في أنّ رؤية الله بالأبصار جائزة وفي أنّ المؤمنين سوف يرونه في الآخرة رؤية العين – دانييل جيرميه / ترجمة: سالم بوخدّاجة

في أنّ رؤية الله بالأبصار جائزة وفي أنّ المؤمنين سوف يرونه في الآخرة رؤية العين – دانييل جيرميه / ترجمة: سالم بوخدّاجة

مذهب الأشعري دانييل جيرميه

الفصل العاشر بعنوان (في أنّ رؤية الله بالأبصار جائزة وفي أنّ المؤمنين سوف يرونه في الآخرة رؤية العين) من كتاب (مذهب الأشعري) لدانييل جيرميه


كان القول بأن المؤمنين سوف يرون الله  بأبصارهم يوم القيامة دوما مكونا من مكوّنات الاعتقاد السنيّ في الإسلام  ( انظر، عقيدة أصحاب الحديث في مقالات الإسلاميين، 292، الفقرة  12، الدارمي، كتاب العقائد 297- 310 و 413- 417 ، ابن خزيمة ،  كتاب التوحيد 167- -190) . لذلك لن نستغرب عندما نلفي الأشعري في الإبانة عن أصول الديانة ، هذا الكتاب الذي أراده أن يكون قريبا من الحنابلة قربا كبيرا، يتناول هذه المسألة في الباب الأوّل من  الكتاب ( الفقرات 1-16) في حين وردت هذه المسالة  في كتاب “اللمع“، وهو أمر معقول، في الفصل الرابع فوقعت موقع الاستنتاج أو الخلاصة من القسم المخصص لمسألة الصفات[1].

ينكر المعتزلة رؤية الله بالأبصار  في العالم الآخر مثلما ينكرونها في هذا العالم و لا يزيدون عن القول بأنّ الله يرى بالقلوب في الآخرة و يقصدون بذلك أن القلوب ستعرفه ( مقالات ، 216، 10-15 ). وفي خصوص الاستدلال المعتزلي لهذا الموقف فيمكن الرجوع إلى ( المغني في أبواب التوحيد و العدل، ج4، 139-240) وشرح الأصول الخمسة، 232-277 ).

في الوقت الذي شرع فيه الأشعري، بدوره، في بيان حقيقة رؤية الله كانت أهمّ عناصر الخلاف/ النزاع  موجودة منذ مدّة  طويلة فمن  الجانب السنيّ كان يتمّ ذكر القول القرآني الشهير ” وجوه يومئذ ناضرة إلى ربّها ناظرة ” ( القرآن ، 75، 22 -23 ) مثلما يذكر الحديث النبوي الذي لا يقلّ شهرة عن هذه الآية و مفاده أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة ” ترون ربّكم يوم القيامة  كما ترون  القمر ليلة البدر لا تضارون في رؤيته ” ( انظر ، البخاري و خاصة كتاب التوحيد 24، 1-5 و الديانات 226 ) أما من المعتزلة ( أو أولئك الذين كان يطلق عليهم أوائل أهل السنة اسم ” الجهميّة ” ) فأنهم  كانوا يستدعون في المقام الأول الآية ( 6، 103) التي تقول متحدثة عن الله خلافا للآية السابقة ( لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ) .يتعلّق الخلاف ،مثلما يبدو لنا ، خصوصا بمعرفة ما إذا كانت رؤية الله بالأبصار البشريّة مثبتة أم منفية وحيا – قرآنا و حديثا – ولقد برع كلّ طرف في ” تأويل ” النصوص التي كانت تبدو له متضادة /  مختلفة تأويلا ملائما. و لم يهمل الأشعري من ناحيته الإشارة إلى معطيات الوحي المختلفة هذه ليستثمرها أو ليفسّرها لكنه فضلا عن ذلك  عمل على تصحيح الأطروحة السنيّة عن طريق حجج عقليّة وهنا تكمن مساهمته الأكثر أصالة ( و يبدو أنّه لا يستعير هذه الحجج من أي كان).

إن موقف الأشعري، متى  رمنا الدقّة ،هو الآتي : يذهب أبو الحسن  إلى أنّه ليس للعقل أن يثبت أن المؤمنين سيرون في العالم الآخر الله رؤية عين فعلا فهذا  يعود إلى الوحي وحده أمر تقريره ( انظر ،مجردM79، 16-18 ) لكن ما يستطيعه العقل هو أن يبيّن أن هذه الرؤية جائزة

هذا ما سيكون عليه  مدار هذا الفصل خصوصا  إذ  سنتبيّن  في مقام أوّل كيف زعم الأشعري أنّه بيّن جواز رؤية الله. ثمّ في مقام ثان  كيف أثبت  منطلقا من الوحي أن هذه الرؤية ستكون فعلا في العالم الآخر . ثمّ يأتي إثر ذلك سؤالان متلازمان : سؤال متصل بكيفية هذه الرؤية في الآخرة و سؤال آخر يتصل بمعرفة ما إذا كان الله قد رآه في هذا العالم بعض البشر و خاصة منهم النبيّ محمّد

في أنّ الله يمكن أن يرى :

لمّا كان الأمر متعلّقا بالبرهنة عقليا على جواز رؤية الله فإن الحجة التي تخطر على الذهن مباشرة هي طبعا ذلك المبدأ / الأصل الأشعري الذي وقفنا عنده  سابقا ( انظر ، ص ص 176-178 ) و مفاده أن كل  ما هو موجود  ،و انطلاقا من كونه موجودا فحسب ، قابل لأن يرى و يسمع .و تلك هي فعلا الحجة الوحيدة التي يشير إليها ( في هذا المستوى من الحجج العقليّة ) الفصل المخصص لها من ” المجرد ” ( انظر ، مجرد ، 80، 13-19 و 90، 9 ) و إشارة الشهرستاني ( انظر الملل و النحل 164، 3-5) . وتلك هي أيضا الحجة الأولى و الوحيدة العائدة إلى هذا الصنف من الحجج التي قدّمها الباقلاني في ” التمهيد ” ” الفقرة 450 ( و انظر أيضا شرح الأصول الخمسة 274 ، 5-6 )  . يطرح ،حينئذ ، السؤال المتعلق بمعرفة لماذا في هذه الأحوال لا نرى الله عيانا هنا في الدنيا (انظر ، الحجة المضادة المذكورة في شرح الأصول الخمسة،253 ،14- 18). عن هذا السؤال يجيب الأشعري بأنّ كلّ إدراك / حاسة مخلوق فينا بواسطة الله و إذا كنّا، الآن، لا نرى الله  فلأنّ الله لم يخلق فينا حاسة البصر المناسبة ( انظر ، مجرد 85، 13-14) أو- بأكثر دقّة – لأنّه خلق في أعيننا شيئا مانعا يحول دون الرؤية ( انظر ، مجرد ،83، 3-4 المغني، 85-2-4  وهذا الكتاب ص 178)[2].

غير أنّه لا  يبدو أنّ الأشعري  قد استعمل هذه الحجة و أعطاها أولويّة ففي ” اللمع ” لا نجد لها  ذكرا. أما في ” الإبانة ” فإنه قد أشار إليها إشارة عابرة (§ فقرة 9 ، ” ليس موجود إلاّ و جائز أن يريناه الله عزّ و جلّ و إنّما لا يجوز أن يرى المعدوم  فلمّا كان الله  عزّ و جلّ  موجودا مثبتا كان غير مستحيل أن يرينا نفسه عزّ و جلّ “) أمّا القاضي عبد الجبّار فلا يذكر هذه الحجة في سلسلة ” شبه الحجج/ الشبهات  ” التي يستعملها  الأشاعرة  ( المغني ، 4 176- 233 )   و إنّه لمن المؤكّد ،على كلّ حال ، أن الأشعري لم يكتف بتقديم هذه الحجّة وحدها و من الأكيد أنّه كان سيجد عنتا في الاكتفاء بها وحدها  ، إذ أن المبدأ/ الأصل  المذكور يبدو من الجلي البيّن أنّه ” اخترع ” خصيصا من أجل تبرير رؤية الله …

أمّأ الحجة التي يستدعيها في كتاب ” اللمع ” ( § §  ( 68-72) [3]فإنها من طبيعة مغايرة تماما لهذه الحجة و تتمثّل في بيان جواز رؤية الله عن طريق إبطال الفرضيّة المضادة [4]و هذا عن طريق استعمال المنهج التقليدي المتمثل في السبر و التقسيم . لا تثبت استحالة رؤية الله ،كما يقول الأشعري، إلا إذا نتج عن القول بجواز رؤيته هذا أو ذاك من النتائج التي ” لا يجوز أن يوصف بها الباري تعالى و يستحيل عليه فإنّما لا يجوز لأنّ  في تجويزه إثبات حدثه أو إثبات حدث معنى فيه أو تشبيهه أو تجنيسه أو قلبه عن حقيقته أو تجويره أو تظليمه أو تكذيبه ” ( لمع §68 و انظر ، شرح الأصول الخمسة 278، 8-11, و المعتمد ، نهاية الفقرة 147 ([5]

لقد أبطل الأشعري هذه الفرضيات كلّها  واحدة واحدة  :

1 –  §69) ) إن القول برؤية الله لا يقود إلى القول بحدثه ” لأن المرئي لم يكن مرئيّا لأنّه محدث ” ( انظر فصول ، § 49)  و لو كان مرئيا لذلك للزمهم أن  يرى كلّ محدث و ذلك باطل عند المعتزلة ( انظر هذا الكتاب ، ص ص 91-92) و لنسجل أن الأشعري يقبل أن يكون كل ما هو محدث مرئيّا لأنّه موجود لا لأنّه محدث

2 (§70  ) القول بجواز الرؤية لا يفضي إلى القول بحدوث معنى في المرئي ( وهو ممتنع طبعا لأنّ الله لا يمكن أن يكون محلاّ للحوادث ، انظر ص ص 292 و 310 ) وليس في  الرؤية  إثبات حدوث معنى في المرئي و إلا لاستحال علينا رؤية الألوان ( لأنّ الألوان أعراض  ولا يمكن  للعرض  أن يكون محلاّ للأعراض  ) و من جهة أخرى، إذا استلزمت الرؤية في المرئي حدوث معنى فيه ”  لكان ذلك  هو الرؤية  و هذا يوجب أنّا إذا رأينا الميت فقد حدثت فيه الرؤية و جامعت الرؤية الموت ” وهو مستحيل لأن الرؤية لا يمكن أن تجامع الموت ( انظر ، ص 178) و في هذه الحالة لا يمكننا أيضا أن نرى عين الأعمى ” لأنا إذا رأينا عين الأعمى حدثت في عينه رؤية فكانت الرؤية مجامعة للعمى ” وهو باطل غير جائز ( § 71 )

ليس في إثبات الرؤية لله تشبيه له بمخلوق من مخلوقاته و لا يقتضي تجنيسه و لا قلبه عن حقيقته لأنّا نرى السّواد و البياض فلا يتجانسان و لا يتشابهان بوقوع الرؤية عليهما و لا ينقلب السواد عن حقيقته إلى البياض بوقوع الرؤية عليه و لا البياض إلى السّواد ( انظر في خصوص هذه النقطة ، المغني ،4 ، 186، 12-17و الإبانة نهاية الفقرة80  )

4- (  الفقرة §72 ) أ القول برؤية الله لا يفضي أخيرا  إلى ” تجويره أو تكذيبه ( أنظر أيضا ، المغني 4 ،192،8-9 ) لأنا نرى الجائر و الظالم و نرى من ليس بجائر و لا ظالم

و يخلص الأشعري بعد هذا إلى أنه مادام القول برؤية الله بالأبصار لا يفضي إلى نتيجة من هذه النتائج التي عددناها فإن ذلك يعني أن هذه الرؤية ليست ممتنعة أي أنها جائزة

ثمّ أورد  الأشعري  بعد هذا التحليل  اعتراضا من اعتراضات المعتزلة ( اللمع ، § § 73-74 ، و انظر المغني4،  4189-8 و كذلك ، المجموع في المحيط بالتكليف 1 ،207 8-11  ).يقول أصحابه : أفلا يمكن القول في هذه الحالة  أنه يجوز أيضا أن  يلمس الله و يشم و يتذوّق  لسبب هو أنّ  مثل هذه الفرضيّة لا تفضي أيضا إلى القول بحدثه و لا بحدوث معنى فيه  ألخ ؟[6]

ولقد اقترح الأشعري طريقتين للردّ على مثل هذا الاعتراض [7]فإمّا ( §73) أن نعتبر ما ذكرنا  أعلاه ( انظر ، ص ص 173-174) مقبولا وهو أنّ اللمس و الشمّ و الذوق  تمثل ضروبا من المماسات و أن المتماسين إنّما يتماسان  بحدوث مماسين فيهما ( انظر هنا / هذا الكتاب ، ص 79) فينتج عن  القول بأن الله يمكن لمسه و تذوقه و شمّه القول بحدوث معنى فيه . أو ( §74 ) أن نقبل  إمكانية ” أن يحدث الله لنا إدراكا في هذه الجوارح  ( الخيشوم و اللسان واللهوات ) من  غير أن بفضي ذلك إلى  حدوث  معنى فيه. . فلم لا يجوز في هذه الحالة اللمس و الشمّ و الذوق كذلك ؟ أمّا كيف نسمى هذا الضرب من الإدراك فالأمر فيه ” إلى الله تعالى إن أمرنا أن نسميَه لمسا و ذوقا و شمّا سميناه و إن منعنا امتنعنا ” و يبدو أن ابن فورك في (  مجرد  80،6-8 ) يشير إلى هذا المقطع من كتاب اللمع .

أما في كتاب الإبانة ( الفقرة 10) فإنّ الأشعري يُعمل حجّة ثالثة فيقول ” و مما يدلّ على رؤية الله سبحانه بالأبصار أنّ الله تعالى يرى الأشياء و إذا كان للأشياء رائيا فلا يرى الأشياء من لا يرى نفسه و إذا كان لنفسه رائيا فجائز أن يُرينا نفسه و ذلك أن من يعلم نفسه لا يعلم الأشياء و لمّا كان الله تعالى عالما بالأشياء كان عالما بنفسه فكذلك من لا يرى نفسه لا يرى الأشياء “

وقد استشهد القاضي عبد الجبار بهذا الدليل ووضعه على رأس تلك القائمة من  ” الشبهات ” التي نسبها إلى القائلين برؤية الله ( المغني ، 4 ، 176،4 -9و انظر ، كذلك ، شرح الأصول الخمسة ، 273، 5-9،و الإنصاف 181، 191-2) و يستهدف الردّ المعتزلي أساسا الاعتراض على ” الحد الأوسط : أي القول ” متى كان الله رائيا لغيره كان رائيا لنفسه “

أما على مستوى الأدلة العقليّة فإن الأشعري في اللمع ( الفقرة 81) يشير إلى اعتراض آخر يمكن لخصومه أن يستعملوه ضده ” فإن قال قائل :   فهل شاهدتم مرئيّا إلاّ جوهرا أو عرضا محدودا أو حالا في محدود ؟ وهو ما يقود إلى نتيجة مفادها أنه إذا كان الله مرئيّا فيلزم أن يكون هو أيضا ” جوهرا أو عرضا ” ألخ وهو محال . و قد تمثلت إجابة الأشعري في القول بأن مثل هذا الحجاج يمثل مرة أخرى ( انظر ، ص 326) مثالا للاستنباط غير الشرعي المتمثل في الاستدلال بالشاهد على الغائب . إن مثل هذا الاستنباط لا يصح حسب الأشعري إلا متى استوت العلّة في الحالتين ( انظر ، مجرد 299، 13) لكن الأشعري يقول ” و لم يكن المرئي مرئيّا  لأنّه محدود و لا لأنه حال في محدود  و لا لأنّه جوهر و لا لأنّه عرض ” و إذا كان علينا أن نقبل مثل هذا التفكير فيجب علينا أيضا أن نقبل بأن الله هو كذلك جسم أو مادة أو عرض بما أننا في الشاهد لا نعلم فاعلا إلا وهو جسم ولا نعلم من الأشياء إلا وهي إما جواهر و إمّا أعراض و لا نعرف عالما إلاّ وهو عالم بعلم  محدث   “كما لم يجب إذا لم نجد فاعلا  إلاّ جسما ولا شيئا إلا جوهرا أو عرضا ولا عالما قادرا حيّ إلا بعلم و حياة وقدرة محدثة  أن يقضي بذلك على الغائب إذ لم يكن الفاعل فاعلا لأنّه جسم و لا الشيء شيئا لأنّه جوهر أو عرض ” ( انظر ،تمهيد §471, ,  ،  الإنصاف187 ،7س،) وفي خصوص أمثلة أخرى من هذا الاستنباط الباطل ، انظر ، مجرد ،  290 ، 3-22)

لكن القول برؤية الله يمكن بالنسبة إلى الأشعري بيانه كذلك عن طريق القرآن و قد عوّل على الآية ( 7- 143) و فيها قال موسى لله ” رَبِّ أَرِنِي أنْظُرُْ إليْكَ ” عندما جاء إلى الميقات على طور سيناء ( إبانة ، الفقرتان ، 3-4 ، و انظر ،الإنصاف،177، 7س و أصول الدين 99,،2س و المغني 4 ، 217، 15 س ، وشرح الأصول الخمسة ، 262 ،7س ) و يقول الأشعري في هذا السياق أنه ” لا يجوز أن يكون موسى و قد ألبسه الله جلباب النبيين و عصمه بما عصم به المرسلين قد سأل ربّه ما يستحيل عليه ” و هذا دليل على ” أنّ الرؤية جائزة على ربّنا تعالى ” و إذا كان من المستحيل رؤية الله مثلما تزعم المعتزلة  فهذا يعني أنهم يعلمون ما لا يعلمه النبي موسى ” و إذا كانت الرؤية مستحيلة  على ربّنا تعالى كما زعمت المعتزلة و لم يعلم ذلك موسى و علموه هم لكانوا على قولهم أعلم بالله من موسى “.

ولقد وجد الأشعري  حتى في الإجابة السلبية في ظاهرها التي جاءت ردّا على طلب موسى دليلا على جواز رؤية الله . فلقد قال الله لموسى : ” لَنْ تَرَانِي  وَلَكِنْ انْظُرْ إِلَى الجَبَلِ فإِنْ اسْتَوَى مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ”  يقول الأشعري ” فلمّا كان الله تعالى قادرا على أن يجعل الجبل مستقرّا  ( وقد كان الجبل قد جعل  دكا عندما تجلي له الله  ) كان قادرا على الأمر الذي لو فعله لرآه موسى فدل ذلك على أنّ الله قادر أن يُرِيَ عباده نفسه و أنّه جائز رؤيته ” .[8]

يمكن أن يبدو دليل الأشعري هنا دليلا   محدود القوّة خاصة عندما نعلم أن المعتزلة يرون ، عن حق،  في هذا المقطع من القرآن الدليل على أنّ الله لا يمكن أن يُرى ( انظر ، المغني 4 161، 14 س ، و شرح الأصول الخمسة ، 264، 11 س،  و الدارمي ، العقائد  307، 10-11 ) إذ يقول المعتزلة بما أنّ الله قد علّق جواز رؤيته بشرط لم يتحقق فذلك يعود بنا إلى القول باستحالة تحقق الرؤية . لكنّ الأشعري يردّ على هذا بأنه لو كان الأمر ما ذهبت إليه المعتزلة لكان الله علّق رؤيته بأمر مستحيل تحققه  لا بأمر هو قادر عليه مثلما فعلت الخنساء[9] عندما أرادت أن تعبر عن استحالة مصالحة الذين قاتلوا شقيقها فوضعت لذلك شرطا مستحيلا  يقول الأشعري :” ألا ترى أن الخنساء لمّا أرادت تبعيد صلحها لمن كان حربا لأخيها قرنت الكلام بأمر مستحيل فقالت :

و لا أصالح قوما كنت حربهم …. حتى تعود بياضا حلكة القاري

و الله إنّما خاطب العرب بلغتها و ما نجده مفهوما في كلامها و معقولا في خطابها ” ( انظر  ، ص ص 325-326)

لكننا نجد في المقابل بكل تأكيد الآية ( 6،103) ” لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَ هُوُ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ” وعليها تعوّل  المعتزلة وهذا يعني بكلّ وضوح أن الله لا تدركه أبصار البشر

في خصوص هذه النقطة تبنى بعض المتكلمين السنيين حلاّ يتمثّل في التمييز بين الرؤية و الإدراك.  الله يمكن أن تراه الأبصار و لا يمكنها أن ” تدركه ” ( انظر ، مقالات 215، 12 ) الله ” يرى بالأبصار و لا يدرك بالبصر و هذا ما تعنيه  الآية ( 6، 103) . وهذا القول / الموقف حسب  أبي  القاسم الأنصاري هو موقف ” قدماء أهل السنّة ” مثل ابن كلاّب و القلانسي ( شرح الإرشاد ، 169 ب 13-16) أمّا النسفي فإنه يذهب إلى أنّ الأشعري نفسه قد يكون نسب هذا القول ، في نقضه لأوائل الأدلّة للبلخي،  إلى جمع من   البصريين مثل زهير ” العطاري/ الأتاري ( للتثبت ) ؟  و أبو معاذ التوماني ( تبصرة الأدلّة 438 ،1-3 ) [10] ثمّ أصبح هذا القول بعد ذلك قول الماتريدي (انظر ، تبصرة الأدلّة 438، 3-4 ، التوحيد ،81 ،3س، بزدوي 87، 14-18) و بالنسبة إلى هؤلاء المؤلفين  لا يجوز الحديث عن إدراك في صلة بالله لأن هذه العبارة تدل على معنى ” الإحاطة ” و ” اللحوق ” و تقضي بأنّ لموضوعها حدودا و غايات و أطرافا و نهايات فيمكننا تبعا لذلك أن ” نحيط به و ندركه ” فيكون من الجائز حينئذ أن ” نمسك به ” و ” نطاله ”  و نجد موقف هؤلاء مفصلا عند الماتريدي و الجويني ( أرشاد ، 103، 15-22) و النسفي( تبصرة الأدلة 437 ، 16-22 )

 و يعرف الماتريدي الإدراك  بأنّه ” الإحاطة بالمحدود و الوقوف على حدود الشيء ( كتاب التوحيد ، 81، 7 و 18 ) و الله ليس له  حدود. و يضيف هؤلاء الكتاب أيضا أنه يوجد بين الرؤية و الإدراك نفس الفرق الذي يوجد بين العلم و الإحاطة  لذلك نستطيع معرفة الله و لكننا لا نستطيع ” الإحاطة ” به (راجع القرآن ، 20، 110 ، وَ لاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ) كذلك نستطيع أن نراه لكننا لا نستطيع ” أن نمسك ” به بالنظر

وقد حدث للأشعري حسب ابن فورك أن دافع عن وجهة النظر هذه [11]لكن هذا الموقف لم يكن عقيدته المألوفة ( مجرد ، 79، 23س ) . إن عقيدته المألوفة هي أنه لا فرق بين  الرؤية و الإدراك أو بدقة أكبر : الرؤية هي شكل مخصوص من أشكال الإدراك يتمّ عن طريق العين ” .الرؤية هي الإدراك بالبصر “( البزدوي ، 87 ، 19س  ;  و مجرد 79، 19-20 [12]فليس بمثل هذه الطريقة إذن يمكن دحض تأويل المعتزلة للآية ( 6، 103)

إن الحلّ الذي احتفظ به الأشعري يتمثل في اللجوء إلى هذا الإجراء التقليدي / الكلاسيكي في التفسير و المتمثّل في ” التخصيص” و على خلاف ما يثبته المعتزلة فإن قوله ( لا تدركه الأبصار ” ليس له معنى العموم في نظر الأشعري و السبب في ذلك هو وجود مقطع قرآني آخر و سنقف عنده لاحقا و نقصد به الآيتين (75، 22-23 ) و الذي  يفهم منهما أن المؤمنين في الآخرة سوف يرون الله عيانا . و من المستحيل أن يتناقض القرآن [13]. و لنا من ناحية هذا القول الذي يبدو عاما للآية (6 ، 103) و من ناحية أخرى  يوجد القول الخاص للآيتين ( 75، 22-23) و القاعدة تقتضي في هذه الحالة أن يتمّ تأويل العام في ضوء الخاص مثلما يتم تأويل المطلق في ضوء المقيّد ( من حقّ العام أن يحمل على الخاص كما أن من جقّ المطلق أن يحمل على المقيّد ) ( شرح الأصول الخمسة ، 242، 3-4 و انظر ، مجرد ، 196، 5-8 و شرح الإرشاد ، 179ب 11-14 و انظر هذا الكتاب ص ، 528 )

لذلك و اعتبارا لما في الآيتين ( 75، 22-23 ) من تنصيص صريح على أنّ المؤمنين سيرون الله في الآخرة كان من الضروري تخصيص الآية (6 ،103) ويمكن أن يتمّ ذلك بطريقتين : إما أن تفهم العبارة ” لا تدركه الأبصار ” على أنها ليست صحيحة إلا في ” وقت دون وقت ” أي في الدنيا لا في الآخرة ( في الدنيا دون الآخرة ) أو أن نفهمها على أنها لا تصدق إلا على فئة مخصوصة من البشر أي الكفار ( مثلما سيؤكد ذلك القرآن ، 83، 15) و لا تصدق على المؤمنين ( انظر ، الإبانة ، الفقرة 6، و شرح الإرشاد ، 179ب 14-19) و يميل الأشعري في الحقيقة إلى التفسير الأوّل من بين هذين التفسيرين الممكنين ( في اللمع ، الفقرة 77 نجده لا يذكر إلا هذا التفسير و أنظر أيضا ، مجرد 196، 8-10 و تبصرة الأدلّة 435، 17-19 )

للمعتزلة اعتراض أوّل على هذا التفسير. فلهم  أن يقولوا   ” إذا كان قوله ” لا تدركه الأبصار ” يعني في وقت دون وقت فلم أنكرت أن يكون قوله : ” لا تأخذه سنة و لا نوم ” ( 2 ، 255)  يعني في وقت دون وقت “( لمع ، فقرة 79 ، إبانة ، 46، 11س ، المغني 4 ، 150، 17-19 ) و تأتي إجابة الأشعري لتؤكّد أن المقارنة بين الآيتين لا تمكن فليس لنا ، من ناحية أولى ،في خصوص ( 2، 255) آية أخرى تفرض علينا تخصيص معناها و من ناحية أخرى لا يمكن التسوية بين النوم و الإبصار ( بمعنى أن يكون مُبْصَرا ) فالأول آفة تقوم بالنائم و لا تحلّ بالله ( انظر ص 180 ، الهامش ، 19 ) وليست الرؤية آفة تحل  في المرئي .

ويوجد اعتراض معتزلي آخر تولى الأشعرى نقاشه مطوّلا في ” الإبانة ” ( الفقرات ، 13-16 ) و مفاده أن تخصيص ” لا تدركه الأبصار ” مستحيل استحالة باتة شكليّا لأن الآية (6 ، 103) معطوفة بحرف العطف ،” واو “، على الكلام الآخر، ”  و َهَُو يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ” . هذا القسم الأخير لا يمكن إلا أن يكون عاما لأنّ الله يدرك الأبصار في هذا العالم مثلما يدركها في العالم الآخر فيكون تبعا لذلك الكلام الأول عاما و لا يمكن تخصيصه.

للرد على هذا الاعتراض اكتفى الأشعري ، بطريقة ذكية،  تتمثّل  في دفع منطق خصومه إلى النهاية فإذا كان الكلامان عامين فيجب أن نفهم أن لا شكل من أشكال الإبصار  يمكن أن يقع على الله لا ” بأبصار القلوب ” و لا ” بأبصار العيون ” لكن الأمر بالنسبة إلى المعتزلة  لا يتعلق هنا إلا ” بإبصار العيون ” بطبيعة الحال . أي أنهم  ،هم أيضا ،يقولون بالتخصيص على خلاف ما يزعمون ( الإبانة ، فقرة 13) و كذلك أيضا إذا كان للكلامين قيمة العموم فعلى المعتزلة أن تقبل أنه عندما يقول الله ” وهو يدرك الأبصار ” فهذا يعني أنه ” يدرك الأبصار ” بكافة الطرق الممكنة للإدراك : بالنظر و لكن  باللمس و الذوق أيضا   فإذا أجابوا بالنفي وقالوا إن الأمر لا يتعلّق هنا باللمس و الذوق فإنهم يكونون قد خصصوا مرّة أخرى ( الإبانة ، فقرة 14 )

كانت للأشعري أخيرا طريقة أخرى أشدّ بساطة  لحلّ المشكل الذي تطرحه الآية ( 6، 103) . وهو يقرّ بأن القرآن ينفي أن تدرك الأبصارُ اللهَ و لكنّّه قال ذلك في خصوص الأبصار لا في خصوص المبصرين . ” آية تنفي أن تراه الأبصار و لا تنفي أن يراه المبصرون ”   فليس من باب مخالفة القرآن إذن القول بأنّ البشر يمكنهم رؤية الله ( انظر، الإبانة، نهاية الفقرة 16 و المغني 4 ، 148 ، 21س و تبصرة الأدلّة  435، 9 -12 )

وتوجد آية أخرى ظنّت المعتزلة أن فيها دليلا ضدّ مقالة خصومها من السنة  هي الآية ( 4، 153) ” يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكِتاَبِ أَنْ تُنَزِّلَ عَليَْهمِ ْكِتاَبًا مِنَ السَّّمَاءِ فَقَدْ سَألَُوا مُوسَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقاَلُوا : أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً ) و لقد استكبر  الله  ،حسب المعتزلة ، هذا السؤال وهذا دليل على أنّه لا تمكن رؤيته ( انظر متشابه القرآن ، الفقرة 178 ، الإنصاف ، 185، 5-7) . يجيب الأشعري عن هذا الاعتراض ( الإبانة ، فقرة 7) بأن الله قد استعظم سؤالهم لأن “بني إسرائيل سألوا رؤية الله عزّ و جلّ على طريق الإنكار لنبوّة موسى وترك الإيمان به حتى يروا الله  ” و ليس في هذا دليل على أن رؤية الله في ذاتها مستحيلة و هذا شبيه باستعظام الله ” سؤال أهل الكتاب أن ينزل عليهم كتابا من السماء من غير أن يكون ذلك مستحيلا و لكن لأنّهم أبوا أن يؤمنوا بنبي الله حتى ينزل عليهم من السماء كتابا

في أن المؤمنين سيرون الله فعلا :

لقد بينا في ما تقدم أنّ رؤية الله جائزة و سنعمل ، الآن ،على بيان أنها ستكون رؤية فعليّة حقيقيّة بالنسبة إلى المؤمنين في الآخرة  و يرى الأشعري ن إثبات هذا الأمر أي أن

أن بيان هذا الأمر ،أي أن المؤمنين وحدهم دون  الكفار هم الذين سيرون الله يوم القيامة ، لا يمكن تقريره إلا من خلال الوحي : أي القرآن و السنة النبويّة و إجماع الصحابة  و فقهاء الأمصار من التابعين ومن بعدهم ( مجرد ، 79،16-18 و81،9-11)

و العمدة  الكبرى ، في هذا الصدد،  عند  الأشعرى و أنصار هذا القول هي ، بكل تأكيد ، الآيتان ( 75، 22-23) ” وجوه يومئذ ناضرة إلى ربّها ناظرة لأن ” ناظرة ” عند الأشعرى لا يمكن أن تعني غير ” رائية “

وهذا هو فعلا  مدار النقاش . غير أن المعتزلة ،الذين لا ينفون  دون شك أن يكون معنى  القول ” ناظرة إلى ”  ” أبصر / رأى  ” [14]، يرون أنه يجب أن نفهم ” ناظرة ” بمعنى آخر. و تفسيرهم المفضل هو  حمل  ” نظر إلى ”  على معنى ” انتظر ” و هم يذهبون إلى أن  عبارة ” ربِّها ” ليست واقعة موقع المتمم الحقيقي لـ( ناظرة ) و أن المتمم الحقيقي مضمر تقديره  ” ثواب ”  أي يجب أن نفهم الأمر على النحو التالي فعوض ” إلى ربّها ناظرة ” يجب أن نقرأ ” إلى ثواب ربّها ناظرة “[15] ( انظر ، شرح الأصول الخمسة 245 ،4-5)

يجمع الطرفان فعلا على أن عبارة ” نظر ” تحتمل كثرة من المعاني

و يعترف الأشعري في التحليلين المتوازيين الذين أجراهما في اللمع ، الفقرة 75 و الإبانة ص ص 31-32 ( انظر أيضا ، تمهيد الأوائل فقرة 466 ، المغني 4 197،11س ) بأن لهذا الفعل أربعة معاني ممكنة :

1- نظر يمكن أن بحمل معنى ” اعتبر ” أي ” فكّر ” مثلما يبدو ذلك في القرآن ( 88،17) ” أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ  ” غير أنّ هذا المعنى مستبعد في هذا السياق حسب الأشعري لأنّ الآخرة لن تكون دار اعتبار ( أي أننا هنا فقط في هذا العالم السفلي نكون في حاجة إلى التفكير لمعرفة الله أمّا في الآخرة فإن الله سيكون معروفا لنا  بعلم اضطراري  (أنظر ص 164)

2- يمكن لفعل ” نظر ” أن يعني كذلك مثلما رأينا ذلك أعلاه ” انتظر ”  يبدو ذلك في القرآن ( 36، 49) ” مَا يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَاْخُذُهُمْ ” و هذا المعنى الثاني مثلما يقول الأشعري مستبعد أيضا لأنّ ” نظر ” موصولة هنا بكلمة ” وجه ” فلا يمكن أن يكون المعنى غير ” نظر العينين ” في حين أن الانتظار هو ” نظر القلب ” و من جهة أخرى لا يمكن أن يكون في الجنّة ” انتظار ” لأن الانتظار مصدر حيرة في حين سينعم المؤمنون في الآخرة بعيش سليم و نعيم مقيم لا تنغيص فيه و لا تكدير فكلما ” خطر ببالهم شيء أتُوا به مع خُطُورِه ببالهم “. وسبب ثالث ، أخيرا ، هو أن فعل ” نظر ” عندما يأخذ معنى ” انتظر ” لا يتبع كما هو الحال هنا بحرف الجرّ ” إلى ” مثلما يبدو ذلك في الآية المذكورة  أعلاه ( 36، 49) أو في بيت  امرىء القيس :

    فإنّكُمَا إنْ تَنْظُرانِي سَاعَة ً….. مِنُ الدَّهْرِ يَنْفَعنِي لَدَى أمّ ِجُنْدُبِ

3- يمكن أيضا لفعل ” نظر ” أن يكون رديف ” رحم ” أو ” تعطّّف على ” مثلما جاء في القرآن ( 3، 77) ” وَ لاَ يَنْظُرُ إِلَيْهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ ” و لايمكن  عند الأشعري الاحتفاظ بهذا المعنى أيضا فالله غنيّ عن مخلوقاته لكي يتعطّفوا عليه

4- لم يبق حينئذ ، بعد استبعاد المعاني الثلاثة المذكورة ،غير معنى رابع محتمل و يعني فيه فعل ” نظر ”  ” رٍأى” وهو معنى يفرض نفسه لدى الأشعري خاصة أن ” نظر”  كما لاحظنا ذلك سابقا جاء مقترنا  ” بالوجه ” و لذلك لا يمكن أن يدلّ إلا على ” رؤية العين التي في الوجه “

لكنّ المعتزلة يوردون في هذا السياق اعتراضا ( لمع ، فقرة 76 ) وهو أن عبارة ” وجه في الآيتين الآتيتين اقترنت هذه المرة بالفعل ” ظنّ”  ” وَوُجُوهٍ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٍ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقٍرٍة ” ( 75، 24-25 )  و فعل ” الظنّ ” لا يتمّ  بالوجه لذلك لا يعدّ  تعليق  فعل نظر  بالوجه  دليلا عندهم على ما يراه خصومهم ( انظر ، شرح الأصول الخمسة ، 247، 1-3) و يجيب الأشعري عن هذا الاعتراض بأن ” ظنّ” عبارة لا تحتمل إلا معنى واحدا حتى في صورة تعليقها  بعبارة ” وجه ” فلا يمكن أن نفهم منها غير ” ظنّ القلب ” أما ” نظر ” فهو فعل متعدد المعنى و يختلف معناه  بالنظر إلى ما يتعلق به تحديدا من ” وجه ” أو ” قلب “

أما في خصوص التأويل المعتزلي الذي يذهب إلى أنّ التركيب ” إلى ربّها ناظرة ” يحتمل معنى  ” إلى ثواب ربها ” فإن الأشعري يكتفي بملاحظة بسيطة ( لمع ، الفقرة 78، الإبانة ، ص 33،18س ) مفادها أن ” ثواب الله غير الله ” و القرآن قال بدقّة ” إلى ربّها ” و تقتضي القاعدة التأويليّة أن نفهم القرآن” على ظاهره و ليس لنا أن نزيله عن ظاهره إلا بحجّة ” . لقد قال الله ” صلّوا إليّ وَ اعْبُدُونِي ” [16] و لا يجوز ” أن يقول قائل أنّه أراد غيره  . و إذا جاز للمعتزلة أن يزعموا أن قول الله تعالى   ” إلى ربّها ناظرة ” إنّما أراد به أنها إلى غيره ناظرة فلم لا يجوز لغيرهم أن يقولوا إنّ قوله ” لا تدركه الأبصار ” أراد به لا تدرك غيره  [17] ولم يرد أنّها لا تدركه.

وقد استشهد الأشعري كذلك في الإبانة ( الفقرة ، 5) بآيات ألِفَ التقليد السني الاحتجاج بها لكنه احتج بها دون أن يؤكّد عليها فنجده يستشهد  خاصة  الآية ( 10، 26) وفيها نقرأ ” لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الحُسْنَى  وَزِيَادَةٌ ” ( انظر ، مجرّد 85، 9-11) يقول المفسرون ( في الحقيقة بعضهم  منهم  ، انظر الطبري ) أن ” الحسنى ” تعني هنا الجنّة و ” زيادة ” تعني ” رؤية الله ” ( انظر ، ابن خزيمة ، التوحيد 180-184 ، الدّارمي ، العقائد 302، 19س ) وهذا ما تشهد به أيضا الآية ( 83 ، 15) إذ تِؤكد أن الكفّار سيكونون يوم القيامة محجوبين عن رؤية  الله ” كلاّ إنّهم عن ربّهم يومئذ لمحجوبون ( انظر ، مجرّد 87، 21-23 و مقالات الإسلاميين 292، 13-14 ، و ابن خزيمة ، التوحيد 176، 6س و الدارمي ، العقائد 297، 15-19)

هذا بالنسبة إلى القرآن ، أمّا بالنسبة إلى السنّة فإن الأشعري لم يفوّت بكلّ تأكيد  ذكر ( الإبانة الفقرة 8 و انظر ، مجرّد 85، 14-16 ، ) الحديث الذائع الذي سلف لنا إيراده و الذي يؤكد أن النبي قد  قال لأصحابه ( تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ كَمَا تَرَوِنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرٍ لاَ تُضَارّونَ فِي رُؤْيتَِهِ ” وهو حديث متواتر حسب ألأشعري و رواياته تفوق روايات أحاديث أخرى يعتبرها المعتزلة صحيحة مثل حديث الرجم في الزنا أو حديث المسح على الخفين ( انظر ، المغني 4 227، 13-15 )

 من بين قفزات  الخيال الـتأويلي  لدى  المعتزلة ( فضلا عن كونهم يشككون في صحّة الحديث المذكور ، انظر ، الديانات / الأديان 418، رقم 40 )   مصيرهم إلى فهم عبارة ” ترون ” بمعنى ” تعلمون ” و يقولون إن السبب في ذلك هو أن فعل ” رأى ” في لغة العرب و في القرآن خصوصا يمكن أن يجرى بمعنى ” علم ” وهذا هو حال كل الآيات التي تستهل  بـ”أَلَمِْ تَرَ ” ( 25،45 . 58،7. 89،6, 105،1 ) أو بـ” أََوََلََمْ  يَرَ ” ( 36،77 . 21،30) إلخ ( انظر ، المغني 4 231 ، 4-17و شرح الأصول الخمسة ، 270، 10س )

يردّ الأشعري هذا التفسير ( الإبانة فقرة 11) و يذهب إلى أنّ  النبي  قال لأصحابه ما قاله ” على سبيل البشارة ” فأيَّ بشارة في أن يخبرهم بما يشتركون فيه مع الكفّار ( هم الذين سيعرفون الله في الآخرة اضطرارا ( انظر، في خصوص هذا المغني 4 232، 1-17 ، شرح الأصول الخمسة ، 271، 6-16 )

 وتوجد  قفزة  معتزلية أخرى  تتمثل في معارضة الحديث المذكور بأحاديث أخرى تذهب مذهبا مخالفا له من قبيل الحديث الذي سأل فيه أبو ذرّ  النبي : “هَلْ رَأَيْتَ رَبَّك َ؟”

أجاب النبي ” نورانيّا أراه و العين لا تدرك في الدنيا الأنوار المخلوقة ” ( انظر ، مسلم ، الإيمان ،291 و الترمذي ، تفسير السورة 53،7 و انظر كذلك المغني 4 228، 9-12 و شرح الأصول الخمسة 269، 16س ) و ” أنّى ” حسب القاضي عبد الجبار لها معنى ” لا ” مثلما يبدو ذلك في القرآن ( 6، 101) ” أَنّى يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ” لكن  هذا الحديث  عند الأشعري لا يدلّ إلاّّ على أنّ ألله لا يُرى بالأبصار في الدنيا لا غير ( رغم أن هذه المسألة ستكون هي كذلك محور جدل ، انظر لاحقا في هذا العمل ) و هذا لا يؤكّد أن الرؤية ستكون في الآخرة ممتنعة ( الإبانة ، الفقرة 8 ، انظر أيضا الدارمي ، العقائد ، 303 ، 11-12 و المغني 4 224 ، 6-8 )

يشير الأشعري في نهاية المطاف إلى الإجماع ،إجماع الصحابة وهم و لئن اختلفوا في جواز رؤية الله في الدنيا ( انظر لاحقا ) فإنهم كانوا مقابل ذلك مجمعين على أن الرؤية ستكون في الآخرة ( الإبانة ، نهاية الفقرة 8 و مجرد 82، 1-4)

كيف ستكون هذه الرؤية ؟ :

إذا تقرّر أن المؤمنين في الآخرة سيرون الله فإنّ السؤال الذي يفرض نفسه هو ” كيف يُرَى اللهُ” ؟. و الذين يطرحون هذا السؤال هم ، في الحقيقة ، خصوم السنيين و غايتهم أن يحرجوا خصومهم بمثل هذا السؤال .  و يتمثّل الموقف السني التقليدي بكلّ بساطة في رفض الإجابة و في الاكتفاء بالقول أن الله يُرَى بلا كيف ( انظر ، المغني 215، 6و 299 ،5 و التوحيد ، 65، 15-16) وهو الموقف الذي نسبه مانكديم  للأشاعرة جملة فهم ” لا يكيّفون الرؤية ” ( شرح الأصول الخمسة ، 232 ، 13 ) لكن الأشعري على ما يبدو لم يكتف بالتعويل على هذا المهرب

لقد اصطنع طريقة في الإجابة تبدو لنا  متطورّة  نسبيّا عن سؤال ” كيف يرى ؟) ( مجرد ، 82-8-13 ) و تقوم على التظاهر بفهم السؤال على أنه سؤال عن ” الكيفيّة المحتملة  و الكيفيّة عبارة عنده عن  ” التركيب ” و ” الهيأة ” ( انظر ، تمهيد 24، 9 و 264، 7-8 ) أو لنقل بلغة أخرى أن الكيفيّة  طريقة ما في جمع الذرّات . فيقول ،حينئذ ، إنّ السؤال المطروح يتعلق إمّا بكيفيّة الرؤية أو بكيفيّة المرئي أو بكيفيّة الرائي ولا يمكن أن  تكون الرؤية لأن الرؤية  عرض  و العرض  لا يمكن أن يقوم بعرض  و لا يمكن أن يكون كذلك المرئي أي الله لأن الله ليس مركّبا من ذرّات و لا يمكن أن تكون تبعا لذلك  كيفيّة ما . فلم يبق  ،حينئذ ، إلا الرائي أما الله فنقول أنّه يرى بلا كيفيّة له

لكنّ بعضهم يتساءل إذا كان يجوز أن يُرى الله بالأبصار فهل يجوز أن يشار إليه مثلما هو الحال بالنسبة إلى كلّ ما هو مرئي ؟ بطريقة يمكن معها لمن يرونه أن يقولوا مشيرين إلى بعضهم البعض ” هذا ربّنا ” ؟ يجيب الأشعري بنعم [18]لكن إلا تفضي هذه الإجابة إلى القول بأن الله  متمكّن في المكان  ؟ . يجيب الأشعري بالنفي . فإذا كان من المألوف أنّ ما يشار إليه   يقع في جهة  فإنّ ” الإشارة لا تقتضي للمشار إليه مكانا ” ( مجرد ، 82، 16-19و 88، 6-10 و انظر المغني 4 239، 7-15 [19]

أن الله كما يقول الأشعري لا يمكن أن يتحيّز وهذا لا يمنع جواز رؤيته .إن من  يراه هو المتمكّن ( المتحيّز) لكن هذا لا يفضي إلى القول بأنّ الله في مكان  ( مجرد 88 ، 3-6) و الله ليس أيضا  في كلّ مكان و هذا لا يحول دون رؤيته أيضا فنحن نرى بعض الأعراض  ( اللون على سبيل المثال ) ورغم ذلك فإن هذه الأعراض  ليست في جهة ” في حين قد يكون الجوهر في جهة وحيز ومحاذاة مخصوصة ( مجرد ، 89، 11-17)

وهناك سؤال آخر هو  هل  يجوز أن يُغَضَّّ البصرُ دونه ؟  يجيب الأشعري بأنّ ذلك جائز لأنّ غضّ البصر معنى في المُبْصِرٍ لا يؤثّر في صفة المُبْصَرِ المرئي ( مجرد ، 82 ، 19-21) و ثمّة سؤال آخر : فإذا قلتم أنّه يرى فهل يُرى كلّه أو بعضه؟ وهو سؤال باطل عند الأشعري لأنّ الله لا كلّ له و لا بعض ( مجرد ، 89، 21-23) و انظر ، تبصرة الدلائل 431، 6-19)

في أنّ محمّدا رأى الله في الدنيا :

يوجد سؤال آخر يمكن أن يسأل في خصوص رؤية الله وهو أن نعلم هل تجوز هذه الرؤية في الدنيا ؟

يجيب الأشعري بأن ذلك من الناحية النظريّة  جائز مثلما رأينا ذلك أعلاه فرؤية الله عنده ” جائزة من جهة النظر و القياس في كلّ حال يصحّ فيها وجود الرائي و لكلّ واحد سواء كان مؤمنا أو كافرا مكلّفا أو غير مكلّف ( مجرّد ، 79، 14-15) و انظر كذلك 85، 17) لكن في الدنيا و بالنسبة إلى عامة الناس فإن هذا الإمكان يبقى نظريّا لا غير و  الذي عند  الأشعري أننا سنرى الله في الآخرة أما في الدنيا فإن النبيّ محمّد وحده قد نال شرف رؤية الله  ( مجرد ، 85، 19-22) لكن لماذا منعت هذه اللذة عن البشر في الدنيا ؟ يقول ابن فورك أنّ الأشعري أجاب عن هذا السؤال بطريقتين مختلفتين [20] فهو يرى مرّة أن رؤية الله جزاء لا يمكن الفوز به إلا في دار الجزاء لكنّه يميل مرة أخرى لإلى القول بأنّ رؤية الله تفضل وهو  يعتقد  أن رؤية الله  أفضل اللذات و الكرامات  و لأنها كذلك فلا تتحقق إلا في الآخرة ” لأن أفضل اللذات و الكرامات لا تكون إلا في أفضل الدارين ” ( مجرد ، 85، 1-5 و انظر الإبانة ، بداية الفقرة 6)

وفي خصوص تمتع النبي محمد برؤية الله في الدنيا  يعترف الأشعري بأن الصحابة اختلفوا في هذه المسألة فهناك من ناحية شهادة ابن عبّاس الذي يؤكد أن النبي قد رأى الله فعلا بأمّ عينيه عند معراجه ( انظر ، الإنصاف 176، 17-22 و 186، 6-7 و المعتمد ، 84، 15س ) و نجد من جهة أخرى حديث  عائشة التي ،على خلاف ابن عباس ،اعتبرت أن من يزعم أن محمدا رأي الله ” فقد أعظم على الله الفِرْيَة َ” ( انظر ، مسلم ن كتاب الإيمان ،    287ومجرد ، 81 ، 17-19 و شرح الأصول الخمسة 267 ،18س ) أما وجهة نظر الأشعري ( يقول أبن فورك أنه قدّمها في كتاب المسائل المنثورة ) أن الحق مع ابن عبّاس لأن شهادته  يسندها القرآن و فيه نجد ” مّا كَذَّبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى ( 53، 13) ثم نجد بعد ذلك ” وَلَقَدِ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ” ( 53، 13) [21]  ( مجرد ، 81، 12-16) و لقد كانت رؤية الله كما قال ابن عباس ” لمحمّد صلى الله عليه وسلّم و الخُلّة لإبراهيم و الكلام لموسى ” ( مجرد ، 82، 5-7) أما حديث عائشة فلا دليل فيه ،كما يرى ذلك بعضهم،  على نفي رؤية الله بصفة عامة ( انظر ، شرح الأصول الخمسة  267، 18س ) لقد أرادت عائشة فقط أن تنفي جواز رؤية  الله  في هذا العالم وهي من الذين رووا الحديث الذي يؤكد ” أن المؤمنين سيرون الله يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر ( مجرد 81، 16-21)

يقبل الأشعري أيضا ان النبي قد أمكنه فعلا أن يرى الله في منامه طبقا للحديث الذي روته عنه أمّ الطفيل و ابن عباس و يقول فيه : رأيت ربي  عز و جل في النوم ( مجرد 86، 12-15)  وفي هذه الحالة ومثلما سبق أن رأينا فإن الرؤية لا يمكن أن تكون قد وقعت إلا في فترة نوم خفيف أي عندما لا يكون الإدراك قد غاب تماما ( راجع ، ص 180)

أما في خصوص معرفة ما إذا رأى اللهَ غيرُ النبي محمّد فعلا ( مع استبعاد الرؤى الخيالية الخالصة أي الأحلام مثلما هو الحال بالنسبة إلى رقبة بن مصقلة ( انظر ، مجرد ، 87، 2-4 و مقالات 214، 10-12 )

يشير الأشعري في كتابه ” العمد “، و العهدة على ابن فورك ،إلى أن بعض المتكلمين السنيين كانوا يقبلون بذلك  بالنسبة إلى بعض الأولياء على سبيل الكرامة أما هو فإنه على خلافهم يذهب إلى أن محمّدا وحده قد تمتع بهذه الرؤية و أن هذا هو ما يميّزه عن سائر الأنبياء ” و مذهبه – الأشعري – أن في ذلك تخصيصا للنبي  محمّد بالفضل و إبانة مرتبته في ذلك من مرتبة الأنبياء و المتقدمين ” ( مجرد ، 85، 17-22) و انظر حول هذه المسألة كذلك ( شرح الإرشاد ، 170أ1 س )


[1] – وهو نفس ما نجده في ” المجرد ” فقي الكتابين يرد الفصل يرد الفصل المخصص لمسألة رؤية الله مباشرة قبل ” باب القدر ” حيث تطرق مسألة  أفعال الإنسان الإرادية.

[2] – هل يمكن في هذه الحالة لنا أن نقول لأنّ الله محجوب أو محتجب عنّا؟ يجيب الأشعري بلا، فإذا أخذنا هذه العبارات بمعناها الحرفي يكون “الحجاب” هو هذا “الشيء” الموجود فينا والذي يحول بيننا و رؤية الله وهذا يعني أننا نحن المحجوبون (انظر: القرآن، 83، 15) أي ممنوعون عن الرؤية (انظر: مجرد، ن 87، 17س).

[3] – تأسيسا على المبدإ القائل بأن كل ما ليس مستحيلا هو بالضرورة ممكن  ( انظر ، شرح الإرشاد ،172أ10-16

[4]أ   – حسب Tf ,38a 11-15 ;  لجأ الأشعري إلى استعمال هذه الحجة في ” كتابه الخاص بالرؤية ” ( كناب الرؤية الكبير على ما -يبدو )

[5] – إذا  صدق ” مانكديم ششديو ”  فإن الأشعري ” سرق ” هذه الحجة من الجبّائي محوّلا معناها . ففي كتاب يحمل العنوان التالي ” من يكفر  و من لا يكفر ” قد يكون الجبائي قد ذهب إلى أنّ الذين يقبلون القول برؤية الله ليسوا كفّارا لأنّ مثل هذا القول لا يستلزم القول بحدث الله و لا إلى إثبات حدث معنى فيه إلخ وقد فهم الأشاعرة بسبب  جهلهم ظنوا أن هذه الحجة لصالحهم ( شرح الأصول الخمسة  sh K275K 12-15  أما الأنصاري فيزعم من جهته أنه بالنسبة إلى الأشعري فإنّ كلّ أسباب الاستحالة الجديرة بالذكر تنحصر فعلا في السببين الأول و الثاني أي إثبات حدث المرئي و حدث معنى فيه وهذه الفرضية الثانية تستلزم الأولى ( s/ irs 172a 18-20)

[6] – قلب ” مانكديم ششديو ”  هذه الحجة فذهب إلى أننه يمكننا بهذه الطريقة أن نبيّن لامرئيّة الله لأن مثل هذه الفرضيّة لا تفضي إلى القول  بحدث الله إلخ ( انظر ، شرح الأصول الخمسة ، 275، 16-19)  و انظر في خصوص مجموع ردود المعتزلة على حجة الأشعري ” المغني ، 4 ، 186-190و 192-197 و شرح الأصول الخمسة ، 275-276

[7] – نسبهما الأشعري إلى إثين من ” أصحابه ( بعض أصحابنا ) دون أن يذكر هويتهما

[8] – نلاحظ هنا أن التفسير التقليدي / الكلاسيمكي مغاير تماما لهذا القول : لقد طلب موسى من ربّه أن يراه في هذا العالم فأفهمه الله أنّه لن يبصره في هذا العالم و لكن سيراه في الآخرة فقط ( أنظر، مقالات ، 292، 14س ، و الدارمي ، العقائد 307 ، 10-18 )

[9] – راجع ، بلاشير ، تاريخ الأدب العربي ، باريس ، 1964، 291

[10] –  ارتكبنا  ” حماقة ”  في  ” ببليو غرافيا الأشعري ” ، ص 243 فقلنا إن ” الوقف الذي نشير إليه هو الموقف العادي للأشعري في تفسير الآية ( 6، 103) من القرآن و ليس  هذا الموقف موقف   البصريين المشار إليهم

[11] –  على سبيل المثال في نهاية ” الإبانة ( فقرة 13 ) و بطريقة مباغتة

[12] – لا ندري أية أهميّة يمكننا أن نعطيها لشهادة ” منكديم ” و مفادها أن الأشعري قد يكون دافع عن ان ” أدرك ” حتى في حاله  وصله بالبصر لا يدلّ ضرورة على “ٍاى ” وهه حال  من وصفوا له دواء للعين  ( الميل ) فيمكن أن يقول حينئذ ” أدركت ببصري  حرارة  الميل  ( شرح الأصول الخمسة ، 235 ، 6-9  و mgm 1 ، 210،11-16 )

[13] – اللمع  فقرة 77 و انظر ، الإبانة 38، 11 ( كتاب الله يصدّق بعضه بعضا 5 162 ، 15-16 ، 164، 17

[14] – هذا فضلا عن أن الجبائيين  يفرقون بين ” نظر ” و ” رأى ” فنظر إلى عندهما تعني تدقيقا ” تقليب  الحدقات الصحيحة نحو نحو الشيء إلتماسا لرؤيته ” ( المغني 4 ، 198، 10 و انظر  كذلك ، شرح الأصول الخمسة ،44 ،2 ، 246 ،10-11 و 275 ،5 ) ونستطيع كما يقولان ” النظر ” أي ” أن نطلب الرؤية ”  دون أن ” نرى ”  فعلا . فالذي يترقب  دخول شهر رمضان يمكنه أن يقول دون أن يتناقض : نظرت إلى الهلال فلم أره ) انظر ، المغني 4 198،13س و شرح الأصول الخمسة ، 246 ، 16-18

[15] – ليس المعتزلة هم من اخترع هذا  التفسير الذي يرجعه التقليد إلى مجاهد ( انظر ، الطبري و الدارمي ، العقائد 309، 10-11

[16] – تكرر هذا الشاهد في الإبانة و في اللمع و يبدو أن الأشعري كان على ما يبدو يعتبر هذا القول من القرآن وهو غير صحيح “

[17] – لاحظ  ماك كارثي ، عن حقّ، أن نصّ اللمع  في هذا الموضع مخروم لكن التصحيح الذي اقترحه ليس التصحيح الأمثل متى قارنا ذلك بالمقطع المماثل الموجود في ” الإبانة ” و من ناحيتي يبدو أن النقص يقع بعد قوله ” لوجاز ” ( نهاية السطر 12) ومن المحتمل أن يكون  النصّ كالآتي ” ولو جاز ] لكم أن تزعموا أن قول الله تعالى : لإلى ربّها ناظرة ” أراد به أنّها إلى غيره ناظرة لجاز لزاعم أمن يزعم ” إلا إذا اكتفينا فقط بقراءة ” ولو جاز هذا لجازلزاعم  مثلما اقترح ذلك ( غرابا) GURABA !  لكن هذا يبدو لنا مختزلا جدا

[18] – أجاب ” القلانيسي ” على خلاف الأشعري بلانفي وكذلك الأمر بالنسبة إلى علماء الكلام من الماتريدية ( انظر ، تبصرة الدلائل ( 424 ، 3-4)

[19] – وفيه أشار  القاضي عبد الجبار إلى ” الأشعري ” بعبارة ” بعض المتأخرين ” مثلما نجد ذلك في المغني 4 ، 85، 1 , 6 ( رقم روماني ) ب 259،9 و 292، 12

[20]– يبدو أن  هذا قد جاء في كتابه ” الرؤية الكبير ” إذا كان علينا أن نفهم القشيري على هذا النحو وهو يستشهد بابن فورك ، رسالة القشيري ، نشر ، عبد الحليم محمود و محمود بن الشريف ، القاهرة ، 1972 -74، 666 ،2-6.

[21] – في الواقع لا يوجد إجماع بين المفسرين في تحديد هويّة هذا الذي رآه النبي مرّة أولى ثم ” نزلة أخرى ”  إذ يذهب البعض منهم إلى أن÷  الله ذاته و يذهب ىخرون إلى أنه ليس سوى الملاك جبريل ( انظر ، الطبري )