآه بنفسه. ننتقل من هذا إلى أن الفيثاغورية بعد وفاة صاحبها تفرعت وأضحى لها تياران واضحان: الأول ما عض نواجذه وشد بنانه على توجيهات المرشد الدينية والخلقية والسياسية، ويسمى مدرسة الأثر وأصحابها الأثريين بأنهم اتبعوا ما سمع وأثر عن أستاذهم، والتيار الثاني (الذي يشمل فيلولاوس وأرخيتاس) سمي بنزعة الرأي، وأصحابها بالرياضيين، وكانوا فيهم غلبة ميل وجنوح إلى آراءه الفلسفية دون غيره من الآراء التي أخذ بها أصحاب نزعة الأثر، ولكن لايذهب عليك أن نزعة الرأي لم تجعل نسبة مدرسة الأثر مدخولة، بل أقرت أصحاب الأثر على نسبتهم إلى فيثاغورس أن كانوا متخذين لبعض آراءه، ولكنها أصرت وألحت على أن أصحابها هم أصحاب فيثاغورس وأتباعه حقا.

ثم يبدو من دراسة فيلولاوس صاحب كروتونا أنه زاوج بين الحياة الفيثاغورية وآراء بارمنيدس، وأدرك ثقل أدلته التي أدلى بها.[xxxi] إن الطبيعة – عند فيلولاوس – تحوي محددات وعديمات التناهي (44 ب 1). وهذه المحددات وعديمات التناهي شأنها في فكر صاحبنا شأن الحقائق الجوهرية في فكر بارمنيدس، فإنها  موجودة واجبا وجودها، وأنها لا يحوم حول حماها تغير ولاحدوث، فطرق المعرفة إليها مؤدية، وأنها موصول بعضها ببعض بمفصلة (المفصلة في الحقيقة من أدوات النجارة، ولكنه هنا مجاز إلى التناسق والتآلف)، وأن كل ما يوجد حولنا ونعلمه ونعلم حدوثه يقتضي بالضرورة وجود جواهر، منها تكون الكون كله. (44 ب 6) فالعديمات التناهي ليس لها شكل ولاجزء، وأما المحددات فتكسو العديمات التناهي النظام (الهيئة والصورة والبنية الرياضية). وهذا النظام هو الذي يجعل الأشياء قابلة لأن تعلم وتفهم، ومرد ذلك أن النظام عبارة عن نسبة عددية صالحة للفهم والمعرفة، “فكل معلوم معدود، فإنه لولاالعدد، لما حصل فهم ولاعلم” (44 ب 4). هذا وقد رسم فيلولاوس للكون خريطة ونسج له نظرية ، أقصى فيها الأرض من المركز، وأحل محلها النار[xxxii]، وأخرج للعالم تفسيرات للخسوف جديدة بديعة.

 

و: زينون وميليسوس من فلاسفة إيليين آخرين

لقد قال بارمنيدس بشروط فكرية قاسية لكل ما يترشح لأن يكون محل العلم. ثم من قفاه ممن تبعه في أراءه وفلسفته من الإيليين تناول أدلته بالبحث، ونقب عن نتائجها، وتوسع في الاستنتاج بها وهما زينون صاحب إيليا (المولود خمسمائة إلا عشرا مما قبل الميلاد) وميليسوس صاحب ساموس (عهده حوالي أربعة مائة وعشرين مما قبل الميلاد). أما زينون فزاوج خاصة بين الأدلة العقلية والشهادات الحسية، وقارن بين مقتضيات الأولى ومتطلبات الثانية، وجلا ما بينهما من التنافر والتدابر.[xxxiii] لقد سارت الركبان بمتناقضاته الأربع الحركية التي تقضي بأن الحركة على رغم ما تشهد به الحواس ممتنعة ومستحيلة، فإحدى هذه المتناقضات – وهي تعرف بمتناقضة “بطل آخيل والسلحفاة” – تقول بأن الحركة لاتنطلق، وأخرى – تسمى بمتناقضة الثنائية – تقضي بأن الحركة لاتنتهي، وثالثة – تذكر بمتناقضة الخيول المتحركة – تحكم بأن مفهوم الحركة يستبتع التناقضات، ورابعة – تدعى متناقضة السهم – تدعو إلى استحالة الحركة. ذهب المفكرون المعنيون بمفهومي الزمان والمكان إلى أن الأدلة التي أجاءت زينون إلى التناقضات تتلخص في أمرين، لاثالث لهما. الأول أن الزمان والمكان تياران مستمران غير متقطعين، ويتحسس هذا في المتناقضتين الأوليين، والثاني أنهما تياران متناوبان غير دائمين ويتلمس هذا في المتناقضتين الأخريين.[xxxiv] فالعداء – على حسب متناقضة الثنائية – لايعقل أن يعدو من نقطة أ إلى نقطة ب. فإنه إذا انطلق نحو ب، تحتم أن ينتصف ما بين النقطتين قطعا، ولنسمه ج، ثم إذا ثنينا بنقطة ج، ألفينا أنه لن يصل من أ إلى ج حتى ينتصف ما بينهما، ولنسمه د، ثم إذا ثلثنا بنقطة د، لمسنا أنه لا يبلغ من أ إلى د إلا بعد أن يقطع شطر ما بينهما ولنسمه ح، وهلم جرا من ح إلى ما لانهاية له. فالعداء لن يصل إلى نقطة ب. ويفترض هذا الدليل أن المحطات غير المتناهية لاتقطع في زمان محدود. هذا وقد أبدى زينون أن الكثرة مثل الحركة لاوجود لها، وما هي إلا سراب، فإن مفهوم الكثرة لازب به ما يتناقض(أفلاطون حول بارمنيدس 127 ح 1 ط ط، وزينو في 29 ب 1، 2، 3). ونجد بجنب ذلك من كلام زينون ما يزعم استحالة المكان (29 أ 24) وامتناع التجزؤ (متناقضة الدخن 29 أ 29)

أما ميليسوس الذي استخف أرسطو به غرا وبعض المفكرين المعاصرين له أيضا (ولكن لينظر Makin 2005) فقد احتضن بأبحاث بامنيدس حول سنخ الوجود وطبيعته ورباه بحثا ودراسة.[xxxv] إنه أول قال جهارا بيانا أن الموجود إذا كان لاتحده حدود، فهو واحد متجانس، لو كان اثنان من الموجود من حيث العدد أو الصفة، لانزوى كل عن صاحبه بما يحده  (30 ب 6). هذا وقد تكلم ميليسوس على استحالة الخلاء خاصة، ونأى بجانبه عن إمكان إعادة التشكل والتكون (الأمر الذي يحيا بروحه ويقوم على قوائمه تصور الكون والفساد والحركة، فإن هذه التصورات ينبو عنها وحدة الموجود). اتصل هذا الخيط من التفكير حتى وشجت قرابته بثنائية الحقيقة والمظهر، وجنح إلى أن ما بين الحقيقة والمظهر هوة لاتردم ولاترتق، وشقة لاتدنو ولاتقرب.

 

ز: التعدديون: أناكسجوراس من كلازوميني وأمبذقليس من أكرجاس

لقد رأينا في السطور الماضية أن زينون وميليسوس عملا في الإطار الذي ضربه بارمنيدس مرحبين بثنائية الحقيقة والمظهر في منزع بارمنيدس، ولكن من المفكرين الذين لحقوا بركب تلامذة مدرسة بارمنيدس من قبل موقفه الرافض للكون والفساد أن يكون الموجود الحق مترنحا بينها وموقفه المقرر عدم تحول الموجود الحق ولاتغيره، ولكنه رأى بينه وبين علم الكون القائم على العقل ائتلافا، ولم ير بينها حربا، فيمكن أن نجعل الحقيقة المطلقة رابية عن الكون والفساد وناشزة عن التغيروالتحول ثم نفهم الكون على خطوط عقلية بانسجام واتفاق. من هؤلاء أناكسجوراس وأمبذقليس اللذان كانا على منوال بارمنيدس وخاطا نظاما كونيا منسجما مع ما كانا يرنوان إليه (لاسيما أمبذقليس الذي كان يشرئب إلى أسوة صالحة للحياة).

