حوار مع أومبرتو إيكو في السيميائيات والبراغماتية – ترجمة: جميلة حنيفي

حوار مع أومبرتو إيكو في السيميائيات والبراغماتية – ترجمة: جميلة حنيفي


يتركز معظم عملكم الأكاديمي حول حقل السيميائيات Semiotics، فماذا تقصدون بالضبط بالسيميائيات؟ وما هي في نظركم أهدافها؟

إيكو : الجواب التقني عن هذا السؤال يتمثل في أن السيميائيات عبارة عن دراسة العلامة Semiosis من جميع جوانبها. ولكن عليّ هنا أن أعرّفها، وبما أنني قد ألفت كتبا كثيرة عنها، فربما لن يكون من المناسب أو اللائق الإجابة عن ذلك في بضع جمل (ما قد يعني بأنني قد ألفت كل تلك الكتب بلا جدوى، وهو ما لا يمكنني قبوله). من الناحية الأكاديمية أنا لا أعتبر السيميائيات مجال بحث، ولا قسما مستقلا بذاته، بل ربما هي عبارة عن مدرسة وبحث شبكي متعدد التخصصات، يهتم بدراسة الموجودات البشرية بقدر ما تنتج علامات، أقصد كل أنواع العلامات وليس اللفظية فقط.

إن دراسة نظام معين من العلامات عادة ما يسمى “سيميائية كذا” على سبيل المثال تعتبر اللسانيات سيميائية اللغة اللفظية، مثلما هناك أيضا سيميائية إشارات المرور، وهي نظام علامات أبسط من نظام علامات اللغة الإنجليزية مثلا. كما أن هناك مقاربة عامة لكل السلوكيات السيميائية، وهي الدراسة التي أسميها السيميائية العامة. وبهذا المعنى فإن السيميائية تتناول بعض الأسئلة الفلسفية الأساسية.

حاول أن تتخيل أن فلسفة اللغة بدلا من أن تقتصر على تحليل سلوكنا اللفظي، تقوم أيضا بتحليل كل نوع من النتاج والتأويل الخاص بالعلامة. أصدقك القول إن السيميائية العامة هي بالنسبة إلي شكل من أشكال الفلسفة، بل أعتقد أنها الشكل الوحيد المقبول في الفلسفة اليوم. ثم إن أرسطو عندما قال إن الوجود يمكن أن يعبر عنه بطرق متنوعة، فإنه كان يصف الفلسفة بأنها بحث سيميائي.

من الواضح أنكم عند كتابة رواياتكم وجدتم أن المخيال يمكِّنكم من إنجاز شيء آخر مختلف عما أنجزتموه في عملكم الفلسفي والنقدي، فبأي معنى تتعاملون مع الأسئلة الفلسفية بشكل مختلف عما تفعلونه بوصفكم مُنظّرا؟

إيكو : يسمح سؤالك بإجابتين مختلفتين لأنه في الواقع يتعلق بمشكلتين مختلفتين؛ (أ) علم نفس الإبداع الأدبي، (ب) دور الأدب في الجدل الفلسفي بخاصة اليوم. بالنسبة إلى المشكلة الأولى أود أن أقول إنه عند الشروع في كتابة رواية فأنا لا أفكر في أي سؤال فلسفي محدد، بل أبدأ من صورة أو وضع وأنا أجهل إلى أين أسير. بعدها أكتشف بأنني بطريقة ما قد تعاملت مع مشاكل فلسفية –وهو ليس أمرا غير قابل للتفسير لأنها مشاكلي أنا- هنا أدرك أنه عند كتابة المشاكل الفلسفية بطريقة مقالية أحاول الوصول إلى نتيجة أحادية المعنى وجاهزة للدفاع عنها على الرغم من أنني مدرك أنه من أجل الوصول إلى هذا الاستنتاج كان علي أن ألغي بعض الطرق الأخرى الممكنة للنظر إلى المشكلة نفسها.

على العكس من ذلك عند كتابة رواية لدي انطباع بأنني على خشبة المسرح، وأحاول تبيان أن الاستنتاجات يمكن أن تكون كثيرة. وبعبارة أخرى أقدم للقراء سلسلة من الأسئلة وليس أجوبة. لترجمة كل هذا في حدود استعارة “فلسفية” Philosophical Metaphor ، أقول إن كتابة عمل علمي يشبه كتابة رسالة فلسفيةThe Tractatus ، في حين إن كتابة الرواية هي أشبه بكتابة بحوث فلسفية The Philosophical Investigations .

هذا يقودنا إلى المشكلة الثانية من سؤالك. استخدم عدد معتبر من الفلاسفة في عصرنا الإبداعات الأدبية كأرضية للتعامل مع المشاكل الفلسفية: منهم من نظر في فرانز كافكا Kafka. F، ومنهم من نظر في توماس مان Mann. T  أو في مارسال بروست Proust. M . لقد استخدموا الأدب مثلما استخدم بعض الفلاسفة اليونان الأسطورة كتمثّل غير محدّد وإشكالي للمشاكل البشرية، ذلك حتى لا تقبل الخطابات الشعرية والسردية أو ترفض (تنجح أو تفشل) بل يمكن أن تستكشف كمنبع لأسئلة غير منتهية.

سوف يتم تأويل كتاباتكم، وبالتحديد الرواية، من قبل قراء متنوعين بطرق متعددة ومختلفة، فما الفرق في نظركم بين التأويل وسوء التأويل؟

إيكو : في بداية مشواري الفلسفي تأثرت للغاية بلويجي باريسن Luigi Pareyson الذي كانت فلسفة التأويل لديه عبارة عن شكل من الهرمنوطيقا، ما جعلني عشرات السنين بعد ذلك لما التقيت بفكر س. بيرس C. S. Peirce أنبهر بنظريته في التأويل بوصفها مقولة توحيدية قادرة على تفسير كيف يعمل الذهن واللغات (وحتى الطبيعة). لكن السمة المحورية لفلسفة باريسُن كانت تتمثل في أن كل فعل يتضمن الحرية والإخلاص معا(أو الاحترام)، أنت حر لأنك تنظر إلى شيء ما من منظورك الخاص، وهذا لا يمنع من كونك تنظر إلى شيء ما. مثل هذه الجدلية بين الحرية والوفاء ما تزال مركزية في فكري وفي الطريقة التي طوّرت بها مفهوم بيرس عن السيميائية Semiosis غير المحدودة (أنظر على سبيل المثال، المقالات التي صدرت حديثا ضمن كتابي الموسوم حدود التأويل).

دعنا ننظر إلى الأمر بطريقة بسيطة، ما أزال أعتقد أن هناك مستوى حَرفِي في اللغة، أي درجة الصفر حيث يبدأ التأويل، وهو مستوى لا يمكن تجاهله. هل يمكنك قراءة يقظة فينيغان  Finngan’s Wake  كتأويل حر لرواية ذهب مع الريح Gone With the Wind؟ إذا كانت الإجابة ﺑ”لا” (وهي “لا” –دعك من المزاح)، فهذا يعني أن بعض تأويلات نصٍ ما لا يمكن ببساطة قبولها كتأويل لنص معين. ثم إذا سألتني (ولقد فعلت شيئًا من هذا القبيل في محاكاتي الأدبية الساخرة التي نشرتها باللغة الإنجليزية بعنوان قراءات خاطئةMisreadings )، فباستطاعتي كتابة مقال أقرأ فيه جيمس جويس James Joyce كما لو أنه مارجريت ميتشل Margaret Mitchell . يمكنك أن تقول –وأنا متفق معك- على الرغم من ذلك فهذه طريقة لتأويل نص. لكنك ستعترف بأن هناك في وظيفة التأويل درجات من الإخلاص، فأنا أستطيع أن أعزف شوبان Chopin  بالأكرينا Ocarina، ومثل هذا التمرين يمكن أن يكون هرمنوطيقيا مثمرًا، لكن بشكل عام يعترف الناس بأن الأداء الجيد لألفرد كرتوتAlfred Cortot  هو أقرب إلى شوبان، وأعتقد أنهم على حق.

يظهر القديس توماس الإكويني St. Thomas Aquinas وجيمس جويس كشخصيتين أدبيتين بارزتين بشكل جلي في كتاباتكم. فما الذي يثير انجذابكم إليهما؟

إيكو : قد نتأثر بكاتب ما لأسباب عديدة، ولا يوجد تخطيط مسبق بهذا الشأن. إن الأمر يشبه الوقوع في الحب: يحدث وانتهى، فمن السذاجة أن نسأل، “لماذا مع س بدلا من ع؟” بعد مرور الوقت قد تظن أنه كان هناك شيء يشبه المشروع، ولكن بطبيعة الحال هو مجرد وهم غائي. لأداء لعبة الوهم الغائي، أرى هذين الرجلين (الإكويني وجويس) كشخصيتين متكاملتين جداً بالنسبة إلى مشواري التعليمي: يبدو أن أحدهما يعمل من أجل إنتاج النظام، لكن عالمه المنظم يخفي طريقة بارعة لزعزعة كل التقليد السابق؛ أما الآخر فيبدو أنه يلعب على “الحظ” واللانظام”، لكن من أجل القيام بذلك هو يحتاج إلى بنيات أساسية منظمة. إنه تماثل جميل و”مخيف”، أليس كذلك؟ إن الأمر يقينا لا يعتمد على مؤامرة مقصودة، لكن من يعلم؟

لماذا جذبت البراغماتية الأمريكية بشكل عام، وفيلسوف هارفارد البراغماتي ت. س. بيرس على وجه الخصوص الكثير من الاهتمام في القارة الأوروبية؟

إيكو : فيما يخص البراغماتية الأمريكية، أود أن أميز بين براغماتية وليام جيمسW. James  أو جون ديوي John Dewey  وفلسفة بيرس، أنت تعلم أنه كان غاضبًا من نسخة جيمس عن أفكاره وقرر أن يدعو فلسفته ” “Pragmaticismحتى يميزها عن البراغماتية Pragmatism (وقال إن مثل هذه الكلمة القبيحة لن يسرقها أحد). كان للبراغماتية الأمريكية بصيغة جيمس وديوي العديد من الأتباع في إيطاليا في النصف الأول من هذا القرن، وقد حدث ذلك كرد فعل على مثالية بنديتو كروتشه Benedetto Croce   وجيوفاني جنتلي  Giovanni Gentile. وأعيد اكتشاف بيرس بشكل رئيسي في النصف الثاني من القرن، حيث أبهر فكره السيميائي الأوروبيين (بالمناسبة لقي هذا الجانب من فكره اهتماما ضئيلا من قبل القلة المغتبطة التي درست بيرس في الولايات المتحدة- هذا إلى غاية عهد قريب-). لقد تمت دراسة بيرس لأن المقاربة السيميائية البنيوية تفضل النموذج اللغوي، وكان بيرس مدركا للتنوع الهائل للعلامات التي ننتجها ونستخدمها.

كيف تميزون بين الفلسفتين القارية والتحليلية؟

إيكو : إن كل محاولة للتمييز بين الفلسفتين التحليلية والقارية من حيث إشكالاتهما وأسئلتهما وأجوبتهما، هي محاولة مضللة. ففي كل خطوة يمكن للمرء أن يكتشف أن هناك قواسم مشتركة أكثر مما هو معتقد عادة. ومع ذلك فإن ما هو مشترك يتم إخفاؤه، كما لو أن الجانبين يعملان معا بشكل متبادل من أجل جعل كلا الفضاءين الفلسفيين غير قابلين للاختراق.

ولشرح الفرق الحقيقي دعني أستخدم تشبيهًا يتعلق بالفرق بين الفلسفة الوسيطية والفلسفة الحديثة؛ كان المدرسيون يبتكرون باستمرار، لكنهم كانوا يحاولون إخفاء أي ابتكار ويقدمونه على أنه تعقيب وتعليق على إرث موحد. على العكس من ذلك، كان الفلاسفة الحديثون، مثل ديكارت، يتظاهرون بالانطلاق من “صفحة بيضاء” Tabula Rasaوذلك عن طريق قلب التقليد السابق رأسًا على عقب، وبث الشك فيه بشكل مثير للجدل. حسناً، أعتقد أن الفلسفة التحليلية ما تزال تتخذ موقفا وسيطيا، حيث يبدو أن كل خطاب من المتوقع أن يبدأ من خطاب سابق، فالكل يعترف بنوع من القانون، دعنا نقول قانون جوتليب فريجه. في هذا النوع من الفكر يجب على المرء أن يحترم اللغة الفلسفية المشتركة وأن يبدأ بمجموعة من الأسئلة الأساسية، وأي مقترح جديد يجب أن يستمد من مجموع الأسئلة والأجوبة. يحاول الفلاسفة القاريون أن يظهروا أنه لا علاقة لهم بالخطابات الفلسفية السابقة، حتى عندما يكونون بصدد مجرد ترجمة المشاكل القديمة إلى لغة فلسفية جديدة. أعلم أن هناك اختلافات أخرى، لكن دعني أؤكد أن هذا الاختلاف يقوم أكثر على اختلاف في الأسلوب الفلسفي وليس على مجموعة مغايرة من المحتويات أو المناهج.

كما هو مشهور، ادعى فيلسوف القرن السابع عشر، الإنجليزي جون لوك في كتابه الموسوم مقال في الفهم الإنساني أن “الأفكار أيضا عبارة عن علامات”، ويبدو أن بيرس قد قال بهذا الرأي أيضًا. هل يمكن للعقل أن يكون بالفعل منظّما كإجراء علاماتي Sign Process ؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، فما هو “الموضوع” الفعلي للسيميائية؟

إيكو : إن الفكرة القائلة بأن المفاهيم أو الأفكار عبارة عن علامات أقدم من ذلك بكثير، لنذكر أوكام Ockham  على سبيل المثال، وعموما الفكرة موجودة حتى من قبل. دعنا نفترض أن هناك شيء ما يحدث في ما يسمى العقل. إذا كان العقل هو المخ، فإن ما يحدث عبارة عن حالات فيزيائية معينة؛ أما إذا كان الأمر غير ذلك فلديك الحرية في أن تقرر ما هو. قطعا إنها ليست أشياء لكن بالمقابل بواسطة العقل نحن قادرون على التفكير في الأشياء. وهكذا فإن ما يحدث بداخل العقل مهما أمكن أن يكون، حتى لو كان رقصة التماثيل الصغيرة، فهو شيء آخر. هذا(aliquid stat pro aliquo) هو تعريف العلامة أو الإجراء السيميائي منذ العصور القديمة. هكذا فالعقل عبارة عن عمل سيميائي.

في السنوات الأخيرة، تركزت الحياة الفكرية في الولايات المتحدة حول جدل حامي الوطيس حول الطبيعة السياسية للمعرفة. بصفتكم أوروبيًا ومفكرًا نشأ على التقليد الغربي، كيف تنظرون إلى هذا الجدل؟

إيكو : في المدارس الثانوية الأوروبية، تبدأ بقراءة هوميروس  Homer وفيرجل  Vergil في سن الثانية عشر، وفي سن السادسة عشر من المفترض أن تعرف كل شيء عن أفلاطون وأرسطو، لكنك لا تقرأ الكتاب المقدس أبداً، فما بالك بالقرآن. ويتم اقتباس مبادئ البوذية فقط عند الحديث عن بعض الفلاسفة الغربيين، وفقط الذين يدرسون الأنثروبولوجيا الثقافية في الجامعة يسمعون بالأساطير الإفريقية. أرى أن هذا مقرر دراسي خاطئ لأنه قائم على المركزية الأوربية، ولكن بالمثل سيكون من الخطأ (بل ومن العنصري) جعل الطلاب السود يطلعون على الثقافة غير الغربية فقط، وإبقائهم بعيدين عن أفلاطون أو أرسطو. صحيح أنه يمكن ربما التعبير عن الفيزياء النووية المعاصرة بشكل أفضل بلغة الهوبي Hopi منه باللغة الإنجليزية، كما اقترح بنيامين لي وورف Benjamin Lee Whorf، ولكن جزءا كبيرا من العلم الحديث لا يمكن فهمه إلا إذا كان المرء يفهم بعض المبادئ الأساسية للتراث الغربي، وهذا ما يجعل معرفة هذه المبادئ من حق كل كائن بشري. إن المشكلة التي تطرح بالنسبة إلى المقررات الدراسية في المستقبل تتمثل في كيفية التزود بتعليم كامل(ما يسميه الإغريق Paideia Enkyklios  وهو عبارة عن تعليم دائري)سيكون تعليما دائريا لمجرد أنه لن يكون أوروبي المركز فقط.


حوار مع أومبرتو إيكو (1932-2016)، أجراه  كل من تشونغ مين هونغ ودافيد ليوري ويِرو تاينكا Chong-Min Hong, David Lurie and Jiro Tanaka وتم نشره في مجلة هارفارد للفلسفة The Harvard Review of Philosophy في ربيع 1993. ويمكن القارئ العودة إلى النص الأصلي على هذا الرابط 

جميلة حنيفي، أستاذة باحثة بقسم الفلسفة، جامعة الجزائر2 –أبو القاسم سعد الله

error: