رحلاتي مع أوليفر ساكس- لويل هاندلر/ترجمة: يحي الشريف/ مراجعة: ياسمين الملق

رحلاتي مع أوليفر ساكس- لويل هاندلر/ترجمة: يحي الشريف/ مراجعة: ياسمين الملق

تصوير لويل هاندلر

أوليفر ساكس ،هولندا ،في ديسمبر عام 1987م

 

قال  أوليفر ساكس طبيب أمراض عصبية والكاتب في ديسمبر عام 1987 م مازحا ً  “ل-ل-لويل،الإنجليز نتيجة للتربية المناسبة أكثر مما ينبغي”. كانت رحلتي الأولى إلى الخارج. كنت في أوائل الثلاثينيات من عمري، وأوليفر في منتصف الخمسينيات ، كنت أعمل مصوراً فوتوغرافياً  له . فلم ذلك حينها، ولكن تلك الجملة قد تنتصب ليس فقط كدعابة عن الإنجليز ولكن أيضا ً كتفسير جزئي حول كيف فهم أوليفر نفسه. كان خجولاً ومؤدبا ً للغاية ، حتى أنه متحفظ في نواح كثيرة، نتيجة الأرستقراطية اليهودية والطبية . كانت والدته طبيبة جراحة وكان قريبه الدبلوماسي اليهودي أبا إبان.

 

عندما قابلتْ والد أوليفر في تلك السنة ، كان الدكتور ساكس الأب مسناً ويبلغ من العمر أثنان وتسعون عاما ً ولا زال يمارس الطب في بيته بلندن  حيث نشأ أوليفر. فبينما شرح أوليفر في كتابه الأخير والذي نُشر خلال حياته (على الطريق) تمرده ضد هذه التنشئة ،ووصل إلى سان فرانسيسكو مرتديا ً لباسا ً جلديا ً على ظهر دراجة نارية . تحرك لاحقاً إلى لوس أنجلوس حيث كان طبيباً مقيما ً في علم الأعصاب بجامعة كاليفورنيا حيث يستمتع بتناول بالمهلوسات والاندورفين بحمل يفوق رفع الأثقال.

حقق كتابه الذي نشر عام 1985م  (الرجل الذي حسب زوجته  قبعة) أكثر الكتب مبيعا ًعندما اتصلت به لأول مرة . قُمت، وباهتمام كبير، بقراءة  الكتاب والذي يتضمن دراسة ساكس عن طبال  يعاني من متلازمة توريت. في ذلك الوقت، عاش  أوليفر في سيتي آيلاند وكان رقم هاتفه مدون في الدليل الأصفر، اتصلت به ، وقام بالرد . شرحت له “أنا الوحيد الذي يلتقط صور لمرضى متلازمة توريت ،وانت الوحيد الذي يكتب عنها. وانا مصاب بالمتلازمة . دعنا نتقابل” فوافق على ذلك .

 

تصوير لويل هاندلر
أمستردام، هولندا ،في ديسمبر عام 1987م

كنا مقربين لوقت طويل .كنت مصورا فوتوغرافياً ،و زميلا ً، وصديقا ً، وموضوعا ً، ومتعاوناً في بعض الأحيان. اعتاد أن يقول ذلك بأنه أراد أن يخلع رداءه الأبيض وأن يرى حياة مريض متلازمة توريت الواقعية خارج العيادة أو المستشفى . قمت بتسهيل ذلك ليس فقط كمصور فوتوغرافي ولكن أيضاً كمدخل إلى الأخرين بنفس الحالة. ففي رحلاتي مع أوليفر. التقطت صور فوتوغرافية لحياة المرضى ، خارج حدود مكتب الطبيب أو غرفة المعاينة . قال بعضهم بأنني كنت” مريض توريت الأليف” الذي وجدته محبباً أو مهيناً ، يعتمد على الطريقة التي قيلت بها. سافرنا معاً إلى أوروبا وكندا وعبر الولايات المتحدة . فبينما عرفنا بعضنا البعض جيدا ً، علمت أن أوليفر كان يكتب عني في دفاتر ملاحظاته بينما أكون مشغولا ً في نفس الوقت بتصويره، وربطنا بعضنا في رباط من الملاحظة والتأمل المتبادل. فأضحت علاقتنا معقدة .

انتهينا للتو من كتابة مقالة تعاوننا معاً في العمل عليها، ونُشرت أولاً في مجلة (لايف ) ، ومن ثم دوليا ُ،عن عائلة دينية تسمى مينونايت ( عضو في طائفة في كنيسة المعمدانية التي  تتميز باللاعنف) الممتدة في شمال ألبرتا بكندا، والتي تأثر أعضاؤها بشكل غير متناسب بمتلازمة توريت واضطراب الوسواس القهري المتداخل .قُمت بتصوير القصة ، بينما كتبها أوليفر كما لو شاهدها من خلال عدستي . بعد سماعه لي أكرر الأسماء والعبارات، كتب أوليفر عن جانب من أعراضي بتوريت وكان مفتونا ً بـ “الخطوط الخارجية الصوتية “من الكلمات واللغة .

لم يكن أوليفر أبدا معالجي، وبالرغم بأن كانت هناك أوقات تساءلت فيها فيما لو كنت اثق بوصفته الطبية لفيتامين سي، كان لدي نصف أمل بأنه قد يقدم لي  يوما ً ما حبة سحرية لعلاج مرضي. فما قدمه لي عوضا ً ذلك كان أكثر بكثير: معرفة عميقة لنفسي ونافذة على  شخصيته الغريبة ، و وعي جديد بجوانب بالطبيعة البشرية .

 

تصوير لويل هانلدر
أوليفر ووالده ،لندن في عام 1987م

 في لندن ، قدمني أوليفر إلى والده ، و حدق الشيخ بعينين بارزتين على دوراني و ارتعاشاتي وهزة رأسي وسعالي، ثم التفت إلى أوليفر وقال “جدير بالملاحظة تماما ً ، أوليفرً . ما الحالة ؟ رد شارحا ً “أنه يعاني من متلازمة توريت . “بابا”، واحدة من الأشياء التي أكتب عنها ” اعتقدت أنها غريبة في ذلك الوقت حيث لم يسألني والده . أعتقد أن ذلك كان فاتناً بمناداة أوليفر والده “بابا”.

 

 كانت تربطني علاقة عمل بيني وبين أوليفر ما بين عام 1987 م و 1989 م، سافرنا معا ً حول الولايات المتحدة وكندا وأوروبا . كانت العطلات في هولندا من بعض الذكريات المفضلة لي من تلك الرحلات مع أوليفر .اجتمعنا بُعيد الهبوط في هولندا مبكرا ً في صباح ديسمبر عام 1987م مع مضيفنا الطبيب الهولندي اسمه بن فان دي فترينغ الذي درس بعض الحالات المشابهة مثل أوليفر.عمل بن في المركز الطبي وكان رجل  ضخماً بلحية كبيرة مثل أوليفر،وعاش مع عائلته في قرية صغيرة خارج روتردام. رافقنا إلى الإفطار ذلك في أول صباح في أمستردام ولاحقا ً قام بدعوتنا إلى منزله ،حيث شاهدنا زوجته وأطفاله الصغار يلعبون معا ً.

كان يتطلع كلا ً من بن و أوليفر للحالات – مثل متلازمة توريت وعلم النفس العصبي- و يعتقدون أن تكون جزء من سلسلة متصلة من الشذوذ متواجدة بشكل رئيسي في الفص الجبهي من الدماغ . تسبب المواد الكيميائية التي  تدعى الناقلات العصبية بإخفاق نقاط الأشتباك العصبي إما بفعل زيادة أو نقص المتلازمة. فمن الممكن أن تعرف بسلوك غير منضبط مع متلازمة توريت نتيجة لوفرة مفرطة من الناقل العصبي الدوبامين ، واعتلال طيفي كامل. فهذا التثبيط ليس مقصورا ً على الحركة ولكن أيضا اللغة والضوضاء والكلام وحتى الأفكار.

 

تصوير لويل هانلدر
ساكس مع بن فان فيتريج وأطفاله ،أمستردام ،في ديسمبر عام 1987م

أوضح بن أنه في هولندا ، يشعر الكثير من الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات عصبية مثل توريت بالنفور والتهميش. “هناك خيارات للعلاج. لا يسعى بعضهم للعلاج إذ يعيش في حالة إنكار وعزلة ” كان بن أقل تحليلا ً من كونه  رحيما ً ومشغولا ً . وكان نشيطا ً أيضاً في مدّ يد العون في اجتماع متلازمة توريت المحلي ومجموعة الدعم المحلية، حيث حضرناها أنا و أوليفر في إحدى الليالي في المستشفى .

 

صاح رجل “أنها عديمة الجدوى  تماما” مشيرا ً إلى أعراضه بالمتلازمة توريت. كان  لدى آلان حركات لاإرادية  لذراعيه وساقيه ولكنه صاح بكلمات وعبارات . وواصل صياحه قائلاً “لماذا نفعل تلك الأشياء؟” وفي سلسلة من الإيماءات المبالغة فيها بسبب الدوبامين المنفجر، كانت امرأة تجلس على طاولة من جانبي وتدخن السيجارة .

كانت شابة في منتصف العشرينات من عمرها ، وتتحدث الإنجليزية جيداً، عندما تجولنا معا ً أنا وهي وبن و أوليفر في ردهات المستشفى ، قالت ” متلازمة توريت مثل رقصة البروتة *(دوران رقص الباليه على قدم واحدة) .كتم  كلٌ من بن و أوليفر ضحكتهما .

 

تصوير لويل هانلدر
أمستردام ،هولندا  في ديسمبر عام 1987م
 

مكثنا في البلدة بفندق جميل بمدينة أمستردام على القناة .في إحدى الصباحات ، سأل أوليفر فيما لو أرغب بالظهور على شاشات التلفزيون معه . وقد تلقى اتصالاً من أدريان فان ديس أحد المفكرين البارزين بالبلاد، الذي كان لديه برنامج حواري معروف وأجرى مقابلات مع شخصيات عامة على مدى عقود ، معظمهم من  الكتّاب.

 كان أوليفر مكبوتا ً بطرق عدة ، وأعتقد بأن هذا هو أحد الأسباب كونه مثيراً جدا ً لاهتمامه لنا ؛ ذوي متلازمة توريت. وقادته أيضا ً إلى تلك المواد التي قد تشعره بالإسترخاء وتخفف عنه مشاعر وعي الذات.

 

بعد أن شربنا للإسترخاء قليلاً، ذهبنا إلى العرض .تحدث أوليفر بين أشياء أخرى وعن الكتاب الذي كتبه  “الاستيقاظ” في السبعينات من القرن الماضي ، ولقد  أُنتج إلى فيلم عام 1990 م ببطولة  روبن ويليامز بدور أوليفر و روبرت دي نيرو بدور المريض. قدمني أدريان فان ديس وسألني عن متلازمة توريت . أراد أن يعرف عن أثرها علىّ  وما الحالات التي عانيتها من المتلازمة .

في الأيام القليلة التالية، بدت كل الأماكن تلك التي ذهبنا إليها ، يتوقف الناس، يحدقون ،ويشيرون بأيديهم. في مثل هذا البلد الصغير، ومع وجود عدد قليل من القنوات التلفزيونية، لابد وأن نسبة كبيرة من السكان كانوا يشاهدون. فقررنا أنا و اوليفر بأنه حان الوقت أن نرى الجهات الخفية من المدينة .

تصوير لويل هانلدر 
أمستردام ،هولندا في ديسمبر عام 1987م

بدأنا رحلتنا سيرا ًعلى أقدامنا لبيوت القهوة والحانات التي تملأ تقريبا ً كل صف من المحلات التجارية المتلاصقة لبيع الأطعمة ،والقهوة ،والكحوليات،والحشيش،والشراب المسكر. وجدنا كافيه وطلبنا العشاء كما كنا نفكر ملياً برحلة إلى حي دي فالين أو ما يعرف بحي الضوء الأحمر .عرض لنا الساقي محفظة جيب من مختلف سلالات حشيشة القنب الهندي أو ما تسمى  الماريوانا، وكل واحدة منها  لها اسمها وسعرها الخاص.فاخترنا واحدة وقمنا بضمها و ولفها. في هولندا في ذلك الوقت ،يستعمل معظم الناس مجموعة مؤلفة من التبغ والشراب المسكر، وبعض الاحيان مع ثفل راتنج الحشيش أيضا .

 

كانت زيارتنا التالية في حانة تفيض بالبشر. بمجرد  دخولنا ، كانت هناك امرأة من الواضح أنها شربت لبعض الوقت وأعلنت لأوليفر،”قرأنا جميع كتبك و نحبك! “هللّ حشد صغير حولها . تقدمنا أنا و أوليفر في الحانة وطلبنا مشروب . ربتت المراة على ظهر أوليفر وعرضت أن تدفع عنا جولة من الشراب.

لوّحنا إلى نساء يجلسن أمام النوافذ في منطقة الضوء الأحمر .فبعد المشي على ما يبدو أميال ،وصلنا إلى ملهى ليلي ضخم يدعى (درب التبانة). وكان الوقت متأخراً ولكننا دخلنا الملهى .

لويل هاندلر
قام أوليفر ساكس بألتقاط صورة لويل هاندلر بمدينة أمستردام ،في ديسمبر عام 1987م

كانت أرائك متراصة على الجدران ممتلئة بالناس في درجات متباينة من الوعي . ذهبنا إلى البار للشرب وقليل من الحشيش، والمزيد من الشراب المسكر. هنا بدا الناس يتعرفون علينا، على الأقل أوليفر، ولكن كان الزبون الدائم في هذا الوقت ليس مجاملاً .نظر إلى أوليفر وكان شيخا ً من الواضح أنه ثمل،  وقال ” سئمنا منك ومن مرضك الغريب ،أذهب إلى بلدك ! ” اقترح أوليفر أن نتحرك إلى آخر البار.

لم نمكث طويلا ً في حانة ( درب التبانة)، ولكن سرنا مترنحين إلى حانات أخرى ، ندخن ونشرب طوال الليل. قررنا في النهاية أن نغادر سيراً على الأقدام. فمشينا لساعات ٍ، ومع أوليفر غالباً نتوقف كي يكتب في دفتر ملاحظاته، فبينما أقوم بالتقاط الصور. أعطاني أوليفر بعض النصائح المفيدة :”لويل عندما يسأل شخص ما، فقط قل انك مختلف من ناحية نفسية وعصبية “.

كان مثل أول بصيص نور يشق إلى السماء ،عدنا بطريقنا إلى الفندق ، نمشي مترنحين  بطريقة ما، فحتى لاحظت أخيراً أن لم يكن هناك فيلم في كاميرتي، وأدرك أوليفر أن خط يده أصبح صعب القراءة. صعدنا درج إلى غرفنا، سألت أوليفر أن لا يوقظني حتى الظهر من اليوم التالي ، وقام بإعطائي جزءاً متبقياً من الحشيش ، وقال تصبح على خير.

تصوير لويل هاندلر
ساكس في محطة القطارالمركزي  بأمستردام ،ديسمبر عام 1987م

عند تمام الساعة 12 مساءاً  من اليوم التالي، كان هناك طرق على الباب. فتحت الباب ووجدت أوليفر أشعث الشعر بشكل مفرط ،و نظارته ملتوية، وقميصه متجعدة، و سرواله مثني . نظرت إلى عينيه ، فكانت محتقنة بالدماء ونصف مغلقة ، فقلت “أوليفر ، أين كنت ؟” أجاب ” أخشى بأني تجولت في المدينة طوال الليل والنهار، و دخنت الحشيش المتبقي ، والكثير من الأكل والشرب.“ وقد كان يمشي لساعات عدة ، سكيراً و مسطولا ً ، ومنهاراً جسديا ً، ولازال يريد المزيد من كل شئ. جعلني أفكر بأوسكار وايلد – “الاعتدال شئُ ُ مميت. فلا شئ ينجح مثل الإفراط” تذكرت ماقاله لي أوليفرعن معلم الصف بالمدرسة الذي كتب في بطاقة تقريره :”سيذهب ساكس بعيدا ً،إن لم يحلق عالياً جداً “.

في السنوات اللاحقة ، ظللنا أصدقاءً ، ونتقابل من وقت لآخر لتناول الوجبات، وحضور الفعاليات ، والتجمعات مع الزملاء والأصدقاء المشتركين . أضحينا كبارا ً في السن ، فكل ُ منا تغير إلى حد ما ، كما يفعل الناس مع مرور الزمن .

لم يكن أكثر ما هو مشترك بيننا فقط الأماكن القديمة والناس الذين نعرفهم معا ً،ولكن أيضا ً التجربة المساهمة  من “الأخر “.بحيث يمنع حياء أوليفر وقلة كلامه في بعض الأحيان من التفاعل الاجتماعي ، وتأثير متلازمة توريت عليّ جسديا ً ، من الحصول على تجربة كوننا غرباء لفهم أحدنا للأخر.

كان أخر مرة رأيت أوليفر ،ثم واحد -وثمانون ، في بروكلين . كان بصحبة شريكه ،بيلي هاينز، في عرض وادي الدهشة ، مسرحية عن الحس المتزامن ، كتبها وأخرجها بيتر بروك و ماري هيلين إستني. اقتربت منهم في الرواق وقلت لأوليفر ،”لا أذكر بأنك أصبحت  كبيرا في السن .” قال ” أنا كذلك على أية حال”. بعد عدة أشهر لاحقة، وصل طرد بريدي مع مذكراته (على الطريق) ورسالة بخط اليد تخبرني عن خطط كتاب مستقبلي يتضمن رحلاتنا معا ً. كتب أوليفر “قد تنشر بعد وفاتي، إذ لا أعلم كم من الوقت لدي لأعيش.”

المصدر

error: