خديعة السعادة: كيف أضحت المشاعر الإيجابية ناحية مرتبطة بالعمل التنافسي المستمر، وهدفاً مستحيلَ التحقيق يقودنا إلى التعاسة؟ – كودي ديلستراتي / ترجمة: ريان عبد الرحمن

خديعة السعادة: كيف أضحت المشاعر الإيجابية ناحية مرتبطة بالعمل التنافسي المستمر، وهدفاً مستحيلَ التحقيق يقودنا إلى التعاسة؟ – كودي ديلستراتي / ترجمة: ريان عبد الرحمن


خديعة السعادة

في عام 1920، نشر عالم النفس الأمريكي جون بي واتسون نتائج واحدة من أكثر المقالات العلمية الملتبسة من الناحية الأخلاقية في القرن المنصرم. وبالتعاون مع روزالي راينر، طالبة الدراسات العليا البالغة من العمر 21 عاماً في جامعة جونز هوبكنز Johns Hopkins University في بالتيمور، حيث كان يدرّس واتسون، أجرى واتسون تجربة هدفت إلى زرع خوفٍ مُحدد لدى أحد الأطفال الطبيعيين.

وحتى ذلك الوقت، اقتصرت ممارسات التكييف السلوكي على عالم الحيوان، إلا أن واتسون وراينر اختارا صبياً بعمر تسعة أشهر- أطلقوا عليه اسم ألبرت لغرض دراستهم- ودفعوا لوالدته مبلغاً مالياً زهيداً، ووضعوا أمامه عدداً من الحيوانات الحيّة صغيرة الحجم أمامه – كان من ضمنها جرذٌ أبدى الصبي اهتماماً مرحاً للعب معه. وعندما كان ألبرت يلعب مع الجرذ، عمد القائمان على التجربة إلى الطرق على قضيب معدني مجاور لإحداث صوت صاخب أخاف الطفل ودفع به إلى البكاء. وبعد تكرار هذا الفعل لعدة مرات، كان واتسون وراينر قادرين على دفع ألبرت إلى البكاء فقط عبر مشاهدة الجرذ. وحتى دون الاضطرار لإحداث الضجيج، نجح المجرّبان بتكييف الطفل على الخوف من الفئران، الأمر الذي تحوّل بالنتيجة إلى خوف من عدد من الحيوانات ذات الفرو، بما فيها الأرانب والكلاب.

وقد يعتقد المرء هنا أن هذه التجربة غير الأخلاقية لا بد أنها أحدثت نوعاً من الغضب العام – إذ لم يقم المجرّبان بعكس حالة التكييف لدى ألبرت – أو حتى الاعتراض العلمي، كون التجربة لم تخضع لرقابة منهجية. ومع ذلك، أظهرت التجربة أن البشر، وليس فقط الحيوانات، يمكن أن يكونوا عرضة للتكييف السلوكي باستخدام الكثير من الطرق. وفي الواقع، وبعد نشر تلك المقالة، قدّمت الجامعة لواتسون زيادة في الراتب بنسبة 50% للمحافظة عليه في الجامعة (وكان يحظى بشعبية كبيرة في ذلك الوقت، حيث اختير من قبل الطلاب كـ”أوسم بروفسور في الجامعة”). ولكن، بعد أن تم الطلاق بين واتسون وزوجته، ونشرها رسائل الحب التي كتبها إلي راينر، التي جمعته معها علاقة غرامية وتزوجا فيما بعد، قامت الجامعة بفصله من عمله.

وسريعاً ما انتقل واتسون إلى مجال الإعلان، حيث وظّفته شركة جي والتر تومبسون J Walter Thompson لمتابعة جهوده في تكييف البشر، وبشكل خاص المستهلكين. وقال واتسون لاحقاً حول ذلك: “بدأتُ ألاحظ أن متابعة نمو منحنيات مبيعات المنتجات الجديدة لا تقلّ تشويقاً عن متابعة تطوّر منحنيات التعلّم لدى الحيوانات والبشر”. عمل واتسون على دمج الممارسات العلمية ضمن عالم الإعلان، وتولى مسؤوليات غرس مفهوم الولاء للعلامة التجارية وإنشاء هوية المنتجات، إضافة إلى زرع الخوف لدى المستهلكين، كما فعل بصحبة راينر مع الطفل ألبرت، بهدف دفعهم إلى شراء منتجات محددة. ولنأخذ مناديل المرحاض من علامة سكوت كمثال على ذلك، إذ ساعد تومسون على تصميم إعلان مطبوع يبيّن عدداً من الأطباء الجراحين الذين يحدّقون إلى المريض، مع نصّ أسفل الصورة يقول “وبدأت المشكلة باستخدام مناديل المرحاض الخشنة”، كوسيلة للترهيب والتسويق في آن.

تُعتبر هذه التلاعبات السلوكية الواقع الطبيعي في وقتنا الحالي، إلا أنها تتخذ أشكالاً أكثر دهاءً وخبثاً، وذلك نتيجة تقنيات البيانات الضخمة والبيئة الافتراضية التي تسودها خوارزميات المراقبة. ولكن، عوضاً عن تكييف مخاوف مُحددة، من الشائع الآن استخدام السعادة البشرية كهدف للتلاعب النفسي. وتُجسّد السعادة ، من نواحٍ عديدة، التطور الأهم في مجال التسويق خلال العقد المنصرم، إذ تحتل منتجات العناية بالذات وتلك المضادة للتوتر صدارة قوائم المنتجات الأعلى مبيعاً على منصة أمازون Amazon (من أمثال “بطانيات الجاذبية” وكتب التلوين “المضادة للتوتر” الخاصة بالبالغين ولعبة فيدجت سبينر fidget spinner)، جنباً إلى جنب مع المنشورات الأكثر إقبالاً من “مدوني السعادة”. وأضحى كل ذلك ممكناً من خلال تقديم نسخة مُحددة ومُقلقة وجديدة للغاية من “السعادة”، والتي تنص على ضرورة تجنّب المشاعر السلبية مهما كلّف الأمر.

وقادت حتمية تجنّب الحزن – أو حتى الظهور بهذه الحالة – إلى نشوء ثقافة تثمّن السعادة المرتبطة بالأداء والإنجاز، حيث يقوم الأشخاص بتصميم حياة موجَّهة للجمهور، عبر إنستاجرام Instagram والمنصات الشبيهة الأخرى، تقتصر على كونها سلسلة من “التجارب القصوى”. كما أصبح الحزن وخيبة الأمل أموراً مرفوضة، وحتى تجارب الحياة العادية البسيطة لم يعد لها مكان في هذا الإطار. وأضحى الحال كما لو أن الظهور بحالة غير سعيدة ينطوي على خطيئة أخلاقية احتجاجية، وكأنك لم تبذل جهداً كافياً أو تملك الإيمان الكافي بقدراتك.

وبطبيعة الحال، لم يكن مفهوم السعادة دوماً على ما هو عليه الآن. فمثلاً، يتميز مفهوم السعادة في الفلسفة الأبيقورية – والذي تبناه توماس جيفرسون حينما كلّف الأمريكيين بتقدير “الحياة والحرية والسعي إلى السعادة” في إعلان الاستقلال – بكونه أكثر بساطة واختلافاً من المفهوم الحالي. وبحسب أبيقور، فإن السعادة هي غياب الألم الجسدي و الاضطراب  الذهني. ولم يتمحور هذا المفهوم حول السعي نحو الكسب المادي أو خوض التجارب الممتعة، بل قدّم سعادةً تقوم على شعور دائم بالامتنان. فطالما أننا لا نختبر ألماً ذهنياً أو جسدياً، يمكننا، بحسب هذا الفهم للسعادة، أن ننعم بالرضا والقناعة.

بالإمكان ملاحظة فَهم السعادة هذا ضمن الأسس المختلفة للعالم الغربي، كما في صلاة آشر يتزراليهودية، والتي تُتلى كل صباح بعد الخروج من الحمام تعبيراً عن الامتنان للقدرة على إنجاز حتى مثل هذا الفعل البسيط دون حاجة إلى المساعدة. لذا، فإن السعادة بالمعنى الأبيقوري هي مفهوم بسيط بساطةً فعل الدخول إلى الحمام.

ينظر المفكرون المعاصرون إلى السعادة باعتبارها وفرة من العافية أكثر منها غياباً في الألم. فعلى سبيل المثال، حدد عالم الاقتصاد الإنجليزي ريتشارد لايارد ما يمكن اعتباره “اقتصاديات السعادة”، التي تشكّل اليوم أساس استبيان سنوي يُسمى “تقرير السعادة العالمي”، والذي يقيس مدى تأثير دخل الفرد وثروة المجتمع على السعادة. ولكن، وبصورة مشابهة لأبيقور، يَعتبر لايارد أن الصحة الذهنية هي العامل الأكثر أهمية للسعادة، كما وضّح في كتابة “السعادة: دروس من علم جديد” Happiness: Lessons from a New Science (2005).

مع ذلك، لا تحمل حركات السعادة المختلفة مثل هذا الترابط القريب مع أفكار الفلسفة الأبيقورية. إذ أضحى علم النفس الإيجابي، على سبيل المثال، صيحة رائجة بعدما اختار مارتن سيليجمان السعادة بوصفها موضوع عمله الأساسي عام 1988، بُعيد تسلّمه رئاسة الجمعية الأمريكية للطب النفسي American Psychological Association. واقترح سيليجمان أن السعادة تنبع من التحلي بالمشاعر الإيجابية والإحساس بالانتماء للمجتمع والمعنى الوجودي، والسعي نحو تحقيق هذه المفاهيم. وآمن سيليجمان بأن البشر يميلون إلى “تعلّم” حالة عدم السعادة عبر اختيار عدم تفادي المواقف المزعجة، حتى عندما يملكون القدرة على ذلك. وبحسب هذه الرؤية، فإن السعادة هي شيء يتعين علينا أن نتعلمه باستمرار، وهي شيء نعمل من أجل تحقيقه.

وتبعد هذه الفكرة مسافة ضئيلة فقط عن الفهم المعاصر واسع النطاق الذي ينظر إلى السعادة بوصفها السعي نحو التجارب القصوى وحيازتها. ومع ذلك، تُسجِّل وصفات الأدوية المضادة للاكتئاب معدلات استهلاك قياسية، وتعج الرفوف بكتب المساعدة الذاتية، وتتنافس العلاجات فيما بينها لتساعدنا على التخلص من عقلياتنا السلبية ليتنسى لنا الازدهار والتطور. وتمثّل كل هذه النواحي مساعٍ مختلفة تتمحور جميعها حول الارتقاء بكل لحظة من حياتنا بهدف تحقيق السعادة القصوى، مهما كانت سرعة أفولها وتلاشيها، مع التوجّه في الوقت ذاته نحو تفادي المشاعر السلبية بصورة فاعلة.

وهنا قد نتساءل، أين كانت البداية التاريخية لفكرة السعادة المرتبطة بالتجارب القصوى؟ عندما دخلت كلمة “سعيد” ‘happy’ معجم اللغة الإنجليزية، حوالي القرن الرابع عشر الميلادي، كانت تحمل معنىً قريباً إلى كلمة “محظوظ” ‘lucky’، لكون حالة الفرد وصحته وسعادته اعتُبرت وقتها أمراً عائداً للقرار المطلق للإله الكاثوليكي. (من المرجح أن كلمة “الحظ” ‘luck  ظهرت أولاً، ومنها اشتُقت كلمات مثل “سعيد” ‘happy’ ذات الصلة بكلمة “المصادفة” ‘happenstance’). ولم تحمل كلمة “سعيد” معنى “مبتهج” أو “مسرور” حتى القرن السادس عشر. وفي منتصف القرن السابع عشر، طرح توماس هوبز، في كتابه اللفياثان Leviathan، السعادة بوصفها عملية أبدية لمراكمة الأشياء المرغوبة، معيداً تعريفها على أنها شعور ذاتي متبدّل قائم على رغباتنا. وكتب عام 1651 “إن بهجة هذه الحياة لا وجود لها في راحة العقل القانع. لأنه لا وجود لأي هدفٍ سامٍ أو خيرٍ مطلق كتلك المذكورة في كتب الفلاسفة الأخلاقيين السالفين”.

وبحسب هوبز، يمكن الوصول إلى سعادة ذات مغزى عبر السعي نحو التجارب المبهجة. واعتقد هوبز بعدم وجود حالة ثابتة من الرضى (“راحة العقل القانع”)، وقصد أبيقور بصورة غير مباشرة (“كتب الفلاسفة الأخلاقيين السالفين”)، كما آمن بضرورة السعي المتواصل نحو السعادة، وبأن طبيعتها العابرة وسريعة الزوال تمثل ميزّة لا مشكلة. لذا إن أردنا البحث عن أصل مفهوم “التجارب القصوى” المعاصر، فيمكننا أن نبدأ انطلاقاً من فكرة هوبز، التي اعتُبِرت فكرة ضالة في ذلك الوقت.

 تبقى السعادة مفهوماً مليئاً بالإشكالات. “ما هي السعادة؟” يسأل مدير الإعلانات دون داربر من مسلسل Mad Men  بنبرة معاصرة مستمدة من فلسفة هوبز، قبل أن يجيب “هي تلك اللحظة التي تسبق حاجتك إلى مزيد من السعادة”. وفي واقعنا المعاصر، نميل إلى السعي خلف السعادة عوضاً عن انتظارنا لها. ونحاول جمع لحظات السعادة كما أصداف الشاطئ، حتى ولو كانت أمواج البحر تجرفها بعيداً في نهاية المطاف، وهو سعيٌ كادح وعبثي، يقود إلى طريق حتمية من الإحباط.

لا توجد صورة تمثّل حالة الفراغ الوجودي المعاصرة بشكل أفضل من أولئك الذين يسافرون حول العالم وينشرون باستمرار صوراً للمطاعم والمعالم التي زاروها على شبكات التواصل الاجتماعي، ويمارسون السعادة بشكل تنافسي على حساب إنشاء اتصال حقيقي مع أقرانهم. وخلال سعيهم ليكونوا أكثر سعادة – وبالتالي أفضل – من الآخرين، يُخاطر هؤلاء بفقدان الاتصال مع الآخرين أنفسهم، لينتهي بهم المطاف إلى معادلة صفرية خاسرة.

لعلّ أحد حلول معضلة السعادة – التي نريد خلالها أن نكون سعداء دون أن نتسبب لأنفسنا بفقدان الاتصال أو الأذية – يكمن في إعادة مواءمة أنفسنا مع الفلاسفة الرومانسيين، الذين تقبّلوا مشاعرهم المبهجة والحزينة على حد سواء. وهنا نستذكر ما كتبه جون كيت في قصيدة عن الكآبة Ode on Melancholy (1819) :”نعم، في معبد البهجة تقبع الكآبة بمقامها الملكي”. خلال عيد الفصح، يسكب اليهود بضع قطرات من النبيذ على الأرض قبل أن يبدؤوا الشرب، كوسيلة لتذكّر المآسي قبل الولوج في المسرّات (وأيضاً، حين يتزوج اليهود المتدينون، فإنهم يدوسون على كأس من الزجاج لتذّكر الأحزان قبيل الوصول إلى حياة السعادة). وقد يمثل مفهوم تقبّل الكآبة هذا طريقة للخروج من سجن السعادة ونهايته الحتمية الخاسرة، إذ أنّه يقود إلى الخيبة عند السعي خلف السعادة، ويضمن عدم تحقيقها مطلقاً دون ذلك السعي. وقد لا نصل مطلقاً إلى الرضا مالم نكن مستعدين لتقبّل مشاعرنا السلبية. والحقيقة أن تلك المشاعر السلبية قد لا تكون على هذا القدر الذي نتصوره من السوء.

إن الحزن، على سبيل المثال، ينطوي على مجموعة واسعة من التوظيفات الإيجابية. وأشارت الدراسات الحديثة التي أجراها عالم النفس الاجتماعي جوزيف بي فورجاس، من جامعة نيو ساوث ويلز University of New South Wales في سيدني، إلى أن المشاركين كانوا قادرين على تذكّر تفاصيل أحد المتاجر التي زاروها بصورة أدق عندما كان الطقس سيئاً ومزاجهم متعكر، مقارنة بالوقت الذي كانوا فيه أكثر سعادة وبهجة، الأمر الذي قاد فورجاس للتكهن بأن الحزن قد ينطوي على فوائد إيجابية للذاكرة. كما بيّن فورجاس أن البشر يميلون إلى إطلاق أحكامٍ أكثر دقة خلال الحزن، لأننا نكون في حالة أكثر إدراكاً وأقل سذاجة، ونعتمد بصورة أكبر على الوقائع التي شهدناها عوضاً عن الأفكار والصور النمطية الفضفاضة. وأشارت دراسة أجراها فورجاس عام 2007 إلى أن الحزن يحسّن قدراتنا على التواصل والإقناع. وبيّنت دراسة أخرى أجراها فورجاس عام 2013 أننا نصبح محاوِرين أفضل – أكثر براعة في تفسير الغموض والفروقات الدقيقة – في حالة الحزن مقارنة بحالة بالفرح.

لا يتعين على المرء أن يطلب الحزن كغاية بحد ذاتها، ولكن، في الوقت ذاته، لا ينبغي أن يكون الحزن أمراً نتجاوزه بعنف ونتحمله بابتسامة عريضة في طريقنا نحو السعادة. وبحسب فورجاس، فإن الأشخاص ذوي المزاج الحزين يميلون لأن يكونوا أكثر إصراراً ومثابرة من الأشخاص السعيدين عند أداء المهام الذهنية المعقدة. وظهر ذلك ليس فقط عبر إجابتهم على عدد أكبر من الأسئلة، بل أيضاً عبر قدرتهم على تقديم عدد أكبر من الإجابات الصحيحة بالمقارنة مع نظرائهم السعيدين. الحزن عاطفة تشحذ أنفسنا وتبقينا متيقظين، وتدفعنا إلى مراجعة أنفسنا بصورة أعمق وأكثر صرامة. أن تكون حزيناً يعني أن تملك شوقاً أكبر للتناغم مع العالم.

إن التحلّي بالاستعداد لمواجه المشاعر الصعبة يقود إلى مزيد من الرضا عن الحياة. وبهذا السياق، أُجريت تجربة منذ عدة سنوات ضمت 365 شخصاً مستقراً عاطفياً، تراوحت أعمارهم بين 14 و88 عاماً. أُعطي المشاركون هواتف ذكية تعيّن عليهم استخدامها للإجابة على أسئلة يومية حول صحتهم العاطفية على امتداد ثلاثة أسابيع. وبينت الدراسة، التي نُشرت في مجلة Emotion، أنه عندما سجّل المشاركون مرورهم بمزاج سلبي، كان أولئك الذين اعتبروا أن المشاعر السلبية هي أمر ضار ومناقض للسعادة الوحيدين الذين شعروا أيضاً بقلة الرضا عن حياتهم. أما الذين كانوا يعتقدون بأن المشاعر السلبية قد تكون مفيدة لهم، فأشاروا إلى عدم تغيّر رضاهم عن حياتهم، بغض النظر عن المزاج الذي يمرون فيه، الأمر الذي يشير إلى أن تفاعلنا مع مشاعرنا السلبية يمكن أن يجعلنا أكثر سعادة من السعي وراء السعادة بحد ذاتها.

تعود هذه الحاجة إلى تقبّل النواحي السلبية كما الإيجابية إلى جذور عميقة مغروسة في كياننا. وفي كتابه  التعبير عن العواطف عند الإنسان والحيوانات The Expression of the Emotions in Man and Animals  (1872)، تكهّن تشارلز داروين بأن البحث عن السعادة قد يكون سعياً مضللاً، وأشار إلى ضرورة أن نختار مشاعرنا بدقة، لأنها تغيّر هويتنا وكياننا. إذ يمكن للشعور بالخوف أو الغضب أن يجعلنا انطوائيين، بنفس الصورة التي تجعلنا فيها الشهوة الجنسية أكثر انفتاحاً على الآخرين. ولكن، ومن وجهة نظر تطورية، فإن المشاعر بحدودها القصوى -السعادة والحزن الشديدين – هي عبارة عن نتائج متقاربة في جوهرها. إذ تنطوي هذه المشاعر على أهمية في تشكيل أحاسيسنا. ولكن، وبمعنى تطوري أوسع، تقتصر هذه الأهمية على دفعنا تجاه البقاء والتكاثر. ولا تحمل هذه المشاعر أي معنى بصورتها المجردة: فمن الجيّد الاستمتاع بتناول طبق لذيذ من الحلوى، على سبيل المثال، إلا أن دفعة السعادة التي نحصل عليها من الأكل تملك تأثيراً هامشياً على خلاصتنا التطورية النهائية. وبمعنى آخر، إن نمط السعادة الذي نسعى لتحقيقه هو استمرار لنهج أسلافنا، وهو ما حفزهم لمواصلة بحثهم عن ألذ الأطعمة. إلا أن هذا النوع من السعادة لا يمثل هدفاً نهائياً، بل هو طريق للوصول إليها.

وعبر ربط المعنى الوجودي بالمباهج و”المشاعر الإيجابية”، فإننا نحمل مفهوماً مغلوطاً حول كيفية الوصول إلى الرضا الحقيقي. وكبديل عن ذلك، تمدّنا السعادة الأبيقورية بصفاء الذهن اللازم لنتمكن من التحكم بعواطفنا والتعامل مع موجات المشاعر السلبية – التي لا بد ستلازمنا نحن البشر- وهي القدرات الأكثر احتمالاً أن تقودنا إلى شعور حقيقي بالرضا.

يبدوالولع الشديد بالسعي نحو السعادة ظاهرة  خاصة بالمجتمع الأنجلو-أمريكي، الأمر الذي يعود ربما لوجود ضغط ثقافي كبير في كلا البلدين للتقليل من أهمية المشاعر السلبية. وبالمقارنة مع الشعب الفرنسي على سبيل المثال، المعروف بتقبله العام للعيش خارج السعادة، واعتبارها مفهوماً بسيطاً وليس دليلاً على الحياة الجيّدة، يميل البريطانيون، والأمريكيون بصورة خاصة، إلى التقليل من أهمية المشاعر السلبية لصالح الظهور بالوجه الأكثر سعادة. ويُعرف الأمريكيون بابتسامتهم المصطنعة وسلوك “أنا بخير، شكراً لك!”، فيما يُشتهر البريطانيون بتفادي الأحاديث غير السّارة، والمحافظة على “صورة صلبة” في وجه الألم والخيبات. وهناك، يُعد الإنكار وتقنيع المشاعر السلبية الحالة الطبيعية السائدة، كونها أموراً غير مقبولة اجتماعياً. وبحسب طريقة التفكير الأنجلو-أمريكية، تُعتبر المشاعر السلبية انعكاساً سيئاً لذاتنا – كما لو أننا ارتكبنا خطأً جسيماً، أو أننا نعيش دون الشغف والإيجابية اللازمين لتحقيق السعادة.

إلا أن كل هذا التظاهر بالسعادة ما يلبث أن يطفو على السطح.  وبهذا الإطار، أشار عالم النفس بروك باستيان في كتابه “الوجه الآخر من السعادة: تبني مقاربة أكثر جرأة للحياة” The Other Side of Happiness: Embracing a More Fearless Approach to Living  (2018) إلى أن السكان في الحضارة الغربية هم  أكثر عرضة بأربع حتى عشر مرات للإصابة بالاكتئاب السريري أو القلق بالمقارنة مع نظرائهم في الحضارة الشرقية(2018). ويقول باستيان أنه في الصين أو اليابان، ينظر الناس إلى المشاعر الإيجابية والسلبية  على وجه المساواة؛ وإن السعي نحو السعادة ليس واجباً في الشرق، شأنه شأن عدم تفادي الحزن. ويردّ باستيان أصل هذه النظرة إلى الدِّين، وبشكل خاص الفلاسفة البوذيين الذين يسعود إلى احتضان كامل مكونات الحالة الإنسانية، واستيعاب الألم في إطار الأسباب الكامنة وراءه.

إن سعينا نحو تحويل مشاعرنا السلبية إلى شيء مبهج ما هو إلا طريقة تفكير تجعلنا عرضة لتلاعب الإعلانات التي تخصص بها واتسون. ومع ذلك، لم تظهر هذه الرغبة في ثقافتنا من العدم. إذ يوجد حافز اقتصادي بارز بالنسبة للشركات حينما يعتقد الناس أن السعادة هي شيء لا بد أن نعمل – أو نشتري – بهدف الوصول إليه. يُقدّم العمال السعيدون معدلات إنتاجية أكبر بحوالي 12%.وتملك شركة جوجل منصب “الرئيس التنفيذي للسعادة”. وما يزال مفهوم “كافئ نفسك” عامل دفع كبير للمبيعات، كما تستند كافة إعلانات منتجات التجميل إلى فكرة “العناية الشخصية”. وفي الوقت ذاته، قامت الجمعية الأمريكية للطب النفسي بمراجعة نسختها الخامسة من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات الذهنية (2013)، لتشمل احتمالية إدراج الأشخاص المفجوعين الذين تمتد حالة الحزن لديهم لأكثر من شهرين في خانة المصابين بمرض ذهني يتطلب علاجاً دوائياً، كالأدوية المضادة للاكتئاب من أمثال ويلبوترين (Wellbutrin).

وإن كان اسم دواء ويلبوترين يبدو وكأنه يشبه الدواء المسبب للسعادة المسمى سوما ‘soma’ في رواية “عالم جديد شجاع” Brave New World  (1932) لألدوس هاكسلي، فلأنه، كما كافة أنشطة التكييف على السعادة، مستمد إلى حد ما من عالم الكاتب. فمع صعود نجم علم النفس الإيجابي منتصف القرن الماضي، والذي يقوم على أفكار هوبز من القرن السابع عشر، تنبأ هاكسلي بالتغيّر الحاصل – والذي سيحصل مستقبلاً – في فكرة السعادة الأبيقورية. وكتب عام 1965 “إن الحق في السعي نحو السعادة ليس سوى الحق في الخيبة مُصاغاً بطريقة مختلفة”.

واليوم، تشهد أبحاث السوق، المبنية على أساس أعمال واتسون، نمواً مطرداً. ولعل أبرز تجلياتها يتمثل في أجهزة مسح الوجه الموضوعة في المتاجر، بهدف تحديد مشاعر المستهلكين لدى وقوفهم أمام أحد المنتجات، إضافة إلى الإعلانات التي تبدو وكأنها تلاحقنا عبر كافة المنصات الرقمية، وصولاً إلى الكأس المقدّسة للتلاعب التسويقي: القدرة على تصميم منتجات تخترق سعادتنا، وتخلق لدينا حاجة عصبية لاستخدامها وشرائها. (وهذه الناحية موجودة فعلياً إلى حد ما. فعلى سبيل المثال، يمكننا التفكير بالطريقة التي يتلاعب عبرها فيسبوك بمزاج المستخدمين عبر خوارزميات الأخبار التي تظهر لهم).

لكن إن واصلنا السماح لأنفسنا أن نكون عرضة للتلاعب بهدف دفعنا وراء التجارب القصوى، فإننا نترك نقع فريسة ليس فقط للتلاعب التسويقي، بل أيضاً للوحدة والأحكام الخاطئة، وحتى للوقوع في حزن متواصل، مع المفارقة الضخمة التي تحملها هذه النتيجة. وقد لا تنجح السعادة الأبيقورية في جعلنا “سعداءً” على الدوام، كوننا نستخدم اليوم هذه الكلمة كمرادف للمزاج مبتهج ومتفائل. كما أن الحياة تبدو غير جديرة بالعيش إن هي اقتصرت فقط على تلك التجارب القصوى. وفي الواقع، إن الأجيال الشابة – الأكثر ميلاً لتقبّل فكرة “السعادة القصوى” – لا تختبر أي شكل من أشكال السعادة على الإطلاق، إذ أشار 22% من مواليد جيل الألفية بأنهم لا يملكون أي صديق. وهذا بالتأكيد ليس نمط “السعادة” التي نسعى إلى تحقيقه.

وكبديل عن ذلك، ماذا لو كانت السعادة أمراً يتناوب في حياتنا – كالمد والجزر، وكانت المشاعر السلبية عنصراً رئيسياً لحياتنا، ولسخرية القدر، لسعادتنا؟ وماذا لو أعدنا تكييف أنفسنا للابتعاد عن السعي المطلق نحو السعادة، ولنكون راضين عن مشاعرنا كافة على اختلافها؟

المصدر