مراجعة كتاب: تعلم اللغات في بدايات عصر انجلترا الحديثة، للكاتب جون غالاغر – الرجل الإنجليزي في الخارج   الكاتب: فار ذهيو انفري ترجمة: ابتسام الذيب

مراجعة كتاب: تعلم اللغات في بدايات عصر انجلترا الحديثة، للكاتب جون غالاغر – الرجل الإنجليزي في الخارج   الكاتب: فار ذهيو انفري ترجمة: ابتسام الذيب


 

دراسة لغوية في الفترة الزمنية التي كانت بها اللغة الإنجليزية ذات مرتبة متدنية بين اللغات، حينما كان منهج المحادثة يهدف إلى إهانة العدو.

لا توجد لغة عالمية تملك هيمنة اليوم كاللغة الإنجليزية، ورغم أنها كانت قبل ٤٠٠ سنة غير ذات أهمية؛ وربما يعود ذلك لعزلة إنجلترا في ركن قصي من قارة أوروبا. فاللغة الإنجليزية لم تكن مثل اللغة الفرنسية ولا اللغة الإيطالية ولا الإسبانية ولا حتى الدنماركية، حيث لا ترتبط اللغة الإنجليزية بمكانه ثقافية. فهي لم تكن مفيدة -بصفتها لغة للتواصل- في الخارج. حيث كان على أي فرد إنجليزي شغوف بالمعرفة أو التجارة والترحال في ديار أوروبا، دراسة لغات أهلها للتواصل.

 فكيف تعايش الإنجليز في أواخر القرن الخامس عشر وحتى القرن الثامن عشر مع هذا الواقع؟ كان هذا الموضوع هو مادة كتاب السيد جون غالاغر الرائع، والذي سعى به لإظهار أن علم تاريخ اللغة لا يقتصر على دراسة تاريخ الكلمات.

ورغم صعوبة إعادة بناء نص محكي من النصوص المكتوبة. لكن السيد غالاغا، بحث بكمٍ هائل من النصوص المطبوعة والمخطوطات أيضا؛ لمحاكاة أصوات الجنود والخدم والأسرى والمتسولون والطلاب وكذلك السائحين والدبلوماسيين. إذ انتقل تدريس اللغات الأجنبية في ذلك العصر إلى خارج المؤسسة التعليمية التقليدية بشكل متزايد، حيث ذاعت شعبية التجربة التعليمية عند الشباب الإنجليز الأغنياء على سبيل المثال، بجانب التعلم في البيت مع معلم ومنهج دراسي رسمي من أكسفورد أو كامبردج- إو صار التعلم في ريال كورت في لندن، مع عدد عظيم من مجتمعات المهاجرين ومدارس اللغة- أو التعلم عند السفر لأروبا القارية.

وحتى بعدما استعملوا المنهج الدراسي (المطبوع/ المقروء) للتدريس. فإن أغلب الناس تعلموا اللغة بالممارسة الجهورية وبصوت عالي للمحادثة وليس من خلال القراءة الصامتة للنصوص، إذ يتطلب التحدث بلغة أجنبية باقتدار، قدرا متساويا من الفهم الثقافي للآخر وفهم الهيكلة السياسية الهرمية بالإضافة إلى قدرٍ مماثل من القواعد النحوية الصحيحة. وهذا يفسر بوضوح لماذا لا يصرف متعلم اللغة، جُلّ تعليمه بأهمية النطق أو مخارج الاحرف فقط؛ إنما بكل ما يتعلق بثقافة الأوربيين الخاصة. فعند الترحيب مثلا. يقول الأوربي: (أُقبل يديك سيدي /كلّي لك/ في خدمتك). وعند توبيخ الخادم، الإسباني: (أيها الأبله، أجهّزت الجاكيت قبل القميص؟) ولإظهار التفوق والتعالي على الفرنسي الأقل قدرا على الأرجح، ستقول: يا فلاح، أخبرنا أي طريق هو الأفضل للذهاب لباريس؟) كل هذا بالإضافة إلى تعليمات خاصة لإهانة العدو لو كان إيطاليا: ببعض الألفاظ المهينة للإيطالي مثل: ) عاطل، وغد، عديم النفع، كذاب)[1]

ومن ثم كان هناك نزعة إلى اِجتناب المحادثات الدنيئة والمبتذلة، وهوس بالترحال إلى منابع اللغات المحكية. إذ صنفت أفضل لغة فرنسية محكية في لورا فالي. كما صنفت أفضل ألمانية في ليز براغ وأفضل إيطالية محكية في روما وتحديدا في تسكوني.