قال أناكسجوراس في حوالي منتصف القرن الخامس مما قبل الميلاد: “إن الدهماء من اليونان يشتبه عليهم تصورا الكون والفساد، فالحق ألا شيء تفتق عنه أرض الوجود، ولايضل في قبر العدم، وإنما هو ائتلاف وانحلال، فإن تأولوا الكون ائتلاف أشياء، وفسروا الفساد بفكه، أصابوا كبد الحقيقة.”(59 ب 17) والكوائن من نحو الإنسان والنبات والحيوان والقمر والنجوم ليست إلا تركيبات عناصر من نحو الأرض والهواء والنار والماء والشعر واللحم والدم والكثافة والنور والظلمة. والجدير بالذكر أن البحوث الحديثة حول أناكسجوراس تميل إلى أن العناصر في فكره قوى تتجلى وتلقي بظلالها في المركبات.[xxxvi] ثم كانت الأشياء في البداية شيئا واحدا وتركيبة واحدة، وكلها كان متحدا بعضها مع بعض، ولم يصح أن يعد ولايقاس، وكيف يقاس فالذي كان سيوصف بالصغر طليق عن الحدود، فلم يكن له قسمات وملامح، يمتاز بها عن غيره(59 ب 1) فإذا بعقل حكيم رشيد بصير قد قام بإحداث التركيبة.[xxxvii] وهذا العقل كائن مستقل رابئ عن هذه التركيبة، ثم دبت الحركة في التركيبة وتوسعت أمواج هذه الحركة ودوائرها وشملت العناصر المكونة للتركيبة الخالية عن القسمات والملامح، حتى وقع ما يبدو لنا من انفصال الشيء عن الشيء وفتقه عنه، ففعلت الحركة فعل الغربال فكان هذا العالم الذي نشاهده ونلمسه، ولكن أتظنون أن الأشياء انفصل بعضها عن بعض انفصالا ولم يعد بعد ذلك اتصال؟ كلا، بل هي لاتزال متصلة رتقا، ولكن بنحو مختلف عما كان عليه في أول الأمر. فالانفصال وقع، ولكن الاتصال بقي، فكل شيء في كل شيء(59 ب 5، 6، 11) بتناسب، يصغر أو يكبر. فاستطاع صاحبنا بهذا أن يتحرر من سلطان ما يظهر من خروج الكون من العدم، ويفسره تفسيرا، طوى كشحه عن خروج الشيء من العدم لا في الواقع ونفس الأمر فحسب، بل في المظهر أيضا.

أنكسجوراس خطا بالفلسفة خطوة بديعة بعيدة حيث أدرك عقلا حكيما رشيدا مستقلا عن المادة، وعزا إليه الحركة التي دبت في الكون (وإن كان أفلاطون وأرسطاطاليس لم يسترضهما فكر صاحبنا فقد كانت غائيته التي كانت من مكونات فكره الجوهرية – في نظرهما – فجة ولم تر النضج)[xxxviii]، فصاغت الأفلاكَ، وأحدثت كتلَ الأرض وأوجدت البحار، وركضت حصان المظاهر الجوية. عصارة الأمر أن الحركة هي سبب صيرورة الكون في حاله الراهنة وماحواه من الأعيان والمظاهر. فإذا كانت حركات الأفلاك وماتنجلي عنه من المظاهر اليومية في محيطنا سببهما واحد – سواء أفي المستوى الكوني كان أم في المستوى الأرضي (فالدورات التي تتحكم في عجلة حركة النجوم في الأفلاك هي المتكفل بتعاور المواسم وتناوب الحياة والممات في المعمورة)، ففي مستطاعنا أن نفصل مما يظهر ما في الحقيقة ونفس الأمر.[xxxix] صحيح أنا لاندرك جميع الأشياء مجتمعة، وأنا نسير على طريق الاستنتاج والاستنباط للتفسيرات، ولكنه مهيع واصل إلى مرادنا (فإن ضعف الحواس وإن عاق الوصول إلى الحق مباشرة، إلا أن المظاهر مرائي لما توارى خلفها 59 ب 21، 21أ ).

قد كان من معاصري أناكسجوراس مفكر من صقلية، اسمه أمبذقليس، أدرك متانة رأي بارمنيدس وثقل الأدلة التي قدمها بصدد تزييف الكون والفساد. (ومن الجدير بالذكر هنا أن أمبذقليس قفا أثر بارمنيدس في اختيار نفس وزن البحر العروضي الهومري لسرد قصته هو.) فالكون في رأي أمبذقليس مؤلف من أربعة جذور – على حسب تعبيره هو – وهو الأرض والماء والهواء والنار، وتتخلله قوتا الحب والبغض. تفسر نظرية صاحبنا عادة ما بأن الحب يؤلف، والبغض يفرق، ولكنّ لها أغوارا غائرة، وأرجاء بعيدة، فإن كلتيهما لها التأليف والتفريق. أما الحب فيأتي الأشياء المتضادة يأخذ بمجامع بعضها ويثنيه عن بعض ويطفئ فتلية حرابها، ثم يداني ويقرب بين هذا وهذا مرة أخرى، فالحب له تفريق أيضا. وأما البغض فيحرش ما بين الأشياء التي لها تحارب، ويشعل فتيلة الحرب بينها، ثم يعزل بعضها عن بعض، ثم ينزل الأشياء المتوائمة بعضها إلى جنب بعض، ويدنيه إليه، فالبغض له تأليف أيضا. مثل ذا كمثل رسام، يأخذ لوحته ويضيف الألوان بعضها إلى بعض ويمزج بينها، فيبدع منها لوحات حيوية تحكي مشاهد حية كأنها هي. وكذلك تتفاعل فوتا الحب والبغض وتأخذ العناصر الأربعة وتضيف بعضها إلى بعض، وتبدع على لوحة الكون ما نرى من الأشياء من الشجر والبشر والبهائم والطير والسمك والآلهة العتيقة المتعالية (31 ب 17). وهذه الكوائن عند صاحبنا سائرة إلى الزوال، بل إنه يذكر طرقا لصوغ بعض الكوائن وصنعها. فيخبرنا كيف تعجن “أفروديت” إلهة الحب الجسدي الصور (أي الأنواع). فإنها تندي الأرض بماء المطر، ثم توقد عليها لهيب النار حتى تنضج(31 ب 73)، ويحكي لنا طريق جعل العظام (ب 96)، ويخبرنا في موضع (ب 98) أن الدم واللحم لكل منهما طريقة إنتاج واحدة، وهي أن تمتزج الأرض والماء والنار والهواء متساوية في الكم، إلا أن أحدهما أنقى من صاحبه.

هذا وقد لحق أمبذقليس ركب فلاسفة ما قبل سقراط ، الذين قدموا إطارا لعلم الكون، فقدم إطاره هو المتمثل في تنازع الحب والبغض تنازعا دائرا مستمرا، ينحي الحب فيه ما خلفه البغض من الفرقة والشقاق، ويؤلف بين الاشياء المتحاربة فيمنع الأشياء المتوائمة أن يتشبث بعضها ببعض، وهنالك تحصل بفوز الحب الكرة التي هي أمثل مركّب يمكن أن يوجد؛ لأنها وحدها تفتر فيها شرة كل من العناصر المتحاربة أقصى فتور، وتتوائم توائما، لامطمح وراءه. ثم بينما تستمر الكرة متمتعة بالبقاء إذ بالبغض يكر عليها يقطعها إربا إربا، وسبيل البغض إلى ذلك أنه يفصل العنصر ومحاربه حتى يصبح كل متحارب في خيمة وكل متواءم في أخرى، وتتلاشى الكرة. وذلك والحب لايزال يذب عن الاتصال، وينافح الانفصال كي تبقى المتضدات مجتمعة. فانتصار الحب طرف، وانتصار البغض طرف. وأما الكون المنسجم الذي نعلمه فهو مراحل قصد بين هذين الطرفين حيث تعتدل كفتا الحب والبغض.

ولكن هذا لايعني أن صاحبنا أمبذقليس كان شغله الشاغل هو الكون، كلا. بل نلمس فيما أثر من أقواله وآراءه

ما يظهره مطرقا رأسه مفكرا في الإدراك ودوره في المعرفة، ويبديه مقبلا ومدبرا وهو يبعث رسل النظر إلى

وظائف الجسد وينشر عيونه إلى عالم نفس البشر. فهو مثل أتباع المدرسة الفيثاغورية لايقل عنده مسلك الحياة

العملية أهمية عن مسلك الحياة الفكرية، بل كلاهما متشابك مترابط. ويزيد هذا الارتباط شدا وإحكاما أن نلفي

في المصادر التاريخية القديمة إيماء إلى عملين له: أحدهما ما يعرف “بالطبيعة” في الدراسات الحديثة، وهو كما يدل عليه اسمه في علم الكون، والآخر ما يسمى بالتزكية وموضوعه الدين والخلق. لايفتأ الخيط الذي يربط بين هذين الكتابين موضع خلاف إلى الآن، غير أن مخطوطات ستراسبورغ شهدت في عقد التسعين من القرن المنصرم لهذا الارتباط، ولم تدع مجالا للشك في أن علم كون صاحبنا لايكتمل بغير علم أخلاقه، فكانا كندماني جذيمة، لم يتصدعا[xl] وإن كان حبل الدارسون مضطربا حول ما يقال على أساس هذه المخطوطات من أن كلا العملين كان منتظما في سلك قصيدة واحدة. على كل حال، لانستطيع أن نفصل علم الطبيعة عن علم السلوك البشري إن أردنا أن نعطي فكر إمبذقليس حقه، وأن ندرك كما شاء هو (والأمر نفسه نصادف لدى هرقليطس)، فإنك – يقول لك أمبذقليس – لن تدرك كنه الكون بغير أن تحيا حياة مستقيمة. لذلك حظر صاحبنا أشياء مأكولة كما حظرت المدرسة الفيثاغورية أشياء، هذا وقص قصة شبح، له تشخص وهوية، يتناقل في أجساد عدة ويتمقص قمصانا شتى.

 

ح: المذهب الذري فيما قبل سقراط

لقد مر بنا في السطور الماضية أن المدرسة الإيلية قالت بشروط فكرية قاسية لكل ما يترشح لأن يكون محل

العلم من العناصر الجوهرية  فجاء أناكسجوراس وأمبذقليس متجاوبين مع هذه الشروط بأن رحّبا بالتعددية القائمة

على الأصول والعناصر التي تفي بهذه الشروط وتصبغ بصفاتها ما يتركب منها ويترتب. ولكن كان تجاوب الذين

يعرفون بأصحاب المذهب الذري أكثر عمقا وأنزل غورا، فإنهم قالوا بأن الحقيقة هي الأجزاء الذي لاتعد

ولاتحصى، ولاتجزأ ولاتقسم. وهي في جوهرها (لايحدد في شأنه غير أنه صلب) سواء (كما قال أرسطاطاليس في

كتابه “ما بعد الطبيعة”[xli]) ، وإنما يأتي الخلاف بينها في الشكل والمكان والتركيب (وتشير مصادر لاحقة إلى

الخلاف في الثقل أيضا، وهذا منسجم مع ذرية ما بعد أرسطاطاليس ومتطابق، ولكن يبعد أن يواكب ذرية ما

قبل سقراط ). هذا ومن ذهب المذهب الذري مما قبل سقراط – وهما ليوكيبوس وديمقريطوس (ولد ديمقريطوس

في أبديرة، في شمال اليونان، بعيد ولادة سقراط في أثينا، قريبا من سنة أربعمائة وستين مما قبل الميلاد) – قال

بالخلاء ودافع عن وجوده بحماسة، فإن الخلاء هو الفاصل بين الجزء والجزء، والمسئول عن الفروق المذكورة آنفا

(ماعدا الثقل، فإن الخلاء لايفسره؛ لأن الجزء لو حوى خلاء، لأمكن تجزؤه وما بقي جزء لايتجزأ)[xlii]

ويشارك أتباع المنزع الذري إنكسجوراس في أن كل ما يظهر ويعنّ لنا وندركه بحواسنا من الذوات والصفات

ينبثق  من تركب غير واحد من أشياء غير مرئية، والتركب في نظرة النزعة الذرية من الأجزاء غير المتجزئة

والخلاء.[xliii] كل شيء مصنوع من الأجزاء التي لاتتجزأ والخلاء. والمواصفات التي يتصف بها يأتي من أشكال

الأجزاء وترتيبها فيما بينها (وفيما بينها وبين الخلاء). لقد قال ديموقريطوس: “ليس في الحقيقة إلا الأجزاء التي لاتتجزأ

والخلاء. وأما أن نصف هذا بالحلاوة وهذا بالمرارة، وهذا بالسخونة وهذا بالبرودة، وأن نجعل الأشياء ذات

ألوان مختلفة فمن نسج خيالنا واختراع فكرنا، لاغير” (68 ب 125 = ب 9). ونلفي بعد ذلك وجوها شتى

لتفسير هذا التنوع من مفكرين عدة: فثيوفراستوس يرد هذا التنوع وهذا الاختلاف في المذاق إلى شكل

الأجزاء المكونة، “فالحلو – عند ديموقريطوس – ما استدار وكبر كبرا جدا، والمر ما كبر وخشن وزادت

أضلاعه على اثنين ولم يستدر”[xliv] وسيمبليكوس يذكر أن الأجزاء إذا كانت حادة ناعمة وتساوى وانسجم بعضها

مع بعض بعدا ومسافة، كان ما تركب منها حارا ناريا.[xlv] هذا ويمضي ثيوفراستوس قدما وينقل عن الذريين

تفسيرهم للحديد أصلب من الرصاص وأخف منه، فهو أصلب لعدم تنضد أجزاءه وترتبها، وهو أخف لتخلل

خلاء أكثر بينها. وأما الرصاص فهو معاكس لذلك، هو أقل خلاء بين أجزاءه، ولكنها متنضدة، فمتطاوعة للكسر

والقطع أو الحني والثني.[xlvi]

لقد مر بنا آنفا أن ديمقريطوس قال بثنائية الحقيقة والمظهر، وجنح إلى شك في صواب ما يعن لنا ويظهر. لذلك

يحشره بعض المصادر العتيقة (خاصة سيكستوس إمبيريكوس) في زمرة النزعة الشكية، ولكن وجه ذلك خفي.

صحيح أن صاحبنا روي عنه قوله: “الحقيقة أنا لانعلم شيئا، فإن الحق في الأعماق والأغوار”، فالحقيقة لديه ليست في المظاهر والمشاهد، ولكن حتى سيكستوس يبدو مقرا بأن صاحبنا لاينفي إمكان العلم على نفيا إطلاقه، فإنه قال:

“ولكن ديمقريطوس  في كتابه “القواعد” يذكر أن العلم علمان: علم بالحواس، وعلم بالاستدلال. وينسب العلم

بالاستدلال إلى الحقيقة والأصالة ويجعله ثابت النسب حيث تشبث به عند تقرير الحقائق. وأما العلم بالحواس

فيصفه بأنه دخيل ومقطوع النسب حيث يرميه بالتعثر وعدم الثبات على ميزان النقد ومكيال الاختبار. دونك

قوله: ‘العلم نوعان: نوع أصيل وآخر دخيل. وأما الدخيل فبالسامعة والشامة والذائقة والحاسة. وأما الأصيل فرابئ

عنها (68 ب 11)’. ثم يرجح كفة الثاني على كفة الأول وهو يقول: ‘… كلما قصرت الباصرة والسامعة والشامة

والحاسة عن إدراك ما يدق إلا بشيء أرهف …’ “

فتلوح هذه العبارة إلى أن مكنسة الاستدلال والعقل تصفي من طريق الحواس الشوائب ويبصره لنا ليؤدي بنا

إلى الحقائق، (وقول من قال: “المظاهر مرائي غير المرئي” معزو إلى كل من ديمقريطوس وأنكسجوراس). ولكن

الشأن في سلوك هذا الطريق كيف نسلكه؟ فمركب الاستدلال الصحيح – وهو هنا نظرية الذرة والخلاء – نصل به إلى تلك الحقائق.[xlvii]

هذا بعض شذرات ديمقريطوس الموصولة بخيط الطبيعيات ومابعدها، وعزي إليه مع ذلك من الشذرات ما

يرتبط بالخلق والقيمة (وإن كانت صحة نسبتها إليه فيها ما فيها). لقد ذكر أستوبايوس، صاحب أكبر مجموعة أقوال منسوبة إلى مفكري اليونان وفلاسفتهم، اقتباسا، جميع بين الاقتصاد والسرور والحبور وبين الحركات المعتدلة القصيرة في الروح، وربط بين هذا وهذا، وذكر أن الإفراط والتقصير ينجم عنهما حركات طويلة،[xlviii] ولكن هذا منطو على الغموض، فلاندري أ كان هذا موصول الآصرة بنظرية الذرة أم لا. ثم إن كان، فما وجه الصلة؟[xlix]

كان ديمقريطوس مشهورا بفكرة بهجة الخير التي هي المقصد السوي السني في حياة الإنسان. لعله بنظريته هذه

مع أمور أخرى كان مصدر إلهام وإيحاء للمدرسة الإبيقورية التي قامت قوائمها بعده بقرن.

 

ط: ديوجانس الأبولوني والسوفسطائيون

شهد النصف الأخير من القرن الخامس قبل الميلاد إحياء النظام الكوني الملطي ومراجعته على يد ديوجانس الذي كان من أبولونيا (ونلمس نشاطه في صفحات التاريخ لما بعد أربعمائة والأربعين مما قبل الميلاد). فإن صاحبنا أعلن أن “الأشياء كلها ما هي إلا صور مختلفة لأصل واحد، فهي شيء واحد” (64 ب 2) وتصور الهواء هو ذلك الأصل يقفو أثر أنكسمينس الذي يفصل بينهما قرن،[l] وبين باهتمام حقيقته وصفاته. فقد ذكر (ب2) أن التفاعل إلا يكون إلا بين ما يتماثل ويتجانس، لوكانت أصول الاشياء متباينة في “طبائعها الحقة” – على حسب تعبيره، لما تفاعلت ولاأثر بعضها في بعض، ولكن شاهد الحس ينطق بأن الأشياء تتصل وتنفصل ويتفاعل بعضها مع بعض وتسير يدا بيد. فنخلص بالضرورة إلى أنها صور مختلفة لأصل واحد. ثم يقترب صاحبنا من أنكسجوراس حيث يعزو كل شيء إلى عقل حكيم رشيد، وجنح إلى أن ما يسميه الناس الهواء هو ذلك العقل الحكيم الرشيد (ب5). ألا ترى أن كل ذي حياة يحيا بتنفس الهواء، ويتحكم فيه، ففيه الهواء هو الروح وهو العقل (أو الوعي ب4). هذا ويمضي صاحبنا قدما ويصرح بأن الهواء بيده ناصية كل شيء، وعصارة الأمر أنه هو الإله (ب5). ولكن لايذهب علينا أن غائية صاحبنا كانت ناضجة وكان التزامه بها كاملا متسقا حتى صدع بأن العقل ينضد الأشياء نضدا (ب3)، ولم تكن فجة كما كانت نسخة أنكسجوراس. وحيث تقدم ببراهين وأدلة ليعضد به منازعه كان سائرا على الطريق الذي مهده هو لكل دعوى فلسفية، فقد قال (ب1) : “كل من يقدم على التفسير لزمه أن يحدد الأصل الذي انشق منه كل شيء أصلا لانزاع فيه، وأن يكون عرضه واضحا بينا جليا، له وقعه على النفوس”. وكان واثقا بأنه سار على هذا الطريق في دعواه فقد ذكر بنفسه أن الدعوى التي تقدم بها من “أن الهواء هو الروح وهو العقل” عرضت عرضا واضحا بينا جليا في كتابه (ب4)

يذكر ثاوفرسطس أن صاحبنا ديوجانس كان حلقة أخيرة في سلسلة الحكماء الطبيعيين  أو الباحثين في الطبيعة كما يذكرهم أرسطاطاليس. غير أن كاتب التراجم الإغريقي ديوجانس اللايرتي منح هذا الوسام – أي ختم سلسلة الحكماء الطبيعيين – أرخيلاوس الذي قال فيه إنه كان معلم سقراط.[li]

لقد تزامن مع صاحبنا ثلة من المفكرين ناشطون، وهم السوفسطائيون. جل ما نعرفه عنهم هو عن طريق ما صورهم به أفلاطون في محاوراته صورة سيئة غاية السوء حيث وازن بين سقراط، حكيما حقيقا والسوفسطائية معلمين لشبيبة مشرئبة إلى النضج سائرة على الدرب المؤدي إلى الإحكام والحنكة (وسقراط كذلك شغل الشبيبة بحواره وأسئلته). ولكن الدراسة الجديدة[lii] تقف موقف مختلفا مما يظهر من كتابات أفلاطون، فإنها أخرجت من خفايا التاريخ وزوايا الكتب ما يبدي أن السوفسطائيين لم يكونون أصحاب منزع واحد، بل كانوا شيعا، ثم لم يكن عندهم تام العزوف عن المباحث التجريدية التي أهمت غيرهم من فلاسفة ما قبل سقراط. لقد عالج جورجياس الذي كان من لنتيني، إمكان اليقين الذي سعى وراءه بارمنيدس، وأظهر في كتاب “في الطبيعة” أو “في غير الكائن” أن الشروط التي شرطها بارمنيدس للموجود لايستوفيها شيء كائنا ما كان، وإذا ذهبت تطبق هذه الشروط على أي شيء، تؤامر فيه النفسين، ولم يستقر لك فيه رأي،[liii] ووافقه بروتاجوراس كذلك حيث نظر بعين الريبة إلى ما كان يشفع له فلاسفة ما قبل سقراط من إمكان العلم النظري القطعي المجزوم به. على كل حال، لقد أثار السوفسطائيون أسئلة حول القيمة والأخلاق وحول السياسة. وكان من بين ما أثاروا أن سألوا وقالوا: “أيما أساس القانون أو العرف: الطبيعة أو الحق؟”، كانوا توسد إليهم حقائب السفارة بكثرة ووفرة، فجابوا البلاد، وعلموا، ولكن كسوا التعليم حلة التسلية والنزهة، ونزعوا عنه ما كان يرتدي من قميص الجفاف والصرامة، واستعرضوا عضلاتهم البلاغية في الملأ (ولكن الجدير بالذكر هنا أن ما روى ديوجانس الأبولوني حول مسير كتابه يبدو مشيرا إلى توظيف الأدوات البلاغية بتكتيم واستخفاء)، وأغروا الناس بأن يسندو إليهم ركبتي التلمذة، ودربوهم في ألوان الكلام وفنون البيان، وخرجوهم في مهارات السياسة المطلوبة في جو اليونان السياسي آنذاك. ولئن كانت الفلسفة اليونانية صبغت بالصبغة الخلقية السياسية، إن السوفسطائيين كان لهم في ذلك ذَنوب كبير وحظ وفير.

 

ي: تراث فلاسفة ما قبل سقراط

لم تكن أعمال فلاسفة ما قبل سقراط مقصورة على الطبيعيات، بل امتدت أطنابها إلى الطبيعيات والدين والأخلاق وطبائع الإدراك والفهم والتفسير العلمي والرياضة وعلم الظواهر الجوية ومكانة المادة والصورة والسببية في هذا العالم. يكاد جميع هؤلاء الفلاسفة نجد لكل منهم رأيا مما ينخرط إلى علم الأجنة. ويظهر من اقتباسات ديوجانس الأبولوني وأمبذقليس بالغ اهتمامهما ببتشريح الجسد، وما تفتأ دراسة الفكر اليوناني العتيق تزداد إقبالا على نقاط الاشتراك بين الفلسفة القديمة والطب القديم.[liv] هذا و تجلي المخطوطات البردية المحفور عنها  مثل ما عثر عليه في مدينة ديرفيني[lv] أن هؤلاء الفلاسفة الأوائل ليس ضروريا أن كانوا خاملين ومحصورا ذكرهم وفكرهم على شريحة ضيقة من المثقفين. ثم هم سلف ما أضحى قطب رحى في دراسات أفلاطون وأرسطو، بل في الفكر الغربي كله.

 


ك: قائمة المراجع

۱: المصادر الأولية (النصوص والترجمات)

  • Bollack, J., 1965 and 1969,Empédocle, vol. I, 1965; vols. II and III, 1969, Paris: Les Éditions de Minuit.
  • Coxon, A. H., 2009,The Fragments of Parmenides: A Critical Text with Introduction and Translation, the Ancient Testimonia, and a Commentary, edited and with new translations by Richard McKirahan, Las Vegas: Parmenides Publishing.
  • Curd, P., 2007,Anaxagoras of Clazomenae: Fragments. Text and Translation with Notes and Essays, Toronto: University of Toronto Press.
  • Diels, H., 1879,Doxographi Graeci, 4th ; reprinted Berlin: de Gruyter, 1965.
  • Diels, H. and W. Kranz, 1974,Die Fragmente der Vorsokratiker, three vols., original edn. 1903; reprint of 6th , Berlin: Weidmann.
  • Gallop, D., 1984,Parmenides of Elea: Fragments, Toronto: University of Toronto Press.
  • Graham, D. W. (ed.), 2010,The Texts of Early Greek Philosophy: The Complete Fragments and Selected Testimonies of the Major Presocratics, two volumes, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Huffman, C., 1993,Philolaus of Croton: Pythagorean and Presocratic, Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 2005,Archytas of Tarentum: Pythagorean, Philosopher, and Mathematician King, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Inwood, B., 1992,The Poem of Empedocles: A Text and Translation with an Introduction, Toronto: University of Toronto Press. Second ed., 2001.
  • Kahn, C. H., 1979,The Art and Thought of Heraclitus, Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 1985a,Anaximander and the Origins of Greek Cosmology, corrected reprint of Columbia University Press edn., 1960; Philadelphia: Centrum Philadelphia; repr. Indianapolis and Cambridge, Mass.: Hackett, 1994.
  • Kirk, G. S., 1954,Heraclitus: The Cosmic Fragments, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Kouremenos, Theokritos; George M. Parássoglou; Kyriakos Tsantsanoglou; 2006,The Derveni Papyrus. Edited with Introduction and Commentary. Studi e testi per il “Corpus dei papiri filosofici greci e latini”, vol. 13, Florence: Casa Editrice Leo S. Olschki.
  • Laks, A., 2008,Diogène d’Apollonie: La Dernière Comologie Présocratique, 2nd edition: Sankt Augustin: Academia Verlag.
  • Lanza, D., 1966,Anassagora: Testimonianze e Frammenti, Florence: La Nuova Italia.
  • Lesher, J., 1992,Xenophanes of Colophon: Fragments, Toronto: University of Toronto Press.
  • Luria, S., 1970,Democritea, Leningrad: Nauka.
  • Marcovich, M., 1967,Heraclitus: Greek Text with a Short Commentary (Editio Maior), Merida, Venezuela: Los Andes University Press.
  • Martin, A. and O. Primavesi, 1999,L’Empédocle de Strasbourg, Berlin: Walter de Gruyter.
  • Mouraviev, S., 1999–,Heraclitea : Édition critique complète des témoignages sur la vie et l’oeuvre d’Héraclite d’Éphèse et des vestiges de son livre et de sa pensée. 9+ vols., Sankt Augustin: Academia Verlag.
  • O’Brien, D. (with J. Frère), 1987Le Poème de Parménide: Texte, Traduction, Essai Critique = P. Aubenque (gen. ed.), Études sur Parménide, i. Paris: J. Vrin.
  • Primavesi, O., 2008,Empedokles Physika I: Eine Rekonstruktion des zentralen Gedankegangs, Berlin: Walter de Gruyter.
  • Reale, G., 1970,Melisso: Testimonianze e Frammenti, Florence: La Nuova Italia.
  • Robinson, T. M., 1979,Contrasting Arguments: An Edition of the Dissoi Logoi,, New York: Arno Press.
  • –––, 1987,Heraclitus: Fragments, Toronto: University of Toronto Press.
  • Sider, D., 2005,The Fragments of Anaxagoras: Edited with an Introduction and Commentary, 2nd, Sankt Augustin: Academia Verlag.
  • Sprague, R. K. (ed.), 2001,The Older Sophists, Indianapolis and Cambridge MA: Hackett Publishing; corrected reprint of 1972 edition; Columbia, SC: University of South Carolina Press.
  • Taylor, C. C. W., 1999,The Atomists: Leucippus and Democritus, Toronto: University of Toronto Press.
  • Tarán, L., 1965,Parmenides, Princeton: Princeton University Press.
  • Wright, M. R., 1981,Empedocles: The Extant Fragments, New Haven: Yale University Press.

