ماذا رأيت في عالم الموت ؟ – ألفرد أير / ترجمة: محمد الشهري

ماذا رأيت في عالم الموت ؟ – ألفرد أير / ترجمة: محمد الشهري


عالم الموت

قبل أيام قليلة دخلت على مريض عائد من سكتة قلبية، وقليلا ما يعود الإنسان لوعيه الكامل وصحته وكان صاحبي هذا من هؤلاء القليل. كان غاضبا جدا على الطاقم الطبي كله لأنه قد أشار بكل وضوح في وصيته أنه لا يريد أن يُجرى له أي نوع من أنواع الإنعاش. كان الرجل منطلقا في حديثه فبدأ يحكي ماذا رأي على حافة عالم الموت. يقول: بدأ ضوء أبيض يحيط به من كل جانب وبدأ يشعر بسعادة غامضة وفجأة حصل ما حصل وجُر مرة أخرى إلى هذه الحياة.. كان يتحسر وهو يروي قصته هذه ويكرر عبارات الغضب على هؤلاء الذين حرموه رفقة هذا الضوء الأبيض. وفي لحظات كهذه قد يرى الإنسان أي شيء وقد يتخيل أي شيء ولايمكن أن تؤخذ قصة مثل هذه بجدية.  تذكرت مباشرة مقالة ألفرد آير وكنت قرأتها قبل أشهر وتذكرت حديثه عن الضوء الأحمر الذي رآه عندما اقترب من حافة عالم الموت . والمقالة تحمل من الطرافة ما تحمل فهي صادرة من فيلسوف كبير وقد زعزعت هذه التجربة إنكاره للغيب وإنكاره لوجود حيوات أخرى بعد الموت – ولو لوقت محدود-.

 ومن الواضح أن الرجل لم يمت وإن ظن أنه فعل، وقد كتب حينها أستاذ علم وظائف الأعضاء في جامعة كامبريدج ”كولن بلاكمور“: ” ما حدث لألفرد آير كان بسبب نقص الأكسجين الذي أثر على وظائف القشرة الدماغية وقادت للحظات من الهلوسة“[1]. ورغم هذا فقد أحدثت المقالة ردات أفعال متفرقة من أضداد متفرقين وكان من بينها تحليلات تقول أن الملحد العنيد قد تراجع عن إلحاده فاضطر لكتابة مقال استدراكي حاول أن يؤكد فيه أنه ما زال ”مؤمنا بالإلحاد“[1][1]. والكاتب بريطاني المولد والوفاة ( ١٩١٠-١٩٨٩ م ) وعرف بتبنيه  للفلسفة الوضعية المنطقية من خلال كتابه: ” اللغة والحقيقية والمنطق“. لكنه بقي مخلصا للمدرسة التجريبية وبرفضه المطلق للغيب وكل ما لايقاس بالتجربة ، وعُد من أكثر الفلاسفة البريطانيين تأثيرا في  القرن العشرين.[1]

ماذا رأيت في عالم الموت ؟

كنت في الولايات المتحدة حين أصبت بالتهاب رئوي أقعدني عشرة أيام في إحدى مستشفيات نيويورك.  قرر بعدها الأطباء أن صحتي تؤهلني للخروج من المستشفى. لكنهم قبل ذلك أجروا أشعة لصدري جعلت أكثر هؤلاء الأطباء حرصا يوصيني بالبقاء في المستشفى لعدة أيام أخرى، لكنني كنت قد تهيأت نفسيا وجسديا للخروج فقررت المغامرة ومغادرة المستشفى. قضيت الأيام التي تلي خروجي في شقة زوجة ابني ثم رحلت إلى بريطانيا.

عندما وصلت بريطانيا كنت على قناعة أنني تعافيت تماما فانغمست بلا شعور في عاداتي الاجتماعية التي  تعودت عليها قبل سفري إلى أمريكا. وفي الثلاثين من شهر مايو خرجت لغداء أكلت فيه وشربت بشراهة وانطلقت في أحاديث لاتنتهي. ذلك المساء عادت علي نوبة أخرى فلم أتمكن من أكل شيء من طعام أحضره أحد الأصدقاء وطبخ لي شيئا منه.

كان اليوم التالي يوم من أيام الإجازات في بريطانيا، وقد خططت قبل فترة طويلة مع إحدى الصديقات أن نلتقي في هذا اليوم، وقد كانت حريصة على هذا الموعد حتى ألتقي بابنها. ربما لو كان لدي طريقة للتواصل معهما لأجلت الموعد أو ألغيته لكن هذه الصديقة كانت قادمة من إكستر ولم يكن لدي طريقة للتواصل معها أثناء وجودها في لندن. كان الموعد في فندق سافوي[1] فاستأجرت سيارة أجرة وحين وصلت لم أكد أقوى على جر قدمي في بهو الفندق. طلبت سمكا مشويا وأجبرت نفسي على الأكل منه وقضيت الوقت في محاولة للاستمرار في الحديث حتى النهاية. لكنني اضطررت للمغادرة مبكرا مستقلا سيارة أجرة مرة أخرى.

 ازددت سوء ذلك المساء. ومرة أخرى لم أستطع أكل شيء من عشاء أحضرته صديقة أخرى، وحين لاحظتْ ضعفي قررت أن تقضي ليلتها معي. عندما أتى الصباح والحال على ما هو عليه اتصلتْ بطبيبي وبابني جوليان. أما الطبيب فقد ذكر أنه سيحاول الاتصال بالأخصائي، وأما جوليان الذي اعتاد أن ينجز الأشياء بصمت فقد اتصل بالاسعاف الذي حضر بسرعة وانطلق بنا إلى المستشفى الجامعي . الذي أتذكره مما حصل بعد ذلك لايكاد يُذكر. أخذوني إلى غرفة كان قد حجزها الاخصائي قبل وصولي في جناح خاص. ثم نقلوني بعد ذلك إلى العناية المركزة بعد أن أجريت الأشعة والتحاليل التي بينت إصابتي بإلتهاب رئوي حاد مرة أخرى. كان من حسن حظي أن الطبيب الشاب الذي يرعاني كان طالبا في الكلية الجديدة بأكسفورد عندما كنت زميلا بها وهذا ما جعله حريصا أكثر على صحتي. كان تقديره وحرصه علي مبالغا فيه حتى إنه كان يفسد علي راحتي التي يراها “ الأخوات “ والممرضات المتمرسات ضرورية جدا لمريض مثلي.

 بدأت أتعافى تحت رعايته ورعاية الأخوات والممرضات وكان من المفترض أن أُنقل خارج العناية المركزة خلال أسبوع.  كان خطأي أنني لم أحاول أكل طعام المستشفى فالعائلة والأصدقاء  كانوا يحضرون كل أنواع الطعام الذي أحبه، وتحديدا السلمون المدخن الذي أجد نفسي مولعا به. وفي إحدى الليالي قذفت قطعة من السلمون في فمي بكل تهور، فأخطأت طريقها ومباشرة بدأت نبضات قلبي بالتوقف على ورق تخطيط القلب. هرعت الأخت المعنية بالجناح لتنقذني لكنها لم تفلح. أخبرتني بعد ذلك هي والطبيب أنني رحلت عن الحياة لمدى أربع دقائق. والحقيقة أنني لم أجد سببا للإنكار. تحدث الطبيب مع ابني نيكولاس الذي وصل من نيويورك ليكون بجانبي في المستشفى وأبلغه بأن احتمالية الشفاء ضعيفة بل إنني حتى لو تحسنت جسديا فإن قدراتي العقلية لن تعود كما كانت. هذا التحذير كان مختلفا عن رأي الممرضات الذين كانوا أكثر تفاؤلا، واختار نيكولاس بحكمته الميل لهذا الرأي.

لا أتذكر شيئا أبدا مما حدث لي خلال ذلك الوقت. قال لي أصدقائي إنني كنت محاطا بالأنابيب من كل جانب. أنابيب كثرة لا أعلم ماهي وما الفائدة منها إلا الأنبوب الذي قيل لي بعد ذلك إنه وضع في حلقي لإخراج البلغم العالق في رئيتيّ. لم أكن أعلم أن الغرفة اكتظت بالناس حتى إن أختي اضطرت لتنظيم الزيارات وتقسيم الوقت بين الزوار. الذي علمته جيدا أن الأطباء والممرضات استغربوا من سرعة تحسني ، بل عندما بدأت أتكلم عبّر الإخصائي عن دهشته كيف يمكن لشخص بهذا القدر القليل من الأكسجين في رئتيه أن يكون صافي الذهن بهذا القدر.