وبالإضافة إلى ما سبق، فقد ظل تعلم اللغات ذا أهمية متزايدة، بصفته إنجاز اِجتماعي للنساء. حيث أُنشئ عدد من المدارس الداخلية للبنات، بنهاية القرن السابع، لتدريس اللغات الأجنبية وأساسيات المحادثة، جنبا إلى جنب مع: الخياطة، والموسيقى، والسلوك، وآداب المائدة، والرقص، والكتابة، والمحاسبة، والخبز-في بعض الأحيان- حيث كان الخبز يُدرس كمنهج باللغة الفرنسية. ورغم ذلك إلا أن محادثات النساء بقيت أقل شأنا. فالنساء غالبا في منهج المحادثات أما صامتات أو تابعات أقل قدرا ومهمشات.

وورد في تمهيد الإسبانية في عام ١٥٩١ عبارات تدل على هذا الانتقاص من قدر النساء. وعلى سبيل المثال عبارة: “هي سيدة محترمة، عاقلة لكن لها أرداف عظيمة”. كما يُذكر أن الحوار المفضل لتدريب الطلاب على المحادثة كان، محادثة بين مسافرين في نزل وعاملة تنظيف تحاول إغواء أحدهما.

تشديد غالاغا، على الديناميكية الاجتماعية للغة مفهوم ولا يقاوم، لكنه تجاوز اللغة اللاتينية كلغة للمحادثات واقتصر على إشارات محدودة ومحيرة عن انتشار و تعلم اللغات الغير أوروبية.

وكان يطمح من خلال كتابه إلى نشر الوعي بمساهمة تاريخ إنجلترا وأوروبا والإمبراطورية في تعدد اللغات. وقد ذهب لأكثر من ذلك بإثبات أن الإنجليزية نفسها لم تكن موحدة في تلك الفترة. وأن سكان بريطانيا الأصليين لم يكونوا يتحدثوا لغة وحدة.

فمجتمع وحكومات القرون الوسطى-بكافة طبقاته/وحتى أسمى طبقاته-كانوا غالبا يتحدثون ثلاث لغات: (الفرنسية، والإنجليزية، واللاتينية)، وكذلك ظل الناس إلى ما بعد القرن السابع عشر، وفي مختلف أجزاء إنجلترا (بغض النظر عن بريطانيا) يتحدثون بعدة لهجات مختلفة.

وبالرغم من أن غالاغا، قدم لمحات عن حياة المهاجرين اللذين يجيدون اللغة الإنجليزية، إلا أن موجات مستمرة من اللاجئين الهاربين -متحدثي الفرنسية والألمانية- ظلت تتدافع طوال القرون الثلاث المذكورة إلى إنجلترا، بالإضافة إلى الكثير من الأوربيين الذين جاءوها طوعا.

‏كان منهج المحادثة يهدف إلى جعل المتعلمين يحرزون عدة أهداف منها: الحصول على لغة جديدة ودائمة. وقد أكدت الدورة المكثفة بهذا المنهج على العمل الجاد والأمانة والمثابرة والإخلاص والامتنان، واهمية استيعاب الذوق الإنجليزي بالأكل والشرب. على سبيل المثال: (ما هذا الطبق سيدتي؟ / هذا بودنق إنجليزي/ صحيح أنه ليس مزعج. لكن أظنه سيكون ثقيلا على المعدة)

لوكان لهذا المنهج التعليمي بطل خيالي فسيكون، جون فلورا (١٥٥٣-١٦٢٥) حتما البطل. وفلورا هو ابن لاجئ إيطالي من زوجة إنجليزية، ولد في لندن وتربى في سويترزلاند وألمانيا ومن ثم عاد بعدها إلى إنجلترا وهو شاب صغير، ويعتبر بدوره أفضل مترجم لمقالات ميشل دي مونتين (Montagine) كان متأثرا بالكاتب الإنجليزي شكسبير.

وكان فلورا صديقا مع بردنت بولموث وحوردن برنو، وكذلك جاسوسا للملكة إليزابيث ومدرس لغة للطبقة الملكية. ورائدا في النحو إذ وضع المعجم القاموس. وكان جادا في عمله واسع وعالمي الفكر [cosmopolitan]، وذو نقد لاذع، يتحدث مع كل عدو بلسان قومة. إذ كان يعتبر آنه لمن ” العاراً” آن لا يتمكن المرء من التواصل مع العالم من حوله لعدم قدرته على التواصل بغير لغته. وقد كتب عام 1578 واصفاً حال الإنجليزي المثقف الغير قادر على التحدث بغير لغته “يلها من خسارة” وكان محقاً بوصفه.

المصدر


[1] “poltrone, forfante, cattivo, buggiardo” وردت هكذا في النص الأصلي

error: