الكاتبجان بودريار
ترجمةمحمدمهدي باقر

منذ البداية، كان من المعلوم أنَّ هذه الحرب لنْ تُوجَد. فبعد الحرب الساخنة (عنفُ الصراع)، وبعد الحرب الباردة (توازن الرعب)، ها قد جاءت الحرب الميتة – بعد ذوبان الجليد عن الحرب الباردة – التي تتركنا في مواجهة جثة الحرب، ومع ضرورة تدبّر أمر هذه الجثّة المتحلّلة، التي لم ينجح أحد على طول الخليج من أن يبعثها من جديد. وما تتنازع عليه أميركا، وصدام حسين، وقوى الخليج هناك ليس سوى جثّة الحرب.

لقد دخلت الحرب بعامةٍ في أزمةٍ نهائية. فقد فات الأوان على حدوث الحرب العالمية الثالثة (ساخنة)، فهي قد وقعت بالفعل، مُقطََّرَةً عبر خيط سنين الحرب الباردة. ولن يكون هناك حربٌ أخرى. كان بإمكان المرء التقدير بأنَّ إنشقاق الكتلة الشرقية، عبر فكّ أقفال الردع، سيفتح الباب لمجالات جديدة من الحرية أمام الحرب. لكنَّ الأمر ليس على هذا النحو، لأنَّ الردع لم ينته، بل على العكس من ذلك تمامًا. لقد كان يعمل بوصفه ردعًا متبادلاً بين الكتلتين، بفائضٍ إفتراضيٍ في وسائل التّدمير. وهو يعملُ اليوم، وبصورةٍ أكثر فاعلية، بوصفه ردعًا ذاتيًا، ردعًا ذاتيًا كليًا، يبلغ حدَّ الإنحلال الذاتي للكتلة الشرقية، كما يبلغ أيضًا حدَّ الردع الذاتي العميق للقوة الأمريكية، وللقوة الغربية عمومًا، المصابة بالشلل بفعل قدرتها نفسها، والعاجزة عن تحمّلها وصياغتها في أنماط علاقات القوة.

ولهذا فإنَّ حرب الخليج لن تحدث. إن إنغماس الحرب هذا في حالة تعليقٍ لا نهائية ليس أمرًا مُطمْئِنًا ولا مُعَزِيًا. وبهذا المعنى، فإنَّ [ال-لا-حدث] في الخليج ينطوي على خطورةٍ تفوق خطورة حدث الحرب نفسه: إذ يطابق مرحلةً أكثر ضررًا من مرحلة تعفُّنِ الجثَّة، تلك المرحلة التي تصيب بالغثيان وبالذهول العاجز. وهُنا أيضًا تكون دفاعاتنا الرمزية واهنةً للغاية، وتُفلت السيطرة على نهاية الحرب من بين أيدينا، ونعيش كلّ ذلك في اللامبالاة المخزية نفسها التي يعيشها الرهائن.

تتسم [ال-لا-حرب] بهذا الشكل المتدهور من الحرب الذي يتمثل في التلاعب بالرهائن والتفاوض عليهم. فالرهينة والتهديد هما أنقى منتجات الرّدع. فقد حلَّت الرهينة محلَّ المحارب. بحيث أصبحت الفاعل الرئيسي، بطل قصة المُحاكاة، أو بالأحرى في [ال-لا-فعل] المحض بطل قصة [ال-لا-حرب]. المحاربون يَدْفِنون أنفسهم في الصحراء، فلا يبقى على المسرح سوى الرهائن، بما في ذلك نحن جميعًا، بوصفنا رهائنًا للمعلومةِ التي تُعُرَضُ على المسرح العالمي لوسائل الإعلام. الرهينة هي الممثل الشبح، الكومبارس الذي يحتلّ الفضاء العاجز للحرب.

اليوم: أصبحت الرهينة في موقع إستراتيجي؛ غدًا: ستصبح الرهينة هديةَ عيد الميلاد؛ بوصفه قيمة تبادلية وسيولة. إنَّه إنحطاط فانتازي لما كان، في ما مضى، صورة التبادل المستحيل ذاتها. ومع صدام حسين، الذي جعل من نفسه رأسمالي قيمة الرهينة، والتاجر المُبسِّطَ لسوق الرهائن، بعد سوق العبيد والبروليتاريا، كقيمةٍ قويةٍ تضعف وتغدو رمزًا للحرب الضعيفة. إذ يَحِلُّ محلّ التحدّي الحربي، ويصبح مرادفا لخواء الحرب. ونحن جميعًا، رهائن لتسميم وسائل الإعلام، مُدجَّنون على الإيمان بالحرب كما آمنّا سابقًا بالثورة في رومانيا، ومُوَجَهون لمُحاكاة الحرب كما وكأنّها إقامةٌ جبرية.

إنما نحن، سلفًا، جميعًا، في الموقع نفسه، رهائنٌ استراتيجيون موقعنا هو الشاشة، حيث أننا نتعرّض يومًا بعد يومٍ لقصفٍ إفتراضي، ونُستَخدمُ في الوقت ذاته كقيمة تبادلية. وبهذا المعنى، فإنَّ المسرح الساخر لصدام حسين يؤدي وظيفة الإلهاء، إلهاءٌ عن الحرب وإلهاءٌ عن الإرهاب الدولي معًا. ومن خلال إرهابه اللّين، يكون قد وضع حدًّا، على الأقل، للإرهاب الحادّ للفلسطينيين أو غيرهم، وفي هذا، كما في أمورٍ أخرى كثيرة، يتبدّى بوصفه الشريك المُتواطئَ مع الغرب بإمتياز.

إنَّ إستحالة الإنتقال نحو الفعل، وغياب الإستراتيجية، يفضيان إلى إنتصارِ التهديد بوصفه إستراتيجية. (كان لا يزال هناك لدى إيران  تحدٍّ؛ أمّا لدى صدام، فلم يكن قد تبقى سوى التهديد). إنَّ دناءة صدام حسين تتمثّل، على هذا النحو، في أنَّه إبتذل كلّ شيء: حوّل التحدّي الديني إلى حربٍ مقدّسةٍ زائفة، والرهينة من كونها تضحيةً إلى سلعة، والإنكار العنيف للغرب إلى مناورةٍ قومية، والحرب إلى كوميديا مستحيلة. لكننا نحن أيضًا أسهمنا في ذلك إسهامًا كبيرًا. فحين تركناه يعتقد أنَّه إنتصر في الحرب ضد إيران، دفعناه إلى توهم إمكان الإنتصارِ على الغرب؛ وهذه ثورة المرتزق التي ليست في الواقع سوى السمة الساخرة الوحيدة، والمُبهِجة، في كلّ هذه الحكاية.

نحن لسنا في منطق حربٍ ولا في منطق سلام، بلْ في منطق الرّدع، الذي شقّ طريقه، على نحو لا رجعة فيه، عبر أربعين عامًا من الحرب الباردة، حتى بلغَ عُقدته في أحداثنا الراهنة؛ هو منطق الأحداث الضعيفة، التي تندرج ضمنها وقائع الشرق كما تندرج فيه حرب الخليج. إنَّها تقلبات تاريخٍ فاقدٍ للشهيّة، وحربٍ هي الأخرى فاقدةٍ للشهية، لمْ تعُدْ قادرةً على إفتراسِ العدو، لعجزها عن تصوّر العدو بوصفه جديرًا بأنْ يُتحدّى ويُباد – والله يعلم أنَّ صدام حسين ليس جديرًا لا بأنْ يُتحدّ ولا بأن يُباد – فتنقلب على نفسها وتلتهم ذاتها.

إنَّها حالة الحرب منزوعة الكثافة، حالة “الحق في الحرب”، مع الضوء الأخضر من الأمم المتحدة، ومع فائضٍ من الإحتياطات والتنازلات. إنَّه تعميمٌ لإستخدام الواقي على فعل الحرب كما لو أنَّ أحدًا يقول: حاربوا، كما تمارسون الحب، مع واقٍ! وعلى سُلَّم ريختر، لن تبلُغ حرب الخليج حتى الدرجة الثانية أو الثالثة. فالتصعيد غير واقعي، كأنَّما نختلق خيال زلزالٍ عبر التلاعب بأدوات القياس. إنَّها ليست الدرجة القوية ولا الدرجة الصفر من الحرب، بل الدرجة الضعيفة، المسلولة، الصيغة التقاربية التي تسمح بمجاورة الحرب دون لقائها، إنها الدرجة الشفافة التي تتيح رؤية الحرب من عمق الغرفة المظلمة.

كان ينبغي أنْ نرتاب منذ إختفاء الإعلان عن الحرب، وإختفاء العبور إلى الفعل الرمزي، الذي كان يُنْذِرُ سلفًا بإختفاء نهاية الحرب نفسها، ثمَّ بإختفاء التمييز بين المنتصرين والمهزومين (فالمنتصر يغدو بسهولة رهينة للمهزومِ، إنَّها دائمًا متلازمة ستوكهولم)، ثمَّ بإختفاء العمليات ذاتها. حربٌ لا تنتهي إذن، لأنَّها لن تكون قد بدأت قطّ. فمن فرط الحلم بحربٍ محضة، حربٍ مداريةٍ منزوعةٍ من كلّ الملابسات السياسية والمحلية، سقطنا في رخاوة الحرب، في إستحالتها الإفتراضية، التي تتجسّد في هذه الفانتازيا الهزلية حيث يتبارى الخصوم في نزع التصعيد، كأنّ وهج الحرب، الحدث الذي من شأنها، قد صار أمرًا فاحشًا، غير محتمل، كما هو حال كلّ حدثٍ واقعيٍ على أي حال، فنحن لم نعد قادرين على تحمّله.

لذلك ينتقل كلّ شيءٍ إلى الإفتراضي، وما نواجهُه هو نهاية عالم إفتراضيةٍ في هيمنةٍ أخطر، على المدى البعيد، من نهاية عالمٍ واقعية.

إنَّ الإعتقاد الأكثر شيوعًا هو ذاك القائِلُ بتسلسلٍ منطقيٍ من الإفتراضي إلى الفعلي، بحيث لا يمكن لسلاحٍٍ متاحٍ ألّا يُستَعمل يومًا ما، ولا لمثل هذا الإرتكاز للقوى ألّا يفضي إلى الصدام. غير أنَّ هذا ليس سوى المنطق الأرسطي الذي لم يَعُد منطقنا إطلاقًا. فالإفتراضي لدينا يتفوّق نهائيًا على الفعلي، وسنُضطر إلى الإكتفاءِ بهذه الإفتراضيةِ القصوى التي، على خلاف ما عند أرسطو، تردع الإنتقال إلى الفعل. لم نَعُد في منطق الإنتقالِ من الإفتراضي إلى الفعلي، بل في منطقٍ واقعيٍ مُكثّف hyperréaliste لردع الواقع بواسطة الافتراضي.

في هذا المسار، يعود الرهينة مرةً أخرى كاشفًا. يُنتزع كما تُنتزع جزيئة في مسار تجريبي، ثم يُقطَّر واحدًا واحدًا في التبادل؛ إن ما هو على المحكّ هو موته الإفتراضي لا موته الواقعي. وهو، في الواقع، لا يموت أبدًا؛ إنما في أفضل الأحوالِ يختفي. ولن يكون هناك لاحقا نصب تذكاريٌ للرهينة المجهول، فالجميع يخجلونَ من ذلك. هذا العار الجماعي الملازم للرهينة يعكس الإنحطاط المطلقَ للعداوة الواقعية (الحرب) إلى ضيافة إفتراضية (“ضيوف” صدام حسين).

إنَّ الإنتقال إلى الفعل سيّئ السمعة عادة؛ إذ يُقابَل بوصفه رفعا فُجائِيًا للكبت، ومن ثمّ مسارًا ذهانيًا. ويبدو أنَّ هاجس الإنتقال إلى الفعل هذا يضبط اليوم جميعَ سلوكياتنا: هاجس كلّ واقع، وكلّ حدث واقعي، وكلّ عنف واقعي، وكلّ لذّة شديدة الواقعية. في مواجهة هذا الهاجس من الواقع أنشأْنا جهازًا هائلًا للمُحاكاة يتيح لنا الإنتقال إلى الفعل في المختبر (وهذا صحيح حتى في الإنجاب). وإزاء كارثة الواقع نفضّل منفى الإفتراضي، الذي تُشكِّل التلفزة مرآته الكونية.

ولا تفلت الحرب من هذه الإفتراضية، التي تشبه عمليةً جراحية: تقديم الوجه المشدود للحرب، طيف الموت المُزيَّن، حيلته التلفزيونية وهي أكثر تضليلًا بعد (وقد رأينا ذلك بوضوح في تيميشوارا). حتى العسكريون أنفسهم فقدوا إمتياز قيمة الإستعمال، إمتياز الحرب الواقعية. لقد مرّ الردع من هنا، ولم يُبْقِ شيئًا على حاله. وهم أيضًا، شأنهم شأن السياسيين، لم يعودوا يعرفون ماذا يفعلون بوظيفتهم الواقعية، بوظيفة الموت والتدمير. إنَّهم محكومون بوهم الحرب، كما الآخرون بوهم السلطة.

ملاحظة لاحقة: إنَّ إظهار إستحالة الحرب في اللحظة عينها التي يُفترض أنْ تقع فيها، حيث تتراكم علامات حدوثها، هو رهانٌ أحمق. لكن كان سيكون أكثر حماقةً عدم إغتنامنا هذه الفرصة.


[i] هذا النص هو ترجمة للمقال الأول من مقالات جان بودريار عن حرب الخليج المكتوبة باللغة الفرنسية والتي جُمعت في كتاب واحد تحت عنوان “La Guerre Du Golfe N’a Pas Eu Lieu” الصادر عن دار  galilée.

 رابط الكتاب على موقع ارشيف العالمي: https://archive.org/details/la-guerre-du-golfe-na-pas-eu-lieu-_1991


اكتشاف المزيد من مجلة حكمة

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاركنا رأيك