۲: الأعمال الثانوية

ملحوظة: إن الأعمال المعزو إليها فيا تحت تحوي مقالات، لم نذكرها مفردة هنا

  • Algra, K., 1995,Concepts of Space in Greek Thought, Leiden: E.J. Brill.
  • ––– 1999, “The Beginnings of Cosmology,” in Long, 1999: 45–
  • Austin, S., 1986,Parmenides: Being, Bounds, and Logic, New Haven: Yale University Press.
  • –––, 2007,Parmenides and the History of Dialectic: Three Essays, Las Vegas: Parmenides Publishing.
  • Baltussen, H., 2000,Theophrastus against the Presocratics and Plato: Peripatetic Dialectic in the, De Sensibus, Leiden and Boston: Brill.
  • Barnes, J., 1982,The Presocratic Philosophers, 2nd edition, London: Routledge and Kegan Paul.
  • Betegh, G., 2004,The Derveni Papyrus: Cosmology, Theology and Interpretation, Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 2007, “On the Physical Aspect of Heraclitus’ Psychology,” Phronesis, 52: 3–
  • –––, 2009, “The Limits of Soul: Heraclitus B45 DK. Its Text and Interpretation,” in Hülz Piccone 2009: 391–
  • –––, 2013, “On the Physical Aspect of Heraclitus’ Psychology: With New Appendices,” in Sider and Obbink 2013: 225–
  • Brown, L. 1994, “The verb ‘to be’ in Greek Philosophy: Some Remarks,” in S. Everson, ed., Companions to Ancient Thought 3, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Brunschwig, J. and G.E.R. Lloyd, 2000,Greek Thought: A Guide to Classical Knowledge, Cambridge, Mass.: The Belknap Press of Harvard University Press.
  • Bryan, J., 2012,Likeness and Likelihood in the Presocratics and Plato, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Burkert, W., 1972,Lore and Science in Ancient Pythagoreanism, E. L. Minar, Jr. (trans.), Cambridge, Mass.: Harvard University Press.
  • –––, 2008, “Prehistory of Presocratic Philosophy in an Orientalizing Context,” in Curd and Graham 2008: 55–
  • Burnet, J., 1930,Early Greek Philosophy, 4th edn., London: Adam and Charles Black.
  • Cartledge, P., 1999,Democritus, New York: Routledge.
  • Caston, V., 2002, “Gorgias on Thought and its Objects,” in Caston and Graham 2002: 205–
  • Caston, V. and D. Graham (eds.), 2002,Presocratic Philosophy: Essays in Honor of A. P. D. Mourelatos, Aldershot: Ashgate Publishing Co.
  • Cherniss, H., 1935,Aristotle’s Criticism of Presocratic Philosophy, Baltimore: Johns Hopkins Press.
  • Cordero, N., 2004,By Being, It Is, Las Vegas: Parmenides Publishing.
  • Cornelli, G, 2013In Search of Pythagoreanism: Pythagoreanism as an Historiographical Category, Berlin: De Gruyter.
  • Cornelli, G., R. McKirahan, and C. Macris, (eds.), 2013,On Pythagoreanism, Berlin: De Gruyter.
  • Curd, P., 2004,The Legacy of Parmenides: Eleatic Monism and Later Presocratic Thought, Princeton: Princeton University Press, 1998, rev. edn. Las Vegas: Parmenides Press.
  • –––, 2006, “Gorgias and the Eleatics,” in Sassi 2006, 183–
  • –––, 2011, “New Work on the Presocratics,” Journal of the History of Philosophy, 49: 1–
  • –––, 2013, “The Divine and the Thinkable: Toward an Account of the Intelligible Cosmos,”Rhizomata, 1: 217–
  • –––, forthcoming (a), “Presocratic Accounts of Perception and Cognition,” in J. Sisko, (ed.),Philosophy of Mind in Antiquity.
  • –––, forthcoming (b), “Presocratic Natural Philosophy,” in L. Taub (ed.),The Cambridge Companion to Ancient Greek and Roman Science.
  • Curd, P. and D. H. Graham (eds.), 2008,The Oxford Handbook of Presocratic Philosophy, New York: Oxford University Press.
  • Dilcher, R., 1995,Studies in Heraclitus, Hildesheim: Georg Olms.
  • –––, 2006, “Parmenides on the Place of Mind,” in King 2006, 31–
  • –––, 2013, “How Not to Conceive Heraclitean Harmony,” in Sider and Obbink 2013, 263–
  • van der Eijk, P., 2008, “The Role of Hippocratic Medicine in the Formation of Early Greek Thought,” in Curd and Graham 2008: 385–
  • Frede, D. and B. Reis, (eds.), 2009,Body and Soul in Ancient Philosophy, Berlin: de Gruyter.
  • von Fritz, K., 1943, “NOOS and NOEIN in the Homeric Poems,” Classical Philology, 38: 79–
  • –––, 1945 and 1946, “NOOS, NOEIN, and their Derivatives in Presocratic Philosophy (excluding Anaxagoras) I,” Classical Philology, 40: 223–242; and II “The Post-Parmenidean Period,” Classical Philology, 41: 12–
  • Furley, D., 1967,Two Studies in the Greek Atomists, Princeton: Princeton University Press.
  • –––, 1983, “Weight and Motion in Democritus’ Theory,” Oxford Studies in Ancient Philosophy, 1: 193–
  • –––, 1987,The Greek Cosmologists, Vol. I: The Formation of the Atomic Theory and its Earliest Critics, Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 1989,Cosmic Problems: Essays on Greek and Roman Philosophy of Nature, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Furley, D. J. and R.E. Allen (eds.) 1970 and 1975,Studies in Presocratic Philosophy, 2 vols., London: Routledge and Kegan Paul.
  • Furth, M., 1991, “A ‘Philosophical Hero?’ Anaxagoras and the Eleatics,” Oxford Studies in,Ancient Philosophy, 9: 95–
  • ––– 1993, “Elements of Eleatic Ontology,” in A. P. D. Mourelatos 1993, 241–
  • Gemelli Marciano, M. L., 2002, “Le contexe culturel des Présocratiques: adversaires et destinataires,” in Laks and Louguet, 2002: 83–
  • –––, 2008, “Images and Experience: at the Root of Parmenides’Aletheia,” Ancient Philosophy, 28: 83–
  • Gill, M. L. and P. Pellegrin (eds.), 2006,A Companion to Ancient Philosophy, Oxford: Blackwell.
  • Graham, D. W., 1997, “Heraclitus’ Criticism of Ionian Philosophy,” Oxford Studies in Ancient Philosophy, 15: 1–
  • –––, 2004, “Was Anaxagoras a Reductionist?” Ancient Philosophy, 24: 1–
  • –––, 2006,Explaining the Cosmos: The Ionian Tradition of Scientific Philosophy, Princeton: Princeton University Press.
  • –––, 2013,Science Before Socrates: Parmenides, Anaxagoras, and the New Astronomy, Oxford: Oxford University Press.
  • Granger, H., 2000, “Death’s Other Kingdom: Heraclitus on the Life of the Foolish and the Wise,” Classical Philology, 95: 260–
  • –––, 2010, “The Proem of Parmenides’ Poem,” Ancient Philosophy, 28: 1–
  • –––, 2013, “Early Natural Theology: The Purification of the Divine Nature,” in Sider and Obbink 2013: 163–
  • Gregory, A., 2007,Ancient Greek Cosmogony, London: Duckworth.
  • –––, 2013,The Presocratics and the Supernatural: Magic, Philosophy, and Science in Early Greece, London: Bloomsbury.
  • Grünbaum, A., 1967,Modern Science and Zeno’s Paradoxes, Middletown: Connecticut Wesleyan University Press.
  • Guthrie, W. K. C., 1962, 1965, 1969,A History of Greek Philosophy, Vols. I, II, and III Cambridge: Cambridge University Press, 1965.
  • Hankinson, R. J., 2008, “Reason, Cause, and Explanation in Presocratic Philosophy,” in Curd and Graham, 2008: 434–
  • Hasper, P. 1999, “The Foundations of Presocratic Atomism,” Oxford Studies in Ancient Philosophy, 27, 1–
  • –––, 2006, “Zeno Unlimited,” Oxford Studies in Ancient Philosophy, 30: 49–
  • –––, 2013, “Leucippus and Democritus,” in Sheffield and Warren 2013: 65–78
  • Heidel, W. A., 1906, “Qualitative Change in Pre-Socratic Philosophy,” Archiv für Geschichte der Philosophie, 19 (n.s. 12): 333–
  • –––, 1913, “On Certain Fragments of the Pre-Socratics: Critical Notes and Elucidations,” Proceedings of the American Academy of Arts and Sciences, 48: 681–
  • Hermann, A., 2004,To Think Like God. Pythagoras and Parmenides: The Origins of Philosophy, Las Vegas: Parmenides Publishing.
  • Hölscher, U., 1970, “Anaximander and the Beginnings of Greek Philosophy,” in Furley and Allen 1975, 281–
  • Huffman, C. A., 1999, “The Pythagorean Tradition,” in Long 1999, 66–
  • –––, 2009, “The Pythagorean Conception of the Soul from Pythagoras to Philolaus,” in Frede and Reis 2009: 21–
  • –––, (ed.), 2014,A History of Pythagoreanism, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Huggett, N. (ed.), 1999,Space from Zeno to Einstein: Classic Readings with a Contemporary Commentary, Cambridge, MA: MIT Press.
  • Hülz Piccone, E., (ed.), 2009,Nuevos Ensayos sobre Heráclito: Actas del Symposium Heracliteum Secundum, Mexico City: UNAM.
  • –––, 2013, “Heraclitus onLogos: Language, Rationality, and the Real,” in Sider and Obbink 2013: 281–
  • Hussey, E., 1972,The Presocratics, London: Duckworth.
  • –––, 1982, “Epistemology and Meaning in Heraclitus,” in M. Schfield and M. Nussbaum (eds.),Language and Logos: Studies in Ancient Greek Philosophy, Cambridge: Cambridge University Press: 33–
  • –––, 1999, “Heraclitus,” in Long 1999: 88–
  • –––, 2006, “Parmenides on Thinking,” in King 2006: 13–
  • Inwood, B., 1986, “Anaxagoras and Infinite Divisibility,” Illinois Classical Studies, 11: 17–
  • Janko, R., 2001, “The Derveni Papyrus (Diagoras of Melos,Apopyrgizontes Logoi?): A New Translation,” Classical Philology, 96: 1–
  • Johansen, T., forthcoming, “Parmenides’ Likely Story” Oxford Studies in Ancient Philosophy.
  • Kahn, C., 1978, “Why Existence does not Emerge as a Distinct Concept in Greek Philosophy,” Archiv für Geschichte der Philosophie, 58: 323–
  • –––, 1985b, “Democritus and the Origins of Moral Psychology,” American Journal of Philology, 106: 1–
  • –––, 2001,Pythagoras and the Pythagoreans, Indianapolis: Hackett.
  • –––, 2003, “Writing Philosophy,” in H, Yunis (ed.),Written Texts and the Rise of Literate Culture, Cambridge: Cambridge University Press: 139–
  • Kerferd, G. B., 1955/56, “Gorgias on Nature or That Which Is Not,” Phronesis, 1: 3–
  • –––, 1969, “Anaxagoras and the Concept of Matter before Aristotle,” Bulletin of the,John Rylands Library, 52: 129– Reprinted in A.P.D. Mourelatos 1993: 489–503.
  • –––, 1981,The Sophistic Movement, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Keyser, P. and Georgia L. Irby-Massie (eds.), 2007,The Routledge Biographical Encyclopedia of Ancient Natural Science, Oxford: Routledge.
  • King, R. A. H., (ed.), 2006,Common to Body and Soul: Philosophical Approaches to Explaining Living Behaviour in Greco-Roman Antiquity, Berlin and New York: de Gruyter.
  • Kingsley, P., 1995,Ancient Philosophy, Mystery, and Magic: Empedocles and Pythagorean Tradition, Oxford: Clarendon Press.
  • –––, 2002, “Empedocles for the New Millennium,” Ancient Philosophy, 22: 333–
  • Kirk, G. S., J. E. Raven, and M. Schofield, 1983,The Presocratic Philosophers, 2nd edition, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Laks, A., 1993, “Mind’s Crisis: On Anaxagoras’ NOUS,” The Southern Journal of Philosophy, 3 (Supplementary Volume): 19–
  • –––, 1999, “Soul, Sensation, and Thought,” in Long 1999: 250–
  • –––, 2006,Introduction à la philosophie présocratique, Paris: Presses Universitaires de France.
  • –––, 2008a, “Speculating about Diogenes of Apollonia,” in Curd and Graham 2008: 353–
  • Laks, A. and C. Louguet (eds.), 2002,Qu’est-ce que la Philosophie présocratique?, Lille: Presses Universitaires du Septentrion.
  • Laks, A. and G. Most (eds.), 1997,Studies on the Derveni Papyrus, Oxford: Oxford University Press.
  • Lee, Mi-Kyoung, 2005,Epistemology after Protagoras. Responses to Relativism in Plato, Aristotle, and Democritus, Oxford: Clarendon Press.
  • Lesher, J. H., 1991, “Xenophanes on Inquiry and Discovery: An Alternative to the ‘Hymn to Progress’ Reading of Xenophanes’ fragment 18,” Ancient Philosophy, 11: 229–
  • –––, 1994, “The Emergence of Philosophical Interest in Cognition,” Oxford Studies in Ancient Philosophy12: 1–
  • –––, 1995, “Mind’s Knowledge and Powers of Control in Anaxagoras DK B12,” Phronesis, 40: 125–
  • –––, 2008, “The Humanizing of Knowledge in Presocratic Thought,” in Curd and Graham, 2008, 458–
  • Lloyd, G. E. R., 1966,Polarity and Analogy: Two Types of Argumentation in Early Greek Thought, Cambridge: Cambridge University Press, 1966; reprinted 1987 and 1992, Geo. Duckworth & Co., and Hackett Publishing Co.
  • Long, A. A., 1993, “Empedocles’ Cosmic Cycle in the ‘Sixties,’” in Mourelatos 1993: 397–
  • –––, 2009, “Heraclitus on Measure and the Explicit Emergence of Rationality,” in Frede and Reis 2009: 87–
  • –––, 1996, “Parmenides on Thinking Being,” in J. Cleary, (ed.),Proceedings of the Boston Area Colloquium in Ancient Philosophy, 12, Lanham MD: University Press of America: 125–
  • Long, A. A. (ed.), 1999,The Cambridge Companion to Early Greek Philosophy, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Longrigg, J., 1963, “Philosophy and Medicine: Some Early Interactions,” Harvard Studies in Classical Philology, 67: 147–
  • Mackenzie, M. M., 1988, “Heraclitus and the Art of Paradox,” Oxford Studies in Ancient Philosophy, 6: 1–
  • Makin, S., 1982, “Zeno on Plurality,” Phronesis, 27: 223–
  • –––, 1989, “The Indivisibility of the Atom,” Archiv für Geschichte der Philosophie, 71: 125–
  • –––, 2005, “Melissus and his Opponents: The Argument of DK 30 B 8,” Phronesis, 50: 263–
  • Mansfeld, J., 1964,Die Offenbarung des Parmenides and die Menschliche Welt, Assen: Van Gorcum.
  • –––, 1985, “Historical and Philosophical Aspects of Gorgias’ ‘On What is Not’,” in L. Montoneri and F. Romano (eds.),Gorgia e la Sofistica: Atti del convegno internazionale, Lentini-Catania, 12-15 dicembre 1983, Siculorium Gymnasium, N.S. a38, nos. 1–2 (Catania: Università di Catania, 1985), reprinted in Mansfeld, 1990: 243–
  • –––, 1990,Studies in the Historiography of Greek Philosophy, Assen: Van Gorcum.
  • –––, 1999, “Sources,” in Long 1999: 22–
  • Mansfeld, J. and D. T. Runia, 1997,Aë The Method and Intellectual Context of a Doxographer, Vol. I: The Sources, Leiden and Boston: E. J. Brill.
  • –––, 2009,Aë The Method and Intellectual Context of a Doxographer, Vol. II: The Compendium, two parts, Leiden and Boston: E. J. Brill.
  • –––, 2010,Aë The Method and Intellectual Context of a Doxographer, Vol. III: Studies in the Doxographical Traditions of Ancient Philosophy, Leiden and Boston: E. J. Brill.
  • McCoy, J. (ed.), 2013,Early Greek Philosophy: The Presocratics and the Emergence of Reason, Washington: Catholic University Press of America.
  • McDiarmid, J. B., 1953, “Theophrastus on the Presocratic Causes,” Harvard Studies in Classical Philology, 61: 85–
  • McKirahan, R., 2005, “Zeno of Elea” in D. M. Borchert (ed.),Encyclopedia of Philosophy, (2nd), New York: Thomson Gale, vol. 9, 871–879.
  • –––, 2008, “Signs and Arguments in Parmenides B8,” in Curd and Graham 2008: 189–
  • –––, 2011,Philosophy Before Socrates, 2nd edition, Indianapolis: Hackett Publishing Co.
  • Menn, S., 1995,Plato on God as Nous, Carbondale: Southern Illinois University Press.
  • Mogyoródi, E., 2002, “Xenophanes as a Philosopher: Theology and Theodicy,” in Laks and Louguet 2002, 253–
  • –––, 2006, “Xenophanes’ Epistemology and Parmenides’ Quest for Knowledge,” in M. M Sassi, 2006, 123–
  • Mourelatos, A. P. D., 2008,The Route of Parmenides, Las Vegas: Parmenides Publishing; revised and expanded edition of 1971, New Haven: Yale University Press.
  • –––, 1987a, “Quality, Structure, and Emergence in Later Presocratic Philosophy,” in J. Cleary (ed.),Proceedings of the Boston Area Colloquium in Ancient Philosophy, 2, Lanham, MD: University Press of America: 127–
  • –––, 1987b, “Gorgias on the Function of Language,” Philosophical Topics, 15: 135–
  • –––, 2008, “The Cloud-Astrophysics of Xenophanes and Ionian Material Monism,” in Curd and Graham 2008: 134–
  • –––, 2013, “Parmenides, Greek Astronomy, and Modern Scientific Realism,” in McCoy 2013: 91–
  • Mourelatos, A. P. D. (ed.), 1993,The Pre-Socratics, Garden City, N.Y.: Doubleday, 1974; reprinted Princeton: Princeton University Press.
  • Nehamas, A., 2002, “Parmenidean Being/Heraclitean Fire,” in Caston and Graham 2002: 45–
  • Nussbaum, M. 1972, “Psychein Heraclitus,” Phronesis, 17: 1–16; 153–
  • O’Brien, D., 1969,Empedocles’ Cosmic Cycle, Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 1981,Theories of Weight in the Ancient World, Vol. I: Democritus on Weight and Size: An Exercise in the Reconstruction of Early Greek Philosophy, Paris: Les Belles Lettres.
  • –––, 1995, “Empedocles Revisited,” Ancient Philosophy, 15: 403–
  • Osborne, C., 1987a,Rethinking Early Greek Philosophy: Hippolytus of Rome and the Presocratics, Ithaca, NY: Cornell University Press.
  • –––, 1987b, “Empedocles Recycled,” Classical Quarterly, 37: 24–
  • –––, 1998, “Was Verse the Default Form for Presocratic Philosophy?” in C. Atherton, (ed.),Form and Content in Didactic Poetry, Bari: Levante: 23–
  • –––, 2000, “Rummaging in the Recycling Bins of Upper Egypt: A discussion of A. Martin and O. Primavesi,” L’Empédocle de Strasbourg,Oxford Studies in Ancient Philosophy, 18: 329–
  • –––, 2005, “Sin and Moral Responsibility in Empedocles’ Cosmic Cycle” in Pierris 2005, 283–
  • Owen, G. E. L., 1957/58, “Zeno and the Mathematicians,” Proceedings of the Aristotelian Society, 58: 199–222; revised edn. in Owen 1986: 45–
  • –––, 1960, “Eleatic Questions,” Classical Quarterly, 10: 84– Reprinted with additional notes in Furley and Allen, vol. II: 48–81; revised edn. in Owen, 1986, 3–26.
  • –––, 1986,Logic, Science, and Dialectic: Collected Papers in Greek Philosophy, Ithaca: Cornell University Press.
  • Palmer, J., 1999,Plato’s Reception of Parmenides, Oxford: Clarendon Press.
  • –––, 2004, “Melissus and Parmenides,” Oxford Studies in Ancient Philosophy, 26: 19–
  • –––, 2009,Parmenides and Presocratic Philosophy, Oxford: Oxford University Press.
  • Patterson, R; V. Karasmanis, and A. Hermann, 2012,Presocratics and Plato: Festchrift at Delphi in Honor of Charles Kahn, Las Vegas, Zurich, Athens: Parmenides Publishing.
  • Pierris, A. (ed.), 2005,The Empedoclean Kosmos: Structure, Process, and the Question of Cyclicity, Patras: Institute for Philosophical Research.
  • Popper, K. 1998,The World of Parmenides, London and New York: Routledge.
  • Primavesi, O., 2008, “Empedocles: Physical Divinity and Allegorical Myth,” in Curd and Graham 2008: 250–
  • Raven, J. E., 1948,Pythagoreans and Eleatics, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Riedwig, C., 2002,Pythagoras, His Life, Teaching, and Influence, Ithaca and London: Cornell University Press.
  • Robbiano, C. 2007,Becoming Being: On Parmenides’ Transformative Philosophy, Sankt Augustin: Academia Verlag.
  • Rowett, C. 2013, “Philosophy’s Numerical Turn: Why the Pythagoreans’ Interest in Numbers is Truly Awesome,” in Sider and Obbink 2013: 3–
  • Runia, D. T., 2008, “The Sources for Presocratic Philosophy,” in Curd and Graham 2008: 27–
  • Salmon, W. C., 2001,Zeno’s Paradoxes, 2nd , Indianapolis: Hackett Publishing.
  • Sassi, M. M. (ed.), 2006,La costruzione del discorso filosofico nell’ età dei Presocratici, Pisa: Edizioni della Normale.
  • Schofield, M., 1980,An Essay on Anaxagoras, Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 1991, “Heraclitus’ Theory of Soul and its Antecedents,” in S. Everson, (ed.),Psychology, Cambridge: Cambridge University Press: 13–
  • –––, 1997, “The Ionians,” in Taylor, 1997b: 47–
  • Sedley, D., 1982, “Two Conceptions of Vacuum,” Phronesis, 27: 175–
  • –––, 1999, “Parmenides and Melissus,” in Long, 1999: 113–
  • –––, 2007,Creationism and its Critics in Antiquity, Berkeley: University of California Press.
  • –––, 2008, “Atomism’s Eleatic Roots,” in Curd and Graham, 2008: 305–
  • Sheffield F. and J. Warren (eds.), 2013,Routledge Companion to Ancient Philosophy, New York: Routledge.
  • Sider, D., 2013, “Heraclitus’ Ethics” in Sider and Obbink 2013: 321–
  • Sider, D. and D. Obbink (eds.), 2013,Doctrine and Doxography: Studies on Heraclitus and Pythagoras, Berlin: de Gruyter.
  • Solmsen, F., 1969, “The ‘Eleatic One’ in Melissus,” Mededelingen der Koninklijke Nederlandse Akademie van Wetenschappen, Afd. Letterkunds, Nieuwe Reeks 32/8: 221–
  • –––, 1971, “The Tradition about Zeno of Elea Re-examined,” Phronesis, 16: 116–
  • –––, 1988, “Abdera’s Arguments for the Atomic Theory,” Greek, Roman, and Byzantine Studies, 29: 59–
  • Sorabji, R., 1988,Matter, Space, and Motion: Theories in Antiquity and their Sequel, Ithaca, NY: Cornell University Press.
  • Stokes, M., 1971,One and Many in Presocratic Philosophy, Washington, DC: The Center for Hellenic Studies.
  • Strang, C., 1963, “The Physical Theory of Anaxagoras,” Archiv für Geschichte der Philosophie, 45: 101–
  • Taylor, C.C.W., 1997a, “Anaxagoras and the Atomists,” in C.C.W. Taylor (ed.), 1997b 208–
  • –––, (ed.), 1997b,Routledge History of Philosophy, Vol. I: From the Beginning to Plato, London and New York: Routledge.
  • Trépanier, S., 2003, “Empedocles on the Ultimate Symmetry of the World,” Oxford Studies in Ancient Philosophy, 24: 1-57.
  • –––, 2004,Empedocles: An Interpretation, New York: Routledge.
  • Vegetti, M., 1999, “Culpability, Responsibility, Cause: Philosophy, Historiography, and Medicine in the Fifth Century,” in Long, 1999: 271–
  • Vlastos, G., 1945 and 1946, “Ethics and Physics in Democritus,” Philosophical Review, 54: 578–592 and 55: 53–64; reprinted in Vlastos 1995: 328–
  • –––, 1947, “Equality and Justice in Early Greek Cosmologies,” Classical Philology, 42: 156–178; reprinted in Vlastos 1995: 57–
  • –––, 1950, “The Physical Theory of Anaxagoras,” Philosophical Review, 59: 31–57; reprinted in Vlastos 1995: 303–
  • –––, 1967, “Zeno of Elea,” in P. Edwards (ed.),Encyclopedia of Philosophy (Volume 8), New York: MacMillan, 369–
  • –––, 1975, “Plato’s Testimony Concerning Zeno of Elea,” Journal of Hellenic Studies, 95: 136–
  • –––, 1995,Studies in Greek Philosophy, Vol. I: The Presocratics, D. W. Graham (ed.), Princeton: Princeton University Press.
  • Warren, J., 2007,Presocratics, Tedington: Acumen.
  • –––, 2007, “Anaxagoras on Perception, Pleasure, and Pain,” Oxford Studies in Ancient Philosophy, 33: 19–
  • Wardy, R. B. B., 1988, “Eleatic Pluralism,” ArchivfürGeschichteder Philosophie, 70: 125–
  • Waterfield, R., 2000,The First Philosophers, Oxford: Oxford University Press.
  • West, M. L., 1971,Early Greek Philosophy and the Orient, Oxford: Oxford University Press.
  • White, S., 2002, “Thales and the Stars,” in Caston and Graham 2002, 3–
  • –––, 2008, “Milesian Measures,” in Curd and Graham 2008: 89–
  • Wright, M.R. 2008, “Presocratic Cosmologies,” in Curd and Graham 2008: 413–
  • Woodruff, P. and M. Gagarin, 2008, “The Sophists,” in Curd and Graham 2008: 365–
  • Zeller, E., 1923,Die Philosophie der Griechen in ihrer Geschichtlichen Entwicklung, W. Nestle (ed.), 7th , Leipzig: O. R. Reisland.
  • Zeyl, D., 1997,Encyclopedia of Classical Philosophy, Westport, CT: Greenwood Press.
  • Zhmud, L., 1997,Wissenschaft, Philosophie und Religion Im Frühen Pythagoreismus, Berlin: Akademie Verlag.
  • –––, 2012,Pythagoras and the Early Pythagoreans, Oxford: Oxford University Press.
  • –––, 2013, “Pythagorean Communities: From Individuals to a Collective Portrait,” in Sider and Obbink 2013: 33–

أدوات أكاديمية

 

How to cite this entry.

  Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.
  Look up this entry topic at the Indiana Philosophy Ontology Project (InPhO).
 

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الإنترنت

مقالات ذات صلة

Anaxagoras | Anaximander | Anaximenes | atomism: ancient | Democritus | Diogenes of Apollonia | doxography of ancient philosophy | Empedocles | Gorgias | Heraclitus | Leucippus | Melissus | Parmenides | Protagoras | Pythagoras | Pythagoreanism | Sophists, The | Thales | Xenophanes | Zeno of Elea | Zeno of Elea: Zeno’s paradoxes


[1] Curd, Patricia, “Presocratic Philosophy”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2016 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/win2016/entries/presocratics/>.


[i] لدراسة آراء المتقدمين وأثر أرسطاطليس وثاوفرسطس على هذه الدراسات يراجع المصادر الآتية:

Mansfeld 1999, Runia 2008, and Mansfeld and Runia 1997, 2009a, and 2009b

[ii] للبحث عن مفهموم فلسفة ما قبل سقراط يراجع المقدمة في Long 1999, Laks 2006  والمقالات المتعلقة في Laks and Louguet 2002

[iii] 983b27–33

[iv] 984b23ff

[v] Algra 1999, White 2002 and 2008

[vi] Graham 2006

[vii] Gregory, 2013

[viii] Simplicius, Commentary on Aristotle’s Physics 24, lin90es 13ff. = 12A9 and B1

[ix] Kahn 1985a, Vlastos 1947, Guthrie 1962

[x] Barnes 1979, Guthrie 1962, Sedley 2007 and 2009

[xi] Vlastos 1947, Heidel 1906

[xii] 1997 and 2006; Mourelatos 2008

[xiii] Graham 2006, ch. 4

[xiv] Lesher 1992, Mourelatos 2008

[xv] Curd 2013, Mogyoródi 2002 and 2006

[xvi] Lesher 1991

[xvii] Lesher 1992 and 1994

[xviii] see Bryan 2012 for a full discussion

[xix] Long, 2009

[xx] Betegh 2007, 2009, 2013 and Dilcher 1995 both discuss the nature and importance of soul for Heraclitus; see also Granger 2000 and Kahn 1979

[xxi] Mourelatos 2008

[xxii] Barnes 1979, Owen 1960

[xxiii] Nehamas 2002, Curd 2004, Palmer 2009

[xxiv] Palmer 2009, Cordero 2010, Graham 2013, Mourelatos 2013, Bryan 2012, Johansen forthcoming

[xxv] Burkert 1972, 119

[xxvi] Huffman 2005

[xxvii]  إذا أردت أن تعرف الجزئيات حول هذا الأمر فعليك ب Kahn 2001. ودراسة فيثاغورس والمدرسة المنسوبة إليه بإسهاب وتفصيل تجدها في Zhmud (2012 and 2013)، وكذلك تلفي مجموعة رائعة من المقالات في هذا الموضوع في Huffman (ed.) 2014.

[xxviii] Empedocles 31B129

[xxix] Rowett 2013

[xxx] Burkert 1972, Huffman 1993 and 2005; but see Zhmud 1997

[xxxi] Huffman 1993

[xxxii] Graham 2013, 2014

[xxxiii] لقد عالج  Vlastos 1967 زينو بإتقان وبراعة، راجع كذلك  McKirahan 1999 and 2005

[xxxiv] Grünbaum 1967, articles in Salmon 2001, Huggett 1999, SEP entry on Zeno’s Paradoxes

[xxxv] Palmer 2004

[xxxvi] Marmodoro 2015

[xxxvii] Nous – B12, B13, B14; see discussions in Laks 1993, Lesher 1995, Menn 1995, Curd 2007

[xxxviii] Sedley 2007, Curd forthcoming

[xxxix] Graham 2006 and 2013

[xl] Martin and Primavesi 1999, Primavesi 2008, Kingsley 1995

[xli] 985b4-20=DK67A6

[xlii] Sedley 1982; see also Sedley 2008

[xliii] Wardy 1988

[xliv] de Caus. Plant. 6.1.6 = 68A129

[xlv] in Phys. 36.3–6 = 67A14

[xlvi] de Sens. 61-63 = 68A135

[xlvii] Lee 2005

[xlviii] 68B191

[xlix] Vlastos 1945 and 1946, Kahn 1985b

[l] Graham 2006, Laks 2008, 2008a

[li] Lives II.16-17

[lii] Woodruff and Gagarin 2008, Kerferd 1981, Guthrie 1969

[liii] Mansfeld 1985, Mourelatos 1987b, Palmer 1999, Caston 2002, Curd 2006

[liv] Longrigg 1963, van der Eijk 2008

[lv] Betegh 2004, Kouremenos et al. 2006, Janko 2001, Laks and Most 1997

error: