التغريبة البشرية – محمد الضامن

التغريبة البشرية – محمد الضامن


إلى صديقي الجميل كمال أوزتورك الذي عاش غريبا ومات غريبا!

لماذا نكون غرباء!؟. مالذي يحمل هذه الظاهرة على البقاء والدوام، والتعمق في الحياة؟!.

تبدو المسافة التي تقوم بيننا، وبين الأشياء، والبشر متحكمة في طريقة تفكيرنا وتصورنا لها، حاملة في نطاق تلك التصورات أولى علامات الدهشة والاستفزاز، والتساؤل في شعور يرتسم فيما يعرف ب( الغرابة، والغربة)!. لماذا نبدو غريبين للآخرين حين تعزلنا المسافات، وتتحول كائنات الطبيعة تحت هذه المسافة إلى كائنات ( غريبة) في عيون البشر!؟. غرابة تمتع، وتخيف، وتحزن مثلما يصف روسو حالته حين أصبح بعيدا عمَّن حوله بقوله في كتابه هواجس المتنزه المنفرد بنفسه:( ومنذ الآن كل ما هو خارج عني فهو غريب. لم يبق لي في هذا العالم قريب ولا نظراء، ولا أخوة. أنا على الأرض كما لو كنت على سطح كوكب سيار غريب وقد سقطت عليه من ذلك الكوكب الذي كنت أسكنه، وإذا كنت أتعرف حولي ببعض الآشياء فما هي إلا أمور محزنة لقلبي وممزقة له). ففي كل الحالات تحض المسافة على التفكير، والتأمل وهو الشعور الذي يحض روسو على تأمل حياته تلك، المسافة التي تضفي الغموض على الأشياء!. لقد كونت هذه المسافة التي تجعلنا (غرباء) هوية الجماعات، والأفراد. فقد خلقت منهم تمايزهم الذي أصبحوا يفاخرون به، ويحمونه من الذوبان، والامحاء حين التواصل!، حتى ليصبح الشخص مشوها حين يريد ألا يكون غريبا في سياق مجتمع ما، أي كالمنبت كما يعبر عنه الحديث : ( فلا أرضا قطع، ولا أرضا أبقى).

لقد ساهمت الطبيعة بفرض تلك المسافات على الإنسان حيث جعلته معزولا بفعل الأنهار والبحار، والصحاري، والجبال، والغابات؛ إلا أن الإنسان في بداياته بسبب الكوارث الطبيعية، وهربا من سطوتها، وهجرانا للمكان بحثا عن الطعام كي لا يهلك ابتكر وسائل تواصله مع الضفاف الأخرى، فتكشف له تحت رغبة أن ينجو من الهلاك، هلاك الجوع، والموت من الكوارث عالما غريبا آخر بسبب أفعال غريبة لم يفهم لم تمارسها عليه الطبيعة حتى ظهرت في عينه آلهة غريبة عنه تمثلها في قوى الطبيعة، حاول فهمها، وإرضاءها كي تكف عن سلوكها الغريب المتمثل في الزلازل، والبراكين، والفيضانات والعواصف، ومن ثم الموت، والأمراض والمجاعات!. تحول هذا التكشف مع الاستقرار إلى معرفة، وصار الهروب من الكارثة فعل إرادة يُطْلَب لرغبة اكتشاف عوالم غريبة عبر السفر، والترحال؛ كأنه إحياء لذكرى الهروب من الكارثة للفوز بالنجاة في تحوله إلى طقس معرفي ومتعوي!. حيث العالم لا يتبدى له في طبيعته القاسية تحت سلطة متاهته الغريبة. هكذا عبَّد هذه المتاهة الغريبة عبر تجسير الخوف منها في طقس نشدان المعرفة بغرائب العالم!. فأصبحت فكرة ( النجاة) اللؤلؤة التائهة التي يسيح الإنسان في الأرض؛ ليجدها ويحضى بالخلاص!.

تحتفظ التوراة كمروية أسطورية عن الماضي المؤسس بكثير من الآيات التي تربط الكهف بالهرب من الكارثة سواء كارثة حرب، أوكارثة طبيعية، أو عقاب إلاهي بحرق قرية كما جاء في حكاية لوط مع شعب سدوم وعمورة حين قرر الرب إحراقهما؛ فنقرأ في سفر التكوين:( وغادر لوط وابنتاه بعد ذلك صوغر، واستقروا في الجبل لأنه خاف أن يسكن في صوغر. فلجأ هو وابنتاه إلى كهف هناك). وفي سفر إشعياء الثاني نقرأ:( يدخلون في كهوف الصخر، وفي شقوق الجروف الجبلية هربا من هيبة الرب ومن مجد جلاله عندما يهب ليزلزل الأرض). وفي سفر يشوع:( وهرب الملوك الخمسة واختبأوا في كهف في مقيدة). فالذي نلاحظه هنا في حضور الكهف في الحكاية الدينية؛ كمكان، ومأوى للأمن؛ أنه احتفظ بهذه الآلية عبر حكاية القبيلة المقدسة؛ لأنه ساهم منذ البداية في حل مشكلة التكيف مع الصعوبات التي واجهته من مخاوف الطبيعة!.

 تروي لنا كتب التاريخ، والسيرة في الثقافة العربية حكايات التأسيس الأولى للعالم، منها عن أول من حكم الأرض من ولد آدم. فبحسب مايرويه محمد بن حبيب البغدادي في كتاب ( المحبر)؛ فإن أول من ملك الأرض ( جم شاذ… من ولد قابيل). كان من سيرته أنه:( يقطع الدنيا كل يوم كما تقطعها الشمس: يضحي بالمشرق ويمسي بالمغرب). هكذا بلا تفاصيل تنطوي الرواية على أسطرة للتيه البشري على الأرض جاعلة من أحد أبناء السلالة الأولى للبشرية بحسب المروية الدينية بطلا لهذه السياحة بحيث تتمثل الرمزية البطولية في القدرة الخارقة في قطع الدنيا في يوم كعمر الشمس، تلك المسافات التي تاه فيها الإنسان على مدى سنوات متشتتا في الأرض يقطعها ابن قابيل في يوم!. هذه المروية تعد تطويرا لمروية وحشة آدم حين هبط للأرض واستوحش من سعتها كما يخبرنا الأزرقي في ( أخباره عن مكة ) في رواية عن الإخباري الشهير وهب بن منبه يقول فيها أن:(آدم لما هبط إلى الأرض استوحش فيها لما رأى من سعتها ولم ير فيها أحدا غيره…). هنا تحيل الرواية عبر الأب المؤسس  على تخييل سيرة الإغتراب الأصلي أسطوريا حيث آدم وحيدا مستوحشا. لكن الرب بحس المروية عند الأزرقي وعده بنسل يملأ الأرض وينقذه من محنة اغترابه!. هكذا يأتي جم شاد ويحول بإذن الرب المسافة الشاسعة التي أذهلت والده إلى رحلة يومية واضحة الطرق تمثلا بدرب الشمس اليومي!.

إنها دلالة على السيطرة على العالم، وامتلاكه أي على متاهته. فهذا ماتنوي الأسطورة أن تقوله لنا حيث لايجد جم شاذ صعوبة حين يطوف العالم ويعود في يوم واحد باعتباره ممثلا لقدرة الرب الذي صار يعطي قدرته في السيطرة على متاهة العالم لأبنائه البررة!. إنها حكاية أسطورية عن الشتات البشري منذ أن انتصب الإنسان وتاه في الأرض باحثا عن الطعام، أو هاربا من كارثة طبيعية. ذلك الشتات الذي يقصه علينا علماء الإنسان خلافا للحكاية التي رمزت متاهة الإنسان، واغترابه في العالم انطلاقا من الجنوب الشرقي لأفريقيا حتى بقية المعمورة طاويا في تلك الرحلة حكايته العامرة بالأسرار، والغموض متطورا، ومطوِرا عوالمه الرمزية بالعالم!.

فهذا الهروب من الكارثة، يمكن تتبع تبلوره كطقس ديني للمعرفة من خلال فهم الدلالة كما تزودنا بها المعاجم العربية لكلمة ( السياحة ). فلسان العرب لابن منظور مثلا يقول في ( سيح: السيح: الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض…وساح يسيح سيحا، وسيحانا إذا جرى على وجه الأرض). وينقل حديثا ذا دلالة هنا يقول:( وفي حديث البراء في صفة البئر: فلقد أخرج أحدنا بثوب مخافة الغرق ثم ساحت أي جرى ماؤها وفاضت).

ومن فعل ساح تشتق ( السياحة) التي يتضمن معناها ذلك التحول العميق لطقس الهيمان في الأرض. يقول ابن منظور في اللسان:( والسياحة: الذهاب في الأرض للعبادة والترهب، وساح في الأرض يسيح سياحة وسيوحا وسيحا وسياحا أي ذهب، وفي الحديث: لا سياحة في الإسلام؛ أراد بالسياحة مفارقة الأمصار، والذهاب في الأرض، وأصله من سيح الماء الجاري، قال ابن الأثير: أراد مفارقة الأمصار وسكنى البراري وترك شهود الجمعة والجماعات، قال: وقيل أراد الذين يسعون في الأرض بالشر والنميمة والإفساد بين الناس، وقد ساح، ومنه المسيح بن مريم… في بعض الأقاويل: كان يذهب في الأرض فأينما أدركه الليل صف قدميه وصلى حتى الصباح). وبذات المعاني يقول القاموس المحيط للفيروزآبادي تحت كلمة ( سيح):( ساح الماء يسيح سيحا وسيحانا: جرى على وجه الأرض… والسياحة، بالكسر، والسيوح والسيحان والسيح: الذهاب في الأرض للعبادة، ومنه: المسيح ابن مريم). وبهذا المعنى استعمله سليمان التاجر، أو سليمان السيرافي كما في إحدى تحقيقات رحلته إلى بلاد الهند، والصين واليابان وأندونيسيا في القرن الثالث الهجري حين يشير إلى مشاهداته للسياح الهنود بقوله:( وفي بلاد الهند من ينسب إلى السياحة في الغياض والجبال وقل مايعاشر الناس ويأكل أحيانا الحشيش وثمر الغياض ويجعل في إحليله حلقة حديد لئلا يأتي النساء. ومنهم العريان إلا أن عليه شيئا من جلود النمور. فقد رأيت رجلا منهم كما وصفت ثم انصرفت وعدت بعد ست عشرة سنة فرأيته على تلك الحال، فتعجبت كيف لم تسل عينه من حر الشمس) ( رحلة السيرافي سنة ٢٢٧هج – ٨٥١م).

إذن السياحة كما يتضح من مختلف وجوه كلام ابن منظور التنقل في الأرض، وأيضا للعبادة والترهب. ويتضح أن هذا المعنى متأخر حيث تجربة وعي العبادة، والترهب تتأخر عن معنى تنقل الماء في الأرض، وهو ما يؤكده ابن منظور حين يقول:( وأصله من سيح الماء الجاري)؛ وذلك لأننا نعلم من تجارب، وخبرات القديسين، والأنبياء أنهم عبروا عن هذا السلوك باعتباره أعلى تجارب المعرفة المتبعة التي تتصل بإيجاد مخرج للفرد، والجماعة من أزمة ما!. لذلك فإن نتائج هذا الترهب هو الوصول إلى النجاة، أو الخلاص، أو الحصول على النور، والتنور كما تخبرنا حكاية البوذا، الذي كان يتنقل ويسيح حتى حصلت له الإستنارة تحت إحدى الأشجار، وهنا تأخذ كلمة ( شجرة المعرفة) معناها الرمزي من هذا الوصول للتنور. فاسم البوذا فيما يعني ( اليقظ، المنير، والمستنير كما يشرح معناها مترجم انجيل بوذا سامي سليمان شيا). هذا يبين لنا العلاقة بين الهروب من الكارثة؛ لأجل النجاة عبر التنقل في الأرض بحثا عن معنى في مكان ما ينقذ من الكارثة؛ لذلك تستذكر وتحول القبائل، والجماعات هذا الفعل الاضطراري إلى حكاية مقدسة تبجل فيها فعل النجاة، والوصول إلى البشارة، والخلاص من الهلاك، والذي يعزى إلى قوى غيبية، أو إلى إله القبيلة، كما يتضح من سفر الخروج التوراتي الذي يؤسطر حكاية النجاة للقبائل اليهودية على يدي موسى كنبي لإله التوراة. فبعد سنين من نجاة القبائل يجعل الكهنة هذا الفعل طقسا من أجل الحصول على النجاة من الرب من خلال محاكاة لا واعية لتنقل القبيلة في البراري، والقفار بحثا عن نجاة ما!. ونفهم من الوصف الذي يحكيه لنا سليمان السيرافي عن السياحة في الهند أنها تجربة تحاكي، أو بمعنى أدق تتذكر رمزيا فعل التهجير الناتج عن الكوارث، وما يصاحبه من جوع، وملاقاة شتى أنواع المحن مما يطر الإنسان للعيش على الكفاف كأن يأكل الحشائش، وهو فعل يحاكيه طقس سياحة الترهبن في شكل التقشف، والعيش على الكفاف، وكأن القبيلة هنا تحتفظ بذكرى تشردها عبر طقسنة فعل التشرد والجوع في السياحة الدينية، وطقس الترهبن!. كذلك يمكن تفهم العزلة التي نأخذها من أجل تأمل لحظات حياتنا للخروج بمعنى ينجينا من ألم، أو شك، وحيرة قاتلة لايمكن فهمها ونحن في الناس بل تتطلب الهروب عبر العزلة عن الناس، أوالتنقل في الأرض، كما هو الطقس القديم وسكنى القفار، والجبال، والأماكن النائية كالغابات، والجزر، البعيدة التي يكون فيها الإنسان غريبا!. فعبر هذا المسلك وصل الحكيم الصيني لاوتسي إلى مقدرته على سماع حفيف جناح الذبابة كما يخبرنا بذلك ( كتاب ليتزو ت. محسن فرجاني) أحد كتب الطاوية المقدسة حيث يقول في واحدة من حكاياته:( ليس سوى ابن السماء ( الامبراطور)، ورونغ تشنزي ( لقب من ألقاب لاوتسي) هما وحدهما اللذان يملكان ( بقوة البصيرة القلبية، بعد أن صاما ثلاثة أشهر، وأقاما بكهوف الجبال حتى خمود شهوة النفس وذبول الجسم..) أن يشاهدا ماتضاءل من الهوام وكأنه تل من تلال جبل ” سونشان”، وأن يسمعا بقوة إنصات متدارك رفة جناح الدويبة، كأنها هدير الطبول أو هزيم الرعد في عنان السماء).

 ومايلفت في هذا السياق أن التنقل في الأرض سواء بفعل التهجير القسري الناتج عن كوارث الطبيعة، أو خيارا كطقس السياحة الترهبية أنه ساهم في ترسيخ غربة الإنسان في الحياة، وهذه الغربة كانت في البدايات ناتجة عن حكايات التيه البشري البدئي، لذلك يكنى عن الغريب في العربية بابن الأرض حيث الترحل صار من علامات حياة العربي وثقافته، فيقولون: (ابن الأرض ويقصدون به الغريب) بحسب رواية ابن فارس في معجمه( مقاييس اللغة). ونجد الفكرة متمثلة في قول محمود الوراق كما يروي الثعالبي في ( ثمار القلوب):

  تنكب بُنيّات الطريق وجورها               فإنك في الدنيا غريب مسافر

فكما أن الإنسان إذا حلت به مجاعة، أو كارثة طبيعية فر وترحل بحثا عن أمان وطعام؛ فإن الشاعر هنا يعيد ذلك الترك الطبيعي للمكان بأن يأمر بترك الصعاب والمشاق _ وهو المقصود ببنيات الطريق _ ويعيش غربته بوصفه غريبا في الحياة مهمته أن يبقى مسافرا لا تستبقيه محنة، ولا تستوقفه كارثة!. من هذا التيه في الفلوات أقام الإنسان علاقة دينية بالكواكب، والنجوم كمعبودات، وكأدلة للتائهين من الغرباء المسافرين ليهتدوا بهم في ظلمة الليل. فحين نتفحص التقسيمة المتداولة للشعوب في التأريخ سنجد شعوب الزراعة، والرعاة البدو، جاء هذا التقسيم بعد الاستقرار. فقبل الاستقرار الذي جاء مع الزراعة، كانت القبائل تصنف لقبائل تجمع الثمار وتلتقطها وربما هي التي تحولت إلى شعوب زراعية بعد أن كانت تترحل بحثا عن الثمار. وهناك قبائل كانت تعتمد على الصيد وهي قبائل مترحلة دائما بحثا عن الفرائس. فالقبائل البدوية، والرعوية هم الذين استمر فيهم الترحل بعد أن وجد قسم من الشعوب استقراره مع الزراعة. وبين الترحل والاستقرار نلحظ تشكل مظاهر الدين الذي يرتبط بشكل الحياة بين هذين القسمين في مظاهر معبوداتهم. فالبدو لهم ارتباط ديني وثيق بالكواكب والنجوم، بينما المزارعون فقد قدسوا الأشجار،والمياه، سواء مياه العيون والأنهار، أو الآبار وهذا يلمح إلى الصلات الوثيقة بين التقديس، وشكل الهداية، أو النجاة التي تقدمها هذه الرموز؛ فالمياه هي رمز لوهب الحياة؛ فالمترحل يواجه هلاكه في جوعه وعطشه، من هنا هذه العلاقة بين تقديس المياه، والأشجار لدى الشعوب الزراعية التي اهتدت لنبع الماء، والشجر كمصدر للحياة؛ لأنها أنقذتهما من هلاك الترحل الذي يرتبط بالجوع والعطش.

لقد قسم العرب الكواكب جغرافيا كما يذكر الأزرقي في كتابه( الأزمنة والأمكنة ) إلى كواكب شمالية، وتسميها العرب ( الكواكب الشامية). وكواكب جنوبية وتسميها ( الكواكب اليمنية ). وأحد أبرز الكواكب الجنوبية اليمنية كوكب، أو (نجم سهيل) الذي يقول عنه الأزرقي:( سهيل أشفق الكواكب على الغرباء وأبناء السبيل..). وسبب هذه العلاقة الحميمية الشفوقة التي كونها سهيل مع الغرباء ربما؛ لأنه كما يقول الأزرقي:( طلع في الليلة الواحدة مرتين، ويغيب مرتين. ويقال: غيبته بعد طلوعه لدنوّه من كوكبتيه وصاحبتيه). هكذا يكون الظهور المتكرر في حلكة الليل لنور سهيل دليلا للغرباء في متاهة أسفارهم؛ فيشفق عليهم بنوره من تلك الظلمة التي قد ترميهم في ضياع أشد كما يقيهم من شدة الحر، وربما هنا نتلمس معنى الإشفاق، فسهيل يطلع بعد نجم العُذرة التي كما يقول قطرب في كتابه( الأزمنة وتلبية الجاهلية):( إذا طلعت العذرة فعكّةٌ نُكرةٌ. أي جَوٌ مُنْكَرٌ). فبعد العذرة يقول قطرب:( يطلع سهيل..فإذا طلع سهيل برد الليل.. وقال بعضهم: إذا طلع سهيل طاب الثرى وجاد الليل…). لذا احتفظت العرب معه بهذه العلاقة الحميمية كهادٍ للغرباء في تيههم، ويخفف عليهم حر الهجير في ليالي ترحالهم، هم الذين أدمنوا تلك المتاهات التي تشهد عليها هجراتهم طوال التاريخ عبر فلوات الجزيرة العربية وبحارها، والتي أخذت في تقسيم جغرافيا الكواكب طابع هجراتهم التاريخية حيث تدون المرويات التاريخية هجرات القبائل العربية من الجنوب نحو الشمال!. وفيما يخص التيه في البحار نجد نسخة مقابلة لأسطورة سهيل هادي الغرباء، والمشفق عليهم من حر الشمس، ومتاهة البحار تتمحور حول الرجل الصالح الخضر الذي يبدو من حكاية يرويها صاحب كتاب ( خريدة العجائب وفريدة الغرائب ) سراج الدين الوردي أنه مختص بهداية التائهين في البحار الذين غربتهم عواصفه تقول الحكاية:( ذكر بعض المسافرين أن البحر هاج عليهم مرة فانتظروا، فإذا شيخ أبيض الرأس واللحية وعليه ثياب خضر يتنقل على متن البحر وهو يقول: سبحان من دبر الأمور، وقدر المقدور، وعلم مافي الصدور، وألجم البحر بقدرته أن يفور، سيروا بين الشمال والشرق حتى تنتهوا إلى جبل الطرق، واسلكوا وسط ذلك فتنجوا إن شاء الله من المهالك. ففعلوا ذلك فسلموا ونجوا وتحققوا أنه الخضر عليه السلام، ووصلوا إلى جزيرة بها خلق طوال الوجوه بأيديهم قضبان الذهب يعتمدون عليها ويتقاتلون بها وطعامهم اللوز والقسطل، فأقاموا عندهم شهرا وأخذوا من قضبان الذهب شيئا كثيرا ولم يمنعهم أهل الجزيرة من أخذ ذلك؛ وأقاموا حتى هبت رياحهم فسافروا على السمت الذي قال لهم الخضر عليه السلام، فتخلصوا ونجوا..). ومن أسطورة الهداية هذه تنبني عليها طريقة ( الخضر) الصوفية حيث يتخذونه:( وليا يغدون ويروحون في كنفه وتحت رعايته) كما يخبرنا إدريس شاه في كتابه( الصوفيون). فالخضر كولي صوفي، ورمز للهداية من الضياع، والمهالك يمثل تطويرا لآليات الإمساك بمتاهة الحياة والغربة الناتجة عن الترحل الأبدي المرافق للإنسان حتى بعد استقراره؛ فهذه الرموز الدينية تطورت مع الاستقرار الذي لم يضع حدا للترحل بقدر ما أفرز، واستكشف متاهات جديدة حاول عبر تطوير معارفه أن يضبطها؛ لكنها كما يوضح لنا أيضا زيجمونت باومان في ( الحدتثة والإبهام) تتكشف عن مزيد من الإبهام والغموض.

تحيلنا القصة السابقة بما لها من ارتباط بالخضر كشخصية صوفية إلى تأمل بعدها الرمزي من حيث تمثيل الرحلة الظاهر في لجة البحر بكونها تشير لرحلة الذات الداخلية المظلمة نحو التبصر. فالحيرة والشكوك التي تصيب السالك الداخل في بحر الذات تقابلها في القصة أمواج البحر ورياحه العاتية هي المقابل الرمزي لتلاطم الذات في الحيرة، لذا يحضر الخضر كمعلم متبصر يدل السالك نحو طريق الهداية، والتبصر الذي هو هدف الرحلة التي يسعى لها المُبحر في الذات كي لا يتيه في ظلماتها وتتلاعب به شكوكه!.

ولأن الخضر يحمل هذه الدلالة الرمزية كولي هاد؛ لذا تحضى شخصيته بالانتشار في العالم العربي، وحتى الغربي مع نسخة القديس جورجيوس ( انظر لغز عشتار لفراس السواح، أو الصوفيون لإدريس شاه). وتبرز شخصيته الشعبية البعيدة عن الخصوصية الصوفية ذات الأسرار في انتشار الأماكن المقدسة التي تحال عليه بوصفه صاحب كرامات يعين الناس الذين تاهت أحوالهم في لجة الحياة؛ لذا يلجؤن له مقدمين نذورهم، وعطاياهم لعله يفك لهم طلاسم حيرتهم أمام أقدارهم!. أحد تلك الأماكن الدينية الشهيرة نجدها في جزيرة تاروت إحدى أهم جزر الخليج العربي التاريخية التي كانت تحتفظ للخضر بمكان مقدس كان يُعرف ب( الخضر)، وتقدم له من خلاله النذور، وعُرف تاليا بمسجد الخضر!.

لقد شاع سلوك الرهبنة، والتنقل في قفار الجزيرة العربية حيث تشهد عليه كثير من سير القديسين، والأديرة المنتشرة في الجبال، والقفار مثلما يذكرها لويس شيخو في كتابه ( النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية) حيث يؤكد على الظاهرة بذكره لقصة المسيح كما ينص عليها ابن منظور، فالمسيح بن مريم سمي مسيحا؛ لأنه كان يسيح في الأرض متعبدا. ومنها كما يذكر شيخو قصة النعمان بن المنذر أحد ملوك الحيرة حين تنصر ساح في الأرض ترهبا، وفي رواية ينقلها عن الأغاني فيما يروي عن النعمان أنه : ( لبس المسوح وتنصر وترهب وخرج سائحا على وجهه فلا يدري ما كانت حاله)!. ويسمي الأقباط حتى اليوم بفخر الأنبا بولا بأول السائحين. فإذا كانت القبيلة ساعة الكارثة تهرب، وتترك أملاكها؛ فإن فعل السياحة كطقس تعبدي يحافظ على هذا المعنى، فالمسيح لم يكن يحمل معه شيئا، والمنذر ترك ملكله وتنقل في الأرض، والبوذا، والمترهبين الهندوس كانوا يرتدون القليل من الملابس، ويعيشون مما يجدونه في الطريق كصدقات، وأعطيات من الناس، وهو في عمق تجربة المتصوفين في الاسلام، وكما ينبهنا ابن منظور في حديث البراء حين يقول عن صفة البئر:( فقد أخرج أحدنا بثوب مخافة الغرق). فهذا الحديث يسترجع فعلا، وحدثا أصيلا في مخيلة الثقافة، وفي حكايات القبائل مع الكوارث عن كونها تخرج بثيابها تاركة كل شيء خوفا من الهلاك، وهذا ما يفعله البحارة ساعة غرق المراكب حين يأخذون القليل وينجون بأنفسهم، ويتركون المراكب بما فيها للبحر. هكذا هو سلوك المترهبن حيث يحاكي سلوك الهروب من الكارثة المتجذر في المخيلة الجمعية للقبيلة لاوعيا؛ لكن هنا ستأخذ النجاة شكلا أعمق رمزيا، ستكون النجاة شخصية، وقد يربطها أصحابها برغبة النجاة للجماعة التي تعاني من أزمة أخلاقية وروحية، وربما سياسية، لذلك يذهب في الأرض، والعزلة في سلوك متقشف بغية الوصول إلى فكرة، ومعنى للخلاص، والنجاة!. لقد تمثلت الكوارث في السلوك العنيف الصادر من الطبيعة الذي تُحيله كل ديانة إلى معبودها، أو الإله المختص بتلك الظاهرة كإله الرعد أو الريح، أو ملاك الريح كما يُعرف في الثقافة الإسلامية؛ لذا نجد الرسول في حديث يرويه أبو حيان التوحيدي في ( امتاعه ومؤانسته) يحذر المسلمين الذين يترحلون في الأرض من أن يتخذوا أرضا يكثر فيها العذاب المتمثل في كثرة البرد يقول الحديث:( إذا اخترتم أرضا فلا تختاروا أرمينية، فإن فيها قطعة من عذاب الله، يعني البَرْد).

في فعل الترهبن نرى التأمل مرتبطا بغرائب العالم باعتبارها شواهد، ودلائل على الخالق، فكأنه فعل يستقصي معناها عبر التنقل في الأرض حيث تتمثل في فعل السياحة استقصاء لمعنى المسافات التي تتبدى فيها أفعال الطبيعة والقوى الغيبية لدى المؤمن المترهبن في أشكال غريبة، وعصية على الأدراك والفهم، وهي النتيجة التي ستعزى للكتب المقدسة باعتبارها تمثلا رمزيا لمعاني أسرار الحياة والخلق، حيث يفاخر دينيا بكون الكتب المقدسة حاوية لغرائب أسرار الخالق، وهذه الفكرة كانت في صلب نقاش عالم الأحياء ريتشرد دوكنز حيث سيجادل الكتاب المقدس الذي يعظم ذكره لغرائب العالم باعتبارها دليلا على عظمة الخالق في الجزء الآول من حلقاته الوثائقية على اليوتيوب لشرح نظرية التطور حين يقول بأن في الطبيعة الكثير من الغرائب أكثر مما يعرفه الكتاب المقدس!.

وعلى مفازات تلك المسافات تتخمر المخيلة، وتفرز سيولة متدفقة من التصورات والمتخيلات عنا، وعن العالم من حولنا. المسافات البعيدة تلك خلقت الكائنات الغريبة ( الآلهة، الجن العفاريت، الشياطين، الكائنات الفضائية) وحولت الكائنات البشرية في عيون بعضهم متوحشين، ومفترسين، ويحملون الدمار والشر، أو الكنوز، والجمال المذهل والعجيب، والمعرفة والأسرار، وجعلت من الأحجار، والثمار غرائب باهضة القيمة الرمزية، والمادية حيث قدست بوصفها تحمل أسرار الآلهة، والطبيعة لتكون شافية، وطاردة للشر، والسوء، أو جالبة للمضرات!.

من تلك المسافة الشاسعة التي تكون فيها ذواتنا بعيدة عنا نتشكل كغرباء عنها، وتكون غريبة عنا، وعن العالم، حتى لتنبت شيئا فشيئا رهبة، ورهابا من الاقتراب منها، فنقول عن المكتشفين لها، والمقتحمين لأعماقها: إنهم حكماء عظماء، وأبطال!. ليكون الدرس العميق في التوغل، واكتشاف الذات هو قطع تلك المفازات لمعرفة الحياة، واكتشاف أسرارها الغريبة. مفازات صحرائها عبر الدخول في مغامرة معذبة ومهلكة من أجل فهم الغرائب التي تخلقها المسافات!. لقد تحول هذا الفعل إلى فعل رمزي في الثقافة، هذا الفعل الطقس الذي يستكشف المسافة التي ترمي الإنسان في متاهة مخيلته يسبح في غرائب الأشكال والتصورات، والأوهام!. من هنا ستخلق مخيلة الثقافة العربية أسطورة السندباد، ومثله كانت ملحمة جلجامش التي يمكن القول بأن حكايات السندباد تطويرا لحكاية ترحل جلجامش!. حيث في الملحمة ستتكشف لجلجامش تلك المسافة الرهيبة بين الانسان، والغيب _ باعتباره المتاهة الكبرى _ عبر الموت؛ ليهيم في مغامرة يستكشف عبرها لغز المسافة التي يضفيها الموت على الحياة ساعة الفقد. ولسبر تلك الهوة السحيقة هام جلجامش ملوثا بالألم، والحيرة من غرابة الموت، والحياة!. هكذا تخلق المسافة الغرابة، والغربة، إذ تنفي الوضوح، وتفاقم الغموض، والحيرة، والشك حتى تسنى للإنسان أن يتنبه ليقين المسافة في الإيمان بالغيب وتقديسه، صار هو مثال الإعجاز، حيث القريب يشي بالتفاهة، والصغر، فلا يتمتع بهيبة البعيد الغامض الذي يفيض على مخيلة الإنسان بكل شيء بشكل غريب، نافيا الحدود، فتسير فيه مخيلة الإنسان مروضة متاهتها بالإيمان بغرابة غموض الغيب؛ لتبني الثقافة الدينية عبر الإيمان كافة تصوراتها عن غرائبه في العالم!.

مع تطور فكرة التأمل في العالم، وللسعي لفهم الحكمة من الوجود، والمعنى من التجارب التي أصبحت مع الحضارات التي عرفها الإنسان تصاغ بأشكال، وتنوعات حسب الحقب التي يظهر فيها المعلمون الفاعلون، والؤسسون للأفكار الدينية، والفلسفية. فمع ازدياد التأمل في الطرق التي يتبعها المتعلمون والحكماء للوصول للصفاء الذهني، وبلوغ الحكمة عبر ترويض الجسد تعرضت فكرة السفر، والترحال من أجل اكتساب المعرفة، وإخضاع الذات للامتحانات، والتجارب إلى تشكيك في صلاحيتها حين وصل الأمر إلى معرفة الذات.

لقد اكتشف الإنسان مع الاستقرار الناتج عن وفرة الطعام، وظهور الحضارة عالمه الداخلي؛ فانفتح على عالم مخيف، ومجهول مدوخ مما حول أنظاره إلى ابتكار طرق للترحال، والسفر إلى الذات بدل الاعتماد على الترحال إلى الخارج، والتنقل بين الأمكنة. نلحظ هذا في مصطلحي ( الهجرة، والسفر ) في التصوف الإسلامي حيث يعبران عن فكرة الترحال والصعود نحو أعماق الروح، والذات العليا التي ترمز لله!. هذا ما تخبرنا به أيضا التجربة الفكرية في الحضارة الصينية القديمة قبل ظهور الحضارة العربية الإسلامية. فقد عُرِف عن الحكيم الصيني ليتزو كما تقول حكاياته في كتابه المقدس ( كتاب ليتزو) أنه كان محبا للسفر، والترحال؛ ليستقي منها معرفته بتطورات العالم من حوله، وعلى إثرها يصل إلى بصيرته؛ لكن الحكاية تقول أيضا أن هذا المسلك كان في بدايات حياته، وهو أمر يشترك فيه المتصوفة في الإسلام؛ فغالبيتهم عرفوا السفر في بدايات حياتهم كما يشير القشيري في رسالته. لقد واجه حب ليتزو للسفر سؤال الحكيم هو شيو تسي الذي قال له يوما:( أراك تحب الترحال يايوكو ( لقب ليتزو) فقل لي ما الذي يعجبك في هذه الهواية). بعد أن بين ليتزو لهو شيو تسي هدفه من أسفاره قال له هو شيو:( اسمع يا يوكيو، ماتقوله عن الرحلات يتفق مع تجارب الآخرين وآرائهم، فلماذا تزعم أنك مختلف عنهم؟ وأرى أن كل الأشياء يمكن أن تستبين، وأن تبدي مظاهر تغيراتها وتطوراتها المتعاقبة. إن الاكتفاء بمشاهدة الجديد يعوقك عن ملاحظة مسعاك الذاتي نحو التبدل والتجديد المتواصل؛ فأنت تسعى جاهدا في رحلة مشاهدة خارجية، دون أن تكلف نفسك عناء القيام برحلة إلى أعماق نفسك. إن الاقتصار على رحلة المتعة بالملاحظة الخارجية سيقصر غرضها على السعي إلى رؤية اكتمال صفات الأشياء، أما رحلة الأعماق الذاتية، فستتيح للإنسان أن يرى الذات عالما مكتملا بنفسه. وإذ تبدو الذات عالما مكتملا، فستكون الرحلة في هذا العالم الذاتي واصلة إلى الحدود المثلى، وهو ما لن تجده في رحلتك الخارجية التي تسعى فيها لرؤية عين الصفات التامة وحدود مشاهد الروعة الكاملة). ونتيجة لذلك غير ليتزو قناعاته كما تكمل حكاياته:( ومن حينئذ، قعد ليتزو عن التجوال، متنزها في سياحات خارجية؛ متصورا أنه لا يدرك أدنى قدر من المعرفة المطلوبة للقيام بالرحلة الخلوية..). لقد حول هو شيو الهدف الحقيقي من الرحلة، والتجوال ليس معرفة الخارج واستخدامه كوسيلة لمعرفة الذات بل الدخول مباشرة في السفر نحو الذات هذا العالم الغامض. تشرح بقية الحكاية تأملات هو شيو:( إن الاحتجاب عن الترحال الخارجي والاقتصار على الرحلة الذاتية الداخلية.. يعد سعيا محموما للتجوال في عوالم الباطن المثالية، ولن يشقى أولئك الغارقون في حدود عالمهم المثالي بالبحث عن أهداف للتجوال ولن يتساءلوا إلى أين يشدون رحالهم، ولن يتفكروا فيما يودون مشاهدته؛ لأنهم – ساعتئذ- سيكونون قد طافوا بكل الأرجاء، ورأوا في أعماقهم كل المشاهد..). يشرح هو شيو مقصده من فكرته عن الرحلة نحو الذات: ( ذلك هو ما أقصده تماما بلفظة” الرحلة” ذلك هو ما أعنيه من تلك الكلمة؛ فلهذا أقول بأن تلك هي الرحلة التي تبلغ أروع الآفاق). إن هذا الانقلاب يحاكي رمزيا المسلك القديم للترحال المعرفي الذي كان يقال أنه يضفي التجدد على العقل والجسد؛ لكنه في اتحاه معاكس جاء نتيجة ظهور مشكلة الذات وتغير العلاقات بين الزمرة الاجتماعية الواحدة التي كانت كقبيلة يتوحد أفرادها في مسلك، وثقافة موحدة بحيث تضع حدا لفكرة الطموح الذاتي الذي سنشاهده يبرز مع الاستقرار، وظهور الحضارة حيث تكشف للناس داخل المجتمع الواحد أنهم غرباء عن بعضهم بحسب إشارة فريد سباير في كتابه( التاريخ الكبير )، مما يعني تحول الاغتراب الخارجي الذي يمثلة الترحال، نحو اغتراب داخلي يمثله الترحل صوب مجهول الذات!.

من هنا نلحظ تشكل الغربة شعريا في الحضارات القديمة منذ حضارة الرافدين التي نقرأ مع ملحمة جلجامش غربة الذات في تغرب جلجامش بعد مقتل صديقه أنكيدو حين ذهبا في مغامرة لقتل خمبابا حارس غابة الأرز، أو في الحضارة المصرية مع نص سنوحي الذي سنتحدث عنه تاليا.

إن الحديث عن اغتراب الذات شعريا ظاهرة نلاحظها حاضرة في التجارب الشعرية منذ التقاليد الأدبية بحيث شكل حضورها معلما أساسيا في تجارب الشعراء الكبار في كل حضارة. من هنا يمكن القول بأن الغربة، والغريب كتعبير عن الحالة القصوى من تمظهر الذات في العالم هي ظاهرة شعرية بما تمثله كعلامة متمايزة داخل النتاج الشعري والأدبي. وكأن الشاعر يروي عبر تغربه غربة الإنسان البدئية قبل الاستقرار؛ لكننا مع الاستقرار الذي ستتبدى فيه الغربة مع الشعراء سنقرأ الشعور المأساوي للذات في وحدتها مع الناس، وهذا مايعطي ملاحظة سباير معناها!.

 في الثقافة الإسلامية يقال عن الأنبياء _ ولاحقا ضُم العلماء _ بأنهم غرباء. وقد روجت الفكرة حتى أنها ذهبت لتمييز المؤمنين الحقيقين من غيرهم بكونهم الغرباء في كل عصر كما يؤكد ذلك كتاب ( الغرباء) لأبي  بكر محمد بن الحسين الآجري الذي يفتتح كتابه بحديث مشهور يحتفي بالغريب في لازمة لغوية في نهايته تحولت لأنشودة لكل غريب داخل الإسلام: طوبى للغرباء!. هكذا يقول الحدي: ( ولد الإسلام غريبا وسيعود غريبا، فطوبى للغرباء). يروى الحديث في صيغ مختلفة، وفي مواقف للرسول مع أصحابه تتغير فيها صيغة الحديث، وتبقى اللازمة حاضرة: طوبى للغرباء!. ومع تكرار المقطع، ولنسمِّها هنا بأنشودة الغريب. يتقافز أصحاب الرسول في التساؤل عمن يكون هؤلاء الغرباء، مما يلمح من لهفتهم على معرفة الجواب؛ بأن يكونوا من المقصودين بالغرباء!. فيعطيهم التمييز الذي سيلوكه المؤلف طوال الكتاب. يعطينا التشكيك الذي يبديه المحقق لكثير من هذه الأحاديث الحق في التفكير في كون الفكرة جزء من تراث عميق في التقاليد العربية هي التي سنقرأ تعاليها في دعوة المتنبي حين يغني:

تغرب لا مستعظما غير نفسه     ولا قابلا إلا لخالقه حكما

وهي من السعة بحيث تتطلب مجلدا خاصا. لكننا نعود للتمييز الذي يعطيه الرسول لسائليه، والذي يستند عليه المؤلف في توسيعه له عبر مختلف الشروحات.

هذا التمييز بالحق في الإيمان يستند هنا على كون ناسها عاشوا كغرباء. من هنا نلحظ الإحالة مع تجربة النبوة التي يمكن أن نقول أنه لا نبي بلاغربة، ودون أن يعيش غريبا في العالم. من قراءة أسفار التوراة نعرف أن الآباء المؤسسين في مروياتها مترحلون، وبالتالي غرباء استنادا لما يقوله لنا ابن فارس في ( مقاييس اللغة ) عن أن ابن الأرض: الغريب المترحل. فإبراهيم ترحل بين العراق، والجزيرة العربية، وابنه اسماعيل الذي يرتبط به، وبأمه نسل العرب كان مترحلا، وموسى الذي ارتبط اليهود به كأب مؤسس لأسطورة الخروج كانت أسطورته نتاج الترحل، والاغتراب هو الذي كانت ولادته أيضا غريبة حيث تجعله الرواية يعيش الغربتين منذ مولده حتى الكبر، وهي المروية التي تتقاسم مع الحكاية الأقدم لسرجون الأكدي ذات الشكل الأسطوري للتغرب حيث رمي في النهر لمصير غامض، ويكتنف أصله الغموض؛ لكن الأسطورة هنا تؤسس لهذا المسلك؛ فالمكانة التي حضي بها سرجون الأكدي كملك، وابراهيم كأب للأنبياء، وموسى كأب مؤسس للديانة اليهودية هي نتاج تلك الغربة. ومن هذا التقليد جاء النبي محمد حيث كان مترحلا للتجارة، وصاحب عزلة!. إن تجربة الترحل هنا مشتبكة بين الترحل في الخارج، والترحل في المخيلة حيث تعمل المخيلة على صوغ التجارب صوغا أدبيا عالي الهمة في جعلها التجربة غير مستنفذة في معنى حيث تعمد على تغريب الأحداث عن أحوالها، وهذا هو الصنيع الأدبي الذي نلحظه في الكتب المقدسة!.

إن تجارب الأنبياء مشتبكة بشكل ما بالتجربة الشعرية إذا لم نقل أنهم شعراء في خلفيات تجاربهم، وهذا ما سنلاحظه لدى المتنبي حين يماثل تجربة غربته بغربة صالح مع ثمود، وما المشكلة التي أثيرت مع النبي محمد وحضرت شاهدة في القرآن الإ تعبيرا عن هذا الصراع. فلربما يكمن وراء نفي الشعر عن الرسول هو التفرد برواية تجربته الدينية والثقافية. وهذا مايجعل تجربة المتنبي تحاط أيضا بهذا الإشكال، وقبله تجربة أمية بن أبي الصلت الذي تقول الروايات بأنه كان يعتقد أنه سيكون نبي العرب!. على كل تعود بنا هذه الأحداث إلى الإقرار بعمق التجربة الشعرية المرتبطة بالغربة؛ فليس من شاعر كبير لن يحتفي بذاته الإ بوصفه غريبا!.

فهذه الظاهرة نجدها حاضرة في صلب الشعر الذي يمثله كبار الشعراء، من امرئ القيس في الشعر العربي مرورا بالمتنبي، والجواهري، والسياب، وبدوي الجبل، ومحمود درويش حتى بودلير في الشعر الفرنسي، ووالت ويتمان في الشعر الأمريكي.

 يُكتب الغريب في التجربة الشعرية بين تمثله في اغتراب الشاعر في المكان والزمان، وهذه الحالة ماثلة في تجربة المتنبي الشعرية، وبين تأمل الغريب كحالة إنسانية تمثل عمق تجربة الوجود: من الألم، والمأساة، حتى الانتشاء بتجربة الحياة!. أسميها شعرية؛ لأنها حاضرة كأيقونة في القول الشعري في سلالة الذاكرة الأدبية، وذلك أيضا؛ لأن التجربة الشعرية هي التي تدون، وتصعّد الحالة إلى النمذجة والمثال. فالغريب كتجربة وجودية يخترق التجربة الشعرية بحيث لايمكن لشاعر عميق أن يتجاوزها، وذلك بوصفه من سلالة الغرباء الهائمين على وجه الحياة!.

من هنا مثلا يطلق الشاعر السويدي غونار إيكولوف على مشوار حياته المليئة بالألم والقلق ب( بدرب الغريب ) بحسب إشارة مترجم مختاراته إلى العربية كامران حرسان والذي يعنونها بذات التسمية!.

لقد ترحل إيكولوف بين أوروبا والشرق وتعلم لغاته، وقدم تجربة عميقة عن الإنسان وحيدا في العالم، وهذا مايعطي تفردها صدى واضحا لغربته خصوصا أن تجربته الشعرية الأولى لم تحض بالترحاب، واستقبلت بالرفض. لذلك نلحظ في كثير من قصائده السير وحيدا؛ كأن يقول مثلا في قصيدة مليئة بهذه الدلالة بعنوان ( أؤمن بالإنسان الوحيد):

( أؤمن بالإنسان الوحيد،

الذي يتجول وحيدا،

الذي لا يهرع ككلب صوب رائحة نفسه،

الذي مثل ذئب؛ لا يفر من رائحة الإنسان:

إنسان ونقيض إنسان، في آن واحد).

وحين نتصفح التجربة في الشعر العربي _ وهي شاسعة وعميقة جدا _ يلقانا صوت المتنبي الذي يمثل ظاهرة الغريب في عمق التجربة الشعرية العربية فحين يقول :

وهكذا كنت في أهلي وفي وطني       إن النفيس غريب حيثما كانا

فإنه يستعيد، ويستحضر في تمثله لذاته شعريا ظاهرة ملحمية ومأساوية لتاريخ تشكل غربة الذات، أو الإنسان يتفوق حضورها على كل حكاية مرتبطة بالحياة، بل تختصر حكاية الإنسان الوجودية مع الحياة من كائن ضعيف، ومستلب أمام العالم إلى إنسان مقتدر، ومغامر في تشييد الحياة، وتحديها كما كان يمثلها المتنبي في مغامراته. وهذه المغامرة تحكي: الإنسان الغريب في العالم. إنه يستكشف لغز الحياة أمام غربته!. لقد عمق المتنبي الذي كان ابنا للحضارة، والمدينة العربية فكرة الغربة حين يجاهر بغربته بين أهله، وأنه أينما حل فهو الغريب في الزمان والمكان؛ لكنه لايقول غربته رغبة بتعاطف سامعيه، أو قارئيه بل نتلمس فخرا بهذه الغربة؛ لأنها تحميه من كل إذلال، وهذا ما نلحظه مثلا حين يقول في لحظة يلتقط فيها ذاته التي عرفت بمغامراتها وتحديها للمخاطر:

أنا في أمة تداركها الل     ه غريب كصالح في ثمود

إنه يصادق عبر مقارنة ذاته بصالح الشخصية النبوية الإسطورية على اغترابه بوصفه منتم لسلالة غرباء؛ وكأنه حين يربطها بشخصيات مغتربة في مدونة الثقافة يحول اغترابه الشخصي إلى أمثولة تاريخية يخترقها الألم والعذاب الأبدي. من هنا يقارن نفسه بأمثولة تخترق الذاكرة، لا صدى لشخصية عابرة!. وعبر هذه المشابهة نتبين كبرياء الاغتراب، والفخر بالغربة!. لقد تحولت الغربة في تقاليد الشعر العربي من الخارج إلى الداخل مع المتنبي الذي أضفى عليها بعدها، أو مأساتها الشخصية!. وبقفزات في الزمن؛ ولكن في متن القول الشعري العربي سيقول محمود درويش بكل فخر أيضا هو الذي يقال عنه أن ديوان المتنبي لم يكن يفارقه:

(أنا الغريب بكل ما أوتيت

من لغتي!).

في لحظة الموت حين يستعيد خارطة حياته بين الناس ماذا يجد درويش؟!. ليس لأنه في تلك اللحظة يعيش كامل غربته في العالم حين يواجه الموت بل لأن ذاته بين الناس كانت غريبة كما المتنبي لذلك يقول:

(وكلما فتشت عن نفسي وجدت

الآخرين. وكلما فتشت عنهم لم

أجد فيهم سوى نفسي الغريبة).

من هنا يصرخ: ( هل أنا الفرد الحشود؟).

في جداريته الشهيرة هذه سيكرر درويش: أنا الغريب، أنا الغريب!.  الذي يجعلنا نستحضر من خلال تجربته الشعرية تجربة شخصيتين  شعريتين أمام الموت في الشعر العربي. أولهما امروء القيس الذي سنتحدث عن غربته مع الموت على جبل عسيب. أما الثاني فهو مالك بن الريب صاحب القصيدة الشهيرة التي يقول فيها:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة /بوادي الغضى أزجي القلاص النواجيا

بحسب رواية أبي الفرج الأصفهاني في كتابه الشهير( الأغاني ) عن أبي عبيدة بن المثنى؛ فإن أبيات القصيدة التي قالها كانت ثلاثة عشر بيتا، وقد زيدت البقية على لسان مالك. تجد الرواية معناها حين نقرأ الأثر التعبوي الإسلامي في مقدمتها حين يقول:

ألم ترَني بِعتُ الضلالةَ بالهدى   وأصبحتُ في جيش ابن عفّانَ غازيا

فكونه باع الضلالة بالهدى في إشارة لدخوله الإسلام لا يستقيم مع الأثر الوثني إن صحت التسمية في مناجاته، ورثائه لنفسه من استحضاره لنجم سهيل حيث يرى وهو على فراش الموت أن نجم سهيل قد تراءى له مما يخفف من وطأة الموت عليه وذلك بوصف سهيلا كما عرفنا رفيقا شفوقا بالغرباء وهو ماله علاقة بعبادة الكواكب، والنجوم، وذلك في قوله:

ولمّا تراءتْ عند مَروٍ    منيتي            وحلَّ بها جسمي، وحانتْ وفاتيا

أقول لأصحابي ارفعوني فإنّه         يَقَرُّ   بعينيْ  أنْ (سُهَيْلٌ)  بَدا  لِيا

يرتبط سهيل كنجم رفيق بالغرباء بتقاليد الترحل التي عرفها العربي، وما استحضاره في ليل الغربة كما لمسناها في رثاء مالك، وعلى الأخص في  لحظات الموت؛ إلا صدى لرثاء عميق حيث تزودنا ملحمة جلجامش بطقوس هذا التقليد حين تقول لنا أن جلجامش لما تلقى صدمة موت صديقه أنكيدو هام بالبرية متعرضا للأهوال، وخائفا من الموت، سيلجأ للإله (سين) إله القمر المقابل لنجم سهيل طالبا منه الوقوف بجنبه، وهو في حلكة الطريق!. هكذا جاء في الملحمة على لسان حلجامش الذي كان:

( يبكي بحرقة، ويجوب البرية وهو يردد:

أنا سأموت. أو لا أكون مثل أنكيدو؟

لقد دخل الأسى إلى أحشائي. خفت من الموت، وها أنا أجوب البرية

باتجاه اوتانبشة، ابن اوبارتوتو

سالكا الطريق، أسير سريعا

بلغت، ذات ليلة، مضائق الجبال،

رأيت أسودا، فخفت أنا..)

وهنا يدخل جلجامش في توسله للإله سين قائلا:

( رفعت رأسي إلى الإله سين أصلي

إلى الإله سين، صحن الآلهة، ذهبت تضرعاتي:

أيها الإله سين، احفظني سالما). ( ملحمة جلجامش. ت. نائل حنون)

حين يحلم جلجامش بما يرعبه؛ فإن الإله سين هو الذي يحميه، ويبهجه. وهذا هو المشترك المتبقي في المعنى مع نجم سهيل حين استحضره مالك!. يقول جلجامش:

( في المساء نام، أرعبه حلم،

بوجود القمر ابتهج بالحياة..).

تشتبك الغربة هنا من جلجامش حتى مالك بن الريب مع الموت بوصفها غربة الإنسان في العالم مما يصعد الغربة في أقصى شعور بالمأساة، وذلك حين يعطي الموت معنى الغربة الكبرى بوصفه الغربة عن الحياة نهائيا. وهذا المعنى الذي يثيره أيضا امرؤ القيس. أمام تكشف الغربة القصوى مع الموت يمكن التفكير في كون المخيلة التي خلقت عالم مابعد الموت هي محاولة للتخفيف من وحشة البئر العميقة التي ملأت عينا أنكيدو بالرمل. لقد كانت محاولة لاستكشاف الموت من واقع غربة لا نهائية؛ لذلك نقرأ أن جلجامش توسل للآلهة كي يخففوا عنه محنة الموت؛ فقرروا أن يجعلوه حاكما. هكذا عبر إعادة تخييل الأدوار في العالم السفلي تصوغ محنة الغربة ذاتها في عالم الموت؛ لكنها تهبه الحياة عبر التخييل!.

نعود لموقف مالك مع الموت الذي يقول عن هذه اللحظة:

يقولون: لا تُبْعِدْ  وهم  يَدْفِنونني           وأينَ  مكانُ  البُعدِ  إلا  مَكانيا

غداةَ غدٍ يا لهْفَ نفسي على غدٍ        إذا أدْلجُوا عنّي وأصبحتُ ثاويا

أمام هذا القرار الأخير حيث الموت لا رجعة منه كما جاء في ملحمة جلجامش سينشد رثائه لنفسه في ذلك الوادي المقفر:

غريبٌ بعيدُ الدار ثاوٍ بقفزةٍ                يَدَ الدهر معروفاً بأنْ لا تدانيا

على الرغم من الفوارق التي يمكن تلمسها بين غربة جلجامش أمام الموت، وغربة مالك بن الريب، وقبله امرئ القيس الإ أنها مع اشتباكها بالموت نلمح صدى عميق للتجربة في التقاليد الشعرية التي احتضنتها ثقافات مابين النهرين، والجزيرة العربية، وعلى الأخص حين نستحضر بعمق تجربة محمود درويش في الجدارية التي يستعيد فيها التجربة في كامل مأساتها عبر نسيج تجربته الشخصية باعتباره واحدا من تلك السلالة!. يقول درويش عن لحظة موته:

(الوقت صفرٌ. لم أفكر بالولادة

حين طار الموتُ بي نحو السديم،

فلم أكن حيا ولا ميت،

ولا عدم هناك، ولا وجود).

كان مالك بن الريب يستحضر أهله وناسه الذين سيبكونه، وهذا ما يصنعه درويش؛ لكن ليس استحضارا بكائيا، بل جماليا أي احتفالا بالحياة. فحين يرى في السديم الذي يأخذه في الموت قبل الموت النهائي الشاعر الفرنسي رينه شار يجالس هايدجر وهما يشربان النبيذ، أو المعري الذي يطرد نقاده، أو أطفالا يلعبون الكرة، ورائحة الخبز، وغيرها من الطقوس اليومية للحياة، وعلى الأخص الاحتفاء بالحب!. فأمام الموت يحضر الحب كتعبير عن ذروة الاحتفاء بالحياة بوصفة ذروة الفرح، والمتعة، والجمال. وهذا مايفعله مالك بن الريب حين يقول مستذكرا هواه، وصاحبته:

فللهِ       دّرِّي    يوم    أتركُ    طائعاً        بَنيّ بأعلى الرَّقمتَينِ  وماليا

ودرُّ    الظبَّاء      السانحات    عشيةً        يُخَبّرنَ أنّي هالك مَنْ ورائيا

ودرّ الهوى من حيث يدعو صحابتي      ودّرُّ  لجاجاتي  ودرّ  انتِهائيا

لكن احتفاء درويش يأتي عبر مقولته الصاخبة بعد أن يستحضر الحب في حوار مع الحبيبة:

(وأريد أن أحيا

فلي عمل على ظهر السفينة).

هذه الشخصية الشعرية المأساوية يستحضرها أيضا في فضاء شعري آخر، مؤكدا على ثيمات الغريب التي تحتفظ بها الذاكرة الأدبية بكونها غامضة، وتائهة ولا مكان لها الإ الغيوم المهاجرة  غريب بودلير في قصيدته ( الغريب. الأعمال الشعرية. ت رفعت سلام) فهو وصف يؤبد وجود الغريب في كونه المترحل الدائم في الحياة. فعلامة المأساة عند غريب بودلير في تصريحه بأنه بلا جذور ولا عائلة، وهي إحالة أسطورية تستذكر الشخصيات الأسطورية، أو المؤسطرة التي ولدت بلا أم، أو أب كالمسيح، وموسى، وسرجون. يقول بودلير موجها سؤاله للغريب:

_” قل لي أيها الغامض، من أكثر من تحب؟ أبوك أم أمك، أختك، أخوك“.

ليأتي جواب الغريب:

_” لا أب لي ولا أم، لا أختا لي ولا أخ“.

لقد كان أنكيدو غريبا يرعى مع الحيوان في البرية كما تخبرنا الملحمة؛ فلم يعرف أبا، ولا أما وهذا ما استخدمه خمبابا حارس غابة الأرز حين قارب جلجامش على قتله؛ فذكر أنكيدو بأصله؛ ليحط من قدره، فيقول لجلجامش:

( وحدهم الحمقى، ياجلجامش، يأخذون المشورة من البدائي والمتوحش.

تعال يا أنكيدو، يا بيض سمكة، يا من لم يعرف أبا،

يافقيس السلحفاة والرفش، يا من لم يرضع حليب أم).

على الرغم من الصداقة التي ربطت أنكيدو بجلجامش، وباركتها الآلهة ننسون أم جلجامش، وبعد أن تحول ليكون من أهل البلاد حين تناول طعام الناس، وشرب شرابهم وضاجع المرأة، وأقرت بأنه صار بشرا؛ إلا أن خمبابا سيذكره  مع كل ذلك بكونه غريبا:

(والآن هي خيانة أن تجلب جلجامش أمامي،

وتقف، يا أنكيدو، هناك مثل محارب غريب)!.

فإذا كان تحديد الغريب هنا بكونه بلا أهل، فهو نظير الحالة التي يجد فيها المتنبي ذاته غريبة بين أهله؛ وكأنه مقطوع من نسل العائلة، وبالتالي فهو بلا حماية عاطفية. إن المأساة هنا كون شخصية الغريب تبرز بين الأهل وناس البلاد، وهو التحول الذي يتفاقم مع الاستقرار، والمدنية. وهذا مايجعل التوحيدي يصعد الحالة كذروة لألم ( الغربة). فنشيد الغريب الذي يواجهنا به التوحيدي في ( الإشارات الإلهية) نجد فيه التوحيدي كغريب يناجي الدنيا أن تتعجب منه بوصفه الفرادة لمحنة الإنسان في الحياة التي يمثلها الغريب التوحيدي، وذلك حين يقول: ( يا عجائب الدهر والأيام تعجبي مني)!. وذلك؛ لأنه يؤكد أن الغريب: ( من واصله الحبيب). فغربته القاسية هذه تتبدى من داخل التواصل الحميمي مع أقرب الناس: الحبيب!.

بينما ينفي امرؤ القيس أن يكون معنى الغريب هو الذي يفارق أهله ووطنه إلى معنى أكثر إيلاما، وذلك بإحالته إلى علاقة بالموت، وهو هنا يتابع شكل الغربة المتبدي من صدمة الموت منذ جلجامش كما تحدثنا عنها؛ لكنها بلا هدف نحو خلاص ما بقدر ماتبحث عن مؤنس للوحشة، والغربة التي تمظهرت في حوار امرئ القيس مع قبر المرأة الغريبة!. يعطي امرؤ القيس هنا معنى للغريب بكونه معادلا للامحاء، وذلك حين يإخذه الموت، الموت معادلا للترحل الأعمق الذي تتبدى فيه الغربة على أشدها. وهذا ما استكشفه جلجامش في تغربه بعد موت أنكيدو؛ وكأنه يقول أن الغريب يمضي ميتا فلا شيء يحتويه، ويعادله سوى الموت. وهذا المعنى نلقاه في قول الأعشى الكبير:

فهل يمنعنِّي ارتيادي البلا      د من حذر الموتِ أن يأتينْ

أليسَ أخو الموتِ مستوثقاََ       عليّ وإن قلتُ  قد أنسَأنْ

يؤكد الأعشى بأن أخو الموت _ الموت نفسه _ مرافق لترحله حتى لو أنه أجله ( أنسأن) فهو رفيق الغريب في ترحله.

من هنا كان شعور امرئ القيس بقرب الموت وهو على سفح جبل عسيب، وبجواره قبر امرأة هو الباعث لتجلي فكرته عن نفسه كغريب، أو تمثله لحالته كغريب أمام الموت. وهي الحالة التي عاشها جلجامش حين رأى الموت يأخذ صديقه أنكيدو، فكانت غربته في مواجهة الموت، الموت الذي بات يمثل الرمز لأقسى ألم في الحياة. فهو معادل مأساوي لألم الغريب بوصفه الغائب عن الأهل، والموت الغائب والمغيب للحياة. هكذا تقول مقاربة امرئ القيس الشعرية:

وليس غريبا من تناءت دياره      ولكن من وارى التراب غريب

إن الغريب لا تنجيه القرابة، والتواصل من غربته، وهذه هي مأساته في الحياة التي يصادق عليها امرؤ القيس حين يخاطب جارته:

فإن تصلينا فالقرابة بيننا       وإن تصرمينا فالغريب غريب

فعلاقة النسب بين امرئ القيس وجارته هي الغربة لذلك؛ فإن حصل تواصل بينهما فلكونهما غريبين، ولكن إن وقعت القطيعة كما يقول في الشطر الثاني؛ فهذا لن يضر الغريب. فهو غريب على كل حال حيث الغريب غريب!. وفي هذا المعنى المشحون ألما مضاعفا يقاربه  التوحيدي في انشودة الغريب حين يزفر: ( الغريب من هو في غربته غريب). ينسجم محمود درويش في (جداريته الغربة ) مع التوحيدي حين يستعير منه ضمن أغنية غربته المتاخمة للموت حين يتضامن مع التوحيدي في قوله: ( أنت الغريب في معناك)!. عبر هذه الجملة يحكي لنا درويش حكاية سلالته من الغرباء، مرورا بالجواهري الذي تغنى بالغربة في الكثيرمن شعره منها قصيدته ( بريد الغربة). الجواهري الذي يمكن القول حين نريد تعميد شعره هو أحد سلالة الغرباء العرب. ومن غربة الجواهري، حتى  تغريدات بدوي الجبل في البلبل الغريب، والسياب في غريب على الخليج وغيرها نستكشف هذا التمثل القليل لحضور فكرة التغرب البشري عبر الشعر كما تم التذكير به، وتعطينا فكرة أولى عن كيفية تحول تغرب الإنسان مع الإستقرار في تمظهر أكثر تعقيدا وألما

على الرغم من أن ظاهرة الغربة، أو الغريب في التاريخ البشري كانت ملازمة لتشكلاته الأولى حين انتظم مايسمى في علوم الإنسان بالإنسان المنتصب في مجموعات بشرية وترحل كما _ سبق وبينا_ من شرق أفريقيا عابرا آسيا حيث كان يدرك أن من يصادفه من جنسه لا يعده ضمن نطاق مجموعته؛ فيعمل على اعتباره عدوا _ أي غريبا _ وهو المعنى الأقدم الذي يتضمن كلمة( الغريب). لكن هذه المجموعة البشرية حين استقرت وعرفت الزراعة، وأنشأت المدينة فيما يعرف بالحضارات القديمة كالسومريين، والفراعنة، والإغريق، وسكان الأمريكتين مع حضارة الأزتك، والإنكا، أصبحت المجموعة البشرية التي يفترض أنها تعرف بعضها غريبة عن بعضها، فأصبح الفرد غريبا عن الآخرين؛ لأن توزيع الإنتاج، وتطوير المهن، وتحكم النخب في التجارة، والسلطة خلق هذا التفارق بين الجماعة. في هذه اللحظة كما يقول فريد سباير في ( التاريخ الكبير ) ظهرت الأديان الأخلاقية التي وقعت تحت ضغط احياجها لتنظيم العلاقة مع الغرباء الذين ظهروا من أفراد الجماعة نفسها في المدينة، مع أن هذه الأديان ليست صحية فيما يخص التنظيم؛ فإذا كان سباير يعطيها معنى أخلاقيا وبالتالي مسالما فهي لم تكن غالبا هكذا . فالأديان تحافظ على فكرة الأمة المؤمنة، أو جماعة المؤمنين بحيث من ليسوا منضوين تحتها فهم من الأشرار، أو الكفار بحسب العبارة المتداولة مع الأديان التوحيدية؛ فهي تُعَمّد الحدود بين المؤمنين، وغيرهم بحيث يكون الغرباء سببا للشرور. هكذا تحافظ على المعنى الذي يحمله الغريب كحامل للشر كما يعرف لدى القبائل البدائية. ولتجاوز، أو التخفيف من هذه الشرور اعتمدت على تطوير طقوس التطهير التي اتبعتها القبائل البدائة مع الغريب للتخلص من شروره كأن تحرق ملابسه، أو يطاف حوله بالنار!. فأصبح الغريب مع الديانات التوحيدية ملزم بتقديم مقابل مادي مثلا والتي تعرف في الإسلام بالجزية، في اليهودية ثمة إشارة لتطهير الغريب عبر التختين، بينما نجد في طقوس الضيافة مع الحج العربي إحالة على تطهير الغريب من خلال تناوله للطعام!. وفي إشارة لافتة مع سيل الهجرة الحديثة جراء الحرب في سوريا استقبل البابا في ساحة الفاتيكان جموعا من المهاجرين وقام بغسل أرجلهم بالماء المقدس!.

في سياق هذا النمو الحضري بدأ يتفاقم الشعور بالغربة حتى تعمقه في الزمن الحاضر؛ ليتشكل معنى جديدا للغريب تعززه وتبنيه الشركات العابرة للقارات منذ شركة الهند الشرقية مع الاستعمار البريطاني حتى شركات النفط الأمريكية التي ينتشر مع تواجدها في معظم العالم حشود من مختلف جنسيات العالم!.

 لقد احتوت التجربة الدينية تجربة الغربة في تنويعة من الطقوس، والأحكام الأخلاقية. ففي بابل عدا عن رحلة التغرب التي ترويها ملحمة جلجامش كما بينا تضمنت الطقوس الدينية مايعرف بالجنس المقدس الذي يقوم على تقديم النساء لأنفسهن هبة لمعبد الآلهة ليمارسن الجنس مع الغرباء. هذا الطقس الذي وصفه هيرودوت في تاريخه بالغريب والبشع. في التجربة العربية الدينية نلقاه حاضرا في ضيافة الغريب، والحج السبئي للإله أبحي حيث يقدم الأطعمة للغرباء. وفي التوراة هناك حضور للغريب بين كونه عدوا وهو الصورة الغالبة، وبين خيره بوصفه ناشرا لخير الرب. من هنا؛ فإننا في تحول الغربة بين الناس والأهل نتلمس مظاهر المأساوي في التعبير عن غربة الذات التي تسعى نحو طموحات عالية، وسمو للذات كما نشهده في صوت المتنبي السابق الذكر الذي حول الغربة إلى فعل تعظيم للذات وذلك حين يقول:

تغرَّب لا مستعظِما غير نفسه       ولا قابلا إلا لخالقه حكما

قبل دعوة المتنبي هذه كان زهير بن أبي سلمى في معلقته قد حذر من وهم الغربة التي تجعل المغترب ينفتح على الآخرين، لكنه يفقد القدرة على معرفة العدو من الصديق حيث يقول ـ شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات لأبي بكر الأنباري ـ  في البيت الثاني والخمسين:

ومن يَغترِب يحسب عدواً صديقه     ومن لا يُكرِّم نفسه لا يُكرَّم

إذا عدنا للوراء، إلى الماضي البعيد عن المتنبي، وبودلير لاستكشاف واقع غربة الذات في التعبير الشعري تزودنا الحضارة المصرية بنموذج آخر عن تجربة جلجامش يمكن أن نقول عنه نص بدئي للفكرة، فوقع الشكوى من الغربة فيه ظاهر جدا في النص؛ لكنه سيخبرنا أن واقع الغربة بين الناس يعيق الذات أن تسمو، وتكبر ومن هنا يأتي صدى بيت المتنبي المجلجل في دعوته للتغرب؛ لكن كتحدٍ في جعله الغربة مصدرا للسمو. يكتب سنوحي نصه مغتربا، بعد هربه على إثر اغتيال الملك ( أمنمحات الأول) وملاحقته على أنه أحد المتهمين بالقتل. لقد بات شريدا كما يقول النص حاله كحال المتنبي الذي اعتلى الترحال في كل خصام له مع الأمراء بين المدن والبلاد!. يقول سنوحي في نصه ( سنوحي والغربة ):

(هل أنا ثور هائم

بين قطيع خراف؟

هل سيحبوننني..

وأنا رجل الدلتا..؟

هل سيسمحون لي

أن أكبر .. أن أسمو

وأنا الغريب.. المحكوم عليه

أن يكون دائما الأقل شأنا..؟

طريد أنا..

يسكن قصرا عظيماََ

تسكنه ذكريات أعظم

ويزداد حنينه يوما بعد يوم إلى

سيدة العالم

يريد أن يعرف حال أطفالها

يسمع صيحاتهم من جديد

لتعودمرة أخرىإليه الحياة).

( نقلا عن ( نقش البردي) مقتطفات من الأدب المصري القديم د. مرفت عبدالناصر )

لقد تكشف للانسان الفعل الفارق في الحياة حين يختبر الأيام، والأشياء من منظور اغترابه. فكل مظاهر الحياة تتبدى بلا قيمة، أو أثر عميق على ذهنه، وأحاسيسه حين يعيش مستقرا، وهذا ما يشير له بيت أبي تمام عن التلف الذي يصيب ذهن الإنسان، وقلبه جراء بقائه في الحي:

ومقام المرء في الحي مخلق       لديباجتيه فاغترب تتجدد

هذا التجدد قد يأتي في شكل حنين للذات الغريبة التي سيكونها الشاعر مع ذاته الأخرى؛ فيستذكرها ليتمتع بمباهج تلك الذكريات التي عاشها مع غريبه. هكذا هو حال وولت ويتمان مع غريبه في قصيدته( إلى غريب ت. رفعت سلام):

( أيها الغريب المار! أنت لا تدري كم أتطلع إليك بشوق،

لا بد أنك من أبحث عنه، أو من أبحث عنها ( يحدث لي ذلك كحلم)،

فبالتأكيد عشت معك في مكان ما حياة من البهجة،

وعاد كل شيء إلى البال ونحن نمضي معا، رشيقين، شغوفين، طاهرين، ناضجين، كبرت معي

وأنا لا أتحدث إليك، أنا أفكر فيك حين أجلس وحيدا أو أصحو في الليل وحيدا،

وعلي أن أنتظر، فلا أشك في أنني سأقابلك من جديد،

ولن أفقدك).

إن تمني اللقاء الجديد هو تمني التجدد في الحياة عبر التغرب الذي هو تغرب الشاعر ذاته. فكونه غريبا يعني أن يسمح لكل المباهج أن تقتحمه حيث الترحل قمة اكتشاف المباهج، والمتع!. وهذا مايجعل الشاعر متمنيا ألا يفقد غريبه الذي هو علامة على اكتشاف مجهول الحياة!. هكذا سيذهب سليم بركات نحو زهرة الغرباء، الزهرة التي توحي بالربيع والتجدد!. هو الغريب الذي ترحل نحو دمشق من القامشلي في الشمال السوري، ثم بيروت حتى ترميه الحرب اللبنانية في قبرص، ومن ثم إلى الشمال الأوروبي يقول في ( ينوكا بريفا تعالي إلى طعنة هادئة):

( أخرج من أعرافي ودياري جنديا من جند الوثنيين،

وأخرج مرتزقا بالنحل إلى أزهار الغرباء…).

الشاعر في الناهية هو التجربة القصوى للاغتراب والترحال، فلا معنى لشاعر دون الغربة وذلك باعتبار الشاعر ذروة التعبير عن تجربة الوجود وهو بما هو كذلك تكون الغربة رفيقته من حيث هي التكشف عن عراء الوجود!. من هنا تأخذ الغربة معه عمقها نحو استكشاف الداخل هذه المرة إذ هي التعبير الأقسى كما قلنا لشكل الغربة وذروتها!.

 

في تجارب الرحلات الداخلية هذه استمرت فكرة السيطرة على الذات والجسد لتكرس التواضع مقابل الطموح الذي ينتج عنه مزيدا من التنافس، والصراعات بين الذوات ليس في نطاق السياسة، والإقتصاد بل في الحقل الرمزي والثقافي. هكذا تقول لنا التجربة الصوفية أن الوصول لمعرفة ( عين الله ) التي ترمز إلى ذرى أهداف رحلة الذات معرفيا يضفي على المريد مزيدا من التواضع حيث هو في حضرة الأعلى؛ فينتفي معه كل طموح!.

من هنا تأخذ فكرة الحج التعبدي بالسفر إلى المكان المقدس معناها الرمزي من الترحل البدئي من البحث عن المأوى، والطعام إلى البحث عن السكينة، والرضى من الإله الذي يسبغ الغنى ويطعم حجيجه حين يتوافدون عبر الحج سفرا إلى مكان عبادته من خلال تحمل مشاق الترحل الذي هو مثير للمخيلة التي عد بعض الانثربولوجيون ظهورها دلالة على ظهور الإنسي العاقل بحيث يمكن بالاستناد إلى نموها القول أن فكرة الكائنات الغيبية التي تسيطر على مظاهر الحياة كانت من نتائجها؛ لأننا نشهد هنا العلاقة بين السفر/ الحج من أجل لقاء الخالق الذي له الفضل على حياته بوصفه المنعم والمنقذ، والحامي، وذلك بكون الترحل البدئي كان هاديا إلى تخييل قوة عليا وراء نجاة الإنسان من الكوارث، والمجاعات. وقد تمثل فعل الإنقاذ في اللجوء إلى الكهوف التي شكلت بدايات سكنى الإنسان ومكان عبادته البدئي. لقد كان من عادة الحاج إلى مكة أن يترجل من مسافة قبل الدخول للحرم المكي والذي يعرف بمواقيت الإحرام، ويذهب من ثم مشيا نحو الحرم، من الملفت أن نقرأ فصلا في كتاب الأزرقي:( أخبار مكة ) حول فضائل المشي أثناء الطواف، وكيفية مشي بعض الشخصيات في طوافها؛ وكأننا هنا نتلمس محاكاة رمزية للترحل البدئي عبر المشي لملاقاة النجاة حيث تمثل الإله بالحامي والمطعم، والمنقذ من كل شر!. مازالت آثار المنازل الكهوف القديمة شاهدة على ذلك. لقد مثل كهف لاسكو في جنوب غرب فرنسا ـ لمزيد من الشواهد حول الكهوف انظر كتاب خزعل الماجدي( فنون ماقبل التاريخ)ـ الذي يعود إلى العصر الحجري القديم مثالا حيا على ذلك، حيث أثار اكتشافه علاقة الدين بالكهوف كبداية للمعبد، كما أثارت الرسوم البدائية على جدرانه والتي تعود إلى مابين خمسة عشر ألفا قبل الميلاد، وثلاثة عشر ألفا أفكارا حول اتخاذه نموذجا لبدايات دين السحر؛ لكن الراسخ من الأمثلة المكتشفة لكهوف احتوت على مدافن وأدوات صيد أنها المسكن، والمعبد الذي احتمى به الإنسان من الكوارث. فعلى سواحل السويداء، أو السويديه جنوب تركيا المطلة على البحر الأبيض المتوسط _ وصف من زيارة خاصة للمدينة _ حيث تتربع قبالة البحر سلسلة من الجبال السوداء وربما جاءت تسمية المدينة من هذا المظهر. تحتضن هذه الجبال كهوفا، ومقابر محفورة في جدرانه، وأرضه. كما تعطينا الكتل الجبلية لمدينة قبدوقيا التركية _ أيضا من زيارة خاصة لقبدوقيا _ التي كانت يوما مستعمرة آشورية دلالة أخرى على الشكل البدائي لبيت الرب حيث مازالت آثار المسيحيين الأوائل الهاربين من البطش الروماني ماثلة في تلك الكهوف المشيدة في الكتل الجبلية في الكنائس المزينة بالأشكال، والرسوم للرموز الدينية المسيحية!. الذي يأخذ هروبهم من القتل مسلكا تأريخيا لهجرة الإنسان البدائي من الكوارث الطبيعية؛ ليحتمي بالكهوف، ومن ثم استمرارا لتحول الكهوف لأماكن مقدسة؛ لأنه مكان الأمان. وهذا ما نقرأ صداه أيضا في سفر ( القضاة ) التوراتي حين يسجل هروب بني اسرائيل من المديانيين ببناء الكهوف والاحتماء بها. فقد جاء في السفر السادس:( واشتدت وطأة المديانيين على إسرائيل حتى لجأ الإسرائيليون إلى الجبال ليعيشوا في الكهوف والمغائر..). هكذا يشكل اللجوء للكهوف الذكرى البدائية للاحتماء من المخاطر، وبالتالي المكان القديم الذي يمثل قدسية الأمان. وهناك أقام الإنسان منذ القدم الشكل البدائي لعلاقة الأمان بالرب!.

 من هنا نسمع صدى ذلك في الدعاء الإسلامي الموجه للرب: ماخاب من التجأ إليك!، الذي يحيلنا على التفكير بكون السعي بين الصفا والمروى، والطواف حول الكعبة التي تأخذ شكلا ترميزيا للمعبد الكهف هو إحالة رمزية أيضا لذكرى ترحل العربي عبر تمثله طقسيا؛ ليعبّر طقس الطواف، والسعي عمليا عن الرغبة بالذهاب للإلتجاء بالرب، والحصول على خيره وحمايته. وهذا يكمن في صلب علاقة مكة بالأمان!. هذا الربط بين الكعبة وذكرى الكهف تقربنا إليه المروية التي يتناقلها ابن هشام في سيرته النبوية، والأزرقي في ( أخبار مكة ) حول بناء بابها. فقد كانت الكعبة بلا باب، وأول باب صنع لها بناه تبع ملك اليمن ـ مع أن الأزرقي في ذات الكتاب يحيل شرف بناء الباب لقريش بعد حريق أصاب الكعبة ـ حين أغرته قبيلة هذيل بغزو مكة؛ لكنه تراجع بعد رؤى رآها وتحذيرات تلقاها من أحد أحباره الذين كانوا يرافقونه أثناء توجهه لغزو مكة. فقد نصحوه بأن يكرم البيت، ويذبح الذبائح. وهكذا كان كما يروي الأزرقي عن ابن جريج:( كان تبع أول من كسا البيت كسوة كاملة أُري في المنام أن يكسوها فكساها الأنطاع، ثم أُري أن يكسوها فكساها الوصائل ثياب حبرة من عصب اليمن، وجعل لها باباً يغلق ولم يكن يغلق قبل ذلك). لعل الإشارة إلى أن الباب لم يكن يُغلق توحي بكونه كان عبارة عن فتحة تمكن من الولوج إلى داخل البيت!. ونلحظ في التسمية الرائجة في المرويات للكعبة باسم البيت وهو بيت الرب في ذات الوقت علاقة بالذكرى الرمزية للكهف الذي صار رمزا دينيا مقدسا يلم حوله الجماعة ضمن رباط الذكرى المقدسة لماضٍ مؤلم احتوته مخيلة الإنسان في تجربته الدينية!.

لقد اختار زرادشت النبي الفارسي للإله مثرا معبدا طبيعيا له ممثلا بأحد الكهوف في جبال فارس. حيث ينقل لنا وليام ريتشارد ليثابي في ( العمارة والأسطورة والروحانيات. ت: طه الدوري ) ما له دلالة واضحة عن تطور المعبد من الذكرى القديمة للكهف بوصفه الملاذ الآمن وبالتالي ارتباطه بظهور فكرة الرب الحامي!. يقول ليثابي:( وفقا ليوبيولوس فقد كرس زرادشت من بين الجبال المجاورة لبلاد فارس حجرة صغيرة طبيعية مزينة بالأزاهير ومروية بالنافورات، يحرسها مثرا، أبو الكون، حيث وجد في الكهف رمزا للعالم الذي صاغه مثرا، وفي بطن هذا الكهف حيث اصطفت الكثير من الرموز الجغرافية بصورة متناسقة وبمسافات محددة حيث احتمى الوجود من قسوة الطقس والأنواء!).  من هنا اتخذ المحراب مع تطور شكل المعبد مكانا ومسكنا للرب بحسب ليثابي. فقد تمثل المحراب في شكله الذي بات مترسخا في البناء الكنسي، والمساجد كترميز مقدس في إحالته على الخيمة الكهف في اتخاذه نصف قبة، ونصف مغارة!.  هذا التمثل نجده في الهند مع كهوف إلورا حيث مثلت فردوسا للإله سيفا ( أو شيفا) كما يذكر ليثابي.

إن حكاية كون الرب متواجدا في كل مكان منسجمة مع ترحل الإنسان من ثم بحيث أنه لايمكن؛ لكي يحصل على الراحة أن يعود للكهف المعبد كي يحصل على الأمان؛ لذلك تطورت فكرة الإله ليتواجد حيث يكون شعبه الذي طور مسكنه على شكل خيمة ينصبها أينما حل من هنا عد المسيحيون الأوائل كما يقول ليثابي الخيمة (تصغيرا للكون). الكون الذي أصبح فيه الرب مع التوحيدية يتواجد في كل مكان!!. وفي تطور آخر لهذا المعنى حيث يكون الرب في قلب كل إنسان الذي ظهر مع الحركات الباطنية والغنوصية!. في هذا السياق أيضا نلحظ تحول الكهف إلى فكرة فلسفية مع أفلاطون في (المحاورات) والذي تابع هايدجر إعادة التفكير فيها فلسفيا في العصر الحديث. وقد حولها القرآن الكريم حكاية وعظية عن عظمة الله في ( سورة الكهف ).

 حين نعود للترحل يبرز لنا الحرمان على أشده؛ لذا تحول الحرمان مع الإستقرار، والتأمل في معنى وجود الإنسان ونجاته إلى فكرة رمزية كذلك عن مسلك المعرفة حيث نجدها كوسيلة، أو طريقة من طرق المعرفة عبر تهذيب الجسد؛ ليتحمل المشاق في تقاليد العلماء، والحكماء، والمتصوفة على الأخص إذ هم الممثل الرمزي معرفيا للتيه والترحل البشري عبر التاريخ في شكل البحث عن معنى ضابط لتيه الإنسان في الحياة. من هنا نجد الصوم كطقس تعبدي حاضرا في معظم تقاليد الديانات الكبرى الإسلامية والمسيحية، واليهودية التي كان الترحل يمثل التجربة الثقافية الكبرى لشعوبها، وكذلك الهندية بكافة أشكالها. أما التي لم تعرف الصوم الطويل كما في الإسلام، والمسيحية فقد عرفت فكرة التقشف، والحرمان، والعيش على القليل _ لقد كتب ثربانتس على لسان دون كيخوت بأنه( لشرف للفرسان الجوالين ألا يأكلوا في شهر، وإذا أكلوا فمما يقع تحت أيديهم) _  في تقاليد وطقوس التعبد، ومسالك الحكماء في العالم حيث درجت تقاليدهم على اتباع العيش البسيط في المأكل والمشرب حتى قيل في الأمثال العربية _ عن لسان العرب لابن منظور _ التي هي التعبير الأمثل عن تحول العيش إلى حكمة: البطنة تُذهب الفطنة!. ونقرأ في لسان العرب كيف جعل أحد الشعراء البُطنة _ امتلاء البطن من الطعام _ مضادة للحلم الذي هو كمسلك أخلاقي يوصف به الرجل الحكيم دلالة على ترويضه لنفسه في مواجهة الصعاب. وهنا نلمح كيف يتوصل الإنسان إلى هذا المسلك من قدرته على تحمل مشاق الدنيا. يروي ابن منظور قول شاعر:

يا بني المُنذر بن عبدان، والبط     نةُ مما تُسّفه الأحلاما

من هذه العلاقة بين كثرة الطعام، وضعف الذهن يمكن التفكير في الصوم كحرمان وطقس بكونه إعادة تمثل طقوسي لذكرى الجوع التي عاشتها الجماعة وما الاحتفال في نهايته كعيد شكر للرب إلا تمثيلا رمزيا للخلاص من الهلاك والجوع بالحصول على الغذاء؛ لذلك يأخذ العيد كطقس ديني طابع الشكر للإله؛ لكونه ساهم في إعانة المؤمنين على اكمال الصوم التي تحيل رمزيا على إخراجهم من المجاعة، وما فيها من تحمل الجوع أثناء الترحال، ومن ثم كافأهم على تجاوزه سالمين معافين بتناول أطايب الطعام. ومن الملاحظ ارتباط طعام العيد بالذبائح، واللحوم وهي تحيل على تقديم القرابين للإله عبر الذبائح كتقليد طقوسي قديم.

ويجئ الصوم كطقس رمزي لذكرى الهلاك، والجوع مع الديانات التي نمت، وتكونت في سياق استقرار الحضارات؛ ليمثل الصوم كذكرى على ماضي الجماعة القديم؛ ليعيد الذكرى في شكل طقس ديني كإعادة تمثيل لواقع الذكرى رمزيا، ولكن كعبادة هذه المرة مرفوعة للاله في شكل تكفير عن خطايا الجماعة، والأفراد. وهنا نتلمس محاكاة في تمثل عذاب الجوع!. وتتمثل صور ذكرى الجوع في حفاظ الجماعات مع الاستقرار على تناول طعام كانت تأكله اضطرارا حين تتعرض للهلاك سواء أثناء الترحال، أو تعرضها للمجاعات. مثلما نشهد بقاء أكل السحالي ( الضبان) لدى بعض قبائل الجزيرة العربية، والأكثر شهرة أكل الجراد الذي يحتمل أنه من بقايا تلك الذكريات المرتبطة بالمجاعة. لقد تناول الباحث فاضل ربيعي بشكل بليغ كيف صاغت المجاعة ذاكرة، وثقافة العرب في كتابه( شقيقات قريش). لتأكيد هذه الظاهرة تقول لنا مدونة التراث أن كثيرا من القبائل العربية لها أكلة اشتهرت بها؛ لكونها مما تأكله في كفافها وجوعها، وبقيت تأكلها مع توافر النعم. إن بقاء هذا الطعام في الرخاء وتوافر الأطايب يدل على العلاقة شبه المقدسة للطعام الذي كان معين القبيلة من الهلاك حيث يتبين الإحترام الشديد للطعام المنقذ!. تقول لنا الأخبار أن قريشا كانت تُعرف بأكل السخينة فقد : ( كانوا يأكلونها في شدة الدهر وغلاء السعر وعجف المال) كما يشير الألوسي في بلوغ أربه، وما استمرارها حاضرة على مائدة معاوية بن أبي سفيان هو الذي كان يحب الأطايب وحكم دولة واسعة تأتيه أطايبها من كل فج عميق؛ الإ تمثيلا رمزيا للطعام الذي أنقذ القبيلة من الهلاك. لقد التقاه الأحنف بن قيس أحد زعماء قبيلة تميم فذكره معاوية بما كانت تأكله تميم في شظفها، فما كان من زعيم تميم إلا أن ذكر معاوية بما كانت تأكله قريش. يذكر الآلوسي في بلوغ أربه أنواعا كثيرة لمطاعم العرب التي ارتبطت بطبيعة عيشهم، وبتعبير فاضل الربيعي ب( نحلة العيش). من هذه المطاعم ( الحريقة) التي يقول الالوسي أن بواسطتها:( يبقي..صاحب العيال عياله إذا عضه الدهر). وكما نعرف ارتبطت مكة ببئر زمزم وهما المقدسان اللذان يرتبطان بسلالة ابراهيم من ابنه اسماعيل الذي بترحله عن أبيه مع والدته هاجر في المروية الإسلامية كان أسس النسل الأسطوري للعرب. يحمل مسمى هاجر الدلالة الرمزية للشعوب العربية التي كانت الهجرة، والترحال رفيقتا حياتها. من هنا تختزن حكاية اسماعيل في هجرته، وظهور نبع الماء له من عبثه بالأرض علاقة العرب الرمزية بالتهجر، والنجاة. هكذا صار بئر زمزم ماء مقدسا لارتباطه بهذه العلاقة حيث المحنة كانت سيدة التخييل ليكون البئر رمزا مقدسا لماء الإله الذي لا ينضب؛ فيسقي حجاج بيته، وكل عابري مكة من المسافرين!. يذكر فاضل الربيعي أن المرويات السريانية كانت تطلق على قبيلة قريش ( بني هاجر)، وهذا يحيلنا للتفكير مع الربيعي في كون هذا التنسيب راجع لنحلة العيش بحيث جاء الاسم من كثرة تهجرهم؛ فنسبوا للهجرة، فتكون الهجرة هي الأم الأبدية للقبيلة!.

هكذا شكلت تجربة العربي مع الترحال، والمهالك أشكال أطعمته المتقشفة؛ ليستعين بها على محن العيش التي تواجهه، وتشحذ ذهنه لمواجهتا، ومن هنا جاء المثل الذي يربط البطنة بقلة العقل!.

من هذا المنطلق نتفهم كيف تحول هدف السفر، والترحال من معرفة العالم الذي ينير الحكمة والتبصر، إلى التوجه نحو معرفة الذات في التجربة الدينية، وكذلك الفلسفية مع الإستقرار حيث المقولة الشهيرة على لسان أرسطو:( اعرف نفسك). وهي الحكمة المعلقة على بوابة معبد دلفي في أثنا اليونانية. ومع هذا التحول في فكرة السفر نحو الذات لا يعني انتهاء فكرة السفر، والترحال كطريقة لاكتساب المعرفة والتعلم. فإذا عرفنا هذا الحسم في التجربتين الصينية، واليونانية في تحويل الهدف من السفر هو معرفة الذات لا الترحل في الأمكنة؛ فإن التجربة الصوفية الإسلامية عرفت التوجهين، أوالهدفين. فالمتصوفة هم أبناء سفر وترحال حيث هم ورثة السياحة الدينية القديمة، فكلمة السفر تحولت في تراثهم إلى مصطلح صوفي كما تدرجه معاجم التصوف ككتاب ( اصطلاحات الصوفية ) لعبدالرزاق الكاشاني المتوفي في القرن الثامن الهجري الذي بات يدل على الترحل نحو الذات العليا!. وتشهد حكاياتهم محاكاة الترحال القسري الذي تجبرك عليه كارثة ما بحيث تسير في الطرقات بلا زاد ولا راحلة، وتعمد إلى أكل النبات، وماتجود به ضيافات الطريق!. منها حكاية تقول عن القشيري:( سمعت أبا نصر الصوفي…يقول: خرجت من البحر بعمان، وقد أثّر فيّ الجوع، فكنت أمر في السوق، فبلغت حانوت مأكولات، فرأيت فيه حملانا مشوية وحلواء، فتعلقت برجل وقلت له: اشتر لي من هذه الأشياء فقال: لماذا؟ ألك علي شيء؟ أو عندي دين؟ فقلت: لابد أن تشتري لي من هذا، فرآني رجل، فقال: اتركه يافتى، إن الذي يجب أن يشتري لك ماتريد أنا لا هو، اقترح عليّ واحكم بما تريد، ثم اشترى لي ما أردت وذهب).

هذه الحكاية واحدة من تراث غزير من حكايات سفر، وترحال المتصوفة؛ لذلك نقرأ في التراث الصوفي أبوابا حول أدب السفر، مثلما يروي لنا القشيري بعضا منها في رسالته:( الرسالة القشيرية ). وحول فكرة السفر يقول القشيري أن أهل الطائفة ويقصد أهل التصوف ينقسمون قسمين فيما يخص السفر. منهم من يترحل عبر الأرض فقيرا معدما!، ومنهم من يقعد عنه ويسافر نحو السماء في إشارة للغاية من السفر، وهو معرفة الحق الذي بواسطته تصل الذات للحكمة والاستنارة!. باب السفر هذا هو أهم أعمال أهل الطائفة كما يقول القشيري عن سبب وضعه:( لكونه من أعظم شأنهم). وهي عظمة تحيل رمزيا إلى كونها الطريقة المثلى والبدائة للتعلم، واكتساب النجاة حيث الإشارة هنا إلى بدء الترحال البشري ونجاته من كوارثه، ومجاعاته؛ وكأنها تحيل على مخزن التجربة الأولى في معرفة العالم. لذا جاء في مرويات أدب السفر عن معنى السفر معرفيا قولهم كما يرد في ( الرسالة القشيرية):( قيل: سمي السفر سفرا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال). لقد ترك الغزالي المتصوف والفقيه المعروف والذي يعده فيليب حتي أبا روحيا للإسلام وظيفته كما يخبرنا إدريس شاه:( كي يقضي اثنتي عشرة سنة…في التجوال والتأمل). إن فكرة النجاة والوصول إلى الاستنارة ماهي إلا تطويرا رمزيا لفكرة البحث عن جنة عدن التي كانت تعبيرا عن ذروة النجاة من متاهة التجوال والهلاك. وهي النهاية القصوى التي رمزت للفوز في سباق رحلة الحياة المهلكة في المدونة الدينية حيث لا جوع، ولا تعب، ولا خوف، ولا بحث، ولا انتظار أمل لفيء سحابة!. هكذا المترحل الصوفي حين يصل يحيا آمنا من متاهة الروح، والفكر ويستغني عن كل شيء؛ لأنه حصل على الغنى الأكمل عبر الاستنارة!.

 يذكر القشيري وفق تصنيفه ممن يميل القعود عن السفر متخذا معنى السفر نحو الله المتصوف الشهير البسطامي، والجنيد الذي تروي أخباره أنه قيل له:( من أين استفدت هذا العلم؟ فقال: من جلوسي بين يدي الله ثلاثين سنة، تحت تلك الدرجة. وأومأ إلى درجة في داره ). قد نلمح هنا في جلوس الجنيد تحت درجة في داره صدى التجاء الإنسان القديم إلى الكهوف الذي كان الملجأ القديم الذي أنقذه من كوارث الطبيعة؛ لذا يشير المختصون في آثار ماقبل التاريخ إلى كون الكهف هو المعبد البدئي الذي مارس فيه الإنسان طقوسه العبادية وفقا لما تشير له الرسومات في الكهوف المكتشفة سواء في أوروبا، أو أفريقيا، واستراليا ( انظر مقابلة ميشيل لوربلانشه عن فن البشر الأوائل ضمن كتاب: ثورة في فهم أصول البشر وثقافاتهم). وهكذا  كان الجنيد معتادا أيضا على الجلوس في مكان محدد في البرية كما تقول بعض أخباره، وهي ترمز لمحاكاة التيه في براري وصحاري العالم؛ ولكن في صحراء الذات هذه المرة. ( راجع تاج العارفين الجنيد البغدادي. ت: د. سعاد الحكيم ). وممن عرف بميله للسفر دلف الشبلي، وسعدي الشيرازي الذي كان يتبع الطريقة النقشبندية، وافتتح كتابه الشهير( أريج البستان بحسب الترجمة العربية ت. أمين بدوي) مصرحا بمفخرة ترحاله قائلا:( طفت كثيرا في أقصى العالم وعشت أياما مع كل إنسان…) ومن حوادث ترحاله اعتقال الفرنجة له، وإجباره على حفر الخنادق كما يقول إدريس شاه في ( الصوفيون). وعلى الرغم مما يقوله إدريس شاه من كون تجارب العزلة، والترحال لا تمثل أساس التعاليم الصوفية، إلا أنها بحسب القشيري عامل أساسي في تدريب المريد على اكتساب المعرفة ليس بالعالم الظاهر فهو ليس هدفا لتجربة التصوف بل معرفة بواطنه، وتحقيق الاستنارة الداخلية للمتصوف. من هنا نجد الترحال كتجربة ماثلا في سيرة كل المتصوفة الكبار في الإسلام كالعطار، وتلميذه جلال الدين الرومي، ومحي الدين بن عربي، ورجوعا للوراء حتى بولس الرسول الذي صاغ المسيحية الرومانية كان ترحل عبر الجزيرة العربية، والشام، واليونان مدة ثلاثين سنة حتى اعتقاله من قبل نيرون، وفي سجونه كتب لوقا سيرة عذاباته ليقدمها للعالم كتجبربة استنارة لمعنى الإيمان بالمسيح!.

 في شرحه لمعنى السفر يقول القشيري عن الترحل في الأرض أنه:( سفر بالبدن وهو الانتقال من بقعة إلى بقعة). أما السفر نحو الذات فيقول عنه:( سفر بالقلب وهو الارتقاء من صفة إلى صفة ). وهنا يعلق القشيري، وكأننا نقرأ صدى تعليق الحكيم الصيني هو شيو تسي على ترحال ليتزو:( فترى الكثيرين يسافرون بأجسامهم، وقلائل يسافرون بقلوبهم).

من الحكايات التي تثير هذه الفكرة عن أهمية السفر بالقلب، أو نحو الذات كما يقول هو شيو يروي القشيري عن الدقاق:( سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: كان في قرية بظاهر نيسابور شيخ من شيوخ هذه الطائفة، وله على هذا اللسان تصانيف، سأله بعض الناس: هل سافرت أيها الشيخ؟ فقال: سفر الأرض أم سفر السماء؟ ). ليكون جواب الشيخ:( سفر الأرض لا، وسفر السماء بلى). ومن مرويات المتصوفة عن أدب السفر التي تعطينا دلالة واضحة عن علاقة الترحال بالمعرفة الذي يشتبك بالأسطورة تعاليقهم على قصة موسى. نحن نعرف من حكايات سفر الخروج أن موسى قاد شعبه وخلصهم من التيه في الصحراء، وتعقيبا حكائيا على هذه المروية التوراتية يروي القشيري:( عن مالك بن دينار أنه قال: أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: اتخذ نعلين من حديد، وعصا من حديد، ثم سح في الأرض واطلب الآثار والعبر، حتى ينخرق النعلان وتنكسر العصا). تضع التعليقة هذه فكرة السفر نحو المعرفة بلا نهاية حين تربط الترحال بنعال، وعصا من حديد!. هذا التقليب لمختلف إشكالات السفر المرتبط بالمعرفة كما وضحنا كان نتاج الانهماك في مزيد من التأمل بعد أن فرض الاستقرار طابعه على حياة الإنسان داخل الحضارة، واكتشف غربته الداخلية، وذلك في الحضارة الصينية، واليونانية، والعربية الاسلامية. من هنا تجد فكرة البحث عن الذات مع الاستقرار معناها؛ وكأنها اكتشاف للتيه الأعظم!.

ومع هذ الاستقرار أيضا حين طور الإنسان اللغة، والكتابة نلحظ حضورا للغرابة، والغربة التي تضفيها المسافة بين كلمتين. وذلك من منظور لغوي، وجمالي؛ فإن للكلمتين المتباعدتين في الدلالة حين تلتقيان في استعارة وقع بالغ التأثير جماليا ونفسيا. هذا اللقاء بين كلمتين غريبتين بفعل المسافة الدلالية بينهما في بناء ( الاستعارات، والمجازات، والكنايات) كان تقليد الجمالية الأدبية، حتى ليبرز دائما في كل مرحلة تجديد أدبي حيث ينزع الأدباء، والشعراء إلى عنف هذا اللقاء الغريب جماليا، ففيه كان اتهام النقاد القدماء لأبي تمام، والمتنبي من بعده هو الاستغراق في الاستعارات الغريبة، والافراط في استعمال الغريب، لكنهما دشنا من خلال هذه الطرق عصرا جديدا في الشعر عبر غرابة الاستعارات الناتجة عن اجتماع كلمتين في غربة!. كما سيراهن الأدب العربي الحديث حين يسعى لكتابة أدب جديد على خلق صور غريبة عبر مشهدية تتجاوز تقاليد الاستعارة القديمة. تعلمنا هذه المسيرة الجمالية على أن رهان التجديد هو: استعمال الغريب، الذي تفرضه المسافة في الدلالة بين الكلمات والحالات، والتصوير الجمالي للأفكار والانفعالات، على الرغم من تاريخ النقد البلاغي في استعمال الغريب من أرسطو حتى بول ريكور في (الإستعارة الحية) الذي يستعيد في نقاشه للإستعارة أفكار أرسطو حول استعمال الغريب!. إننا نستعير عبر هذه الغرابة اللغوية ترحلا رمزيا يعبر عن عمق رغبتنا في الترحل نحو عالم لا محدود في الجمال والمعنى!.

فإذا كانت الغرابة تعمل كآلة ثقافية للتحريض على الاهتمام، والتيقظ _ وهي بوصفها كذلك تتواجد كظاهرة ثقافية في كل الثقافات _ فإنها تحييل على تاريخ مرير قد واجهه الإنسان منذ القدم كما بينا حتى تطورت معه هذه الآلية؛ لتعمل الغرابة هنا على الإحالة دوما على التنبه، والتيقظ بوصفها جهازا تخيليا، ونفسيا مدربا على التنبه للإثارات النوعية  للمخاوف، والمحرضات غير العادية التي اعتادها الذهن، كالجماليات، والمتع أيضا!. من هنا نلحظ البحث الدائم للإنسان عن متع غريبة لم يسبق له أن ذاقها، أو جربها؛ بحيث تكون آلة الغرابة مع الاستقرار في ذروة تنشطها بوصفها آلة ثقافية تُرَمِّز معنى ممارسة الإنسان للحياة!. إن تحولتحول الغرابة إلى آلة ثقافية عبر التخليق فما من حكاية تقوم وتكتسب قيمة أدبية ودينية إلا وهي حاضرة بوصفها تمثيلا على ما لا يدرك _ الغرابة كآلة ثقافية ساهمت في بناء، وصياغة أهم إنجاز ثقافي يحكم المجتمعات وذلك من خلال الأساطير الدينية، والملاحم الشعرية، والطقوس بمختلف أشكالها، فكل محاولة لنزع الغرابة عن أي طقس، أوأسطورة هي عملية قتل تتسبب بانهيار روح المخيلة التي احتمى بها الإنسان في مجابهة مجهول الحياة!. فالغرابة تنحو عبر تدشينها لتلك المخيلة إلى تمثيل جدلية الحياة الأعمق المتمثلة في مظاهر الوضوح، والغموض في ذات الوقت. فحيث يعرف الإنسان واقعه الأقرب؛ فإن الغامض يتطقسن عبر الغرابة في حكاية أسطورية تميل بدورها عبر رموزها الغامضة إلى تأمل مجهول العالم، وهي عبر هذا الترميز تضاهي غرابة العالم من هنا تكتسب الأسطورة كل قدسيتها!.

 

لقد طور الإنسان على مر التاريخ وهو يصارع تيهه في العالم الخارجي وسائل، وطرقا عديدة من أجل إحكام السيطرة على المتاهة التي واجهته في ترحله. فكانت القبائل البدوية المترحلة قد توصلت للقيافة، وأهل البحر مع متاهة البحار عرفوا بتمكنهم بالأنواء والنجوم، وهو ما يعرف في الخليج بالنايلة. في السيرة الشعبية ( تغريبة بني هلال ) يسجل لنا الراوي كيف قام أبو زيد الهلالي بوضع علامات على طريقه حين ترحل نحو تونس لاستكشاف أرضها وذلك بأخذه للحشيش ودفنه في الأرض ( خوفا من أن يحتار) في الطريق!.

هكذا تمكن الإنسان من السير في الحياة بما يشبه اليقين بما راكمه من خبرات جغرافية بالأرض، والسماء. لكنه في المقابل تنبه لتيه أعمق في الذات مع الاستقرار حين واجه نفسه وحيدا. فكانت الأفكار هي البوصلة الرمزية التي كان يبتكرها كلما أصابته دوخة مع متاهة جديدة في ذاته أمام محنة العالم. هذه المتاهة التي لا برء منها، فهي ليست كالمتاهة الخارجية التي تمكن من القبض عليها؛ فصار الإنسان ( يسهل عليه تمييز الأشياء التي تقع خارجه فحسب، أما عند النظر الى داخله فيغيم بصره ويصاب بالدوار ) وذلك بسبب ( أن الإنسان تشكل في صراع مع الخارج ) كما يلاحظ خوسيه أورتيغا اي غاسيت في ( موضوع زماننا ). وهكذا رأى نفسه الشاعر سليم بركات غارقا في لحظة تأمله لذاته حين يقول:( قلبي غريق يجير إيماني الغريق ). هذه المتاهة تتسع كلما أبصر الإنسان عتبة يمكن له أن يريح قلبه من دوخة النظر. تتسع في تلك اللحظات التي تشق عقول الحقل من جديد بعد زمن إدمان تقليد تلك النظرات، وإذا تفتقت عن ضياع أدى إلى زعزعة الاستقرار الاجتماعي؛ فنجد بعض عقوله تلجأ بشعور اكتشاف الماضي إلى التنبه لعمق الحكمة القديمة التي كانت رصدت المتاهة، وحددت عتبات المرور الآمنة!.

جرب كلكامش التيه في الأرض بعد مقتل صديقه أنكيدو بحثا سر الخلود، وعن خلاصه من متاهة معنى الحياة أمام غربة الموت الذي يغيب الإنسان في الظلمة الأبدية. لقد كرس ترحال جلجامش نموذج الترحل اكتسابا للمعرفة في عصور الاستقرار وبدايات الحضارات الأولى. فالملحمة منذ مطلعها تشيِّد هذه الفكرة عن مآل جلجامش بعد التيه والترحال، فهو كما تقول الملحمة:

( …الذي عرف … وفهم كل شيء

جلجامش رأى المنبع أساس البلاد،

مكتمل الحكمة، الذي فهم كل شيء،

رأى المكنوز وفتح المكتوم،

حمل فكر ماقبل الطوفان..)

لقد اكتسب جلجامش هذه الحكمة لأنه كما تخبرنا الملحمة:

( سلك الدرب الطويل متعبا ومستريحا،

عابر البحر، المحيط الواسع، لغاية مطلع الشمس،

جوال العالم، ناشد الحياة،

الذي وصل بجهده إلى اوتا- نبشةِ القاصي). ( عن ملحمة جلجامش ت. د. نائل حنون).

مثّل اوتا- نبشة رمز الحكيم الذي يعرف وحده سر الحياة لذا تخبرنا الملحمة أن حصول جلجامش على الحكمة جاء بعد تعب التجوال بالوصول إلى مصدر المعرفة البعيد الذي مثله أوتا- نبشةِ. إن ربط الملحمة الوصول للحكمة بالتيه والتجوال حتى مطلع الشمس هو أساس التقاليد التي سنجدها في الديانات، والطرق الصوفية، والفلسفات التي ستأخذ إحدى أهم الفلسفات الإغريقية شهرتها من التمشي بين الأروقة هذه الفلسفة التي عُرفت بالرواقية، كذلك كان نيتشة مشايا، هو الذي قال مرة أن أعمق الأفكار جاءته وهو يمشي، كما يخبرنا زيجمونت باومان أن سيجموند فرويد كان:( مسافرا نهما، وجامعا نهما للتحف). لقد ارتبط اسم فرويد بالغوص في متاهة النفس البشرية واكتشاف عوالمها الغامضة، بهذا الترحال نحو اكتشاف النفس أسس علم التحليل النفسي!. كما تخبرنا المرويات ـ بحسب نك روبينز في كتابه( الشركة التي غيرت العالم) ـ عن المفكر البريطاني جون ستوارت مل صاحب الكتاب الشهير عن ( الحرية ) أنه حين:( يأتيه الإلهام، لم يكن فقط يخلع معطفه وصدريته قبل أن يجلس على مكتبه، بل كان يخلع سرواله أيضا، ثم يبدأ عمله، وكان في أثناء ذلك يمشي بخطوات واسعة جيئة وذهابا في الحجرة مرة، ثم يكتب بسرعة كبيرة مرة أخرى، وهكذا..).. يحيل هذا الطقس الكتابي لمل على المسلك البدائي للإنسان حين لم يكن يرتدي من الملابس إلا ماكان يستر أعضاءه التناسليه، ويعيش مترحلا بحثا عن طرائده التي ستكون مع ميل الطرائد الأفكار!.

 من هنا يتحول المشي مع الاستقرار مسلكا رمزيا لحركة الترحال الذي ارتبط واقعا بنمو وتطور الإنسان!. إن اوتا- نبشة الذي تضعه الملحمة مصدر المعرفة، والهادي من التيه الذي ترحل له جلجامش كي يدله على الطريق سيكون مع التقاليد اليهودية يهوه الذي يخرج القبيلة من تيهها في الصحراء عبر ترحل عبده الصالح موسى!. وهو المسلك ذاته الذي تُقدِّمه لنا أُوديسة هوميروس ـ الأوديسة ت. حنا عبود ـ فيما يخص بطلها أوديسيوس الذي ترحل بعد دمار طروادة بهدف البحث عن النجاة له ولأصدقائه حيث تبدأ الإلياذة في نشيدها الأول حكايتها بذكر هذا المنجز البطولي حين يطلب الراوي من آلهة الشعر أن تحكي له الحكاية قائلا:( أخبريني، ربة الشعر، عن ذلك البطل البارع الذي ارتحل بعيدا بعد دمار المدينة طروادة، زار كثيرا من المدن، وتعرف على الكثير من الشعوب بعاداتها وأفكارها، وكابد الكثير من المغامرات في البحر عندما كان يكافح للنجاة بحياته، ويضمن لنفسه ولأصدقائه عودة آمنة إلى الوطن…).

تحيلنا ( حكاية السائح جواب الآفاق) لسعدي الشيرازي كمنظومة شعرية عن التبصر، والحكمة لرجل جاب الآفاق إلى تقاليد ملحمة جلجامش!. يفتتح الشيرازي ( أريج البستان ت. د. أمين بدوي) حكايته الشعرية بقوله:

( جاء شخص من بحر عمان، سافر كثيرا في البيداء والدأماء،( البحر).

رأى العرب والترك والتاجيك والروم، وفي نفسه الطاهرة عن كل جنس، علوم.

طاف العالم وجمع العلم، وسافر وتعلم المحادثة، والصحبة).

كان جلجامش ملكا عظيما وقوي البنية؛ لكن حكيم سعدي _ وهنا سنلمس تطويرا لمعنى القوة عبر الحكمة _ كان معدما، وسيتوصل لحكم إحدى الدول بفضيلة هذه الحكمة التي توصل لها. يقول سعدي عنه:

( قوي الهيكل مثل الشجرة الضخمة، ولكنه جدُّ عاجزِِ ومعدم).

ترسخ أفكار المنظومة عبر إشارات حِكَمية العلاقة بين التجربة، والعمل السديد، وذلك في قول الشيرازي:

( ..من يعمل أعمالا بلا تجربة. يحمل على قلبه أعباءََ من جور الغم).

ولأن الترحل يستغرق وقتا طويلا، ويعرض الإنسان لتجارب ومحن شتى؛ لذلك لا يمكن فهم الحياة، والإنسان كما يقول الشيرازي عبر سائحه دون أن يأخذ وقتا طويلا:

( مالم تمض أيام كثيرة، لا يمكن الوصول إلى غور إنسان).

تحيل الأيام الكثيرة على ماتم ترسيخه في التقاليد بأن الحكمة لا تأتي للشخص إلا في سن متقدمة، لذلك يوصف الخضر، أو الحكيم دوما كشيخ كبير بلحية بيضاء، فيكون عمر الإنسان رمزيا رحلة توازي ترحل البشرية نحو النجاة، واكتساب الرزق والمعرفة. من هنا توصف التقاليد الصوفية العمر كرحلة، وسفر نحو التبصر الذي يستغرق سنينا حتى تنضج الذات، ويتهيأ للإنسان بعد سن الأربعين كما تحدده التقاليد كسن لمرحلة النضج _ فالرقم أربعون أحد الأرقام المقدسة في ثقافة مابين النهرين _ واكتساب بالوعي، والحكمة. ومن هذه التقاليد اعتاد كتاب سيرهم الذاتية وصفها برحلة العمر التي يدونون عبرها تجاربهم المريرة، وبالتالي خلاصة فهمهم، ووعيهم بالحياة!.

هكذا تتقاطع استمرارية فكرة الترحل معرفيا منذ جلجامش حتى المتصوفة الذين طوروها، ورسخوها كتقاليد ثقافية، ودينية حول معرفة الذات عبر طرق السفر نحو أغوارها!.

لقد كان تيه كلكامش نابعا من خيار شخصي للبحث عن خلاصه؛ أما الحكاية الدينية التي يرويها لنا سفر التكوين؛ فتجعل التيه عقابا من الرب لقايين على ارتكابه جريمة قتل أخيه هابيل بالطرد والتيه في العالم كما يروي لنا سفر التكوين الحكاية الرمزية عن أول جريمة قتل حدثت بين أخوين. إن الرواية الدينية تختزن خبرة الترحل المريرة التي بجعلها الترحل عقابا تدرك أنه قرار احتمالية النجاة منه محال خصوصا وأن العقاب رمزيا صادر من الإله حيث هو مصدر المعرفة والهداية. هذه الخبرة نقرأ صدى بداياتها في ملحمة جلجامش فقد استعمل أنكيدو بعد أن عرف أن الآلهة قرروا له الموت فتوجه بدعاء ليهلك شمخة الغانية التي جلبته من البرية فكان العقاب الذي تمناه أنكيدو أن تتيه شمخة في الأرض حيث جاء في الملحمة (ت. نائل حنون):

( ليكن تقاطع الطرقات مجلسك والخرائب منامك،

وفي ظل الجدار ليكن موقفك

لتغطي الأشواك قدميك..)

من هذا السياق الذي يخبر معنى العذاب القاسي لغربة التيه أعلن الرب عقابه لقايين قائلا:( فالآن ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك. متى عملت الأرض لا تعود تعطيك قوّتها. تائها وهاربا تكون في الأرض). تكرر المروية التوراتية فعل النفي هذا حين يطرد إبراهيم ابنه إسماعيل من هاجر إلى الصحراء بطلب من زوجته سارة، أو ساراي. إن هدف الطرد بحسب فاضل الربيعي أن يتعلم إسماعيل لغة جديدة؛ لكن الخبرة الدينية التي تختزن معنى النجاة في التيه تعطينا عبر هذه المروية أمثولة عن حق الحياة بعد اجتياز عذاب التيه والترحل، أي عذاب الإغتراب في الزمان، والمكان والتي ستكون اللغة نتيجة من نتائج هذا الإغتراب، أما الهدية الإلهية التي أعطيت لإسماعيل هي كثرة النسل؛ لذلك نقرأ صورة أخرى للحرمان من خير الرب عبر هذا النفي في سفر العبرانيين حين يسرد الراوي ( أخبار الإيمان ) الذي يُقدم؛ كأمثولة للمتمسكين به تتحقق نجاتهم من الأهوال، أما الذين تشردوا دون تضحيات عبر مواجه الصعاب بإيمان الرب كانوا كما يقول:( متسترين بجلود الغنم والمعزى، يعانون من الحاجة والضيق والظلم، ولم يكن العالم يستحقهم، تائهين في البراري والجبال والمغاور والكهوف). في روايته ( قايين ) يعيد جوزيه ساراماجو تخييل الحكاية التوراتية في قالب روائي جاعلا سخريته تمتد مع تيه قايين في الحكاية التوراتية حتى تأكيده على مهارة اقتفاء الأثر التي صار يتقنها قايين بعد مسيرة غائمة مع تيهه بين الصحاري، والمدن والواحات، وهي المهنة التي صار يتقنها بعد مهن الاستقرار. يقول عنه ساراماجو:( فقايين الذي كان فيما مضى عاجن طين، فضلا عن كونه فلاحا مبتدئا قبل ذلك، هو الآن مقتفي أثر متيقظ، حتى إنه، حين يبدو مترددا لا يضيع أثر من مروا من هنا قبلا، سواء أوجدوا أم لم يجدوا مكانا يتقفون فيه ويقولون هناك لأنفسهم، لقد وصلت). تجعل الرواية التوراتية وتخييل سراماجوا الروائي من قايين ليس فقط أول التائهين، بل أول مقتف للأثر حين ترمز الشتات البشري في حكاية قايين الأسطورية، فيما هي تحيل ثقافة تقفي الأثر التي عرفت بها القبائل البدوية المترحلة إلى شخصية إسطورية في حكاية تروي سيرة الرب في تكوينه للعالم ووضعه لمعناه في سبعة أيام!.

هكذا صار التيه عقابا قاسيا من التاريخ إلى رمزية المتخيل الحكائي الذي يدون لنا مدى خطورة كون الإنسان تائها؛ لكنه عبر هذا الترميز يجعل التيه عملية مفتوحة على تجربة الإنسان لوعيه أمام تيه العالم. تستعمل طقوس التكريس والبلوغ _ جيمس فرايزر( الغصن الذهبي) _ لدى القبائل البدائة عقاب التيه في الغابات كجزء من تكريس الرجل البالغ، وكتهيئة لدخوله عالم النضج؛ فتترك الشاب وحيدا هائما في الغابات لزمن قد يطول عن سنة، وعليه أن يتدبر أمره بيده وحده؛ فإن رجع سالما كان شاهدا على أنه تجاوز محنة تييه، وتعلم من مصاعبها؛ والإ ما كان له أن يعود؛ لذلك تحتفل به القبيلة لاستحقاقه درجة النضج!.

 هكذا تكرس عبر مختلف التقاليد الثقافية معنى شروط النضج على المستوى الفردي بتجاوز مخاطر متاهة الحياة وصعابها عبر اختبار الترحل، وذلك قياسا بما جربته المجموعات البشرية منذ البدء. وبمعنى آخر منذ الاغتراب البدئي للبشر حيث متاهة الحياة هي التجربة البدئية التي حملت آثارها في التقاليد الثقافية. فهي المعلم الأول لتشكل الوعي الإنساني!. من هنا نجد فكرة البحث عن الذات المرتبطة بالتقاليد الدينية، والفلسفية التي ظهرت وتكرست مع الاستقرار تقوم على تخوم الخروج من الجماعة، والترحل نحو اكتشاف الذات في العزلة، والسفر!.

يدون لنا سجل علم الإنسان هذا الترحل عبر تتبع تطور الإنسان الذي ارتبط أيضا بتنقله في متاهة الأرض. فحسب الرواية المتداولة في سجلات علم الإنسان كما يرويها الإنثروبلوجي وليام هاولز في كتابه ( ماوراء التاريخ) أو الانثروبلوجي، وعالم الوراثة الإيطالي لويجي سفورزا في كتابه الذي يحمل عنوانا ذا دلالة على سياق حديثنا وهو( الإنسان في الشتات ) فإن الإنسان تنقل بعد انتصابه من جنوب شرق أفريقيا إلى شمالها عابرا آسيا حتى الشمال الإوروبي وصولا للأمريكيتين. وهي الحكاية التي استنزفت الكثير من الحبر، والجهد لمعرفة كيف انتقل الانسان لهاتين الإمريكيتين. هذه الظاهرة تؤكدها أيضا أحدث الدراسات في حقول علم الإنسان، فكل الأناسي الذين تم التعرف عليهم في قارات العالم كانوا رحالة كما يقر بذلك جان فرانسوا دورتيه في أحدى مقالاته ضمن كتاب( ثورة في فهم أصول البشر وثقافاتهم) حيث يوضح أن هؤلاء البشر:( منذ حوالي مليوني سنة تركوا القارة الأفريقية..) وذلك نحو( الشمال). وهي ترحالات سار عليها الإنسان منذ انتصابه حتى ظهور الإنسان العاقل حيث اتخذ ذات المسارات نحو الشمال، والشرق انطلاقا من أفريقيا، وهناك كانت لقاءاته مع إنسان النياندرتال في آسيا، وأوروبا. وبسبب احتمالية هذا اللقاء قالت بعض الفرضيات أنه ساهم في انقراض إنسان النياندرتال جراء القتل. فقد وجدت آثار الضرب على هياكل النياندرتال. لقد كانت تنقلاته تخضع لعوامل بيئية بحثا عن الطعام تجعله بين الاستقرار حينا والشتات حينا معرضا حياته لكافة أنواع الصعاب، والمحن وعبرها دون تطوره على جسده واكتشافاته!.

لقد سجلت بعض مايعرف بالمصادر الكلاسيكية عن أسلوب حياة القبائل العربية البدوية التي تسميها با( لسراقيين ) حيث نقرأ مايدونه أميانوس ماركيللينوس عنهم بأنهم:( كانوا يجوبون البلاد من أعلاها إلى أدناها…). يظهر أقدم ذكر لهم في هذه المصادر منذ القرن الثاني الميلادي ـ عن أميانوس ماركيللينوس والجزيرة العربية ت. فايز يوسف ـ والتي يتابع أميانوس تدونه عنهم في القرن الرابع الميلادي شارحا بعد ذلك التعليق كيف أنهم:( يتجولون باستمرار عبر مناطق مختلفة وممتدة، ولا يملكون منزلا ولامسكنا، وليست لهم قوانين ثابتة، ولا يقيمون تحت سماء واحدة، ولا تُظلهم شمسُ بلد واحد. إن حياتهم تجوال مستمر…). تدون مرويات التراث العربي هذا الترحل في سيرة هجرات القبائل العربية منها مانقرؤه في كتاب( التيجان في ملوك حمير ). ومنها مابقي متداولا في المرويات الشفاهية عن ترحال قبيلة بني هلال حتى تدوينها تحت عنوان ( تغريبة بني هلال ). من هذا الترحال أنتجت مخيلة العربي مع الفضاء المفتوح على الفيافي كائنات غريبة تُعرف بالغيلان تظهر لهم، فيتوهمون أنهم بشر كما يخبرنا المسعودي في ( مروج ذهبه) حيث أنها كما يقول:( تتراءى لهم في في الليالي وأوقات الخلوات فيتوهمون إنها إنسان فيتبعونها، فتزيلهم عن الطريق الذي هم عليه وتُتيُّههم…). كانت رِجْلا هذه الغيلان بحسب المسعودي رجلي عنز!؛ ولكي يبعدوها عن طريقهم حين تخرج عليهم في الفيافي يقول المسعودي؛ فإنهم يرتجزون بيتا من الشعر لتهرب في (بطون الأودية ورؤوس الجبال) حيث يقولون:

يا رجلَ عنز انهقي نهيقا      لن نترك السبسب والطريقا

 قبل الاستقرار إذن كان الإنسان مترحيلا، وحتى مع استقرار الإنسان بعد اكتشاف الزراعة وتدجينها بقيت جماعات على ترحلها حيث ارتبطت ثقافة عيشها بالجمع، والصيد، أو الرعي المرتبط بالترحل حيث أماكن الخصب!.

هكذا حدد الترحل، والإغتراب علاقة الإنسان بالطبيعة، وشكل المجتمع وثقافته، ومن ثم بتشكيل وعيه بنفسه، وبالعالم!. ومنها اكتسب السفر، والترحل في الثقافة رمزية، أو طريق المعرفة، والرزق. وهذا ما نلقاه في شواهد كثيرة في مرويات التراث، والشعر العربي منها قول البحتري:

وإذا الزمان كساك حلة معدم      فالبس لها حلل النوى وتغربِ

لذلك تفرد المرويات عناوين خاصة بالسفر، والإغتراب كما نقرأه في ( بهجة المجالس وأنس المحالس) للقرطبي ( باب السفر والإغتراب ). وكتاب مختص بآداب الترحل للثعالبي بعنوان ( كتاب زاد سفر الملوك ). وتتبع هذه المدونات التراثية عادة حين تتحدث عن أمر ما تؤصله بدءا بالرسول لتعطي المعنى الشرعية خالقة بهذا المسلك حالة من نسيان سياقات المعنى داخل الثقافة!. فعن هذا الترحال يروي القرطبي للرسول قولا منسجما مع فكرة البحتري الذي أخذها عن أبي تمام، والذي أخذها أبو تمام عن الأعشى الكبير كما سنرى تاليا. يقول الرسول:( سافروا تصحوا وتغنموا ). وهو قول له دلالته حين نتذكر سيرة الرسول من سلوكه في شبابه الترحل للتجارة نحو شمال الجزيرة العربية. هذا السلوك التاريخي _ يرى فاضل الربيعي في شقيقات قريش أن الخروج الكبير لقبائل العرب على مدى تاريخهم كان مع الإسلام الذي رأى فيه الخروج من الطبيعة إلى الثقافة من البادية إلى المدينة _ للترحال في حياة الإنسان في الجزيرة العربية جعل فكرة الموطن ليست بذات أهمية؛ لأن المعنى الفعلي لحياة الإنسان بات يحدده الإغتراب في الإرض؛ لذلك تروي مدونة التراث _ بهجة المجالس مثلا _ عن العرب قولها : ( ليس بينك وبين بلاد نسب، خير البلاد ما حملك )!.

وقد عبر المتنبي عن هذه الفكرة في قوله:

في سعةِ الخافقين مُطَّرَبٌ      وفي بلادٍ من أختها بدلُ

أو قوله في قصيدة أخرى:

غنيٌّ عن الأوطان لا يستفزني    إلى بلد سافرت عنه إيابُ

حيث جعل من سرج الحصان أفضل مكان يحتمي به الإنسان من المذلة؛ فيقول في بيت لاكته ألسنة الناس حتى اليوم هذا في القصدة ذاتها:

أعز مكان في الدنى سرْجُ سابح     وخير جليس في الزمان كتابُ

ومن مرويات التوحيدي في ( بصائره وذخائره) نصطاخ حديثا لأعرابي يفترض أنه قاله في القرون الأولى من الحضارة العربية، أوقريبا من عصر التوحيدي يشرح فيه سبب كثرة ترحل العرب، ويحيل على الفكرة ذاتها. يقول التوحيدي:( قيل لأعرابي: إنكم لتكثرون الرحل والتحول وتهجرون الأوطان، فقال: إن الوطن ليس بأب والدٍ ولا أمٍّ مرضع، فأيُّ بلدٍ طاب فيه عيشك، وحسنت فيه حالك، وكثر فيه دينارك ودرهمك، فاحطط به رحلك، فهو وطنك وأبوك وأمك ورحلك).

هذا المسلك التاريخي، والتقليد الثقافي للترحال في تاريخ العرب أنتج أيقونات ثقافية عن المكان، منها الأيقونة الشعرية الشهيرة: الوقوف على الأطلال. فلم يكن لها من معنى، وقوة حضور في مقدمات الشعر العربي لو لم ترتبط بواقع مأساوي لترحال العربي وتغربه بهذا العمق الممتد والذي شكل معلما أساسيا في الذاكرة المرتبطة بالمكان. فعلى الرغم من أن التقاليد أعلت من شأن الترحال والتغرب، ولم تعر المكان أهمية كبرى، حيث التغرب يُمتدح ويطلب؛ لأنه مصدر للرزق، وتغيير لركود الحال، واجتناب المذلة. وهي تقاليد ترسخت على امتداد الزمن وتحولت أفكارا يستضل بها العربي مع كل نازلة ترميه مرة في متاهة؛ لتكون هذه الأفكار بوصلة رمزية تعمل على ترويض كل متاهة قد تأتي!. من هنا تأتي مصداقية دعوة الشاعر ( من مرويات أسامة بن منقذ في المنازل والديار دون ذكر لاسم الشاعر):

وكلُ البلادِ بلادُ الفتى       وما بينه وبلاد  نسب

إذا بلد بك  يوما   نبا       فلا تخلُدَنَّ به واغترِب

وتحت هذه الظاهرة كانت مناسبة البيت السابق الذي قاله المتنبي جراء إنكاره لأمر صديقه، وعليه قال:

إذا  صديقٌ  نكِرتُ  جانبه      لم تُعْيِني في فراقه الحيلُ

في سعةِ الخافقين مُطَّرَبٌ      وفي  بلادٍ  من  أختها بدلُ

هذه الدعوة التي تتكرر بشتى الصيغ في الشعر العربي سواء فيما قبل الإسلام، أم بعده تحيلنا إلى صدى ذكرى الإغتراب القسري الذي عاشه العربي ورأى حياته منساقة معه. إنه يحول صدى الذكرى هذه التي كانت فيها نجاته من الهلاك إلى حكمة في استقراره تدفعه لتحمل أعباء الحياة!. مع ذلك؛ فإن الاستقرار له مفاسده على ذات رافقت الترحل حتى صار تقليدا في حياتها لذا يتحول الترحال إلى مكسب نفسي ومعرفي حيث هو مع الحياة في علاقة حرة يعيد عبرها اطلاق جسده، ومخيلته مشتبكة مع صروف العالم!.

إن تقليد الوقوف على الأطلال، وذكرى الرسوم والربع، والدمن والأهل، والمنازل، والآثار سيعبر عن تقديس لا واع للمكان والحنين إليه، بل ثمة إشارات شعرية تعبر عن حنين الإبل لمهاجعها، وهي تحيلنا لتفهم التقديس المضاعف للمكان عبر التعبير عن حنين الإبل الكائن الرفيق لابن الأرض الغريب المترحل!. يقول الشاعر ثعلبة بن غيلان بحسب مرويات ابن الكلبي في ( افتراق ولد معد ) عن ترحل إياد من تهامة:

تحِنُّ إلى أرض المُغَمِّس ناقتي        ومن دونها ظهرُ الجَريب فراكِسُ

تأكيدا على ذلك قيام أسامة بن منقذ في القرن السادس الهجري بكتابة مؤلفه:( المنازل والديار) لاما إرث هذه التقاليد التي ستمتد من مرويات ماقبل الإسلام حتى شعراء الدول الإسلامية ككثير عزة، والبحتري، والشريف الرضي، وغيرهم الكثير ممن عاشوا بالأندلس أيضا مما يشهد على نقيض الدعوة إلى الترحال، والتغرب عبر الحنين للمكان وتقديسه، والبكاء عليه!. تروي لنا مختارات ابن منقذ التمزق الذي واكبته ذات الشاعر العربي بين تقديس الاغتراب، وتقديس المكان الذي يدل على قسوة الغربة التي وجد العربي نفسه تياها معاها تحت ضغط الشروط الجغرافية، والإجتماعية!. هذه القسوة الطويلة للغربة هي التي ووجه بها الأعشى الكبير في رواية سنتذكرها تاليا حين قيل له:( إلى متى هذه النجعة والإغتراب).

لقد عزز سلوك الترحال في حياة العرب حدثان ضلا المحرضين دائما على التغرب القسري: الحرب، والكارثة الطبيعية كالهجرة التي سببها مايعرف في المرويات بالسيل العرم لقبائل اليمن الذي انهار على إثره سد مأرب الشهير. فكانت من نتائجه هجرة أحد فروع أزد اليمن الذين عرفوا في التاريخ بالغساسنة كما يذكر فاضل الربيعي في( الشيطان والعرش) وأسسوا دولة كبرى في الشام، أو المجاعات منها مجاعة مكة الكبرى، ومجاعة بني هلال في نجد التي دامت سبع سنين، وعلى إثرها ترحلت نحو الغرب محدثة زلزالا ثقافيا في الشمال الأفريقي حيث مهدوا لانتشار الإسلام بسبب تعريبهم لأهل المغرب حتى سموا بالمغرب العربي!. أما الحرب فحكاياتها التي تفيض بها مدونات التراث تحيلنا للتفكير في استمرار واقع الصراع في التاريخ العربي مع الإسلام في مختلف أشكال المذاهب الدينية، فخلفيات هذه التيارات الدينية تاريخيا صراعات قبائلية!. من أمثلة هذه المرويات التي تؤرخ للهجرات بفعل الحروب مرويات النسابة الشهير ابن الكلبي في ( افتراق ولد معد. ج و ت/ أحمد محمد عبيد). الذي يروي عن قبائل ولد معد بن عدنان:( فلم تزل أولاد معد في منازلهم هذه كأنهم قبيلة واحدة في اجتماع كلمتهم وائتلاف أهوائهم، تضمهم المجامع وتجمعهم المواسم، وهم يد على من سواهم، حتى وقعت الحرب بينهم؛ فتفرقت كلمتهم وتباينت مساكنهم…). وفي تفصيل عن تشتت مضر وربيعة يقول ابن الكلبي:( ثم قاتلت مضر وربيعة ابنا نزار، ولد قنص بن معد، فأخرجوهم من مساكنهم ومراعيهم، وغلبوهم على ماكان بأيديهم، فانحاز ولد سنام بن معد إلى مايليهم من بلاد البلاد، وتفرقت طوائف من أولاد قنص بن معد في العرب وبلادها، وظعن أكثرهم مع الحيقار بن الحيق، أحد بني عمم بن قنص بن معد، في آثار مالك بن زهير بن عمرو بن فهم، ومن كان معه من قضاعة، حتى قدموا عليهم البحرين، فأقاموا بها معهم، وتنخوا بها مع جماعتهم، ظعنوا منها إلى السواد: سواد العراق، يطلبون الريف والمتسع والمعاش، فوجدوا النبط الأرمانيين، وهم من ملوك الطوائف، فأجمع الأرمانيون والأردوانيون على تلك القبائل من ولد معد، فقتلوهم ودفعوهم عن بلادهم، فارتفعوا عن سواد العراق، فصاروا أشلاء…). هذا الترحل القسري سيعمل على تبديل تحالفات القبائل، وبالتالي تعميق افتراقهم عن منابتهم، وتعمق غربتهم. يروي ابن الكلبي حول هذا الاغتراب نماذج من الشعر الذي حول الإغتراب الجارح هذا إلى أيقونة شعرية بصرف النظر عن قيمته الفنية، وصحته؛ لأن الظاهرة سنلامسها في الشعر العربي منذ امرئ القيس حتى المتنبي. يقول ابن الكلبي عن:( رجل من بني الماروت بن قناصة بن معد…في بني أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان حين فارقهم إخوتهم بنو شقيص ابن قناصة، فدخلوا في كلب، وهو يذكر تراغب وتجيب وشقيصا، واغترابهم عن أصلهم..:

لقد نزحت شقيص عن أبيها     قناصة مثلما نزحت تجيبُ

وكانوا يُنسبون   إلى   معد     فساقتها الزلازل   والحروب

وحي من  تراغم  قد   أشتت     بهم  عنا  نوىََ  عنا ذهوب)

وحتى مع الاندماج، والاستقرار، والتحالفات الجديدة التي تسوق حياة العربي بعد كل حرب وترحال؛ فإنها لا تقيه من شعور الإغتراب كما يقول الشاعر الشرقي بن القطامي بحسب رواية ابن الكلبي في ( افتراق ولد معد ):

نأت دارهم حيث استقر محلُّهم     بصعب بن سعدٍ والغريب غريبُ

من هنا كانت مصاعب تحمل المتاهة وضعت الإنسان أمام العمل على تطوير مداركه، وعقله كأدوات لضبط متاهة الحياة؛ فالعقل كأداة نمى مع رغبة التحكم، والسيطرة على فوضى الحياة ومتاهتها!. كان شعوره بأنه مقذوف في عالم مليئ بكائنات، ومناخات ليست في يده ويحتاجها؛ ولا يعي شيئا من طريقة تصرفاتها الغريبة تجاهه؛ لكنه لا يملك قدرة على السيطرة عليها أساسا عاملا لتطوير فكرة الفهم، والضبط، والتحكم. كانت القبائل البدائية عبر السحر التعاطفي كما يسميه فريزر في الغصن الذهبي تقوم برسم الكأئنات التي تريد التحكم بها، أو التخلص منها على جدران الكهوف، أوالرمال، ويقوم افراد القبيلة بطعنها بالرماح اعتقادا منهم أن مايصيب الرسوم سيصيب أصحابها في الحياة. فكانت هذه الوسيلة الطقوسية البدائية من أجل التحكم بهواجسه الناتجة عن الفزع من كائنات الطبيعة!. وستطوِر الحضارات الأولى هذه الرغبة حين تنتج الآلة لضبط الزراعة، والحيوانات، ومجاري المياه، وتطور معها أنظمتها الطقوسية الدينية؛ لتتحكم بمصائر حياتها عبر استرضاء الآلهة. وستعبر الفلسفة، والمنطق عن ذروة تطور مدارك الإنسان من أجل التفكير في معنى العالم، وادراك خباياه وغرائبه، وضبط متاهة الذات. من هنا سيعد المنطق أداة لضبط التفكير والعقل كي لا يتوه ويخطىء!. لقد اعتقد الإنسان طوال سنين أنه أحكم وسيلة طورها لضبط غرابة متاهات الحياة وفهمها، حتى صارت عبئا عليه حيث الغرائزي لايمنطق!. ويمكن القول أن علم الفلك من بداياته حين كان البدوي، والمسافر يراقب نجوم السماء، ويضع له مخططا كي يضبط مساره فلا يتوه كان يرسم مسار الإنسان على الأرض محددا عبر خرائط الطرق، والنجوم حيث سيسمي النجوم بأسماء محددة؛ ليهتدي بها كل عابر متاهات الصحراء، والبحار والوديان. هذه الطريقة البدائية في ضبط المتاهة سيستبدلها الإنسان في العصر الحديث تحت معاول الشعور بأن المتاهة ليست في يده بتطوير أجهزة الرصد ك(gps)عبر الأقمار الاصطناعية، وخرائط جوجل التي تدل الأم على هوى أبيها!؛ لتحل محلها بكل اقتدار، فتساهم بما يمكن تسميته: نهاية الخوف من المتاهة!. الإ أن عمق اقتدار الإنسان على ترويض المتاهة جاء عبر ابتكار ألعاب تحاكي المتاهة ليتدرب الإنسان منذ طفولته على جعل المتاهة مجرد لعبة تثير الفضول ومتعة الاكتشاف!. وفي العصر الحديث سنجد هذا التوجه بارزا في طموح تكنلوجيا النانو حين تحقق تلك الرغبة البدائية في السيطرة على الطبيعة، وغرابتها عبر التحكم في جزيئات المادة، وبالتالي في المادة نفسها، ليقول المختصون بإمكانية التحكم بالطبيعة حيث بإمكانهم السيطرة على الأمراض التي تصيب الإنسان من خلال زرع كبسولة صغيرة في المعدة تحتوي على صيدلية متكاملة من الأدوية لجميع الأمراض، تعمل على مراقبة كل خلل قد يصيب الجسم؛ فتقوم بعد أن تستقبل أمر الطبيب بإفراز الدواء الخاصب دون الحاجة للذهاب للطبيب، ولا الشعور بالألم والإرهاق. هذا الألم، والإرهاق الذي يفقد الإنسان قدراته كان يثير الفزع في الإنسان البدائي كلما تمظهر في الجسد. فكان يراه نتاج كائنات، وأشباح غريبة سيطرت عليه؛ فتعامل معه طقوسيا. هكذا ظهرت علوم السحر للسيطرة على متاهة الألم الغامضة بوصفها نتاج الكائنات الغريبة!. ومما تحلم تقنية النانو القيام به أيضا، القدرة على تخليق خلايا موجهة لما نريدها أن تقوم به من وظائف، أي لن ننتظرها أن تقوم بما يحلو لها!. هذا الإفراز الكبير المتمثل في النانو لتلك الرغبة البدائية عاشت معها مخيلة البشرية في تطاحن تارة عبر ابتكار الدين، وتخيل كائنات تدير العالم على شكل آلهة تدير الجبال وأخرى للبحار، والأنهار، وغيرها للريح والشجر. إنه مخاض الإنذهال من غرابة العالم حيث عمل هذا على توسيع المخيلة عبر استفزازات الغرائب التي تحيط به من كل مكان؛ لذا نجده يستأنس بها حين مكنته الحضارة من التريث في المكان والوقت. هذا الاستفزاز الذي تملكه الغرائب يحض على الابتكار. فطوال تاريخ الإنسان عملت الغرائب على شحذ ذهنه: تارة لفهم العالم، وتارة من أجل تبجيل المتع وصناعتها، وتارة للاستئناس، وتارة لإبداع أفكاره عن وجوده مقذوفا في غرابة العالم. لم يكن لقاءه بها صدفة، كان لقاء حكمته النظرة الأولى للحياة، وبالتالي مع تشكل مفاهيمه صارت الغرابة في علاقة حميمية مع المصادفات التي تنتهك كل معرفة. فقد كان الإنسان يترعرع بين قومه ويلقموه نتائج انذهالهم من غرابته، ثم عليه أن يصدق الطقس بناء على إعجاز الغرابة، فالإنسان لم يؤمن بشيء لم يكن غريبا يوما!. فكل فكرة دينية كانت تعيش وتنمو بوصفها إجلالا لغرائب العالم. من هنا يشكل الإعجاز، والمعجز، والمعجزة، والعظمة بنى لتلك الغرابة التي يتجلى فيها العالم عبر الديني. إن الذهول من غرابة العالم مهلك. إنه حمل ثقيل إذ يحمل دائما غموضه الذي لايمكن استنفاذه بل يعمل على استيلاد معان لا نهائية للفهم والكلام. فوجوديا بالنسبة للأنا الفرد كما يقول محمود درويش:

( وأنا الغريب. تعبت من ” درب الحليب”

إلى الحبيب. تعبت من صفتي.

يضيق الشكل. يتسع الكلام).

إنه شعور مدمر حيث لا يستنفذ منبعه، ويتسع له الكلام في قوائم لانهائية. من هنا تأتي عبارة الحاخام شمعون بن يوحاي في  إحدى صلواته ـ عن الأسلام المبكر في أربعة نصوص يهودية ت: نبيل فياض ـ التي يكشف عبرها كما يقول:( الأشياء السرية والموحاة التي كشف عنها للحاخام) معبرة عن قسوة ذلك الثقل الأبدي الذي لغرائب العالم. هكذا يزفر الحاخام مخاطبا الخالق:( وإلى متى نهاية الغرائب؟!). كأن في نهايتها نجد تلك الطمأنينة التي تلهج بها الديانات. مع ذلك فنهاية العالم كما تخيلته الأساطير، والديانات هو حدث مجلجل في غرائبيته حيث ستتكلم الطيور والحيوانات من هول الحدث، ولن يعرف أحد أحدا. هذا الحدث سيبني حدثا غرائبيا متمثلا في جهنم والجنة _ راجع كتاب العظمة تحقيق كمال أبو ديب في الادب العجائبي والعالم الغرائبي _ إذ كلتا الحياتين مبنيتان على تصور غرائبي لشكل تكونه ومسيرته، بحيث سيكون خطاب العذاب الأشد قسوة منجز بكل غرابة، ومتعة الحياة في الجنة أيضا متشكلة في خطاب غرائبي؛ فسيتمتع الإنسان هناك بما لا عين رأت ولا أذن سمعت!. لقد اختلقت الحكاية لأن هناك غرابة لايمكن فهمها وتحتاج أن نخبر عنها القادمين ليأخذوا حذرهم وهم يخطون عتبة الحياة. الحكاية كحكمة أيضا. بهذا المعنى سيقول فاضل العزاوي عن لحظة كان بطل روايته: آخر الملائكة يتأمل (مشاعر متناقظة، من الحزن والفرح… يا لهذه الحياة الغريبة التي كتب على المرء أن يعيشها). هذه الغرابة المتجلية في العالم سيجعلها الرسام السريالي رنيه ماغريت هدفا في ذاتها لتمظهر الحياة والعالم حين يقول:( إن العالم كله مسرح، وهدفه هو جعلنا نرى الغرابة). ستتجلى هذه النظرة في أعماله الفنية حيث الدهشة من الواقع يتم التعبير عنها بطريقة سريالية أي غرائبية. بينما في الديانات ستتأمل الغرابة بوصفها تجلٍ للخالق ودلالة عليه؛ لأنها بلا رابط، ولا منطق ومنها تنبع الحيرة، والذهول!. والإله كما يريد الدين وصفه وإظهاره بطلا لتمظهرات تلك الحيرة والهول!. فالحكاية هنا مخطط الأمان من المتاهة الغريبة التي يصفع بها العالم قلوبنا، وأذهاننا!.

 من هذا التاريخ الممتد لتقنية الخطاطة من أجل السيطرة على متاهة العالم، وغرائبه كان نجيب محفوظ يلجأ اليها. ففي أحد لقاءاته يقول أنه كان يضع مخططا، وقائمة بالشخصيات كي لا يتوه!. لقد أسعف الإنسان نفسه من الخوف من المتاهة عبر ابتكار فكرة الترسيمة، أو المخطط، والقوائم، كذلك ترميز حالات التوهان الذهني، والنفسي فبها صرنا نتعرف على ذواتنا، ونستطيع بواسطتها تتبع حالاتنا، والقبض على حالات الهذيان، واللذة، والألم متلبسة ومتنكرة وفارة ومكبوتة، ومتورمة على شكل حبة فلفل سوداء أسفل متاهة القلب التي لا تنتهي!. فالمعرفة في تنوعها، وتشعبها هي خطاطة استعارية _ يستعمل الانثربلوجي كليفورد غيرتز للدلالة على ذات الفكرة في كتابه (تاويل الثقافات) تعبير (آليات الضبط وخطط ووصفات وقواعد وتعليمات) للتحكم بمتاهة السلوك لدى الإنسان فهو يقول بأن الإنسان قادر على أن يعيش ألف نوع من أنواع الحياة لكنه ينتهي؛ لأن يعيش حياة واحدة محدودة، وذلك بسبب البرنامج الثقافي الذي طوره كي يضبط به فوضى سلوكه ومتاهة مشاعره _ من أجل الولوج في متاهة العالم، والاهتداء لمعنى يريح الذهن الجواب أقانيم المجهول، وغرابة الغموض، سيكون المعنى هنا كمحطة استراحة، ليباشر العابرون الجدد مسيرتهم تحت وطأة أعمق للشعور بالتيه الذي لايشبعه هذا المعنى؛ فيعمل على البناء عليه، إثر التشكيك فيه. من هنا ساهمت المعرفة في التخفيف من وطأة غرابة الوجود. إن السؤال المركزي للفلسفة حول معنى الوجود يبدو لمن هم خارج الفلسفة سؤالا غريبا كما يقول مؤلفا: الفلسفة في الجسد. لكن هذه الغرابة كما تتبدى لهم أهي من وقع السؤال على قلوبهم، أم أن الوجود نفسه دون معنى يبدو غريبا عنا، بوصفه شبكة من المتاهات غير المنتظمة في معنى ندركه؟!.

لم يكن الترحال مجرد التنقل من مكان لآخر تحت ضغوط الطبيعة، أو الحروب، والعداوات التي تحيل على الترحل القسري بل كان منذ البدايات يعمل على الصوغ الثقافي لأمثولات الشعوب كما بينا وطرق عيشها. وهو بهذا الصنيع ترك أثره على ظهور تقاليد بعض القوميات، والجماعات مع الاستقرار حيث جعلتهم الشعوب المسيطرة تحت وصمة الاغتراب الدائم في المكان، وعلى هامش مجتمعها وثقافتها، على الرغم من كونهم أبناء ترحل وتجوال. منهم الشعوب أو الجماعات التي تعرف بالغجر في عموم أوروبا. وفي العالم العربي يعرفون ب ( الكاولية) و( النور)، و( لصلبة) _ كان محمد أسد يصف إتقان لصلبة للقيافة بالأمر العظيم والعجيب حيث كان أحد مرافقيه منهم عمل على إدخاله الكويت ليلا متتبعا طريقا دون مسارات على الأرض ليتحاشى قبائل الرشيد _ الذين يعيشون على هامش المجتمع كجماعات جوالة بشكل يقل، أو يكثر مع تواجدهم داخل حدود دول مستقرة. فيما يخص الغجر في أوروبا فقد استمر فيهم الترحل في شكل تجوال بين المدن لتقديم الترفيه وهي سمة قد يشترك فيها ( الكاولية) و( والنور). هناك إشارات إلى كونهم اكتسبوا هذه التقاليد من تراث الدراويش الجوالين في إسبانيا العربية التي ساهمت أيضا في ظهور شخصية ( المهرج). فبحسب مرويات إدريس شاه في ( الصوفيين) كان مسلك الدراويش الجوالة بثيابهم المرقعة، والملونة، وسلوكهم الغريب وراء تشكل وظهور ( المهرج) الذي انتقل عبر اسبانيا إلى نواحي أوروبا. تعطينا هذه التقاليد ملمحا آخر من ملامح أثر الترحال ثقافيا غير التعلم، والمعرفة، والترفيه عن النفس من خلال حكاية الغرائب والاستعراض الغرائبي. نجد إسهامه في تكوين وتطوير غريزة من غرائز البقاء، ومكافحة مصاعب رحلة الحياة، وذلك عبر اختلاق الضحك، والسخرية اللذَان صارا فنا مع الاستقرار!. إن المصاعب التي يلقيها السفر على الإنسان تساهم في إنهاكه كلما طالت به المسافات؛ لذا ضحك في وجه الموت. لقد علم الترحل الغريب ابن الأرض كيف يضحك في وجه العناء، والموت!. هذه الفكرة تحيلنا على طريقة الجاحظ في الكتابة التي تعبر عن تفهم الجاحظ لضرورة التخفيف عن النفس أثناء مسيرة رحلة طويلة من الحديث عن المعرفة الثقيلة حول اللغة، والتاريخ وكافة العلوم؛ وكأنه يكافح مشقة الرحلة الطويلة التي يحب أن يغوص فيها الجاحظ. من هذا الثقل تعلم الجاحظ أن يبث النكت والملح بين السطور كلما طال الكلام كي يخفف على القارئ طول المسيرة!. وهذا كان مسلك التوحيدي من بعده في ( امتاعه ومؤانسته) و( بصائره وذخائره). وفي روايته ( اسم الوردة) يستحضر امبرتو إكو كتاب ( الكوميديا) أحد كتب أرسطو المعروفة ليبني حوله حكاية رمزية حول مايكون عليه الضحك بالنسبة للثقل الذي تمثله الحياة، حين تعاش وفق منطق الحقائق، واليقين الذي أنتجه الإنسان؛ ليستبين غموض متاهته. وعلى رأسها الأفكار الدينية كمنظومة عقائد تقدم نفسها بوصفها المعنى الشامل للحياة ومابعد الحياة. من هنا يقول لنا إكو من خلال شخصية العجوز الذي كان يخفي كتاب الكوميديا عن القراء أن الحياة بلا ضحك كان سينتشر فيها الموت. هكذا يتحول ذلك الاستهتار بالموت الذي رافق الغريب في ترحله عبر الضحك إلى فن كتابي مع الاستقرار، والحضارة!.

تتبدى الغرائب للمترحل الغريب طالما هو تياه في العالم؛ لذلك لابد له من الوصول لنهاية بعد كل مصاعب ترحاله مما يجعل مخيلته تزوده بتصورات عما ستؤول عليه خاتمة الأسفار. وبتعبير آخر أن يجعله ترحاله حالما دائما بالخلاص والنعيم. واحدة من هذه التصورات الأساسية هي تخييل النهاية في واقعة حضوة، ونجاة عبر الحصول على الغذاء، والماء الوفير. وهذا مايجعلنا أن ربط فكرة تقديس الماء والشجر، وبقاء تواجدها حتى مع الديانات التوحيدية في الديانات البدائية لدى مختلف الشعوب بتجربة الترحال والإغتراب البدئي. وهذا يعطينا أيضا لمحة عن بدايات تخييل فكرة الجنة التي سيحصل عليها الإنسان بعد رحلة طويلة من المعاناة في الحياة وهي تطوير لفكرة الحصول على الغذاء الوفير بعد معاناة مصاعب الترحل التي يحولها الاستقرار الذي عاش وفرة في الغذاء مع الحضارات الأولى السومرية والمصرية، ليتم تخيلها في عالم آخر!. وهي الظاهرة المعروفة مع الديانات التوحيدية؛ ولكن هل تقف الظاهرة هنا، وتنعدم في أماكن أخرى؟. واحدة من أبرز الروايات التي ترويها مدونة التراث العربي حكاية عبدالله بن قلابة الذي تاهت ناقته في الصحراء، وأوصلته رحلاته في البحث عنها إلى المدينة المخيلة التي يرويها الإخباريون عن شداد إحد أبناء عاد الذي بنى جنة إرم في صحراء اليمن في مدة ثلاثمئة سنة وحين استكملها كما تقول المرويات أرسل الله صيحة إخذته هو وقومه أثناء المسير إليها!. إن تأكيد الرواة على وجود هذه المدينة الجنة التي قصورها من ذهب وفضة، وبها من أصناف الإشجار، والأنهار يأتي عبر حكاية عبدالله بن قلابة فهو الوحيد كما تقول المرويات الذي رآها وأخذ من خيراتها مايستطيعه في أثناء بحثه عن ناقته!. تخبرنا المروية أن الجنة لا يمكن للإنسان أن يقيمها؛ وإن تجرأ على القيام بذلك فإن نصيبه الهلاك كما يتضح من العقاب الذي ناله قوم شداد!. إنها من حق التائه الذي يترحل بلا وجهة فتأتيه كأعطية وخلاص من الرب!. من هنا رمزت المرويات الدينية هبة الخير كأعطية من الخالق لا حقا يحوزه الإنسان بنفسه، وهذا أساس العلاقة القديمة دينيا التي أقامها الإنسان مع الغريب كواهب للنعم. فنعرف من الطقوس القربانية لدى الشعوب الزراعية التي حولت القربان من الذبائح إلى حق البكور، أوالبكورة بعد تحولها لشعوب زراعية من الثمار التي تعطى للرب مع بدايات الحصاد كشكر، وعرفان على تقدمته المتمثلة في وفرة المحصول!. هكذا بنى المترحل علاقة خلاصه مع الغيب، والمجهول؛ ليكون مديونا دائما لهبة قادمة ستجعل حياته محملة بعبء الشعور بالذنب لكائن متعال تمثله في أشكال متنوعة في الطبيعة حتى التعالي الأكبر مع الديانات التوحيدية يملك من القدرة على هلاكه بمقدار مايستطيع أن يهبه الخير والنعيم!.

إن ظاهرة الترحل كما عرفنا مسلك منذ تطور الإنسان سواء في أفريقيا، أو آسيا التي احتفظت كثير من القبائل حتى الوقت الحاضر بهذا المسلك من المغول في آسيا الوسطى حتى القبائل البدوية في الجزيرة العربية، وأفريقيا مع الطوارق وغيرها. وهذا ماتؤكده دراسات علم الإنسان _ راجع ثورة في فهم أصول البشر _ حين تشير إلى أن الإنسان القديم الذي عاش حياة الصيد، والقطف قبل أن يعرف الزراعة كان مترحلا. هذا المسلك لم ينته في الإمريكتين فمن الوقائع الحديثة التي تبين لنا علاقة الترحل بمخيلة النجاة والبحث عن الفردوس مايرويه لنا عالم الأديان ميرتشيا إلياه في كتابه( البحث عن التاريخ والمعنى في الدين) حول جماعة من هنود الغواراني الذين التقاهم الاثنلوجي البرازيلي كورت نيموانداجو عام ١٩٢١م على ساحل ساوباولو. كانوا قد توقفوا على هذا الساحل:( في طريق بحثهم عن الفردوس المفقود) كما يذكر إلياده. كانت الرحلة، أوالهجرة هي الحلقة الأخيرة من سلسلة هجرات استمرت مايقارب الأربعة قرون:( فقد سجلت المحاولة الأولى للعثور على ” البلد الحبيب” عام ١٥١٥. إلا أن الفترة الفاصلة بين عامي ١٥٣٩و ١٥٤٩، هي التي شهدت الهجرة الكبرى التي قامت بها جماعة التوبينامبا نحو أرض ” الجد الأعظم”. يضيف إلياده مفصلا هذه الهجرة:( انطلق هؤلاء الهنود…من منطقة برنامبوكو حتى وصلوا إلى البيرو” حيث التقوا ببعض الفاتحين الإسبان. كان هؤلاء الهنود قد اجتازوا كل أراضي جنوب القارة الأمريكية تقريبا، بحثا عن ” أرض الخلود والراحة الأبدية”). لم يكن التقاء الهنود بالإسبان حدثا عابرا بل ألقى بضلال مخيلة الجنة المفقودة على الإسبان الذين كانوا أيضا في طريق ترحلهم الاستعماري نحو أمريكا يبحثون عن الكنوز الضائعة!. فحين التقاهم الهنود:( راحوا يروون لهم حكايات غريبة عن مدن شبه خيالية مليئة بالذهب..). لقد ساهمت هذه الحكايات في تحليق مخيلة الإسبان نحو البحث عن المدن الجنة التي كانوا ينشدونها. وقد:( حكمت إلى حد كبير تلك الحملة التي قام بها ” بدرو دو أورسو” الذي يقال عنه إنه هو من فتح الإلدورادو..) كما يقول الياده. لقد تقاطع حلم الهنود مع الإسبان في تلك المصادفة التاريخية؛ لتحكي لنا عمق هذا المسلك في أثرها على مخيلة الإنسان وصناعة ثقافته، وتصوراته عن العالم والإنسان منذ القدم. مع فارق بين الحلمين كما يوضح إلياده فقد كان الهنود يبحثون عن ( نعيم الهناء الأبدي) أما الأسبان فعن ( سعادة مؤقتة). حتى الوقت الذي كتب فيه الياده كتابه يقول بأن هجرات عشائر الغواراني مازالات مستمرة. فهناك:( عشيرة واحدة من عشائر الغواراني هي عشيرة مبووا مازالت تبحث عن الفردوس باتجاه الشرق، في حين أن العشائر الأخرى تعتقد أن جنة الفردوس موجودة في وسط الأرض وفي السمت). يكمن وراء هذه الهجرات أساطير حول الطوفان، وهلاك العالم كما يوضح إلياده، مما يحيلنا على أساسات الترحل البدئية التي كانت هروبا من هلاك المجاعة، والكارثة الطبيعية التي تحولت أساطير مع مر الزمن، وتطور المخيلة كلما غامر الإنسان في اغترابه عبر العالم. هكذا يؤسس الاغتراب البدئي هوية كل شعب من خلال حكاية أسطورية عن أصله، وجذوره، ومن هذا الاغتراب يتأسطر النسيان في حكاية الأصل!.

إن حمى الحديث عن البدايات، والأصول التي نجدها دائما في الأساطير، والحكايات التأسيسية للجماعات العرقية والدينية، حيث كل أمة تملك كما هائلا من المرويات الأسطورية إذا لم تكن واحدة مؤسسة. هذه الحمى أبلغ تعبير عن الشعور بالتيه، حيث فقد الإنسان بدايته جراء الهجرات المتواصلة سواء بحثا عن الطعام، أو هروبا من كارثة، والانقسامات، والعزلة التي عاشتها الكثير من القبائل، والجماعات البشرية؛ لتحمي نفسها من الأعداء!. لذلك يتحول النسيان الحتمي تحت هذه الضغوط إلى فعل مؤسطر يعاد عيشه كحكاية مقدسة تُنَظّم ذاكرة القبيلة بعد استقرارها. بحيث تعيدها المروية الأسطورية إلى منشئها، وغالبا مايكون إلى إله القبيلة، أوالأسلاف الذين يشكلون مرجعية الذاكرة البدئية لبدايات القبيلة على ظهر الأرض، أو التنسيب لحدث كارثي عاشته القبيلة. فعبادة الأسلاف تعبير عن الدٓيْن بالحياة، فكل قبيلة لها جد أعلى، لذلك كان سلف القبيلة إله، أو شبه إله بما يتمتع به من هيبة وتقديس. ونجد في تقاليد التسمية العربية حين تنسب العائلة إلى جد أعلى، وذلك بإضافة ( ال) كأداة تعريف، والتي يلمح منها دلالتها على اسم الرب، أو الإله ( إيل) بعد تعديل بسيط من خلال تحوير الياء إلى همزة ممدودة تخفي عبر هذا التخفيف تحوير الاسم من ( إيل) الى ( آل) ف( ايل) كما يذكر جواد علي في( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج٦) هو اسم إله:( ( ايل) ( ال) هنا هو اسم الإله ( ال) ( ايلو) المعروف عند جميع الساميين). وعليه فآل فلان تعني رب فلان، كما يطلق في العربية على أب العائلة: رب البيت. من هنا يمكن القول أن شعور البحث عن البدايات تعبر عن اغتراب عميق أصاب الإنسان منذ لحظة استقراره حيث تنهال في تلك اللحظات سرب من موجات التذكر، بل وتوهم التذكر!. هذا مانلحظه مثلا بعد قرن من الإسلام. فقد كان الخلفاء يستقبلون الرواة ليحدثوهم عن الماضي، وبدايات النشأة وأصل العرب، وفي هذا السياق يحمل كتاب أبي هلال العسكر ( الأوائل) دلالة طريفة هنا حيث يعطينا الهوس بمعرفة بدايات الأفعال، والاشخاص الأوائل الذين قاموا بفعل ما. وكذلك مرويات المسلمين الأوائل، فيما يعرف بالمغازي والسير عن بدايات الإسلام، والتقليد المعروف عن مرويات أصول العرب وبدايات العالم التي تفتتح بها المدونات التاريخية العربية تأريخها.

من هنا فإن مشكلة الأصل تنبع منذ البدايات. البدايات المتشكلة مع الاستقرار التي تتيقظ فيها الثقافات من عمق متاهتها؛ لتجيب عن سؤال عتيق ومؤرق، وضاغط على الذاكرة: من أين جئنا، وما الأصول التي نتحدر منها!؟. لقد أسطرت الشعوب عبر الديانات إجاباتها. فكل الشعوب كما قلنا سابقا تمتلك حكاية أسطورية تجيب عن الأصل الذي تنبع منه وتوالدت عبره. كما نرى في المروية الكبرى في الديانات التوحيدية كيف رمزت أصل النسل البشري عبر مروية ( آدم ) كأب للبشر. لقد نسبت القبائل العربية بعد الإسلام حين اختلطت بالشعوب مما تسبب بالشعور بضياعها أصولها إلى فرعين رئيسيين هما: عدنان، وقحطان. يتضح من هذا التنسيب الناتج عن فقدان الأصل جعل كل فرع من القبائل يرجع أصوله إلى جد يطابق في معناه الرمزي(  نحلة العيش ) بحسب تعبير الباحث فاضل الربيعي في كتابه ( شقيقات قريش ) فبحسبه؛ فإنه لا وجود لجد أعلى تاريخي اسمه ( عدنان)، أو جد تاريخي اسمه ( قحطان). فبعد تغرُب القبائل في متاهات القيافي، وتحت ضربات المجاعات تحيلها أوقات الإستقرار إلى تذكر ماضيها؛ فتبحث عن جذورها، لكن ما تجده ماثلا هو طريقة حياتها، فتعمل الذاكرة على تخييل الماضي عبر ترميزه لانتساب القبائل لطرائق عيشها. وكلما تباعد الزمن؛ فإن المخيلة تُشَخْصِن ( نحلة العيش). وتحت هذه الظروف التاريخية حين اختلط الفرس بالعرب، وبأثر الخوف على اللغة العربية من الضياع، والتخريب من استعمال لسان الغريب لها تم إرجاع أصولها إلى زمن أسطوري، وآباء اسطوريين. هكذا تحيل مروية الأمة بداياتها إلى زمن أسطوري حيث يصور ( العهد الأولاني) بتعبير روجيه كايوا في ( الإنسان والمقدس ):( بأنه المكان المثالي للغرائب والتحولات). هذه الإحالة الدائمة إلى منبع الإنسان تمثل تجربة أولى للثقافة، تحيل عليها دائما في كل لحظة يقظة للأمة الثقافية. وما يجب الإشارة له في هذا السياق التفريق الذي يقول به بول ريكور بين الأصل والبداية، حيث يرى أن الأصل من شأن الأسطورة بينما البدايات هي من شأن التاريخ، الإ أن هذا التفريق لا يمنعنا من إلقاء التشابه بين التفكير في الأصول والبدايات بوصفهما نابعان من ضغط المتاهة. فبدايات الأمم التي تأسست تاريخيا هي ناتجة بعد فوضى سياسية تعيش فيها الشعوب شعورا بالمتاهة، وهذا مايضفي على هذه البدايات طابع القداسة في ثقافة الشعوب باعتبارها المفصل الأهم الذي جاء بعده الإستقرار، والإزدهار. ففي أوروبا شكل سؤال الأصل محور الدراسات تقريبا منذ عصر التنوير هذه اللحظة التي تشكل يقظة أوروبا الثقافية، ومتاهتها أيضا بعد تفكيك منظومة الدين والأنساق الثقافية. لقد استفاق سؤال الأصل، والبدايات من غفوته التي كان يقضيها في مهاد التصورات الدينية التي ستتعرض لأكبر عملية قراءة وفهم لكل المكتسبات الثقافية، والدينية بطقوسها وأساطيرها، ليس فقط فيما يخص مايعرف بالدراسات التوراتية، والكتابية الدائرة حول الكتاب المقدس، بل الديانات والطقوس البدائية التي سيشد لها علماء الاثنوغرافيا مأخوذين باكتشافات العوالم الغريبة لتلك الثقافات همم الترحال والدرس. وفي هذه الحومة يستفيق سؤال أصل البشر من جديد بعد أن تم تفكيك أسطورة أصوله الدينية ليعيد علماء الإنسان الترحل نحو أفريقيا، وأسيا والأمريكيتين بحثا عن إجابة ضائعة في حركة معاكسة للترحل البشري البدئي!.

كان أحد هؤلاء المترحلين الذي سيجد نفسه على ظهر إحدى السفن الاستعمارية للامبراطورية البريطانية في رحلة مدفوعة الثمن مأخوذا بالكائنات، والنباتات الغريبة التي ستقع عليها عيناه بكل دهشة؛ ليدون في دفاتره ملاحظاته ورسوماته لها، ويكتب بعدها كتابه الضخم عن ( أصل الأنواع)، بعد عودته من رحلته التي استمرت لمدة خمس سنوات وقد عرفت بعنوان ( رحلة البيجيل خمسة أعموام حول العالم)، ذلك هو البريطاني تشارلز دارون الذي سيحدث بعمله هذا دويا ونقاشا حتى اليوم. هكذا سيصبح عصر التنوير محطة أساسية لبدايات مسألة البحث عن أصل الإنسان في العصر الحديث بعد تفكيك المنظومة الدينية التي تزود الإنسان بأفكاره عن نفسه والعالم، فانهار جبل الرب، أو كما أعلنها نيتشة الذي سيكتب من هذه الخلفية كتابه( أصل الأخلاق وفصلها): لقد مات الله، محدثا متاهة جديدة للبحث حول أصل الكون والإنسان!.

 أن كل حركات الشعوب النضالية التي تخوضها ضد الإستعمار عملت على إحياء، أو الإرتكاز على العودة إلى الأصول الثقافية، وما عودة مايسمى بالأصولية الإ استجابة لشعور باغتراب الأمة _ فالإغتراب متاهة _ وهيمنة الآخر الغريب. إن المتاهة الناتجة عن تفكك الثقافة _ جراء التعرض للاستعمار أو نتاج الحدث العلمي _ حين تُغٓرِب الانسان تستثير فيه التساؤل عن الأصول، وهي في حالة فوضى وتشوش. لذلك سيعبر تواجد السؤال الدائم في كل ثقافة عبر سنين طويلة دون تجاوزه عن رهاب العودة للتيه في العالم من جديد!. لقد توحدت بولندا في اللحظات التي كان الاتحاد السوفيتي مقبلا على التفكك بسبب كراهيتها للحزب الشيوعي الحاكم؛ لكن كانت دوافع التوحد _ لمزيد من التفاصيل راجع كتاب عصر التطرفات لهوبزباوم _ هي الإنتماء الكاثوليكي للكنيسة الرومانية، وكراهية الروس، واليهود. هكذا تعيد الشعوب توحدها في الأزمات السياسية والاقتصادية كجماعة قومية، ودينية وفق تعريفها لنفسها بناء على تحديد كراهياتها للعدو الغريب الماثل في اللحظة التاريخية المشحونة بالفوضى والخراب، وهذا ما تستحضره دائما التجربة الجماعية اللاوعية للتوحد ضد العدو الغريب!.

إن سؤال الأصل هو التعبير البدائي عن مشكلة الإغتراب الإنساني الذي يعيد عبره شكل توحده في منظومة من القيم، والطقوس، والأساطير الدينية. من هنا تقوم في اللحظة التي وجد شعب بولندا مثلا ذاته مغتربة سياسيا عن نظام الحكم بتعزيز تقاليدها الدينية؛ لأنها تعطي إجابة لمتاهة اغترابها في تلك اللحظة السياسية؛ لتضع حدا للإغتراب باستحضار أصل الإنتماء الذي يعمل على إعادة تخييل الإنتماء، ومن ثم إعادة ترميز توحدهم، وبالتالي يضفي طقسا من الأمن على الجماعة الشعب كأمة لها منابعها، وليست شعبا تائها يهدده الاغتراب والغرباء بالتفكك!. إنها لحظة طفولية، أو بدئية بالنسبة للثقافة، لذلك تعيش هوس العودة إلى: الأصل/ الذات/ التراث/ التقاليد. بينما سيعبر إدراكها للطفولة في رمزية البطل الذي تاه وخاض الصعاب، وتجاوز طفولته الأمومية عبر الانفصال، وخوض رحلة مليئة بالصعاب؛ ليتحول عبر القوة الفائقة إلى النضج، ومن ثم إنقاذ أمته من متاهتها!. فالبدايات التأسيسية مترتبطة بشكل وثيق بأسطورة البطل المغترب. ونجد في حكاية موسى الذي أنقذ شعبه، وحدد لهم الوصايا العشر، وميثاق العهد مع الإله مثالا على تحديد الهوية الدينية الجديدة بعد تلك المتاهة، بحيث لن يشكل لها سؤال الأصل مع امتلاك هذه المرجعية الرمزية لأصل الثقافة والهُوية أزمة دائمة تضل حالة من الهوس المتشكل في الثقافة مثل فايروس ينشط باستمرار، كاستجابة لا واعية لغريزة الثقافة أمام كل أزمة متاهة؛ مُحدِثة تشتتا لمنظومة الثقافة، وبالتالي العودة للمتاهة، وهو مايربك وعيها لنفسها كما يؤكد لنا أيضا الأنثروبلوجي كليفورد غيرتز في ( تأويل الثقافات) عن الأثر الذي يُحدِثه تفكك المنظومة الرمزية للثقافة من تشتت وضياع لأفرادها، وبتعبير آخر حسب سياق فكرتنا يعيدهم للمتاهة الأصل عارين أمام فوضى العالم!.

لقد ظهر الاستعمار الأوروبي في حركة غزو، وترحال بحثا عن الكنوز والخيرات، ومثّل توجها معاكسا للترحال، والشتات البشري الذي مثلته بدايات خروج الإنسان من أفريقيا غازيا شمالها، وآسيا، وصولا أوروبا والأمريكيتين؛ ليكون مع الاستعمار منطلقا من أروبا نحو أفريقيا، وآسيا والأمريكيتين، وبمنطق قد ينافي ما راكمته الحضارات من قيم أخلاقية، وهي لحظات ترتكبها كل الحضارات التي قامت على الغزو ضاربة كل تلك القيم الدينية، والفلسفية التي وضعت قيما أخلاقية للتعامل مع العنف والقتل، أو أسطرتها حيث طقوس العنف المؤسطر المتمثل في طقوس الذبائح والقرابين المقدمة للآلهة التي تُقام اعتقادا بأنها تلجم العنف من الانتشار بين الأفراد، وهي ظواهر دينية نجدها في الحضارات القديمة كما لدى الأقوام التي تسميها الاثنولوجيا بالبدائية، مع ذلك يمكن القول إنها احتفظت بمبرراتها الشرعية حين يتعلق العنف بالغرباء. هكذا سيلعب الاستعمار قافزا على كل فلسفات الإنسان التي واكبت انتشاره في المستعمرات؛ ليقرر المستعمر الانجليزي مثلا أن الأرض التي وطئها في استراليا من حقه باعتبارها أرضا غير مأهولة بالسكان؛ ليقوم على خلفية هذا التبرير الذي بات من تعاليم المدونة التاريخية لتاريخ استعمارها بإنتاج مجازر بحق السكان الأصليين كادت تفنيهم؛ كأنهم يعيدون حكاية ظهور الإنسي العاقل مع إنسان النياندرتال الذي عدته منذ بداياتها الدراسات الانثروبولوجية كائنا همجيا انقرض كما تفترض بعض الدراسات بفعل القتل الذي مارسه عليه الإنسي العاقل بعد انتشاره، ووصوله إلى أماكن تواجده في آسيا الوسطى وأوروبا؛ ليحل محله في الأراضي التي شهدت تواجده. وبفعل حركة الاستعمار الكبيرة التي شنتها معضم الدول الأوروبية أنتجت موجة ثقافية من الترحال نحو البلدان المستعمرة مثّلها ليس جواسيس الحكومات المستعمرة، والعساكر الذين كانوا يكتبون عن مستعمرات الدول المنافسة بل على المستوى الثقافي والمعرفي من ترحل شعراء، وكتاب من أشهرهم الفرنسيان رامبو الذي توجه نحو اليمن عاملا في التجارة، والشاعر جيرار دي نرفال الذي كتب رحلاته عن تركيا العثمانية، وكذلك علماء اثروبولوجيا، وإثنولوجيا، وهما العلمان اللذان تأسسا تحت مضلة انتشار الاستعمار!. وفي هذه اللحظة الاستعمارية قام البيولوجي الشهير تشارلز دارون كما ذكرنا برحلته في المستعمرات الانجليزية مدة خمس سنوات جامعا شواهده على نظرية التطور.

في كل حضارة ومنذ البدايات أنتجت أشكالها الخاصة من تقاليد الترحال، والأسفار. من ذلك نتفهم أن الاستقرار الذي رسخته الحضارة لم يساهم في القضاء عى ظاهرة الترحل بل حولها إلى طقوس، وتقاليد ثقافية للاكتشاف والمعرفة، والترفيه عن النفس. نفهم ذلك حين نتذكر كيف كتب هيرودوت في منتصف القرن الأول قبل الميلاد تاريخه هو الذي لُقِب بأبي التاريخ. لقد ضمن كتابه نتائج مشاهداته، وأسفاره إلى مصر وغيرها. فكثيرا مايروي عمن التقاهم وسمع منهم. وهكذا كان المسعودي صاحب ( مروج الذهب) الذي يسميه بعض المستشرقين بهيرودوت العرب رحالةً مما ترك أثر ترحله في كتابته التاريخية عبر تدوين ملاحظاته عن المدن، والشعوب التي مر بها. ومن المصادر التاريخية التي تعتمد عليها الدراسات التاريخية في معرفة أحوال العرب، والجزيرة العربية التي تعرف بالمصادر الكلاسيكية نجد مع بدايات القرن الأول الميلادي رحلة تاجر يوناني مجهول تعرفها المصادر بعنوان:( الطواف حول البحر الإريثيري ). لقد ترك الترحل كثقافة، ومسلك أثره مع كل حضارة كانت شعوبها توقفت عن الترحل واختارت الاستقرار في شكل الترحل من أجل معرفة أحوال الشعوب الأخرى، أو من أجل امتلاك خيرات غرائبها. وهي من السعة بحيث تحتاج حديثا خاصا، فمدونة الرحلات كما يشهد عليها مشروع ارتياد الآفاق فيما يخص الرحلات العربية تمثل مكتبة كاملة قدمت طوال فترات كتابتها معارف وتصورات حول الأماكن، والشعوب التي مر بها الرحالة العرب، والمسلمين!.

من هذا المنطلق يبدو الإنسان في فكرته عن الغريب باحثا عن النادر والجوهر باحثا كنوزه التي يفاخر بها العالم. كم من شخص ترك ناسه، وأهله للدخول في غريب العالم ليجد كنزه؛ ليجد ربما فكرته. إن المتصوفة في نسخهم المختلفة كما بينا حين يغوصون في غريب الكلام وغريب اللباس هم في السياق ذاته لاستجلاء المعرفة بالعالم. فالسياحة الروحية المنتشرة في معظم الحضارات والتي يمثلها الرحالة، والمتصوفة – الذروة القصوى للترحل الروحي والتي مازالت متبعة لدى حجاج القديس يعقوب في شمال غرب إسبانيا حتى الآن حيث يُعرف الحج إلى  سانتياغو بطريق القديس يعقوب. وكذلك التبجيل التي تحظى به مقبرة ( علي الهجويري) أحد أقطاب المتصوفة الأفغان حيث يحج إليها ( الأتباع طوال الشطر الأكبر من تسعة قرون. فلقد لجأ إليه كثيرون من كل المشارب، من الملوك إلى الشحاذين على امتداد القرون، خلال بحثهم عن السعادة الروحية والدنيوية) فقد( كان معظم المسلمين الغزاة والدراويش الجوالين، يضعون نصب أعينهم أن يزوروا ضريحه) كما يخبرنا إدريس شاه في ( الصوفيون) نقلا عن أحد الكتاب المسيحيين. هؤلاء الحجاج ليسوا من المؤمنين، أومتبعي الطرق الصوفية فقط بل من الباحثين عن الذات – يتخذون شكلا مفارقا وغرائبيا في اللباس، والسلوك؛ فالمتصوفة الهنود جوالون بخرق بالية كما سبق وأن روى لنا سليمان التاجر في بدايات القرن الثالث الهجري، ويتعيشون مما يعطيهم الناس لا يتبعون في شيء مسالك المجتمع؛ فقط هم في سياق طبائع البحث الروحي الذي يهمل كل شيء في سبيل لقمة لقاء الذات بالمعنى، أوالخلاص!. حتى في مفارقتهم مع كل القواعد التي يضعها المعلمون كما نجدها لدى متصوفة الإسلام؛ لإعطاء كل طالب جديد يريد وهب نفسه لهذا الطريق السبل المتبعة والتي عليه اتباعها للوصول لسر الخالق، أوالنيرفانا، أو معرفة الذات. كل ثقافة تطلق مسماها على الكنز الروحي المبتغى حتى داخل هذه القواعد تجد من يخترقها ويتبع شواذه وغرائبه؛ ليهتدي لما يريد ويصل لما لم يوصل إليه، أو ربما أن يخلق بطرائق غرائبه تعاليمه الخاصة أن يكون معلما في السياق ذاته. وفي سيرة الحلاج دلائل على ذلك. فقد كان تلميذا للجنيد لكن معلمه عافه بعد ذلك حين رأى منه مسلكا غريبا خالف المتبع في تقاليد المتصوفة، حيث ترك الاعتزال وخالط الناس، وامتنع عن أداء الفرائض، وكان يعيش في مسكن بلا سقف، ويروى عن خادمه أنه جاءه يوما بالطعام، ووجد البيت مسقوفا، فأخذه الذهول والخوف، كما يروى عن وقوفه عاريا تحت الشمس والعرق يتصبب منه، ولم يكن يشرب إلا القليل من الماء، ولا يأكل؛ إلا بضع كسرات من الخبز في اليوم. إضافة إلى ترحله عبر فارس، والهند، ومكة حتى استقر بالعراق!. هكذا تم ترسيخ السلوك الغريب كطريقة نحو الكشف حيث يعيد عبر هذا الترميز التيه البدئي للإنسان الذي صار يعتقد أنه وراء توقد معرفته، ونجاته. سنجد في ممارسات الإنسان منذ القدم حين راح تحت وطأة عبء الغامض، وفوضى العالم، وعنفه يستكشف سر معرفة الغيب عبر السحر، والأسطورة. فبحجم ذهوله مما يخفى عليه اتبع ليكشفه ويسيطر عليه طرقا غرائبية سواء في أشكال الكتابة الغامضة، والمرمزة من الحروف، والخطوط، والأرقام، والأشكال الهندسية، وصور الحيوانات وغيرها. هذا عدا اللباس الغريب الذي يرتديه الساحر. وفي المواد المستخدمة من بقايا الحيوانات والنباتات، والجثث، والروائح النتنة الصادرة من حرائق بقايا شعر، أو حبوب نباتات، وأعشاب. هذه الطريقة في الكتابة الغرائبية التي تعتمدها طقوس السحر لم تخلُ منها الكتب المقدسة؛ فهي صادرة من ذات المطبخ التاريخي الطقسي المرتبط بالكهانة المشتغلة على فهم أسرار الكون، والحياة؛ فالنص المقدس يُرمَّز عبر محاكاة غرائبية العالم؛ ففي الكتاب المقدس بعهديه الكثير من الصيغ، والكلمات ظلت عصية على الفهم، وتثير الخلافات حتى الوقت الحاضر، وهذا مانراه في القرآن الكريم؛ وذلك في مقدمات بعض السور( ص )أو (الم) أو (كهيعص). هذه الأشكال الكتابية التي تحاكي الكتابة الكهانية تستميل بعلو غموضها، وغرائبيتها، ومن ثم اكتسابها القدسية المشتغلين بفهم الغيب بماهو أكثر غيبا وغرابة في علاقته بلغة الأسرار؛ فاستعمال نص مغلق، ومتعالي الفهم، ويحضى بهيبة في النفوس كفيل بفتح أبواب الغامض، وفك عقدة شعور الحيرة المرضي تجاه المخيف الغامض، وبالتالي يحافظ على تأويل لا نهائي للمعنى مما يحيل على إعادة تخليق مخيلة الجماعة في كل لحظة متاهة تعتريها.

هكذا استمر استعمال النسخة الشعبية لنصوص القرآن باعتباره محتويا على المعنى الكلي للكون. فالله عالم الغيب والشهادة، وهو الذي يعلم تأويل القرآن كما تشير إحدى الآيات لذلك. يوحي استعمال آيات القرآن بثقة عمياء وباطنية في فك شفرات المغلق باعتباره حاملا للمعرفة الكلية بأسرار العالم. وهذا مايدعو عالم كالرازي بعنونة كتابه الضخم في تفسير القرآن بمفاتيح الغيب؛ فهل يقدم مفاتيح لفهم الغيب حقا!؟. يروي لنا المسعودي في مروج ذهبه حكاية من الصين عن بئر فيها مخزن كتب تحتوي على معرفة الدنيا، وتاريخ السماء وغرائب العالم!. يروي المسعودي حكايته في مسرد تاريخي؛ لكنها حكاية رمزية عن امتلاك أسرار العالم!. هذه الرواية يرويها عن:( جماعة ممن تأمل في أمور هذا العالم واطلع على أخباره وبحث عنها، بأن بأقاصي بلاد الصين هيكلا مدورا له سبعة أبواب…). فبعد وصفه للهيكل الذي تعلوه في القبة جوهرة لا يقدر أحد أن يصل إليها إلا هلك ومات. وهنا نلحظ الإحالة على السفر والترحل من أجل امتلاك جوهر العالم. وفي تفصيل سرده لحكاية البئر التي توجد في وسط الهيكل يقول المسعودي:( في هذا الهيكل بئر مسبعة الرأس ومتى أكب امرؤ على رأسها إكبابا شديدا تهور في البئر وصار في قرارها..). ويروي المسعودي أن على رأس البئر طوق مكتوب فيه بقلم قديم، وبزعمه أنه بقلم المسند _ وهو من الخطوط العربية بحسب المرويات _ تقول الرواية:( هذه بئر تؤدي إلى مخزن الكتب وتاريخ الدنيا وعلوم السماء وما كان فيما مضى من الدهر وما يكون فيما يأتي منه، وتؤدي هذه البئر أيضا إلى خزائن غرائب هذا العالم؛ لا يصل إلى الدخول إليها والاقتباس منها إلا من زادت قدرته قدرتنا واتصل علمه بعلمنا وصارت حكمته كحكمتنا؛ فمن قدر على الوصول إلى هذا المِخْراق فليعلم أنه قد ساوانا، ومن عجز عن الوصول إلى ما وصفنا فليعلم أنّا أشد منه بأسا وأقوى حكمة وأكثر علما وأثقب دراية وأتمّ عناية…). يرمز البئر هنا إلى غور العالم، لذلك ارتبط معنى الترحل والسفر معرفيا بسبر أغواره، الذي لا يتمكن أي أحد من بلوغه، وهذا ماتشير له الحكاية حيث اشترط كاتبو التعليق على رأس البئر أن شرط الحصول على المعرفة التامة بالعالم، وغرائبه الموجودة في أعماق البئر هو أن يكون الشخص أشد بأسا، وقدرة في ارتياده وتحمله لمشاق هذه الرحلة وحين يصل سيكون البئر مخراقا معه أي كريما _ فالمخراق في العربية يعني الكريم بحسب ابن منظور في لسان العرب _ وإلا ستبقى الحكمة كما كانت في يد من سبقوه!. هكذا ترمز الحكاية معنى الترحل معرفيا عبر ارتياد أعماق البئر، وكأنها مسافة الحياة التي ينبغي لمن أراد اكتناه أسرار الكون أن يعبرها!. وما يلفت هنا أن المسعودي كان رحالة، وقد دون الكثير من المرويات من واقع مشاهداته، وهذا مايعطي عنوان كتابه( مروج الذهب ) مغزاه؛ فكأنه يقول للقارئ أنك ستطوف معي في مروج من ذهب جمعتها من ترحالي بين الدول، والمدن، ومنها هذي المروية التي يدونها عن جماعة التقى بهم على ما يُفهم من سياق الرواية!.

وفي السياق ذاته لعالم الرموز المعبرة عن أسرار العالم، تثير معادلات الفيزياء والكمياء حين رؤية أشكالها ورموزها الحيرة والذهول؛ فتبدو هذه الأرقام، والحروف، والأشكال الهندسية خزعبلات خارجة من مطبخ سحرة بدائيين؛ لشخص خارج سياق التخصص، هذه اللغة التي تشرح تفاصيل عمل الأشياء من حولنا تقارب الرموز، والأشكال السحرية التي ابتكرها الإنسان للسيطرة، وفهم الكون؛ لكن المفارقة هنا في لغة الاعتقاد حيث ترتكز الكهانة على العلاقات النفسية، والباطنية تجاه الأشياء بينما تذهب المعادلات الفيزيائة، والكميائية لفهم بيت المادة وتفتيت الشكل الغامض لتكونها عبر فهم دقائقها استمادا على الإيمان بالإله العقل!.
لقد قطع الإنسان مسيرة ممتدة عبر التاريخ؛ لفهم دخوله لهذه الحياة من خلال كل أشكال المعرفة والغرائب؛ فبالغريب كان يستأنس وعبر الغرابة راح يستقصي روحه يسوح وحيدا خارج الناس، وداخل الزمن. من هنا نسمع أبا حيان التوحيدي في الإشارات الإلهية يخاطب الإنسان في نفسه : (أيها الغريب أنت الغريب في معناك ). عانى التوحيدي محنة المعنى وهو بهذا الانتحاب الجنائزي أمام الذات يشكل ظاهرة فريدة في الأدب العربي باعتباره أحد القلائل المسكونين بفكرة الإنسان المغترب، واستقصاء معناه. نلحظ هذا في الإشارات الإلهية كما في حواراته مع نخبة من العلماء، ومثقفي عصره على رأسهم مسكويه في كتابه الهوامل والشوامل، وأبي سليمان المنطقي. فمن أسئلته لمسكويه في الهوامل نتلمس ذلك الهاجس المقلق حين يسأله: (ما سر النفس الشريفة؟ ما علة الإنسان في سلوته إذا كانت محنته عامة له ولغيره، وماعلة جزعه واستكثاره وتحسره إذا خصته المساءة، ولم تعده المصيبه؟ و ما سر النفس في ذلك؟). قاد القلق التوحيدي لإقامة حوار نادر مع الآخر، لكنه لم يشف غليل ذلك الشعور المقلق بغرابة معنى الإنسان. مما يدعو للتساؤل: هل قضى هذا الشعور على حياة التوحيدي؟!. هو الذي قال قولته الحارقة:( الإنسان أشكل عليه الإنسان)!.

 وبعد طول مران لكل منابع التيه تمكنت هذه العادات وصارت طرقا وطقوسا وتقاليد _ مثلما وضحنا _ تسم أقدم مظاهر الوعي الإنساني عبر التاريخ؛ لكنها مع الزمن تأخذ هذه السياحة الروحية أشكالا متنوعة، فمن الشكل الديني للمتصوفة والدراويش، والزهاد، والترحل للتزود بالمعرفه والبحث عن المعنى، وهي رحلة سيصفها جلال الدين الرومي بالغريبة حيث يقول في غزلياته:

(انهض برشاقة وامض في رحلتك الغريبة

إلى محيط المعاني بحيث تصير واحدا منها)

وفي مقطع آخر من رباعياته سيجعل الرومي من الترحل رمزا للجنس البشري:

( فلك نوح رمز أجسادنا،

قارب يجول البحار.

عميقا ينمو نبات في القلب تلك المياه.

لا شكل له ولا موقع).

( غربال الروح ترجمة عاشور الطيبي)

 سنجد هذا الترحال في أحدث صيغه في العصر الحديث مع حركات الهبيز التي طبعت فترة الستينات، والسبعينات بطابعها؛ فإذا كانت الحركات الصوفية متمردة على السياق الديني العام والشائع؛ فتاريخ حركاتها يشهد بتصفية الكثر منهم باعتبارهم شواذا، ومنحرفين على رأسهم السهروردي، والحسين الحلاج. فهم في الوحدة خارج العامة، وفي اللغة المتعالية والمرمزة خارج الفقه، عدا عن السلوك، والانخطافات والكلام مع الغيب. هكذا نقرأ الله في مخاطبات النفري على لسانه: (ياعبد إن لم تعرف من أنت مني لم تستقر في معرفتي)؛ فإن حركات الهبيز تتمرد على منظومة المجتمع الرأسمالية، والمجتمع الاستهلاكي؛ فتعبر عن نفسها بسلوك مناهض للمجتمع وغرائبي من خلال شعور طويلة، وملابس رثة، والسكن في الحدائق والشوارع، التمرد على العادات، والتقاليد وسلطة عالم الكبار. حركة اتبعت كل شيء يقودها لحياة مختلفة حتى عبر المخدرات، وطقوس الجنس الذي بلا حدود في أقوى أشكاله تمردا على عفة العائلة. هذا الترحال المسكون بقلق الإكتشاف عبر التيه، والتسكع الروحي والمادي يترصده ميشيل مافيزولي في كتابه: في الحل والترحال، باعتباره معلما من معالم تشكل الذات، والمجتمع؛ فبدونه يفقد قدرته على الصمود والاستمرار في الحياة، إذ أنه ذروة التعبير عن رغبة الحياة. لكن المفارقة أن شكل الترحال الحديث يفقد تلك البصمة الخاصة بالمعرفة حين يتحول إلى رحلة سياحية في يد شركات السياحة والطيران!. فهي خبيرة في استخدام تلك الأبعاد الإنسانية من خلال استغلالها عبر الإعلانات لكلمات: غامر، واكتشف، وسحر المكان!. فالعملية المضنية للاشتغال على الذات من خلال أخذها باستمرار للتمرغ في التجربة، والترحل في أدغال المعرفة والحياة والاشتباك بمصاعبها قامت الشركات بالاستحواذ عليها، فلم يعد صاحب الموهبة مضطرا للاشتغال على نفسه مثلا؛ لأن شركات إنتاج الثقافة من دور نشر وتلفزة وغيرها قامت بالدور فهي تأخذك بعد أن تكتشفك بنفسها من خلال برامجها لاكتشاف المواهب وتسويقها، وستحضنك، وتتاجر بك حتى بعد مماتك. لنجد بكل سهولة كيف يصبح الشخص مميزا بمجرد اقتنائه قنينة عطر فاخرة كما يقول إعلانها المصاحب لمن يقتنيها، وفي عالم الهواتف الجوالة تتسابق الشركات للترويج ليس للأناقة، والفخامة، والتميز شكليا بل تحيله على معنى في الشخصية كقوة الشخصية، والثقة بالذات. إن الاشخاص الذين أخذهم هوس البحث عن التميز نجدهم في الغالب يقتنون هواتف أبل العنيدة في إصرارها هي نفسها على التميز، وليس أدل من سيرة أحد مؤسسيها ستيف جوبز على ذلك، الذي كان يقول لموظفيه الذين يرون صعوبة تنفيذ افكاره: اخرجوا من الشركة لست بحاجة لكم!. أمام هذه الحمى يذهب أشخاص لاقتناء هواتف غير شائعة الانتشار وقليلة الاستعمال، وتكتسب من قلة الاستخدام ندرتها، وبهذه الندرة يلامس هوى مدفون يتحرك حين يسمع الآخرين تنعته بالشاذ!. في كتابه عصر الوصول يتتبع جيرمي ريفكين هذا التحول في تاريخ الذات عبر بيع الأوهام في اقتصاد النيولبرالية.

إن تقاليد التجدد من خلال امتلاك الأشياء النادرة، والغريبة، وحتى الجديدة التي لا تصل بسهولة لكل يد، والتي كانت مرتبطة بالترحل حيث هو كشاف لكل جديد وغريب نلحظها في التراث العربي حين نرجع للوراء. فأبو تمام كان قد خلد روح الترحال هذه في بيته الشهير:

ومقام المرء في الحي مخلق       لديباجتيه فاغترب تتجدد

لكن روح الترحال هذه التي يتوجها أبو تمام، كان قد اقتبسها من الأعشى الكبير كما يذكر ذلك ابن عبد ربه في ( العقد الفريدج٢) حيث يقول:( قيل لأعشى بكر: إلى كم هذه النجعة والإغتراب؟ ماترضى بالخفض والدعة؟. فقال: لو دامت الشمس عليكم لمللتموها. أخذه حبيب ( اسم أبي تمام حبيب بن أوس) فقال:

وطول مقام المرء في الحي مخلق        لديباجتيه    فاغترب تتجدد

فإني رأيت الشمس زيدت محبة         إلى الناس إذ ليست عليهم بسرمد

وبعيدا عن هذه التفاصيل؛ فإننا نجد بين الغريب، والغرائب صلات حميمة في علاقتهما بالكنز الروحي والترحال. فترديد البيت كفيل بإعادة خلق تلك الرغبة في الذات، إذا أردنا استخدام نظرية رينيه جيرار عن منبع الرغبات، أو الرغبة المحاكية؛ فكل رغبة فينا يستثيرها آخر.
ظمن هذه اللوعة البشرية للترحال نجد مدنا تفتخر باحتضانها للغريب والمترحل؛ ليصبح أحد معالم تفردها. إنها تزهو به عبر توسع روحها وتفتح سلوكها وتنوعه؛ لتغري كل من تتوق ذاته لعيش أقصى مافيه من اختلاف داخل قيعان شرايينها. تعطيك ماعندها من فضاء؛ لتعطيها تلك البصمة النادرة للحياة بين المدن. طنجة عروس الشمال كما يسميها أهلها إحدى تلك المدن التي تجلس عند مضيق قارتين مزدانة بمعرفة الغرباء. فقد كانت ولازالت محجا لتوق الحياة. فهي من المدن التي استقطبت حركات الهيبيز، وبعضا من رموز حركة البيت الأمريكي منهم آلن غنسبيرغ، ووليم بروز الذي يتذكرها في حوار مع الكاتب المغربي عبدالعزيز جدير في كتابه: حوارات أمريكية في طنجة قائلا عنها:( طنجة مدينة الحرية المطلقة تقريبا. مدينة افعل مايحلو لك، فأنت حر. أنت في مكان يمنحك كل شيء أكثر مما لو كنت في بلدك الأصلي. أنت تقريبا مواطن فوق العادة…كانت طنجة يومها جنة كل الملذات، وكنت أسمى المؤمنين المقيمين بها…طنجة أعطتني الحرية. مكنتني من اكتشاف الذات، جزء من الذات لم أكن أعلم بوجوده. طنجة لعبت دورا فرويديا في حياتي من التمدد على الأريكة والأعتراف بما يحتل لا شعوري وشعوري. طنجة مكنتني من فقدان الذات، وسمحت لي بالعثور على جوهر وجودي. وقد أستطيع الزعم أنها شكلت وجودي بمحض الصدفة وبمحض الإستغراق في الوجود والعيش). من كل الأطياف والطقوس التي لا تخطر على بال كالحفلات الماجنة كما يصفها الناقد المغربي محمد برادة في روايته الضوء الهارب صنعت طنجة طابعها المميز والنادر الذي خلده محمد شكري في كل ماكتبه عنها حتى في انتقاداته، وشتائمه لمرتاديها ناقدا هذا التعامل السياحي مع المدينة؛ لكنه لا يمكن تفريغها تحت طائلة هذا النقد من هذه الروح: روح حب الافتخار بالغريب واحتضانه، أو بتعبير أكثر طاقة: حب صناعة فن الحياة عبر الاحتفاء بالغريب!. من هنا تعطي تبريرا ثقافيا ذا مغزى لانتاج المثل الذي يقول: بلد الغرائب والعجائب. لكن ليس بالمعنى السياحي الذي ساهم المثل في الترويج السياحي لها بل بمعنى نشدان أقصى مافي الحياة من مغزى للعيش جاعلا من الحياة تحفة تستحق أن تعاش بحق خارج كل إطار لسكة حديد الثقافة!. تأكيدا على ذلك يتغنى بها الشاعر سعدي يوسف الغريب، المترحل الذي يزور طنجة دائما في ديوانه الصغير عنها:( ديوان طنجة ) قائلا:

طنجةُ سيدةُ الأنوارِ السبعةِ

أغنيةُ البحار!

 هذه المدينة تقف عكس المدن التي تلفظ الغريب، وتعاديه، وتضع له العراقيل؛ كي لايدخل إلى روحها، والتي ينعكس سلوكها في سلوك أهلها في قدرتهم على استيعاب وجوه الآخرين. إنها تخاف منه، تخاف على أبنائها من عدوته، أن يثير فيهم مسالك نائمة بين أحشائهم، وأن يفتض بكارة النظرة إلى الاختلاف؛ لذلك الغريب هنا يحتال إذا أراد الدخول بالتطبع بطباع ولباس أهلها، وإن كان هذا بالنسبة له تجربة متفردة!.

 قد لا تنافس مدينة كدمشق طنجة في الزهو بلؤلؤتها المتفردة؛ لكنها كحالها في احتضانها الغريب، والتغني بنفسها على لسانه. وهذا ما يشير له الكاتب السوري محمد دوريس في حديثه عن دمشق_ في مقال له في جريدة السفير بعنوان:الطريق إلى دمشق _ : ( مدينة بنت سمعتها على أكتاف غربائها ودمهم ودموعهم). فالغرباء هم صانعوا، هويتها، وحكاياتها التي تبني منها شخصيتها؛ لتعيد من خلالها تخييل الرغبة فيها باستمرار؛ ليكون هذا الشغف علامة مفخرتها في تاريخ العيش حيث يوسع الترحل الذي يمثله كل غريب أحشاءها الداخلية!. أما ذروة مفخرتها فقد جاء على لسان الشاعر محمود درويش حين تغنى بدمشق في قصيدة يقول واصفا حال الغريب فيها :

“في دِمشقَ ,

ينامُ الغريبُ

على ظلّه واقفاً

مثل مئذنةٍ في سرير الأَبد

لا يحنُّ إلى بلدٍ

أَو أَحد…”

هكذا كأن دمشق تكفي الغريب إلى الأبد دون أن يحلم، أويفكر بالحنين إلى أي بلد آخر، فهي كفايته التي تجعله واقفا على ظله الغريب المتبدل، ولكنها تستوعبه واقفا بكبرياء!. وهذا ماتلمح له دلالة المئذنة في القصيدة.

شكلت المدن الساحلية، أو التي تتوسد الأنهار _ طنجة، المنامة، بيروت، استنبول، برشلونة، البصرة، جدة، مرسيليا.._ أيقونة للغرباء هي المشرعة على فضاء مجهول حيث الغريب ابنه!. لقد دون ميغل دِ ثربانتس في مفخرته ( دون كيخوتِ. ت: رفعت عطفة) على لسان فارس الطلعة الحزينة ( دون كيخوت) المأثرة التي تمثلها مدينة برشلونة بوصفها أيضا حاضنة للغرباء حين يقول دون كيخوت عنها:( هكذا ذهبت مباشرة إلى برشلونة، مخزن الآداب، وملاذ الغرباء، ومشفى الفقراء، وموطن الشجعان، ومثأر المهانين، وموئل الصداقات الراسخة والنزيهة، وهي في المكان والجمال فريدة)!.

من كل هذا يمكننا القول بأن الترحل الذي شكل التًَّغَرُب _ من الغربة، والاغتراب _ كان مصدر المعرفة. الاغتراب كمسلك بدئي، ومن ثم كتقليد ثقافي عمل على مر التاريخ باختراع العالم!. مما يكشف لنا كيف أن الإنسان بقدر ما كان الغريب عدوا، كان الأشد وقعا على تصوراته، و هيمنته على واقعه، ومخيلته مما جعله مقدسا بوصفه الغامض الأبدي الذي تبدى في أشكال الألهة المختلفة، وفي شكل الضيف الغريب الذي يُكرم وتذبح له الذبائح، وبالتالي وتحت وطأة مخيلة الغريب شكل الإنسان هويته وتصوره عن نفسه!.

** كتب المقال أيضا في حل وترحال بين المدن والدول!.

error: