جان دوست: حوار مع الشاعر والروائي والمترجم الكردي السوري – حاورته: هند سيد / ترجمة: حمزة زكي


جان دوست روائي وشاعر ومترجم له ثلاث دواوين شعرية باللغة الكردية وواحد بـ اللغة العربية. وقد صدرت روايته “كوباني” بالكردية 2017 ثم بالعربية في 2018 . و “الباص الأخضر يغادر حلب” كان آخر أعماله الصادرة العام الماضي. ومن أهم أعمال دوست الترجمية كانت ملحمة “مم وزين” للشاعر الكردي الشهير أحمد الخاني التي نقلها إلى اللغة العربية.

 

_  هند سيد : متى تختار أن تكتب كتابا باللغة الكردية أو العربية؟ هل يعود ذلك الاختيار إلى قرار وعي منك أم أن المسألة تخضع للعاطفة؟ وهل اللغة تؤثر على بنية النص والموضوع الذي تريد طرحه في الكتاب؟

 

_   جان دوست : إنني أتقن اللغتين معا ؛ فأنا أتحدث بهما بنفس المستوى، كما أفكر بهما أيضاً. ولا أعتقد أن هناك فرق بينهما بالنسبة لي، باستثناء أن الكردية هي لغتي الأم، ولغة شعبي، فيما اللغة العربية هي لغة الثقافة والتداول في البيئة التي نشأت فيها. وأنا أحب كلتا اللغتين على قدم المساواة. هناك كتب بدأت كتابتها باللغة العربية وأخرى بدأتها بالكردية ؛ ففكرة الكتابة تأتني ملحة في لغة دونا عن أخرى. وذلك يكون أشبه بلغز أو تراكمات في العقل الباطن، تتبدى لي في رواية بلغة ما من الإثنان، ومن المؤكد أن ذلك لا يخضع لقرار شخصي واع مني. إن المواضع والبناء السردي وأسلوب الكتابة حتما تكون مختلفة بين الكتب التي كتبتها سواء بالعربية أوالكردية. فمعظم الكتب التي كتبتها بالكردية هي روايات عن التاريخ القديم والحديث للأكراد، وأما بخصوص الروايات المكتوبة بالعربية فقد تناولت فيها جملة أفكار فلسفية عن التسامح و الكراهية إلى غير ذلك.

 

_  هند : لماذا اخترت أن تترجم ” مم وزين ” إلى العربية؟ ماذا تعلمت من تلك التجربة عن وجوه الإختلاف والتشابه بين اللغتين ؟ وهل واجهتك صعوبة ما في ترجمة بعض المفردات؟

 

_  جان دوست : ترجمة ميمو زين كانت أمرا ضروريا. لإنها تعد واحدة من أهم الكتب في الأدب الكردي، وقد اعتبرت تحفة فنية لا بل بمثابة الكتاب المقدس للأمة الكردية. وقد سبق أن نقله محمد سعيد رمضان إلى اللغة العربية ، ولكنه إختار أن يتغافل عن أجزاء من الكتاب دون ترجمتها، لإعتقاده أنها تتعارض مع القيام الدينية، أو أن فيها ما خدش الحياء ، وأنا من جان دوستبي قد قمت ترجمة كاملة للكتاب دون أن أتجاوز أي جزء منه أو مشهد منه. والكتاب في الأصل كان ملحمة شعرية، ولكنني ترجمته إلى العربية على شكل نثر وأضفت بعض الشروحات و الملاحظات، والتعليقات أيضا لشرح الحبكة الكلاسيكية للنص الذي يعود تاريخ كتابته إلى قبل أكثر من 300 سنة، والذي كان مليئاً بأفكار صوفية وفلسفية وعن المنطق والفلك إلى غيرها من الأمور. هناك فوارق بين كلى اللغتين . اللغة بإعتقادي هي ككائن حي يتم تحويله الى كائن أخر عن طريق الترجمة ؛ وهذا الكائن يطابق الأول شكلا إلا أنه لا يشمل على ذات روح. ويمكننا إن شئنا القول أن بعض الترجمات بمثابة جز لأجنحة اللغة فيما بعضها الآخر كإضافة أجنحة للغة . إن النص الأصلي لممو زين كان كزجرفة مكونة من مفردات مختلفة من اللغة الفارسية والعربية والكردية، وتحديدا المفردات الصوفية والفلسفية – لذا لم تكن ترجمتها بالأمر الصعب .

 

_  هند : كل من رواياتك كوباني وميرنامه صدرتا باللغة العربية والكردية، هل حظيتا بقراء مختلفين، وهل استقبلهما النقاد بشكل مختلف ؟

 

_  جان دوست : أجل لقد استقبلت تلك الأعمال على نحو مختلف، بخصوص كوباني فهي استطاعت أن تلمس القارئ الكردي ؛ لأنها حادث وقعت للاكراد وكلنا عايشناها – منذ احتلال منطقة كوباني ثم المقاومة الخرافية والتحرير و المجزرة. فالقارئ الكردي يعرف بشأن الموضوع ، والحادثة قريبة من روحه وعقوله ومشاعره ، بينما القارئ العربي يتعاطى معها كرواية فقط . رواية عن الحرب بصرف النظر ما إذا كانت تتحدث عن كوباني أو أي حرب أخرى. والنّقاد أيضا استقبلوها من وجهة نظري مختلفة، ولكنهم أعجبوا و احتفوا بها في كل من الكردية والعربية بل حتى في الفارسية، لأنها ترجمت إلى الفارسية أيضا، وإلى اللهجتين الكرديتين.

 

_  هند : هل تعتقد أنه كان من الضروري أن تصدر كوباني باللغة الكردية؟

 

_  جان دوست  : أجل . بكل تأكيد، فالحادثة هي واقعة كردية، في منطقة كردية، والأكراد في أرجاء العالم معنيون بهذا الأمر وهم يفكرون فيه ؛ فكان من الضروري أن نشرتها أولا باللغة الكردية ثم أعدت كتابتها باللغة العربية بذات المستوى. وقد اعتمدت لهجة منطقة كوباني بنية مصقودة مني في نسخة الكتاب الصادرة بالكردية كي تكون القصة أقرب للواقع ولكي تبدو حقيقية.

 

_  هند : قلت في إحدى جلساتك هنا في المهرجان دوست بأنك لو لم تكتب رواية كوباني لكنت لتفقد عقلك. لما كان كتابة كوباني شيء في غاية الأهمية؟

 

_  جان دوست : كوباني كانت بمثابة جُرح، وأنا كنت المجروح الذي كان في حاجة لأن يصرخ. إن الألم الذي مررت به في تلك الأيام كان يفوق التحمل. أثناء تلك الفترة، الجميع كانوا منشغلي التركيز في أمور كالمقاومة والنساء المقاتلات، وذلك كان واحد فقط من جوانب المعركة ، وقد صبوا اهتمامهم عليه لاعتبارات كثيرة. أما أنا فقد أردت أن أسلّط الضوء على الجان دوستب الآخر، الجان دوستب الذي يعد أكثر أهمية في حالة الحرب ضد داعش؛ المقاومة كانت حتما شيء جيد، ولكن لأحد تحدث عن الثمن الباهض الذي دفعه مجتمعنا لقاء تلك المقاومة. لقد كنت اختنق اثناء الحرب على كوباني؛ كنت أدرك أن مدينتي تتعرض للتدمير وأنهم بذلك كانوا يمحون الذاكرة التي بناها المجتمع الكوباني لقرنٍ من الزمان. بعض الناس كان يُشعرهم بالسعادة لرؤيتهم شوارع كوباني وهي تتعرض للتفجير، وكانوا من داعمي ومؤيدي تلك الكارثة ، بل إنهم ساعدو في ذلك وأيّدوه جدا. وهؤلاء نسوا أن تلك التفجيرات كانت تدمّر أعشاشهم ولن يكن بوسعهم العودة إليها ؛ وكانت النهاية أن بكوا بحرقة حين أدركوا أنهم لا يستطيعون العودة فعلاً وأنهم فقدوا كل شيء. وحين كان لي أن أُبعد هذه المسافات كلها أحسست أنني فقدت كل شيء، بل إنني فقدت حتى أمل العودة إلى مديني الصغيرة ؛ ضاعت وإلى الأبد كل الأماكن التي كانت شاهدةً على ميلادي و مرحلتي طفولتي وشبابي. وكان علي أن أكتب لأعيد بناء ذكرياتي و ذاكرة مدينتي، لو لم أقم بذلك لكنت لأفقد عقلي، وكتابة كوباني بالنسبة لي كان بمثابة علاج لتّخفف من أزمة نفسية كنت أمر بها في تلك الأيام.

 

_  هند : لقد تم تحويل بعض أعمالك إلى أفلام وعروض مسرحية، ماذا برأيك تحتاج الكتب كي تنجح في أشكال أخرى من الفن ، وكيف أفادتك تلك التجربة؟

 

_  جان دوست : كانت تجربة غير معتادة. إذ تم تحويل قصتي القصيرة ” حفنة من تراب ” إلى فيلم قصير، ولكنني لم أرى في الفيلم وجوداً للقصة، شعرت كما لو أنها إستحالت قصة أخرى لا علاقة لها بالقصة الأصلية. اعتقد أنه كان من الواجب الإلتزام بنص الأصلي. وهناك أيضا قصة أخرى لي حُولت إلى عرض مسرحي ، ولكنني لم أشاهد ذلك العرض؛ وقد عرضت في بعض المدن الكردية في تركيا . إن المخرجين يختارون القصة أو الكتاب وفقاً لمعاييرهم أو الكيفية التي يرونها مناسبة لتحويل تلك الكتب إلى أفلام . لقد إِختيرت حفنة من التراب لأنها تناول موضوع الهجرة. وكانت عن رجل هاجر من سوريا إلى ألمانيا. وهناك كان يشعر باغتراب روحي ولم يكن بإمكانه التأقلم مع المحيط الجديد، وفي ذات الوقت نسي بشأن بلده الأم . والقصة تتحدث عن الهجرة المكانية والروحية .الكثير من من يقرؤون قصصي قالوا لي بأنهم يشعرون كأنهم يشاهدون فيلماً ؛ لهذا فإن بعض روايتي تبدو مناسبة كي تُحول إلى أفلام. ولأنني أردت محاولة الكتابة المسرحية، كتبت نصا مسرحيا باللغة الكردية مؤخراً ، و كانت تلك أولى تجاربي في هذا الجنس .

 

_  هند : هل لازلت تكتب الشعر؟ إذا كان الأمر ذلك، بأي لغة تكتب الكردية أم العربية؟

 

_  جان دوست : أجل ، فأنا لا زلت أكتب الشعر. وإن توقفت عن ذلك لمدة طويلة، وجدت نفسي فجأةً أعود إليه. كان المجموعة الشعرية ” قصائد نسيتها حرب في جيب الشاعر ” أو ديوان لي بالعربية ، وقد صدر في عمان عن دار فضاءات . كانت تلك تجربة ناجحة ومن ثم اكتشفت أن الشعر لا يزال قابع بداخلي. لقد نشرت ثلاث مجامع شعرية باللغة الكردية، ولكن جو الحرب اجبرني على الكتابة بالعربية.

 

_  هند : هذه أول مرة تشارك في مهرجان دوست طيران الإمارات للأدب. كيف تقيم التجربة؟

 

_  حان : أنا ممتن للدعوة. لقد فجان دوستي عدد الكتاب المشاركين و الجمهور الحاضر ، لم أكن أتصور أنه سيكون بهذه الضخامة. كانت هناك تفاعلات جيدة بين الكتاب والجمهور ، واعتقد ان هذا المهرجان دوست يجذب الناس من مختلف الثقافات عن طريق الأدب.

 

المصدر