سربندي (قصة قصيرة) – عدي جاسر الحربش

سربندي (قصة قصيرة) – عدي جاسر الحربش

الوردة و النطاسي  سربندي (قصة قصيرة) - عدي جاسر الحربش

قصة (سربندي) من كتاب “أمثولة الوردة و النطاسي” لعدي الحربش


يمكنك شراء نسخة كندل من الكتاب عبر هذا الرابط


«لم يكن وصلكَ إلا حلمًا، في الكرى أو خلسةَ المختلسِ»

(لسان الدين بن الخطيب)

أقفل الفضل باب داره وانطلق قاصدًا دار المدنيات[2]. ما إن مشى بضع خطواتٍ حتى تذكر أنه نسي عودَه. رجع مغضبًا إلى داره وتناول العود بعصبية. كيف ينسى العودَ في يومٍ مثل هذا؟ عندما خرج، استقبلته الطيور وهي تغني مؤذنة ببدء يوم جديد، وترامت فوقَ وجهه أشعة الشمس وهي تغازل شوارع قرطبة. كان لكل هذا أن يسعده وأن يسرّيَ عنه، لو لم يكن مشغولَ البال بالمصيبة التي أوقعَ نفسه فيها: أن يتحدى زريابَ وفي مدرستِه! إنها الحماقة بعينِها.

ولكن ليس من حق هذا الرجل الغريب الذي استقبلته الأندلس فاتحة ذراعيها أن يتبجح مخاطبًا قمر البغدادية يومَ أن التحقت بمعهدِه: «هنالك شيء عراقيّ لن يتشربه الأندلسيون أبدًا. لا أدري أهو الحزن أم العمق، ولكن عزفهم يظل مفتقدًا إلى الأصالة». كيف يقولُ هذا، وهو الذي اختير كي يكون أستاذًا ونموذجًا للغناء الأندلسي! إنها الخيانة بعينها. ولكن مهما جادت عليك أرض شبابك وشيخوختِك، يظل انتماؤك الحقيقي يرجع دائمًا إلى أرض ولادتِك. لهذا السبب، نهض الفضل مغضبًا وهو يصرخ مقرّعًا أستاذه: «كذبت! بل إن الأصالة والتوشيح والطرب لم تنبثق إلا من رحم هذه الأرض». قال هذا، والكل يسمع ويشهد: بنو زرياب الثمانية، وابنتاه علية وحمدونة، والجواري فضل وغزلان وهندية ومتعة ومؤامرة وفلة، حتى الشفاء الرومية وقلم الأندلسية، وعباس بن فرناس، كلهم كانوا حاضرين. يتذكرُ الفضل جيدًا كيف امتقع وجه زرياب، وكيف أخذ يتفوه بصعوبة بكل كلمة وكأنه ينتزعها انتزاعًا من شفتيه: «وما أدراك أنت ما الغناء! هل تريد أن تجربَنا؟ لك ذلك. سوف أعطيك مهلة أسبوع، وسنتبارى في العزف ها هنا. إن أنتَ غلبتني، لك أن لا أمسكَ بالعودِ ثانية».

ها قد مرّ أسبوع كامل، دون أن ينبثق صوت أو لحن أو موشح من بين أوتار الفضل. كيف سيستقبل سخرية الأستاذ وطلبته، وكيف سمح لنفسه أن ينصب نفسه مدافعًا عن الديار الأندلسية والغناء الأندلسي دون أن يكون أهلًا لذلك؟ هل ستعني خسارته أمام أستاذه زرياب أن الغناء العراقي أكثر أصالة من الغناء الأندلسي؟ يا للظلم ويا للخسف! لا بدّ أن عشرات الألحان تتراقص الآنَ في مخيلة زرياب الخصبة، لا لشيءٍ إلا لتؤكدَ هزيمة التلميذ أمام معلمهِ الذائعِ الصيت.

بينما الفضل مستغرق في أفكاره، تناهت إلى أسماعه جلبة ناس يتحلقون حول الساحة المقابلة. استطاعَ الفضلُ أن يستخلصَ من بين الهمهماتِ صوتَ غناءٍ عذب، بالكادِ يُسمع، وكأنه يجري في طبقةٍ سفلية مفصولةٍ عن باقي الأصوات. اتجهت قدماه دون شعورٍ منه ناحية الساحة، ليستقبله جدار من الناس المتجمهرين حولَ فتاةٍ ترقص وهي تغني بصوتٍ منخفض، وتقرع بين أصابعها صنوجًا من الخشب الأسود. كان في غناء ورقص الفتاة شيء يقطع نياط القلوب. سأل الفضلُ رجلًا يقفُ أمامَه:

«ماذا يجري؟ من الفتاة؟ ولماذا يتحلق الناس حولَها؟».

«كل ما أعرفه أنها فتاة مسيحية، وأنها كانت تتعشقُ غلامًا مسلمًا، وأن ذاك الغلام هجرها كي يتزوج ابنة عمه. شيء من هذا القبيل! يقولون أنها خرجت تجري وراءه دون أن يحفلَ بها، وأنها بعد مضي بعض الوقت دخلت دارها، ثم خرجت حاسرة، وهي تغني وتقرع بالصنوج».

كانت الساحة مضلعة في شكلها، حيث تنحدر الأرضية المبلطة بالأحجار لتصنع درجتين متتاليتين، تعطيان للساحة المنخفضة حدودها المستطيلة. تجمهر الناس أعلى الساحة، وجلس بعضهم على الدرجات الحجرية، بينما تركوا الأرضية المنخفضة بكاملها للفتاة الراقصة. لم يتجرأ أحد على الاقتراب منها أو إزعاجها، إذ أنهم كانوا يشعرون جميعًا بماهية الفتاة الشفيفة الناعمة، والتي هي أوهى من أن تُلمس أو تُزعج. حاول الفضل أن يصخي بأذنيه نحو الكلمات التي كانت الفتاة ترددها، والتي كانت تضبط على وقعِها سرعة خطواتها. خُيل إليه أنه سمع شيئًا مثل هذا:

قَلبي هَجَرني

إِذ مَضَى حِبي

ويحي يا ويلي

فليجرِ دمعي الآن

كانت نظرات الفتاة مكسورةً ساهمة، شاخصة إلى مكانٍ آخر، لا ينتمي بأية حال إلى ما حولها. تأمل الفضل وجهها الحلوَ الشاحب، وشعرَها المعقوص الأشقر، وقدميها البضتين الصغيرتين، فأحسّ بحزنٍ شديد. أكثر ما أدهش الفضل هو الطريقة التي اختارتها الفتاة كي تعبرَ عن حزنِها: الرقص. لماذا الرقص؟ لم تبكِ بصوتٍ عالٍ، لم تلطم ولم تمزق ثيابَها، بل رقصت! تمنى لو أنهُ يستطيع أن يمسك بماهيتها، أن يخلصَ إلى كنهها؛ هل هو الحزن؟ الموسيقى؟ الشجن؟ الفقد؟ ما هو بالضبط؟

فجأةً، انحنت الفتاة بقامتها المنهوكة فوق إحدى العتبات. صنعتْ وسادةً من كفيها، أسندت رأسها، ونامت. تعالتْ الأصوات والصرخات، وكما أن التعويذة التي سمّرت الناس أماكنهم انكسرت فجأة بتوقف الفتاة عن الرقص. تدافع الجميع إلى الأسفل، وعلت الهمهمة وساد اللغط. حاول الفضل الاقتراب نحو جسد الفتاة النائمة، لكن دون فائدة. سرعان ما كاد قلبه أن يتوقف عندما علا الصياح والعويل. لقد ماتتْ! الفتاة المسيحية التي كانت ترقصُ قبل قليل أمامَ الناس ماتتْ! بدون لغط ولا ضجة، تمددت على الأرض، أسندت رأسَها فوق كفيها، ثم أسلمت روحها، كاللحنِ تمامًا.

انشغل الفضل طوالَ الطريق بالتفكير في ماهيةِ الفتاة وكنهِ الشيء الذي رآه. تمنى من كل أعماقه لو أنه استطاع أن يمسك تلك اللحظة الزائلة. لم ينتبه على نفسه إلا وقد توقفَ أمام دار المدنيات. كان تلاميذ زرياب ينتظرونه على عتبة الدار. أحكم الفضلُ قبضته حول عودِه، وبلع ريقه، ثم دخل. على إحدى الدكات، كان زرياب يتصدر المجلس، وقد تحلق حوله بعض رجالات الدولة والأعيان. إنه لا يتورع – كما جرت عادته – عن تحويل أية منافسة أو مناسبة إلى احتفال يثبت فيه أنه الأفضل. تساءل الفضل: هل يجدر بي أن أعتذر وأخرج، بدل أن أخزي نفسي على رؤوس الأشهاد؟ جلس الفضل في المكان المخصص له، مقابل زرياب. سأله معلمه:

«هل تبدأ، أم أبدأ؟».

«ابدأ أنت».

تناول زريابُ ريشة النسر التي اشتهر بها، وضرب بها سريعًا على أوتاره الخمسة، ثم حين تأكد من ضبط الأوتار، اندفع بصوته الجهوري ليهزّ جنبات القاعة:

قالوا خُراسان أقصى ما يُرادُ بنا

ثمّ القفول فقد جئنا خراسانا

ما أقدرَ اللهَ أن يدني على شحط

سكانَ دجلة من سكانِ جيجانَ

غنى بهذين البيتين، ثم حين فرغ منهما، بدأ يقرعُ بريشته فوق الأوتار بسرعة جنونية، وينقلها من أعلى إلى أسفل، ومن نغمٍ منخفضٍ إلى نغمٍ عالٍ، حتى تمايلَ جميع من بالمجلس طربًا ونشوة. عندما فرغ، ألقى بريشة النسر، وأخذ ينظر نحو عيني الفضل، مباشرة.

أحسّ الفضلُ بمزيجٍ من الغضب والحرج. لم يأتِ زرياب بواحدٍ من أجمل أصواته وحسب، وإنما اختار أبيات شاعرٍ عراقي: العباس بن الأحنف تحديدًا، وهو يتوجعُ على بغداد وبُعدِ بغداد، لكي يوجه إهانة لكل ما هو أندلسيّ. ماذا سيفعل الآن؟ هل ينحني ويعترف بالهزيمة، ويخذل نفسه، ويخذل الأندلس، ويخذل الأرض التي وُلد عليها، ويخذل الموشحات، ويخذل الفتاة؟

عند هذه الفكرة توقف الفضل مصعوقًا: إنها الأندلس! ماهية الفتاة التي كنتُ أتساءل عنها، عن كنهِ رقصها، الأندلس! بعجمتها، وأبياتها التي لا تستقيم على وزن ولا معنى. بحبها المستحيل المتطاول ما بين المسيحية والإسلام. بموتها، بجمالها، وضياعِها. إنها الأندلس! إذا استطعتُ أن أعزفَها، إذا استطعتُ أن أبعثَها ثانية، أن أعيدَ بأوتاري وقع خطواتها، وبطءَ حركاتِها، وفداحةَ حزنِها، وفقدَها، حينها فقط سوف أري زرياب ما كنت أعنيه.

أمسك الفضلُ بريشته، وبدأ العزف. لم يكن على وعيٍ بما يفعل. لم يفكر أين يضع ريشته. لم يفكر أي الأوتار يضرب. كان ذهنه منصرفًا كليًّا إلى استحضار المنظر الذي شاهده في الساحة، ولم يكن يدري إن كان هناك انسجام وتوافق بين أفكارِه وبين يدِه. كانت نياطُ قلبه تتقطع، لا بفعل الأنغام التي يعزفها – فلقد كان ذهنه منصرفًا كليًّا عن الاستماع إليها – ولكن لأنه كان يعلم في أعماق أعماقهِ أن الأندلسَ ستضيع، كالفتاة التي ماتت، ذلك لأنها بالغة الجمال، بالغة الاكتمال، ومصير كل كاملٍ أن يفنى على هذه الأرض.

أما زرياب وباقي الحاضرين، فلقد شاهدوا عجبًا ذلك اليوم. لقد كان عهدهم بالموسيقى الاستماع، ولكنهم لأول مرة يرونها مجسمةً أمامهم. من ألحان الفضل؛ تكونت فتاة بالغة الجمال، بالغة الحزن، وأخذت تقرعُ بأصابعها صنوجًا ضبابية، وتنقل بينهم خطى حزينة راقصة. لم يجرؤ أحد على أن يتطاول بيده كي يتأكدَ من ضبابيتها، فلقد كانوا يدركون جميعًا ماهية الفتاة الشفيفة الناعمة، والتي هي أوهى من أن تُلمس أو تُزعج. انحنت الفتاةُ على آخر أنغام الفضل نحوَ الأرض، وأسندت رأسها فوقَ كفيها، وعندما انتهى الفضل من عزفه، تلاشتْ وكأنها لم تكن.

التفتَ الجميعُ مذهولين ناحية العازف المغمور، وتدافعوا كي يشدوا على يده ويهنئوه، إلا أنه فاجأهم بأن وضع عوده جانبًا على الأرض، ليغادر الباب بهدوء، وعيناه لا تكادان تبصران من الدموع.


الهوامش:

[1]    الـ سربندي أو السربند هي رقصة إسبانية قديمة ثلاثية الإيقاع، انتشرت في أنحاء أوروبا وأميركا، خصوصًا بعد أن استخدمها الكاردينال ريشيلو في حفل استقبال الملكة آن. ورد ذكر الرقصة في أعمال سيرفانتس ولوب دي فيجا، واستعملها أشهر موسيقيي العصر الباروخي كهاندل وباخ. يُقال أن أصول الرقصة الميثولوجية ترجع إلى فتاة إسبانية جميلة رقصتها وهي تغني لحنا بالغ الحزن.

[2]    دار المدنيات: المعهد الموسيقي الأول في الديار الأندلسية، أسس في عهد الأمير الأموي عبد الرحمن بن الحكم في قرطبة.