أول عبارة تلفظت بها، وجعلت مَن حولي يدرك أنني لم أفقد حسي الفكاهي: “ كلكم مجانين!”. لا أدري كيف يمكن تفسير هذه العبارة لكن ربما اعتقدت أن كل حولي هم من المسيحيين المؤمنين وأردت أن أقول لهم إنني لم أجد شيئا في عالم الغيب. التفسير الآخر أنني أعتقدت أن كل من حولي هم من المتشككين وأردت أن أخبرهم أنني بالفعل وجدت شيئا بعد مماتي. وأظن أن التفسير الأول هو الأقرب وإلا كان من المفترض أن أقول: “كلنا مجانين” إن كان التفسير الثاني هو الصحيح. وفي كل حال لا أمكن أن أجزم بشيء.

 

أولى العبارات التي بيّنت عودتي للوعي والإدارك قلتُها بعد عدة ساعات من عودتي للحياة وكانت في حديثي مع صديقة فرنسية عرفتها منذ خمسة عشر عاما. استيقظت لأجدها جالسة جوار سريري فبدأت بالحديث معها بالفرنسية. وأنا أتحدث الفرنسية بطلاقة ووضوح فبدأت أقول: “ هل تعلمين أنني كنت ميتا؟. عندما حاولت عبور النهر للمرة الأولى كنت مترددا محبطا، لكنني نجحت في محاولتي الثانية. كان تجربة استثنائية ، وحتى أفكاري استحالت إلى شخوص“.

هذه العبارة تشير إلى أنني لم أنس تعليمي القديم بشكل كامل، فالأسطورة الإغريقية تحكي أن أرواح الموتى تُجبر على عبور نهر “ستيكس” لتصل إلى هاديس إله الأرواح. ولتعبر النهر لابد من أن تدفع “ أوبل” إلى المراكبي “شارون”. وربما تذكرت “ديفيد هيوم” الفيلسوف المفضل عندي في مرضه الأخيره  و“شارون” يناديه: بـ “الكسول المتسكع الشقي”. وهيوم أجاب بلطفه المعتاد أنه رأى الموت يقترب منه ولم يبذل أي جهد لتأخيره. لقد كان هذا الموقف من من المواقف القليلة التي فشلت فيها في اقتقاء أثر “هيوم” ، لأنني حاولت أن أطيل حياتي خلافا لفعل هيوم.

الشيء الوحيد الذي أتذكره جيدا وجربته عن قرب في طريقي إلى عالم الموت كان غامضا جدا:

واجهني شعاع أحمر مشع بالغ الإشعاع ولم يكن مشعا فقط بل كان مؤلما جدا، حتى عندما كنت أحرف وجهي عنه. كنت أشعر أن هذا الضوء هو المسؤول عن التحكم في الكون كله، وله وزراء وٌكلت لاثنين منهم مسؤولية “الفراغ”. هذان الوزيران يتفحصان الفراغ باستمرار وللتو انتهيا من أحد فحوصاتهما المستمرة ، لكنهما لم يقوما بالعمل كما ينبغي فاختل نظام الفراغ فصار كأحجية صور لم تُحل بشكل صحيح ولم تُشبك بعناية. توقفتْ قوانين الطبيعة عن العمل وشعرتُ أنني مكلف بإعادة النظام للأشياء مدفوعا بالرغبة لإطفاء هذا الشعاع المؤلم. كنت أفترض أن مسار الكون قد اختل وأنه سيعود لطبيعته لو عاد النظام كما ينبغي. لم يكن لدي أي فكرة عن المكان الذي سأجد فيه حراس هذا الفراغ وكنت تحت سطوة الخوف من إنني حتى لو وجدتهم فلن أكون قادرا على التواصل معهم. ثم خطر في ذهني فجأة قبول الفيزئايين حتى هذا القرن للفصل الذي أفترضه نيوتن بين الزمن والفراغ حتى صار أمرا من المسَلّمات، حتى ظهر قانون اينشتاين للنسبية الذي يتعامل مع الزمن والفراغ كشيء واحد. ولهذا فكرت بأنني قد أعيد الفراغ لنظامه بمعالجة الزمن. كان لدي إحساس مبهم أن الوزراء المسوؤلين عن الوقت موجودون بالقرب مني فبدأت بالصراخ والنداء ولكن لم أجن  من ذلك إلا الإحباط، لأنهم إما لم يسمعوا نداءاتي أو ربما سمعوها لكنهم اختاروا أن يتجاهلوها. وربما سمعوا لكنهم لم يفهموا ما أقول. وبلا تفكير بدأت أمشي في كل اتجاه وبدأت ألوح بساعتي لعلهم ينتبهون للوقت فيها لكن أيضا بلا نتيجة. حاصرني اليأس أكثر وأكثر حتى انتهت هذه التجربة فجأة!

هذه التجربة ربما ليست إلا مضح وهم، لكنّ قصة حكتها لي صديقتي الفرنسية عن أمها جعلتني  قد أظن أن ما خضته كان تجربة حقيقية.  فصديقتي تقول إن أمها قد أصيبت مرة بـتوقف مفاجيء لقلبها وحين عادت للحياة كان تقول إن هذا الضوء الأحمر هو ما كل رأته. إن النظرة الأولى لهذه التجارب على افتراض أنها ليست مجرد أوهام وضلالات = تُعتبر أدلة قوية على أن الوعي لا ينتهي بالموت. ولكن هذا لايقودنا ضرورة إلى القول بأن هناك حياة أخرى لأن معايير تعريف الموت حتى وإن كانت متماسكة منطقيا إلا إنها قد لاتكون متوفرة جميعا في الوقت ذاته. ولقد فهمت من هذا المثال أن توقف القلب لايقتضي منقطيا ولا سببيا توقف المخ. وعندما نعتمد على على الأدلة القوية التي تدلل على أن الأفكار تدور في المخ، فالفرضية الأقرب إليّ أن عقلي كان يعمل على الرغم من أن توقف قلبي في تلك الدقائق الأربع.

أقول: إن كنت قد توصلت إلي تفسير جيد للإيمان بحياة مستقبلية فلن يكون هذا التفسير مقيدا بي وحدي، ولنعترف أن الإشكال الفلسفي في تفسير إيمانِ أحدِنا الواثق بوجود ”عقول أخرى“ وما تحتويه من أفكار لم يتم حله بصورة مرضية. بل ليس هناك فليسوف واحد قد أغرق في الذاتوية[1] -باستنثاء “فيخته” الذي كان يقول أن العالم هو فكرته -وربما لم يعن ذلك حرفيا-. ولا يوجد فيلسوف واحد قرر بجدية أنه لا شيء في الكون على وعي إلا هو. بل إن من البديهي عند كل الناس وليس عند الفلاسفة فقط أن عقول الناس تتماثل إلى حد كبير. وبناء على هذا أقول: إن كان بإمكاني تقديم تصور معقول لحياة أخرى بعد الموت فإن الآخرين كذلك قد يصلون لتصور مماثل.

لنفترض جدلا أننا سنحيا حياة أخرى بعد الموت فعلى أي صورة ستكون؟. أسهل الإجابات أن نقول إنها ستكون امتدادا لتجاربنا دون ارتباط بالجسد. وهذه الإجابة ينبغي أن تعجب التجريبيين المتطرفين فهي بكل تأكيد تتماشى مع مفهوم الهوية الذاتية التي تبناها “هيوم” و “ويليم جيمس”، والتي تقول إن الهوية الذاتية هي سلسة من التجارب الشخصية التي حفظتها الذاكرة وليست عبارة عن روح خالدة. وهم رغم هذا لم يُنزلوا نظريتهم على حياة مستقبيلة ، لأن ”هيوم” مثلا لم يكن يؤمن بحياة مستقبلية من الأساس.

الإشكالية التي تواجهني وتواجه كل من يميل إلى هذه النظرية هو كيف يمكن أن نكتشف الرابطة – أو الروابط- التي تربط بين هذه التجارب وتجعلها منتمية لشخص بعينه!.  لقد اعترف “هيوم” أنه لم يجد طريقة لحل هذا الإشكال بينما اعتقد “ويليم جيمس” أنه وجد الإجابة  في الشعور بالمعية والاستمرارية الذي نجده في أفكارنا وأحاسيسنا، مع الاعتماد على الذاكرة لجمع التجارب المتفرقة. ورغم إننا لا نختلف حول ضروة الذاكرة هنا، إلا إنها غير كافية تماما.

لقد قد قمت بنفسي بإجراء دراسة وتطوير لهذه النظرية في كتابي “أصول البرغاماتية” وكنت مجبرا على الاستنتاج بأنني لن أتمكن من تفسير الهوية الذاتية دون الاعتماد على هوية جسد واحد أو عدة أجساد قد يسكنها “الشخص” عبر الزمن. بل أعترف أنني لم أستطع إيجاد تفسير مُرضِ للطريقة التي يمكن لسلسة من التجارب أن ترتبط بجسد واحد في نقطة معينة من الزمن. هذا الاعتراف -بأن الهوية الذاتية عبر الزمن تتطلب هوية لجسد معين- هو من الملامح العجيبة في المسيحية. وأقول عجيبة لأنه يظهر لي أن المسيحيين اختاروا طوعا أن ينسوا بأن الإيمان ببعث الأجساد هو جزء من عقيدتهم. وليس صعبا السؤال عن الكيفية التي تستمر فيها الهوية الجسدية على فترات متباعدة من الزمن،لأن الإجابة قد تكون بالتسليم بأن ذرات الجسد سوف تتحد مرة أخرى، فيحصل ما يمكن أن يقال إنه تماثل جسدي كبير لا أكثر، مزيّنا بتشابه في السلوك.

هناك أغلوطة شائعة تفترض أن اثبات حياة بعد الموت هو أيضا اثبات لوجود إله. وهذا أمر بعيد جدا. وكما قد أكدت سابقا: إن كان لايوجد سبب منطقي للإيمان بإله خالق أو مدبر للعالم، فإنه لايوجد سبب منطقي للإيمان بإله خالق ومدبر لعالم مقبل، على فرض مرجح بوجود عالم مقبل. ومن السهل تصور أن تجربة شخص لحياة بعد الموت سوف تكون وسيلة إلى الاستدلال على وجود إله، لكننا في الوقت ذاته لانملك الحق في افتراض ذلك بناء على هذا الدليل، وخصوصا عندما لا نمتلك تجارب متعلقة بوجود إله.

ويستحق أن أذكر هنا اثنين من أهم الفلاسفة في هذا القرن “ميكتاقرت”[1] و”برود”[1]. ممن آمنوا بأنهم سيعيشون بعد الموت رغم كونهما من الملاحدة. فميكتاقرت استنتج إيمانه بذلك من ارتباطه بالميتافيزيقا التي تقول إن الأشياء المادية التي نراها  هي في الحقيقة أرواح خالدة تقابل بعضها بعض مع شيء من الحب.

“برود” كان أقل انطلاقا مع الخيال من ميكتاقرت وكان في الوقت ذاته متأثرا بدراسة السحر. وكان أذكى من أن يعتقد بالحياة بعد الموت بناء على القدرة الخارقة التي يمتلكها البعض في تخمين ماهي الورقة المخفية ضمن أوراق اللعب- وإن كان قد توصل بعد بحث دقيق بأن هناك من يملك هذا النوع من القدرات الخارقة-. لذلك أعتقدُ أن إيمانه بحياة أخرى كان بسبب تأثره بشهادة السحرة حوله، فقد كان مقتنعا بأن بعض هؤلاء يملكون تجارب حقيقية على الرغم من إدراكه الكامل بأن الخداع هو الغالب على مايصنعون. وقناعاته هذه لم تجعله متفائلا بل كان يرى هذا العالم مليء بالقبح ، وأن العالم بعد الموت – إن وجد- لن يكون أقل قبحا. فإيمانه بحياة أخرى لم يكن لرغبة عارمة لديه في العيش بل لأنه أعتقد بصورة احصائية مجردة أن فرصة وجود الحياة بعد الموت تتساوى مع ضدها. كان من إحدى حكمه الجميلة: لو صدَق الإنسان أن الحياة بعد الموت ستكون كما يصورها السحرة ، لكان بمثابة عشاء انتصار دائم في إحدى جامعات وليز[1].

وإن كان “برود” ملحدا فإن صديقي الدكتور “ألفرد إيونق” لم يكن كذلك. لقد كان إيونق أصيلا، ومنصفا حتى بالمعايير الأكاديمية،  ومثقفا حاذقا، وصادقا غاية الصدق، وكان مسيحيا مخلصا كذلك. كنت أداعبه يوما فسألته:” ألفرد! أخبرني ماهو أكثر شيء تتطلع إليه في العالم المقبل؟” ، فأجابني مباشرة: “ أن يخبرني الإله إن كانت “ القضايا القَبْلية”[1] شيئا حقيقيا”. لقد كانت إجابة مضحكة جدا لأنها جاءت ساخرة من نقاشنا الغريب.

أبرر ذكري لهذه القصة بأن الإشكالات الفلسفية المماثلة تقوم على السؤال إن كانت الافتراضات قائمة على التحليل الاستدلالي analytic أو على التركيب الواقعي synthetic. خصوصا في المنطق والرياضيات البحتة. فإن كانت تحليلية: فإن السؤال يأتي إن كانت صحيحة بناء على العرف العام وليست في حاجة للحل بمعلومات إضافة، وأن كل ما نحتاج إليه هو أن ننجح في الوصول إلى تصور أكثر وضوحا لهذا النوع الإشكالات!. قد يطمح الإنسان بأننا سنكون أكثر ذكاء إذا انتقلنا لحياة أخرى، لكنني في الحقيقية لا أجد سببا منطقيا للإيمان بمثل هذا. بل حتى أكثر “الربوبيين” حماسالايمكن أن يعتقد أن الإله -إن وجد- سوف يمنحنا مقدارا عاليا من الذكاء في الحياة الأخرى!.

إن الإشكالية الفلسفية الوحيدة التي قد تُحل لو وجدنا أنفسنا في حياة مستقبلية هي إشكالية فهم العلاقة بين العقل والجسد وما إذا كانت الحيوات المستقبلية ، هي شيء من إطالة سلسة تجاربنا الحاضرة وليست بعثا للأجساد من جديد. وفي تلك الحالة سنشهد انتصارا “للثنائية” ، ثنائية تختلف عن الثنائية التي ظن “ديكارت” أنه قررها. وإذا كانت حيواتنا المستقبلية عبارة عن سلسلة من التجارب الممتدة فلا يوجد سبب منطقي لنعتبر أنفسنا كائنات روحية.

وأخيرا أقول: إن تجاربي الأخيرة قد زعزعت يقيني بأن عالم الموت هو نهايتي الحتمية وإن كنت أرجو أن يكون الأمر كذلك، ولكنها لم تزعزع يقيني في عدم الإيمان بوجود إله. إنني أعتقد أن استمراري كملحد سوف يقلل من قلق زملائي الداعمين للجمعية الإنسانية البريطانية، وجمعية الصحافة العقلانية وجمعية ساوث بليس الأخلاقية.[1]

المصدر


  • Edwards, Paul, ed. Immortality. Prometheus Books, 1992.

  • Ayer, Alfred J. “Postscript to a Postmortem.” http://archive.spectator.co.uk/article/15th-october-1988/13/postscript-to-a-postmortem
  • Macdonald, Graham and Krishna, Nakul, “Alfred Jules Ayer”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Fall 2018 Edition), Edward N. Zalta (ed.)“ Sir A.J Ayer” by Ben Roger, Encyclopaedia Britannica.
  • The Stanford Encyclopedia of Philosophy.
  • فندق تاريخي في لندن
  • Solipsism

  (7) فيلسوف إنجليزي ميتافيزيقي. كان مهتما بتراث هيغل ت : 1925 م.

McDaniel, Kris, “John M. E. McTaggart”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2016 Edition), Edward N. Zalta (ed.)

(8) تشارلز دونبر برود فيلسوف إنجليزي كذلك. كان له اهتمامات فلسفية واسعة ومنها الاهتمام بالسحر والظواهر غير الطبيعية. انظر أيضا:

Gustavsson, Kent, “Charlie Dunbar Broad”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Spring 2017 Edition), Edward N. Zalta (ed.))

(9) أقرب ترجمة أستطعت الوصول إليها لهذه العبارة!

“ One of his better epigrams was that if one went by the reports of mediums, life in the next world was like a perpetual bump supper at a Welsh university.”

10) priori proposition وهي المعارف التي لم تنتج عن تجربة مباشرة

(11)  هناك مقال بعنوان : ملحد يلتقي بمدبر الكون لـ Peter Foges يشكك في كثير من تفاصيل هذه المقالة ويذكر تفاصيل لحوار دار بين آير والطبيب الذي أشرف على حالته، لم يشر إليه آير في أي من مقالاته، انظر مقال Foges هنا :

http://web.csulb.edu/~plowentr/Ayer%20NDE%202.pdf

error: